سورة
اية:

وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا، حتى أخضلوا لحاهم. وهذا القول فيه نظر، لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة، وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا. ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. وقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين، وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم فلما رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا، واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة سواء كانوا من الحبشة أو غيرها. فقوله تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} ما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد وجحود، ومباهتة للحق، وغمط للناس، وتنقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيراً من الأنبياء، حتى هموا بقتل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم غير مرة وسمّوه وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة. قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (ما خلا يهودي بمسلم قط إلا هم بقتله) ""رواه الحافظ ابن مردويه"" وقوله تعالى: { ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} أي الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والأرفة، كما قال تعالى: { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية} ، وفي كتابهم: من ضربك على خدك الإيمن فأدر له خدك الأيسر، وليس القتال مشروعاً في ملتهم، ولهذا قال تعالى: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} أي يوجد فيهم القسيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضاً، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب وهو العابد، مشتق من الرهبة وهي الخوف كراكب وركبان وفارس وفرسان. قال ابن جرير: وقد يكون الرهبان واحداً وجملة، رهابين، مثل قربان وقرابين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحداً قول الشاعر: لو عاينت رهبان دير في القلل ** لانحدر الرهبان يمشي ونزل وقال ابن أبي حاتم عن جاثمة بن رئاب قال: سمعت سلمان، وسئل عن قوله: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً} فقال: هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب، فدعوهم فيها، قال سلمان: وقرأت على النبي صلى الله عليه وسلم : { ذلك بأن منهم قسيسين} ، فأقرأني: (ذلك بأن منهم صدّيقين ورهباناً) فقوله: { ذلك بأن منهم قسيسين وهباناً وأنهم لا يستكبرون} ، تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} أي مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، { يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} أي مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به، وقد روى النسائي عن عبد اللّه بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه قال السهيلي: هم وفد نجران، وكانوا نصارى، فلما سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم بكوا مما عرفوا من الحق، وآمنوا، وكانوا عشرين رجلاً، وكان قدومهم عليه بمكة، وأما الذين قدموا عليه بالمدينة من النصارى من عند النجاشي فهم آخرون، وفيهم نزل صدر سورة آل عمران، منهم حارثة بن علقمة، وأخوه كرز وأسلم، ولم يسلم حارثة، ومنهم العاقب بن عبد المسيح، وفيهم نزلت: { فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} . : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} . عن ابن عباس في قوله: { فاكتبنا مع الشاهدين} أي مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، هم الشاهدون يشهدون لنبيهم صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغ وللرسل أنهم قد بلغوا، وكانوا كرّابين يعني فلاحين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عليهم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم. قال تعالى: { وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} ، هذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: { وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين للّه} الآية، وهم الذين قال اللّه فيهم: { وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} ، ولهذا قال تعالى ههنا: { فأثابهم اللّه بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار} أي فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق، { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} أي ماكثين فيها أبداً لا يحولون ولا يزولون، { وذلك جزاء المحسنين} أي في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان، ثم أخبر عن حال الإشقياء فقال: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} أي جحدوا بها وخالفوها، { أولئك أصحاب الجحيم} أي هم أهلها والداخلون فيها.

تفسير الجلالين

قال تعالى : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } من القرآن { ترى أعينهم تفيض من الدمع ممَّا عرفوا من الحق يقولون ربَّنا آمنا } صدقنا بنبيك وكتابك { فاكتبنا مع الشاهدين } المقرين بتصديقهما .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا سَمِعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى الَّذِينَ وَصَفْت لَك يَا مُحَمَّد صِفَتهمْ أَنَّك تَجِدهُمْ أَقْرَب النَّاس مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا , مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ الْكِتَاب يُتْلَى , { تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع } وَفَيْض الْعَيْن مِنْ الدَّمْع : اِمْتِلَاؤُهَا مِنْهُ ثُمَّ سَيَلَانه مِنْهَا كَفَيْضِ النَّهْر مِنْ الْمَاء , وَفَيْض الْإِنَاء , وَذَلِكَ سَيَلَانه عَنْ شِدَّة اِمْتِلَائِهِ ; وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى : فَفَاضَتْ دُمُوعِي فَطَلُّ الشَّئُو نِ إِمَّا وَكِيفًا وَإِمَّا اِنْحِدَارَا وَقَوْله : { مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ } يَقُول : فَيْض دُمُوعهمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّ الَّذِي يُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَاب اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى رَسُول اللَّه حَقّ . كَمَا : 9619 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن نَصْر الْهَمْدَانِيّ , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الرَّحْمَن السُّدِّيّ , قَالَ : بَعَثَ النَّجَاشِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا يَسْأَلُونَهُ وَيَأْتُونَهُ بِخَبَرِهِ , فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآن فَبَكَوْا . وَكَانَ مِنْهُمْ سَبْعَة رُهْبَان وَخَمْسَة قِسِّيسُونَ , أَوْ خَمْسَة رُهْبَان وَسَبْعَة قِسِّيسُونَ , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ : { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع } إِلَى آخِر الْآيَة . 9620 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا عُمَر بْن عَلِيّ بْن مُقَدِّم , قَالَ : سَمِعْت هِشَام بْن عُرْوَة يُحَدِّث عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيّ وَأَصْحَابه : { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع } . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا عَبْدَة بْن سُلَيْم , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله : { تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ } قَالَ : ذَلِكَ فِي النَّجَاشِيّ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ فِي النَّجَاشِيّ : { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع } 9621 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : قَالَ اِبْن إِسْحَاق , سَأَلْت الزُّهْرِيّ عَنْ الْآيَات : { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع } الْآيَة . وَقَوْله { وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } قَالَ : مَا زِلْت أَسْمَع عُلَمَاءَنَا يَقُولُونَ : نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيّ وَأَصْحَابه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا سَمِعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى الَّذِينَ وَصَفْت لَك يَا مُحَمَّد صِفَتهمْ أَنَّك تَجِدهُمْ أَقْرَب النَّاس مَوَدَّة لِلَّذِينَ آمَنُوا , مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ الْكِتَاب يُتْلَى , { تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع } وَفَيْض الْعَيْن مِنْ الدَّمْع : اِمْتِلَاؤُهَا مِنْهُ ثُمَّ سَيَلَانه مِنْهَا كَفَيْضِ النَّهْر مِنْ الْمَاء , وَفَيْض الْإِنَاء , وَذَلِكَ سَيَلَانه عَنْ شِدَّة اِمْتِلَائِهِ ; وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى : فَفَاضَتْ دُمُوعِي فَطَلُّ الشَّئُو نِ إِمَّا وَكِيفًا وَإِمَّا اِنْحِدَارَا وَقَوْله : { مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ } يَقُول : فَيْض دُمُوعهمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّ الَّذِي يُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَاب اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى رَسُول اللَّه حَقّ . كَمَا : 9619 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن نَصْر الْهَمْدَانِيّ , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الرَّحْمَن السُّدِّيّ , قَالَ : بَعَثَ النَّجَاشِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا يَسْأَلُونَهُ وَيَأْتُونَهُ بِخَبَرِهِ , فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآن فَبَكَوْا . وَكَانَ مِنْهُمْ سَبْعَة رُهْبَان وَخَمْسَة قِسِّيسُونَ , أَوْ خَمْسَة رُهْبَان وَسَبْعَة قِسِّيسُونَ , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ : { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع } إِلَى آخِر الْآيَة . 9620 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا عُمَر بْن عَلِيّ بْن مُقَدِّم , قَالَ : سَمِعْت هِشَام بْن عُرْوَة يُحَدِّث عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيّ وَأَصْحَابه : { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع } . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا عَبْدَة بْن سُلَيْم , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله : { تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ } قَالَ : ذَلِكَ فِي النَّجَاشِيّ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة أُنْزِلَتْ فِي النَّجَاشِيّ : { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع } 9621 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : قَالَ اِبْن إِسْحَاق , سَأَلْت الزُّهْرِيّ عَنْ الْآيَات : { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع } الْآيَة . وَقَوْله { وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } قَالَ : مَا زِلْت أَسْمَع عُلَمَاءَنَا يَقُولُونَ : نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيّ وَأَصْحَابه . ' وَأَمَّا قَوْله : { يَقُولُونَ } فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بِلَفْظِ اِسْم كَانَ نَصْبًا عَلَى الْحَال ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ , قَائِلِينَ رَبّنَا آمَنَّا . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْره : { يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنَّا } أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : يَا رَبّنَا صَدَّقْنَا لَمَّا سَمِعْنَا مَا أَنْزَلْته إِلَى نَبِيّك مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كِتَابك , وَأَقْرَرْنَا بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدك وَأَنَّهُ الْحَقّ لَا شَكّ فِيهِ .وَأَمَّا قَوْله : { يَقُولُونَ } فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بِلَفْظِ اِسْم كَانَ نَصْبًا عَلَى الْحَال ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ , قَائِلِينَ رَبّنَا آمَنَّا . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْره : { يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنَّا } أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : يَا رَبّنَا صَدَّقْنَا لَمَّا سَمِعْنَا مَا أَنْزَلْته إِلَى نَبِيّك مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كِتَابك , وَأَقْرَرْنَا بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدك وَأَنَّهُ الْحَقّ لَا شَكّ فِيهِ .' وَأَمَّا قَوْله : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره فِي تَأْوِيله , مَا : 9622 - حَدَّثَنَا بِهِ هَنَّاد قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي وَابْن نُمَيْر جَمِيعًا , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } قَالَ : أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9623 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } مَعَ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } يَعْنُونَ بِالشَّاهِدِينَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } قَالَ مُحَمَّد وَأُمَّته , أَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ . وَشَهِدُوا أَنَّ الرُّسُل قَدْ بَلَّغَتْ . * - حَدَّثَنَا الرَّبِيع : قَالَ : ثنا أَسَد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , قَالَ : ثني إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , مِثْل حَدِيث الْحَارِث بْن عَبْد الْعَزِيز , غَيْر أَنَّهُ قَالَ : وَشَهِدُوا لِلرُّسُلِ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا . فَكَأَنَّ مُتَنَاوِل هَذَا التَّأْوِيل قَصَدَ بِتَأْوِيلِهِ هَذَا إِلَى مَعْنَى قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس وَيَكُون الرَّسُول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } فَذَهَبَ اِبْن عَبَّاس إِلَى الشَّاهِدِينَ هُمْ الشُّهَدَاء فِي قَوْله : { لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس } وَهُمْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيل ذَلِكَ , كَانَ مَعْنَى الْكَلَام : يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأَنْبِيَائِك يَوْم الْقِيَامَة أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا أُمَمهمْ رِسَالَاتك . وَلَوْ قَالَ قَائِل : مَعْنَى ذَلِكَ : فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ مَا أَنْزَلْته إِلَى رَسُولك مِنْ الْكُتُب حَقّ , كَانَ صَوَابًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ خَاتِمَة قَوْله : { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } وَذَلِكَ صِفَة مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ بِإِيمَانِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا مِنْ كِتَاب اللَّه , فَتَكُون مَسْأَلَتهمْ أَيْضًا اللَّه أَنْ يَجْعَلهُمْ مِمَّنْ صَحَّتْ عِنْده شَهَادَتهمْ بِذَلِكَ , وَيُلْحِقهُمْ فِي الثَّوَاب وَالْجَزَاء مَنَازِلهمْ . وَمَعْنَى الْكِتَاب فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْجَعْل , يَقُول : فَاجْعَلْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ , وَأَثْبِتْنَا مَعَهُمْ فِي عِدَادهمْ .وَأَمَّا قَوْله : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره فِي تَأْوِيله , مَا : 9622 - حَدَّثَنَا بِهِ هَنَّاد قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي وَابْن نُمَيْر جَمِيعًا , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } قَالَ : أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9623 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } مَعَ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } يَعْنُونَ بِالشَّاهِدِينَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } قَالَ مُحَمَّد وَأُمَّته , أَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ . وَشَهِدُوا أَنَّ الرُّسُل قَدْ بَلَّغَتْ . * - حَدَّثَنَا الرَّبِيع : قَالَ : ثنا أَسَد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , قَالَ : ثني إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , مِثْل حَدِيث الْحَارِث بْن عَبْد الْعَزِيز , غَيْر أَنَّهُ قَالَ : وَشَهِدُوا لِلرُّسُلِ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا . فَكَأَنَّ مُتَنَاوِل هَذَا التَّأْوِيل قَصَدَ بِتَأْوِيلِهِ هَذَا إِلَى مَعْنَى قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس وَيَكُون الرَّسُول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } فَذَهَبَ اِبْن عَبَّاس إِلَى الشَّاهِدِينَ هُمْ الشُّهَدَاء فِي قَوْله : { لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس } وَهُمْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيل ذَلِكَ , كَانَ مَعْنَى الْكَلَام : يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأَنْبِيَائِك يَوْم الْقِيَامَة أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا أُمَمهمْ رِسَالَاتك . وَلَوْ قَالَ قَائِل : مَعْنَى ذَلِكَ : فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ مَا أَنْزَلْته إِلَى رَسُولك مِنْ الْكُتُب حَقّ , كَانَ صَوَابًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ خَاتِمَة قَوْله : { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } وَذَلِكَ صِفَة مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ بِإِيمَانِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا مِنْ كِتَاب اللَّه , فَتَكُون مَسْأَلَتهمْ أَيْضًا اللَّه أَنْ يَجْعَلهُمْ مِمَّنْ صَحَّتْ عِنْده شَهَادَتهمْ بِذَلِكَ , وَيُلْحِقهُمْ فِي الثَّوَاب وَالْجَزَاء مَنَازِلهمْ . وَمَعْنَى الْكِتَاب فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْجَعْل , يَقُول : فَاجْعَلْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ , وَأَثْبِتْنَا مَعَهُمْ فِي عِدَادهمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع} أي بالدمع وهو في موضع الحال؛ وكذا { يقولون} . وقال امرؤ القيس : ففاضت دموع العين مني صبابة ** على النحر حتى بل دمعي محملي وخبر مستفيض إذا كثر وانتشر كفيض الماء عن الكثرة. وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون، ويسألون ولا يصيحون، ويتحازنون ولا يتموتون؛ كما قال تعالى { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر : 23] وقال { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} . وفي الأنفال يأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى. وبين الله سبحانه في هذه الآيات أن أشد الكفار تمردا وعتوا وعداوة للمسلمين اليهود، ويضاهيهم المشركون، وبين أن أقربهم مودة النصارى. والله أعلم. قوله تعالى { فاكتبنا مع الشاهدين} أي مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحق من قوله عز وجل { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة : 143] عن ابن عباس وابن جريج. وقال الحسن : الذين يشهدون بالإيمان. وقال أبو علي : الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك. ومعنى { فاكتبنا} اجعلنا، فيكون بمنزلة ما قد كتب ودون.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 82 - 83


سورة المائدة الايات 83 - 87

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه دقة الأداء القرآني الذي جاء من قبل أن يجهد المفكرون أنفسهم في دراسة ظواهر وأحوال النفس البشرية في مجال علم النفس بالبحث والاستقراء والتجارب، وأثر ذلك في وظائف الأعضاء. لقد قال العلم: إن لكل آلة وظيفة، فالعين ترى، والأذن تسمع، واللسان يتذوق ويتكلم، والأنف يشم، واليد تلمس، وقال العلماء في البداية: إن هذه هي الحواس الخمس الظاهرة، وكلمة " الظاهرة " هذه إنما جاءت للاحتياط؛ لأن هناك أموراً يشعر بها الإنسان ولكن لا يدرك كيفية ولا مصدر شعوره بها مثل الجوع أو العطش، أو في أثناء المقارنة بين شيئين أيهما أكثر ثقلاً.

لقد حاول العلماء إدراك كيفية تمييز الإنسان بين ثقل وثقل آخر، فقالوا: إن هناك حاسة اسمها حاسة العضل، فعندما يحمل الإنسان شيئاً ما فإنه يجهد العضلات لدرجة تمكنه من التمييز بين درجات الجهد. وعرفوا أيضاً أن هناك حاسة اسمها حاسة البين، وهي الحاسة التي يميز بها الإنسان درجة نعومة أو سمك أي نوع من القماش حتى ولو كان السمك يبلغ الواحد من العشرة من المللميتر.

إذن فهناك حواس كثيرة يمكن للإنسان الإدراك بها، وهناك حواس تترك بعضاً من الأثر في النفس البشرية كآثار الحب والميل أو البغض والنفرة، ومقرها الوجدان. كإدراك حلاوة طعم شيء أو كراهة شيء آخر، فإذا استطاب الإنسان شيئاً أخذ منه مرة ثانية، وهذا العمل هو نزوع يتبع الوجدان الذي يتبع الإدراك.

إذن فهناك إدراك يدرك. وهناك وجدان يجد، وهناك نزوع ينزع. مثال ذلك إدراك وردة جميلة المنظر واللون في بستان هذا الإدراك قد يصيب من القلب عشقاً وحباً؛ أي وجداناً، وأنت حر في أن تدرك ما شئت، وأن تجد ما شئت، لكن ليس لك أن تمد يدك لتقطف الوردة؛ لأن الشرع يحرم ذلك. وحارس البستان أيضاً يمنعك من ذلك. هذا على الرغم من أن أحداً لا يمنعك من أن تنظر إلى الوردة وتستمتع بجمالها. فالإدراك - إذن - مباح، والوجدان أمر مباح.

أما النزوع فهذا هو الأمر الذي تتدخل فيه الشريعة، ولنا أن نكرر أن الإدراك مباح والوجدان مباح إلا في إدراك جمال الأنوثة، فالشرع يتدخل من البداية. فأنت قد تدرك جمال المرأة فتجد في نفسك حباً وميلاً، فإذا نوعت فكيف يمكنك أن تضبط نفسك؟ فأنت بعد الإدراك والوجدان إما أن تنزع وإما أن تكبت. وإن نزعت انتهكت أعراض الناس، وإن كبت، أصابك القهر والألم؛ لذلك يتدخل الشرع في هذه المسألة من بدايتها فيمنعك تحريماً من أن تدرك، وذلك بأمر واضح وهو غض البصر؛ لأن المسألة الجنسية من الصعب أن تفصلها عن بعضها، فالإدراك يمكن فصله عن الوجدان، والنزوع يمكن فصله عن الوجدان والإدراك في أمر الوردة.أما في المسألة الجنسية فهي سعار.. إما أن يقابله الإنسان بأن يعف وإما أن يلغ. فإن عف الإنسان فهو يكبت ويتوتر، وإن ولغ الإنسان في أعراض الناس فهذا أمر يسبب هتك أعراض الناس. ولذلك يمنع الشرع من البداية مسألة الإدراك.

وقد جاءت هذه الآية الكريمة قبل أن يأتي علماء لنفس ليفسروا أمور الإدراك والوجدان والنزوع، فها هوذا الحق يقول: { وَإِذَا سَمِعُواْ } وهذا إدراك بحاسة الأذن. وما المسموع، يجيب القرآن: { مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ }. وهذا هو سبب الوجدان الذي يأتي في قوله: { تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ }. فكيف يكون نزوعهم بعد هذا الوجدان؟ إنهم: { يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ } ، وهذه هي العملية النزوعية. والقرآن الذي نزل من أربعة عشر قرناً، جاء بترتيب الإدراك والوجدان والنزوع قبل أن يأتي به العلم. فساعة سمعوا بالأذن، حدث شيء في الوجدان، والتغير الذي في الوجدان له علامات ظهرت في عيونهم التّي فاضت بالدمع.

وهنا نميز بين أمرين: الأول هو اغروراق العين بالدمع، أي أن تمتلئ العين بالدمع لكن لم تصل درجة التأثر إلى أن تسقط الدموع من العين، ويقال: " اغرورقت عين فلان " أي امتلأت عينه بالدموع ولكنها لم تسقط. والثاني وهو فيض الدموع من العين، والفيض لا يكون إلا نتيجة امتلاء الظرف بالمظروف، فكأن الدمع قد ملأها امتلاء، تماماً مثلما نملأ إناء أو كوباً إلى النهاية فيزيد ويفيض.

إذن كان سبب كل ذلك أنهم عرفوا أن القرآن من الحق. ونلحظ أن: " مِنْ " تتكرر في الأداء هنا. { وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ }. فـ " من " تسبق من الدمع. و " من " مدغومة في " ما " فصاروا معاً " مما و " مِن " تسبق الحق.

{ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ } فـ " مِن " هنا هي: " مِن " الابتدائية. و " مما عرفوا " هنا " مِن " السببية أي بسبب أنهم عرفوا أن هذا القرآن منزل من الحق سبحانه. و " من الحق " للتبعيض، أي عرفوا بعضاً من الحق؛ لأنهم لم يسمعوا كل القرآن.

إذن جاءت " مِنْ " ثلاث مرات، وكل مرة لها مجال لتؤدي إلى المجموع البياني الذي يصف المظاهر الثلاثة للإدراك والوجدان والنزوع. وهذه المراتب هي مظاهر الشعور التي انتهى إليها العالم التجريبي حين أراد أن يتعرف إلى وظائف الأعضاء ومدى تغلغلها إدراكاً ووجداناً ونزوعاً.

والنزوع هو الذي يهمنا هنا، لقد قالوا: { فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ } والإيمان امر يعود إليهم. أما الكتابة مع الشاهدين فهي أمر يعود على الآخرين، فكأن المؤمن ينال حظاً عالياً، إنه يؤمن لذاته، ثم من بعد ذلك يكون وعاءً ولساناً يبلغ منهج الإيمان إلى غيره لأنه لا يكون شاهداً إلا إذا كانت شهادته امتداداً لشهادة الرسول وهذا مصداق لقوله سبحانه وتعالى:
{  كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }
[آل عمران: 110].

أي إنكم يا أمة محمد أفضل أمة أخرجت للناس لا حسباً ولا نسباً ولكن اتباعاً لمنهج، ومن يتبع المنهج بـ " افعل " و " لا تفعل " فهو الذي يطبق عملية الإيمان بالله. ومن أهل الكتاب من يؤمن بالله فيصير مسلماً، ولكن الكثير منهم يخرج عن حدود الإيمان. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق:
{  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }
[البقرة: 143].

إذن فالأمة التي تتبع منهج الإسلام - وهو منهج الاعتدال - هي الأمة المهتدية التي تسير إلى العمل الصالح الصحيح وتعمل به وتطبقه؛ لأنه المنهج الذي ينسخ ما قبله ويصححه، والرسول صلى الله عليه وسلم هو المهيمن على كل من سبقه من الرسل، وحياته وما جاء فيها من سلوك هو سنة إيمانية تهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم. وجاءت في هذه الآية مسألة تحويل القبلة لتعلم المسلمين أن الأمر الأول بالاتجاه إلى بيت المقدس كان اختباراً ينجح فيه من يذعن لصاحب كل أمر وهو الله، وكان ذلك من الأمور الشاقة إلا على من وفقه الله إلى الهداية، ثم جاء من بعد ذلك الأمر بتحويل القبلة إلى الكعبة وهي أول بيت وضعه الله للناس.

إذن فمادمنا شهداء، وما دام الرسول شهيداً علينا، فالرسول إنما يشهد أننا بلغنا وننال منزلتين: منزلة تلقى البلاغ عن الرسول، ومنزلة الإبلاغ من بعد ذلك إلى غيرنا من الناس. والمؤمن لا يكون شهيداً إلا إذا كانت شهادته امتداداً لشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم. هذه الشهادة التي جاء بها الحق في وصف أمة المؤمنين:
{  كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }
[آل عمران: 110].

فأنتم يا أمة محمد أفضل أمة أخرجها الله للناس بشرط أن تتبعوا المنهج بـ " افعل " و " لا تفعل ". تأمرون بالطاعات وتنهون عن كل ما نهى عنه الدين، وبذلك تكونون قد طبقتم المنهج الدال على صدق إيمانكم بالله إيماناً صحيحاً صادقاً. ولو صدق أهل الكتاب مثلكم في إيمانكم، لكان خيراً لهم مما هم عليه.لكنّ بعضاً منهم يدير أمر الإيمان في قلبه، والكثير منهم يخرج ويفسق عن مقتضى الإيمان.

إذن فهم عندما قالوا: { آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ } ، فذلك إقرار بأن الإيمان كان إيمان ذات وإيمان بلاغ إلى الغير. وهم بذلك قد دخلوا الإسلام وصاروا من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وها هوذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ".

وها هوذا الحق يحدد لنا قيمة الكلمة الطيبة المبلغة عن الله:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }
[إبراهيم: 24-25].

إن الكلمة الطيبة هي شجرة لها من الثمار ما ينفع الناس وتظل بظلها الحنون سامعها، ولها أصل ضارب الجذور في الأرض. ولها فروع تعلو إلى اتجاه السماء. وتعطي الثمار في كل زمن بإرادة خالقها. وهذا المعنى المحسوس مادياً يضربه الله كمثل للناس حتى يعرفوا قيمة المعاني السامية. إذن سيظل صاحب قوله الحق في بلاغ منهج الإيمان إلى الناس يقطف ثمار هذه الكلمة ما بقي إنسان مؤمن إلى أن نلقى الله.

{ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ } والشاهد هو المبلغ. وعندما يطلب مؤمن من الله أن يكتبه مع الشاهدين فهو يطلب لنفسه المكانة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فالشهيد ليس هو من قتل فقط، إنما الشهيد هو من يعطي شهادته. والشهيد في معركة إيمانية تفقه حياته هو إنسان أعطى شهادة على أن ما ذهب إليه إثمن من حياته كلها. وهو في ذلك يعطي شهادة علمية. ومن بعد ذلك يقول الحق: { وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ} الآيات إلى قوله: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ} . [82-86].
نزلت في النجاشي وأصحابه.
قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، يخاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب، وابن مسعود، في رهط من أصحابه إلى النجاشي، وقال: "إنه ملك صالح، لا يَظلم ولا يُظلم عنده أحدٌ، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً". فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم: تعرفون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرأوا. فقرأوا وحوله القِسِّيسُون والرّهبان، فكلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، قال الله تعالى: { ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ...} الآية.
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن حمدون بن الفضل، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن الحسن، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو صالح كاتب الليث، قال: حدَّثني الليث، قال: حدَّثني يونس [عن] ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وعُرْوَة بن الزبير وغيرهما، قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمْرَو بن أُميَّة الضَّمْري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، فأرسل إلى الرهبان والقِسِّيسِينَ فجمعهم، ثم أمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ سورة "مريم" عليها السلام، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم: { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} إلى قوله: { فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} .
وقال آخرون: قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه، ومعهم سبعون رجلاً، بعثهم النجاشي وفداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم: بحيرا الراهب وأَبْرَهَة، وإدريس، وأشرف، وتمام، وقتيم، ودريد وأيمن. فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "يس" إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن، وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات.
أخبرنا أحمد بن محمد العدل، حدَّثنا زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا أبو القاسم البغوي، قال: حدَّثنا علي بن الجَعْد، قال: حدَّثنا شريك بن سالم، عن سعيد بن جُبَيْر في قوله تعالى: { ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} قال: بعث النَّجَاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خيار أصحابه ثلاثين رجلاً، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "يس" فبكوا، فنزلت هذه الآية.


www.alro7.net