سورة
اية:

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى إخباراً عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسّهم النار إلا أياماً معدودة، ثم ينجون منها، فردَّ اللّه عليهم ذلك بقوله تعالى: { قل أتخذتم عند اللّه عهداً} أي بذلك، فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى بأم التي بمعنى بل أي بل تقولون على اللّه ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه. قال مجاهد عن ابن عباس: إن اليهود كانوا يقولون: إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذّب بكل ألف سنةٍ يوماً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة، فأنزل اللّه تعالى: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} إلى قوله: { خالدون} وقال العوفي عن ابن عباس: قالوا لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة وهي مدة عبادتهم العجل، وقال قتادة: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} يعني الأيام التي عبدنا فيها العجل، وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها قوم آخرون، يعنون محمداً صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه، فقال: رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده على رءوسهم: ""بل أنتم خالدون ومخلدون لا يخلفكم فيها أحد""، فأنزل اللّه عز وجلّ: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} الآية. عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شاة فيها سمُّ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ""اجمعو لي من كان من اليهود هنا""فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من أبوكم؟) قالوا: فُلان، قال: (كذبتم بل أبوكم فلان) فقالوا: صدقت وبررت، ثم قال لهم: (هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟) قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من أهل النار؟) فقالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اخسئوا واللّه لا نخلفكم فيها أبداً) ثم قال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟)، قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: (هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟) فقالوا: نعم، قال: (فما حملكم على ذلك؟)، فقالوا: أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك ""رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي وابن مردويه واللفظ له عن أبي هريرة رضي اللّه عنه"".

تفسير الجلالين

{ وقالوا } لما وعدهم النبيُّ النار { لن تمسَّنا } تصيبنا { النار إلا أياماً معدودة } قليلة أربعين يوماً مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول { قل } لهم يا محمد { أتخذتم } حذفت منه همزة الوصل استغناءً بهمزة الاستفهام { عند الله عهداً } ميثاقاً منه بذلك { فلن يُخلف الله عهده } به؟ لا { أم } بل { تقولون على الله ما لا تعلمون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَقَالُوا } الْيَهُود , يَقُول : وَقَالَتْ الْيَهُود : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار } ; يَعْنِي لَنْ تُلَاقِي أَجْسَامنَا النَّار , وَلَنْ نَدْخُلهَا إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة . وَإِنَّمَا قِيلَ مَعْدُودَة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَيِّنًا عَدَدهَا فِي التَّنْزِيل ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ وَهُمْ عَارِفُونَ عَدَد الْأَيَّام الَّتِي يُوَقِّتُونَهَا لِمُكْثِهِمْ فِي النَّار , فَلِذَلِكَ تَرَكَ ذِكْر تَسْمِيَة عَدَد تِلْكَ الْأَيَّام وَسَمَّاهَا مَعْدُودَة لِمَا وَصَفْنَا . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَبْلَغ الْأَيَّام الْمَعْدُودَة الَّتِي عَيَّنَهَا الْيَهُود الْقَائِلُونَ مَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 1155 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } قَالَ ذَلِكَ أَعْدَاء اللَّه الْيَهُود , قَالُوا : لَنْ يُدْخِلنَا اللَّه النَّار إلَّا تَحِلَّة الْقَسَم الْأَيَّام الَّتِي أَصَبْنَا فِيهَا الْعِجْل أَرْبَعِينَ يَوْمًا , فَإِذَا انْقَضَتْ عَنَّا تِلْكَ الْأَيَّام , انْقَطَعَ عَنَّا الْعَذَاب وَالْقَسْم . 1156 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } قَالُوا : أَيَّامًا مَعْدُودَة بِمَا أَصَبْنَا فِي الْعِجْل . 1157 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : إنَّ اللَّه يُدْخِلنَا النَّار فَنَمْكُث فِيهَا أَرْبَعِينَ لَيْلَة , حَتَّى إذَا أَكَلَتْ النَّار خَطَايَانَا وَاسْتَنْقَتْنَا , نَادَى مُنَادٍ : أَخْرِجُوا كُلّ مَخْتُون مِنْ وَلَد بَنِي إسْرَائِيل , فَلِذَلِكَ أُمِرْنَا أَنْ نَخْتَتِن . قَالُوا : فَلَا يَدَعُونَ مِنَّا فِي النَّار أَحَدًا إلَّا أَخَرَجُوهُ . 1158 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : إنَّ رَبّنَا عَتَبَ عَلَيْنَا فِي أَمْرنَا , فَأَقْسَمَ لَيُعَذِّبنَا أَرْبَعِينَ لَيْلَة , ثُمَّ يُخْرِجنَا . فَأَكْذَبَهُمْ اللَّه . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : لَنْ نَدْخُل النَّار إلَّا تَحِلَّة الْقَسَم , عَدَد الْأَيَّام الَّتِي عَبْدنَا فِيهَا الْعِجْل . 1159 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } الْآيَة . قَالَ ابْن عَبَّاس : ذُكِرَ أَنَّ الْيَهُود وَجَدُوا فِي التَّوْرَاة مَكْتُوبًا : " إنَّ مَا بَيْن طَرَفَيْ جَهَنَّم مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة إلَى أَنْ يَنْتَهُوا إلَى شَجَرَة الزَّقُّوم نَابِتَة فِي أَصْل الْجَحِيم " . وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : إنَّ الْجَحِيم سَقَر , وَفِيهِ شَجَرَة الزَّقُّوم , فَزَعَمَ أَعْدَاء اللَّه أَنَّهُ إذَا خَلَا الْعَدَد الَّذِي وَجَدُوا فِي كِتَابهمْ أَيَّامًا مَعْدُودَة . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ الْمَسِير الَّذِي يَنْتَهِي إلَى أَصْل الْجَحِيم , فَقَالُوا : إذَا خَلَا الْعَدَد انْتَهَى الْأَجَل فَلَا عَذَاب وَتَذْهَب جَهَنَّم وَتَهْلَك ; فَذَلِكَ قَوْله : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْأَجَل . فَقَالَ ابْن عَبَّاس : لَمَّا اقْتَحَمُوا مِنْ بَاب جَهَنَّم سَارُوا فِي الْعَذَاب , حَتَّى انْتَهَوْا إلَى شَجَرَة الزَّقُّوم آخَر يَوْم مِنْ الْأَيَّام الْمَعْدُودَة , قَالَ لَهُمْ خُزَّان سَقَر : زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لَنْ تَمَسّكُمْ النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة , فَقَدْ خَلَا الْعَدَد وَأَنْتُمْ فِي الْأَبَد ! فَأَخَذَ بِهِمْ فِي الصُّعُود فِي جَهَنَّم يَرْهَقُونَ . 1160 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } إلَّا أَرْبَعِينَ لَيْلَة . 1161 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا حَفْص بْن عُمَر , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَانَ , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : خَاصَمَتْ الْيَهُود رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : لَنْ نَدْخُل النَّار إلَّا أَرْبَعِينَ لَيْلَة , وَسَيَخْلُفُنَا فِيهَا قَوْم آخَرُونَ ! يَعْنُونَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ عَلَى رُءُوسهمْ : " بَلْ أَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ لَا يَخْلُفكُمْ فِيهَا أَحَد " فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَكَم بْن أَبَانَ , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : اجْتَمَعَتْ يَهُود يَوْمًا تُخَاصِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } - وَسَمَّوْا أَرْبَعِينَ يَوْمًا - ثُمَّ يَخْلُفنَا أَوْ يَلْحَقنَا فِيهَا أُنَاس ; فَأَشَارُوا إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَذَبْتُمْ , بَلْ أَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مُخَلَّدُونَ لَا نَلْحَقكُمْ وَلَا نَخْلُفكُمْ فِيهَا إنَّ شَاءَ اللَّه أَبَدًا " . 1162 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مَعْبَد , عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : لَا نُعَذَّب فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة إلَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِقْدَار مَا عَبْدنَا الْعِجْل . 1163 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ : " أَنْشُدكُمْ بِاَللَّهِ وَبِالتَّوْرَاةِ الَّتِي أَنَزَلَهَا اللَّه عَلَى مُوسَى يَوْم طُور سَيْنَاء , مِنْ أَهْل النَّار الَّذِينَ أَنَزَلَهُمْ اللَّه فِي التَّوْرَاة ؟ " قَالُوا : إنَّ رَبّهمْ غَضِبَ عَلَيْهِمْ غَضْبَة , فَمَكَثَ فِي النَّار أَرْبَعِينَ لَيْلَة , ثُمَّ نَخْرُج فَتَخْلُفُونَنَا فِيهَا . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَذَبْتُمْ وَاَللَّه ! لَا نَخْلُفكُمْ فِيهَا أَبَدًا " . فَنَزَلَ الْقُرْآن تَصْدِيقًا لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَكْذِيبًا لَهُمْ : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } إلَى قَوْله : { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 1164 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْرٍ , قَالَ : ثنا ابْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَتْ يَهُود يَقُولُونَ : إنَّمَا مُدَّة الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سَنَة , وَإِنَّمَا يُعَذِّب اللَّه النَّاس يَوْم الْقِيَامَة بِكُلِّ أَلْف سَنَة مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّام الْآخِرَة , وَإِنَّهَا سَبْعَة أَيَّام . فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } الْآيَة . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وَيَهُود تَقُول : إنَّمَا مُدَّة الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سَنَة , وَإِنَّمَا يُعَذِّب النَّاس فِي النَّار بِكُلِّ أَلْف سَنَة مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا فِي النَّار مِنْ أَيَّام الْآخِرَة , فَإِنَّمَا هِيَ سَبْعَة أَيَّام ثُمَّ يَنْقَطِع الْعَذَاب . فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ { لَنْ تَمَسّنَا النَّار } الْآيَة . 1165 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } قَالَ : كَانَتْ تَقُول : إنَّمَا الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سَنَة , وَإِنَّمَا نُعَذَّب مَكَان كُلّ أَلْف سَنَة يَوْمًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله , إلَّا أَنَّهُ قَالَ : كَانَتْ الْيَهُود تَقُول : إنَّمَا الدُّنْيَا , وَسَائِر الْحَدِيث مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِد : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } مِنْ الدَّهْر , وَسَمَّوْا عِدَّة سَبْعَة آلَاف سَنَة , مِنْ كُلّ أَلْف سَنَة يَوْمًا ; يَهُود تَقُول . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَقَالُوا } الْيَهُود , يَقُول : وَقَالَتْ الْيَهُود : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار } ; يَعْنِي لَنْ تُلَاقِي أَجْسَامنَا النَّار , وَلَنْ نَدْخُلهَا إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة . وَإِنَّمَا قِيلَ مَعْدُودَة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَيِّنًا عَدَدهَا فِي التَّنْزِيل ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ وَهُمْ عَارِفُونَ عَدَد الْأَيَّام الَّتِي يُوَقِّتُونَهَا لِمُكْثِهِمْ فِي النَّار , فَلِذَلِكَ تَرَكَ ذِكْر تَسْمِيَة عَدَد تِلْكَ الْأَيَّام وَسَمَّاهَا مَعْدُودَة لِمَا وَصَفْنَا . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَبْلَغ الْأَيَّام الْمَعْدُودَة الَّتِي عَيَّنَهَا الْيَهُود الْقَائِلُونَ مَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 1155 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } قَالَ ذَلِكَ أَعْدَاء اللَّه الْيَهُود , قَالُوا : لَنْ يُدْخِلنَا اللَّه النَّار إلَّا تَحِلَّة الْقَسَم الْأَيَّام الَّتِي أَصَبْنَا فِيهَا الْعِجْل أَرْبَعِينَ يَوْمًا , فَإِذَا انْقَضَتْ عَنَّا تِلْكَ الْأَيَّام , انْقَطَعَ عَنَّا الْعَذَاب وَالْقَسْم . 1156 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } قَالُوا : أَيَّامًا مَعْدُودَة بِمَا أَصَبْنَا فِي الْعِجْل . 1157 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : إنَّ اللَّه يُدْخِلنَا النَّار فَنَمْكُث فِيهَا أَرْبَعِينَ لَيْلَة , حَتَّى إذَا أَكَلَتْ النَّار خَطَايَانَا وَاسْتَنْقَتْنَا , نَادَى مُنَادٍ : أَخْرِجُوا كُلّ مَخْتُون مِنْ وَلَد بَنِي إسْرَائِيل , فَلِذَلِكَ أُمِرْنَا أَنْ نَخْتَتِن . قَالُوا : فَلَا يَدَعُونَ مِنَّا فِي النَّار أَحَدًا إلَّا أَخَرَجُوهُ . 1158 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : إنَّ رَبّنَا عَتَبَ عَلَيْنَا فِي أَمْرنَا , فَأَقْسَمَ لَيُعَذِّبنَا أَرْبَعِينَ لَيْلَة , ثُمَّ يُخْرِجنَا . فَأَكْذَبَهُمْ اللَّه . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : لَنْ نَدْخُل النَّار إلَّا تَحِلَّة الْقَسَم , عَدَد الْأَيَّام الَّتِي عَبْدنَا فِيهَا الْعِجْل . 1159 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } الْآيَة . قَالَ ابْن عَبَّاس : ذُكِرَ أَنَّ الْيَهُود وَجَدُوا فِي التَّوْرَاة مَكْتُوبًا : " إنَّ مَا بَيْن طَرَفَيْ جَهَنَّم مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة إلَى أَنْ يَنْتَهُوا إلَى شَجَرَة الزَّقُّوم نَابِتَة فِي أَصْل الْجَحِيم " . وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : إنَّ الْجَحِيم سَقَر , وَفِيهِ شَجَرَة الزَّقُّوم , فَزَعَمَ أَعْدَاء اللَّه أَنَّهُ إذَا خَلَا الْعَدَد الَّذِي وَجَدُوا فِي كِتَابهمْ أَيَّامًا مَعْدُودَة . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ الْمَسِير الَّذِي يَنْتَهِي إلَى أَصْل الْجَحِيم , فَقَالُوا : إذَا خَلَا الْعَدَد انْتَهَى الْأَجَل فَلَا عَذَاب وَتَذْهَب جَهَنَّم وَتَهْلَك ; فَذَلِكَ قَوْله : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْأَجَل . فَقَالَ ابْن عَبَّاس : لَمَّا اقْتَحَمُوا مِنْ بَاب جَهَنَّم سَارُوا فِي الْعَذَاب , حَتَّى انْتَهَوْا إلَى شَجَرَة الزَّقُّوم آخَر يَوْم مِنْ الْأَيَّام الْمَعْدُودَة , قَالَ لَهُمْ خُزَّان سَقَر : زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لَنْ تَمَسّكُمْ النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة , فَقَدْ خَلَا الْعَدَد وَأَنْتُمْ فِي الْأَبَد ! فَأَخَذَ بِهِمْ فِي الصُّعُود فِي جَهَنَّم يَرْهَقُونَ . 1160 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } إلَّا أَرْبَعِينَ لَيْلَة . 1161 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا حَفْص بْن عُمَر , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَانَ , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : خَاصَمَتْ الْيَهُود رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : لَنْ نَدْخُل النَّار إلَّا أَرْبَعِينَ لَيْلَة , وَسَيَخْلُفُنَا فِيهَا قَوْم آخَرُونَ ! يَعْنُونَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ عَلَى رُءُوسهمْ : " بَلْ أَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ لَا يَخْلُفكُمْ فِيهَا أَحَد " فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَكَم بْن أَبَانَ , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : اجْتَمَعَتْ يَهُود يَوْمًا تُخَاصِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } - وَسَمَّوْا أَرْبَعِينَ يَوْمًا - ثُمَّ يَخْلُفنَا أَوْ يَلْحَقنَا فِيهَا أُنَاس ; فَأَشَارُوا إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَذَبْتُمْ , بَلْ أَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مُخَلَّدُونَ لَا نَلْحَقكُمْ وَلَا نَخْلُفكُمْ فِيهَا إنَّ شَاءَ اللَّه أَبَدًا " . 1162 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مَعْبَد , عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : لَا نُعَذَّب فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة إلَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِقْدَار مَا عَبْدنَا الْعِجْل . 1163 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ : " أَنْشُدكُمْ بِاَللَّهِ وَبِالتَّوْرَاةِ الَّتِي أَنَزَلَهَا اللَّه عَلَى مُوسَى يَوْم طُور سَيْنَاء , مِنْ أَهْل النَّار الَّذِينَ أَنَزَلَهُمْ اللَّه فِي التَّوْرَاة ؟ " قَالُوا : إنَّ رَبّهمْ غَضِبَ عَلَيْهِمْ غَضْبَة , فَمَكَثَ فِي النَّار أَرْبَعِينَ لَيْلَة , ثُمَّ نَخْرُج فَتَخْلُفُونَنَا فِيهَا . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَذَبْتُمْ وَاَللَّه ! لَا نَخْلُفكُمْ فِيهَا أَبَدًا " . فَنَزَلَ الْقُرْآن تَصْدِيقًا لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَكْذِيبًا لَهُمْ : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } إلَى قَوْله : { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 1164 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْرٍ , قَالَ : ثنا ابْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَتْ يَهُود يَقُولُونَ : إنَّمَا مُدَّة الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سَنَة , وَإِنَّمَا يُعَذِّب اللَّه النَّاس يَوْم الْقِيَامَة بِكُلِّ أَلْف سَنَة مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّام الْآخِرَة , وَإِنَّهَا سَبْعَة أَيَّام . فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } الْآيَة . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وَيَهُود تَقُول : إنَّمَا مُدَّة الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سَنَة , وَإِنَّمَا يُعَذِّب النَّاس فِي النَّار بِكُلِّ أَلْف سَنَة مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا فِي النَّار مِنْ أَيَّام الْآخِرَة , فَإِنَّمَا هِيَ سَبْعَة أَيَّام ثُمَّ يَنْقَطِع الْعَذَاب . فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ { لَنْ تَمَسّنَا النَّار } الْآيَة . 1165 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } قَالَ : كَانَتْ تَقُول : إنَّمَا الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سَنَة , وَإِنَّمَا نُعَذَّب مَكَان كُلّ أَلْف سَنَة يَوْمًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله , إلَّا أَنَّهُ قَالَ : كَانَتْ الْيَهُود تَقُول : إنَّمَا الدُّنْيَا , وَسَائِر الْحَدِيث مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِد : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } مِنْ الدَّهْر , وَسَمَّوْا عِدَّة سَبْعَة آلَاف سَنَة , مِنْ كُلّ أَلْف سَنَة يَوْمًا ; يَهُود تَقُول . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِف اللَّه عَهْده أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : لَمَّا قَالَتْ الْيَهُود مَا قَالَتْ مِنْ قَوْلهَا : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ تَأْوِيل ذَلِكَ , قَالَ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِمَعْشَرِ الْيَهُود { أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } أَخَذْتُمْ بِمَا تَقُولُونَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ اللَّه مِيثَاقًا فَاَللَّه لَا يَنْقُض مِيثَاقه وَلَا يُبَدِّل وَعْده وَعَقْده , أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْبَاطِل جَهْلًا وَجَرَاءَة عَلَيْهِ ؟ كَمَا : 1166 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } أَيْ مَوْثِقًا مِنْ اللَّه بِذَلِكَ أَنَّهُ كَمَا تَقُولُونَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 1167 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : لَنْ نَدْخُل النَّار إلَّا تَحِلَّة الْقَسَم عِدَّة الْأَيَّام الَّتِي عَبْدنَا فِيهَا الْعِجْل . فَقَالَ اللَّه : { أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } بِهَذَا الَّذِي تَقُولُونَهُ , أَلَكُمْ بِهَذَا حُجَّة وَبُرْهَان { فَلَنْ يُخْلِف اللَّه عَهْده } فَهَاتُوا حُجَّتكُمْ وَبُرْهَانكُمْ { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } . 1168 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا قَالَتْ الْيَهُود مَا قَالَتْ , قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُحَمَّدٍ : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } يَقُول : أَدَّخَرْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا ؟ يَقُول : أَقُلْتُمْ لَا إلَه إلَّا اللَّه لَمْ تُشْرِكُوا , وَلَمْ تَكْفُرُوا بِهِ ؟ فَإِنْ كُنْتُمْ قُلْتُمُوهَا فَارْجُوا بِهَا , وَإِنْ كُنْتُمْ لَمْ تَقُولُوهَا فَلَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ ؟ يَقُول : لَوْ كُنْتُمْ قُلْتُمْ لَا إلَه إلَّا اللَّه , وَلَمْ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , ثُمَّ مُتُّمْ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ لَكُمْ ذُخْرًا عِنْدِي , وَلَمْ أَخْلُف وَعْدِي لَكُمْ أَنِّي أُجَازِيكُمْ بِهَا . 1169 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا قَالَتْ الْيَهُود مَا قَالَتْ , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِف اللَّه عَهْده } وَقَالَ فِي مَكَان آخَر : { وَغَرَّهُمْ فِي دِينهمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } . 3 24 ثُمَّ أَخْبَرَ الْخَبَر فَقَالَ : { بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَة } . وَهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْ ابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَةُ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } لِأَنَّ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّه عِبَاده مِنْ مِيثَاقه أَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَطَاعَ أَمْره نَجَّاهُ مِنْ نَاره يَوْم الْقِيَامَة . وَمِنْ الْإِيمَان بِهِ الْإِقْرَار بِأَنَّ لَا إلَه إلَّا اللَّه , وَكَذَلِكَ مِنْ مِيثَاقه الَّذِي وَاثِقهمْ بِهِ أَنَّ مَنْ أَتَى اللَّه يَوْم الْقِيَامَة بِحُجَّةٍ تَكُون لَهُ نَجَاة مِنْ النَّار فَيُنَجِّيه مِنْهَا . وَكُلّ ذَلِكَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ قَائِلِيهِ , فَمُتَّفِق الْمَعَانِي عَلَى مَا قُلْنَا فِيهِ , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِف اللَّه عَهْده أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : لَمَّا قَالَتْ الْيَهُود مَا قَالَتْ مِنْ قَوْلهَا : { لَنْ تَمَسّنَا النَّار إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة } عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ تَأْوِيل ذَلِكَ , قَالَ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِمَعْشَرِ الْيَهُود { أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } أَخَذْتُمْ بِمَا تَقُولُونَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ اللَّه مِيثَاقًا فَاَللَّه لَا يَنْقُض مِيثَاقه وَلَا يُبَدِّل وَعْده وَعَقْده , أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْبَاطِل جَهْلًا وَجَرَاءَة عَلَيْهِ ؟ كَمَا : 1166 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } أَيْ مَوْثِقًا مِنْ اللَّه بِذَلِكَ أَنَّهُ كَمَا تَقُولُونَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 1167 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : لَنْ نَدْخُل النَّار إلَّا تَحِلَّة الْقَسَم عِدَّة الْأَيَّام الَّتِي عَبْدنَا فِيهَا الْعِجْل . فَقَالَ اللَّه : { أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } بِهَذَا الَّذِي تَقُولُونَهُ , أَلَكُمْ بِهَذَا حُجَّة وَبُرْهَان { فَلَنْ يُخْلِف اللَّه عَهْده } فَهَاتُوا حُجَّتكُمْ وَبُرْهَانكُمْ { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } . 1168 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا قَالَتْ الْيَهُود مَا قَالَتْ , قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُحَمَّدٍ : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } يَقُول : أَدَّخَرْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا ؟ يَقُول : أَقُلْتُمْ لَا إلَه إلَّا اللَّه لَمْ تُشْرِكُوا , وَلَمْ تَكْفُرُوا بِهِ ؟ فَإِنْ كُنْتُمْ قُلْتُمُوهَا فَارْجُوا بِهَا , وَإِنْ كُنْتُمْ لَمْ تَقُولُوهَا فَلَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ ؟ يَقُول : لَوْ كُنْتُمْ قُلْتُمْ لَا إلَه إلَّا اللَّه , وَلَمْ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , ثُمَّ مُتُّمْ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ لَكُمْ ذُخْرًا عِنْدِي , وَلَمْ أَخْلُف وَعْدِي لَكُمْ أَنِّي أُجَازِيكُمْ بِهَا . 1169 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا قَالَتْ الْيَهُود مَا قَالَتْ , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِف اللَّه عَهْده } وَقَالَ فِي مَكَان آخَر : { وَغَرَّهُمْ فِي دِينهمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } . 3 24 ثُمَّ أَخْبَرَ الْخَبَر فَقَالَ : { بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَة } . وَهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْ ابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَةُ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا } لِأَنَّ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّه عِبَاده مِنْ مِيثَاقه أَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَطَاعَ أَمْره نَجَّاهُ مِنْ نَاره يَوْم الْقِيَامَة . وَمِنْ الْإِيمَان بِهِ الْإِقْرَار بِأَنَّ لَا إلَه إلَّا اللَّه , وَكَذَلِكَ مِنْ مِيثَاقه الَّذِي وَاثِقهمْ بِهِ أَنَّ مَنْ أَتَى اللَّه يَوْم الْقِيَامَة بِحُجَّةٍ تَكُون لَهُ نَجَاة مِنْ النَّار فَيُنَجِّيه مِنْهَا . وَكُلّ ذَلِكَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظ قَائِلِيهِ , فَمُتَّفِق الْمَعَانِي عَلَى مَا قُلْنَا فِيهِ , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { وقالوا} يعني اليهود. { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} اختلف، في سبب نزولها، فقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود : (من أهل النار). قالوا : نحن، ثم تخلفونا أنتم. فقال : (كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم) فنزلت هذه الآية، قال ابن زيد. وقال عكرمة عن ابن عباس : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تقول : إنما هذه الدنيا سبعة آلاف، وإنما يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام، فأنزل الله الآية، وهذا قول مجاهد. وقالت طائفة : قالت اليهود إن في التوراة أن جهنم مسيرة أربعين سنة، وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم. ورواه الضحاك عن ابن عباس. وعن ابن عباس : زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم. وقالوا : إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. وعن ابن عباس أيضا وقتادة : أن اليهود قالت إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل، فأكذبهم الله، كما تقدم. الثانية:في هذه الآية رد على أبي حنيفة وأصحابه حيث استدلوا بقوله عليه السلام : (دعي الصلاة أيام أقرائك) في أن مدة الحيض ما يسمى أيام الحيض، وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة، قالوا : لأن ما دون الثلاثة يسمى يوما ويومين، وما زاد على العشرة يقال فيه أحد عشر يوما ولا يقال فيه أيام، وإنما يقال أيام من الثلاثة إلى العشرة، قال الله تعالى { فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة:196]، { تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} [هود:65]، { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما} [هود:7]. فيقال لهم : فقد قال الله تعالى في الصوم { أياما معدودات} يعني جميع الشهر، وقال { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} [آل عمران:24] يعني أربعين يوما. وأيضا فإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد به تحديد العدد، بل يقال : أيام مشيك وسفرك وإقامتك، وإن كان ثلاثين وعشرين وما شئت من العدد، ولعله أراد ما كان معتادا لها، والعادة ست أو سبع، فخرج عليه، والله اعلم. الثالثة:قوله تعالى: { قل أتخذتم} تقدم القول في { اتخذ} فلا معنى لإعادته. قوله تعالى: { عند الله عهدا} أي أسلفتم عملا صالحا فآمنتم وأطعتم فتستوجبون بذلك الخروج من النار! أو هل عرفتم ذلك بوحيه الذي عهده إليكم. قوله تعالى { فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون} توبيخ وتقريع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 80 - 83

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هنا يكشف الله سبحانه وتعالى فكر هؤلاء الناس.. لقد زين لهم الشيطان الباطل فجعلهم يعتقدون أنهم كسبوا فعلا وأنهم أخذوا المال والجاه الدنيوي وفازوا به.. لأنهم لن يعذبوا في الآخرة إلا عذابا خفيفا قصيرا.. ولذلك يفضح الله تبارك وتعالى ما يقولونه بعضهم مع بعض.. ماذا قالوا؟: { وقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً }.

المس يعني اللمس الخفيف أو اقتراب شيء من شيء.. ولكن لا يحس أحدهما بالآخر إلا إحساسا خفيفا لا يكاد يذكر.. فإذا أتيت إلى إنسان ووضعت أَنَا مِلَكَ على يده يقال مسست.. ولكنك لم تستطع بهذا المس أن تحس بحرارة يده أو نعومة جلده.. ولكن اللمس يعطيك إحساسا بما تلمس: { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } وهكذا أخذوا أقل الأقل في العذاب.. ثم أقل الأقل في الزمن فقالوا أياما معدودة.. الشيء إذا قيل عن معدود فهو قليل.. أما الشيء الذي لا يحصى فهو الكثير.. ولذلك حين يتحدث الله عن نعمه يقول سبحانه:
{  وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ }
[النحل: 18]

فمجرد الإقبال على العد معناه أن الشيء يمكن إحصاؤه.. فإن لم يكن ممكنا لا يُقبل أحد على عده، ولا نرى من حاول عدَّ حبات الرمل أو ذرات الماء في البحار.. نِعَمُ الله سبحانه وتعالى ظاهرة وخفية لا يمكن أن تحصى، ولذلك لا يقبل لا يُقبل أحد على إحصائها.. وإذا سمعت كلمة " أياما معدودة " فأعلم أنها أيام قليلة.. ولذلك نرى في سورة يوسف قول الحق جل جلاله:
{  وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ }
[يوسف: 20]

قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة.. دليل على غبائهم لأن مدة المس لا تكون إلا لحظة.. ولكنها أماني وضعها الشيطان في عقولهم ليأتي الرد من الله في قوله سبحانه: { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ } أي إذا كان ذلك وعداً من الله، فالله لا يخلف وعده. والله يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم لستم أنتم الذين تحكمون وتقررون ماذا سيفعل الله سبحانه وتعالى بكم.. بل هو جل جلاله الذي يحكم.. فإن كان قد أعطاكم عهدا فالله لا يخلف وعده.

وقوله تعالى: { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.. هنا أدب النبوة والخلق العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. فبدلا من أن يقول لهم أتفترون على الله أو أتكذبون على الله.. أو أتختلقون على الله ما لم يقله.. قال: { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } إن الذي يختلق الكلام يعلم أنه مختلق.. إنه أول من يعلم كذب ما يقول، وقد يكون له حجة ويقنع من أمامه فيصدقه، ولكنه يظل يعلم إن ما قاله مختلق رغم أنهم صدقوه.. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها "

إذن مختلق الشيء يعرف إن هذا الشيء مختلق. وهؤلاء اليهود هم أول من يعلم إن قولهم.. { لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } قول مختلق.. ولكن لمن يقولون على الله ما هو افتراء وكذب؟ يقولون للأميين الذين لا يعرفون الكتاب.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} . [80].
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم الصوفي، أخبرنا أبو الحسين [محمد بن أحمد بن حامد] العطار، أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن سعد الزهري؛ حدَّثنا أبي وعمّي قالا: حدَّثنا أبي عن ابن إسحاق، حدَّثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدينة، واليهود تقول: إنما هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذَّب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار، من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} .
[أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد التَّمِيمي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن حيّان، حدَّثنا محمد بن عبد الرحمن الرازيّ، حدَّثنا سهل بن عثمان، حدَّثنا مروان بن معاوية حدَّثنا جُويبر، عن الضحاك عن ابن عباس: في قوله: { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} قال]:
وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين [عاماً] فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة. فإذا كان يوم القيامة اقتحموا في النار. فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى سقر، وفيها شجرة الزقوم، إلى آخر يوم من الأيام المعدودة، قال: فقال لهم خزنة [أهل] النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلاَّ أياماً معدودة، فقد انقضى العدد، وبقي الأبد.


www.alro7.net