سورة
اية:

وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهاتهم ومنازعتهم فيه، { ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم} أي عاينوه ورأوا نزوله وباشروا ذلك، لقال { الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} ، وهذا كما قال تعالى مخبراً عن مكابرتهم للمحسوسات، { ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} وكقوله تعالى: { وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم} ، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك} أي ليكون معه نذيراً، قال اللّه تعالى: { ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون} أي لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب، كماقال اللّه تعالى: ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} ، وقوله: { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين} الآية، وقوله تعالى: { ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكاً، أي لو بعثنا إلى البشر رسولاً ملكياً، لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشريّ، كقوله تعالى: { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً} ، فمن رحمته تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلاً منهم ليدعو بعضهم بعضاً، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: { لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم} الآية. قال الضحاك عن ابن عباس في الآية يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور، { وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون، وقيل: ولشبهنا عليهم. وقوله: { ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: { قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة وكيف نجَّى رسله وعباده المؤمنين.

تفسير الجلالين

{ وقالوا لولا } هلا { أنزل عليه } على محمد صلى الله عليه وسلم { ملك } يصدقه { ولو أنزلنا ملكا } كما اقترحوا فلم يؤمنوا { لقضي الأمر } بهلاكهم { ثم لا ينظرون } يمهلون لتوبة أو معذرة كعادة الله فيمن قبلهم من إهلاكهم عند وجود مقترحهم إذا لم يؤمنوا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِآيَاتِي الْعَادِلُونَ بِي الْأَنْدَادَ وَالْآلِهَةَ : يَا مُحَمَّد لَك لَوْ دَعَوْتهمْ إِلَى تَوْحِيدِي وَالْإِقْرَار بِرُبُوبِيَّتِي , وَإِذَا أَتَيْتهمْ مِنْ الْآيَات وَالْعِبْر بِمَا أَتَيْتهمْ بِهِ وَاحْتَجَجْت عَلَيْهِمْ بِمَا اِحْتَجَجْت عَلَيْهِمْ مِمَّا قَطَعْت بِهِ عُذْرهمْ : هَلَّا نَزَلَ عَلَيْك مَلَك مِنْ السَّمَاء فِي صُورَته يُصَدِّقك عَلَى مَا جِئْتنَا بِهِ , وَيَشْهَد لَك بِحَقِيقَةِ مَا تَدَّعِي مِنْ أَنَّ اللَّه أَرْسَلَك إِلَيْنَا ! كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ الْمُشْرِكِينَ فِي قِيلِهِمْ لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاق لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُون مَعَهُ نَذِيرًا } 25 7 { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ } يَقُول : وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا عَلَى مَا سَأَلُوا ثُمَّ كَفَرُوا وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي , لَجَاءَهُمْ الْعَذَاب عَاجِلًا غَيْر آجِل , وَلَمْ يُنْظَرُوا فَيُؤَخَّرُوا بِالْعُقُوبَةِ مُرَاجَعَة التَّوْبَة , كَمَا فَعَلْت بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الْأُمَم الَّتِي سَأَلَتْ الْآيَات ثُمَّ كَفَرَتْ بَعْد مَجِيئُهَا مِنْ تَعْجِيل النِّقْمَة وَتَرْك الْإِنْظَار . كَمَا : 10188 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ } يَقُول : لَجَاءَهُمْ الْعَذَاب . 10189 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ } يَقُول : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَنْزَلْنَا إِلَيْهِمْ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يُنْظَرُوا . 10190 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك } فِي صُورَته , { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر } لَقَامَتْ السَّاعَة . 10191 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ عِكْرِمَة : { لَقُضِيَ الْأَمْر } قَالَ : لَقَامَتْ السَّاعَة - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر } قَالَ : يَقُول : لَوْ أَنْزَلَ اللَّه مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا , لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَاب وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا . 10192 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا بِشْر , عَنْ عَمَّار , عَنْ أَبِي رَوْق . عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ } قَالَا : لَوْ أَتَاهُمْ مَلَك فِي صُورَته لَمَاتُوا , ثُمَّ لَمْ يُؤَخَّرُوا طَرْفَة عَيْن . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِآيَاتِي الْعَادِلُونَ بِي الْأَنْدَادَ وَالْآلِهَةَ : يَا مُحَمَّد لَك لَوْ دَعَوْتهمْ إِلَى تَوْحِيدِي وَالْإِقْرَار بِرُبُوبِيَّتِي , وَإِذَا أَتَيْتهمْ مِنْ الْآيَات وَالْعِبْر بِمَا أَتَيْتهمْ بِهِ وَاحْتَجَجْت عَلَيْهِمْ بِمَا اِحْتَجَجْت عَلَيْهِمْ مِمَّا قَطَعْت بِهِ عُذْرهمْ : هَلَّا نَزَلَ عَلَيْك مَلَك مِنْ السَّمَاء فِي صُورَته يُصَدِّقك عَلَى مَا جِئْتنَا بِهِ , وَيَشْهَد لَك بِحَقِيقَةِ مَا تَدَّعِي مِنْ أَنَّ اللَّه أَرْسَلَك إِلَيْنَا ! كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ الْمُشْرِكِينَ فِي قِيلِهِمْ لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاق لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُون مَعَهُ نَذِيرًا } 25 7 { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ } يَقُول : وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا عَلَى مَا سَأَلُوا ثُمَّ كَفَرُوا وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي , لَجَاءَهُمْ الْعَذَاب عَاجِلًا غَيْر آجِل , وَلَمْ يُنْظَرُوا فَيُؤَخَّرُوا بِالْعُقُوبَةِ مُرَاجَعَة التَّوْبَة , كَمَا فَعَلْت بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الْأُمَم الَّتِي سَأَلَتْ الْآيَات ثُمَّ كَفَرَتْ بَعْد مَجِيئُهَا مِنْ تَعْجِيل النِّقْمَة وَتَرْك الْإِنْظَار . كَمَا : 10188 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ } يَقُول : لَجَاءَهُمْ الْعَذَاب . 10189 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ } يَقُول : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَنْزَلْنَا إِلَيْهِمْ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يُنْظَرُوا . 10190 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك } فِي صُورَته , { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر } لَقَامَتْ السَّاعَة . 10191 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ عِكْرِمَة : { لَقُضِيَ الْأَمْر } قَالَ : لَقَامَتْ السَّاعَة - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر } قَالَ : يَقُول : لَوْ أَنْزَلَ اللَّه مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا , لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَاب وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا . 10192 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا بِشْر , عَنْ عَمَّار , عَنْ أَبِي رَوْق . عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْر ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ } قَالَا : لَوْ أَتَاهُمْ مَلَك فِي صُورَته لَمَاتُوا , ثُمَّ لَمْ يُؤَخَّرُوا طَرْفَة عَيْن . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وقالوا لولا أنزل عليه ملك} اقترحوا هذا أيضا و { لولا} بمعنى هلا. { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} قال ابن عباس : لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته. مجاهد وعكرمة : لقامت الساعة. قال الحسن وقتادة : لأهلكوا بعذاب الاستئصال؛ لأن الله أجرى سنته بأن من طلب آية فأظهرت له فلم يؤمن أهلكه الله في الحال. { ثم لا ينظرون} أي لا يمهلون ولا يؤخرون. قوله تعالى { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة؛ لأن كله جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه؛ فلو جعل الله تعالى الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته، ولما أنسوا به، ولداخلهم من الرعب من كلامه والاتقاء له ما يكفهم عن كلامه، ويمنعهم عن سؤاله، فلا تعم المصلحة؛ ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا : لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم. وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر فأتوا إبراهيم ولوطا في صورة الآدميين، وأتى جبريل النبي عليه الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبي. أي لو أنزل ملك لرأوه في صورة رجل كما جرت عادة الأنبياء، ولو نزل على عادته لم يروه؛ فإذا جعلناه رجلا التبس عليهم فكانوا يقولون : هذا ساحر مثلك. وقال الزجاج : المعنى { وللبسنا عليهم} أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم وكانوا يقولون لهم إنما محمد بشروا وليس بينه وبينكم فروق فيلبسون عليهم بهذا ويشككونهم؛ فأعلمهم الله عز وجل أنه لو أنزل في ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس كما يفعلون. واللبس الخلط؛ يقال : لبست عليه الأمر ألبسه لبسا أي خلطته؛ وأصله التستر بالثوب ونحوه وقال { لبسنا} بالإضافة إلى نفسه على جهة الخلق، وقال { ما يلبسون} فأضاف إليهم على جهة الاكتساب. ثم قال مؤنسا لنبيه عليه الصلاة والسلام ومعزيا { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق} أي نزل بأممهم من العذاب ما أهلكوا به جزاء استهزائهم بأنبيائهم. حاق بالشيء يحيق حيقا وحيوقا وحيقانا نزل؛ قال الله تعالى { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [فاطر : 43] و { ما} في قوله { ما كانوا} بمعنى الذي وقيل : بمعنى المصدر أي حاق بهم عاقبة استهزائهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 6 - 14

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ما المَلَك؟ المَلَك جنس جعله الله من الغيب، ونحن لا نؤمن به إلا لأن الله الذي آمنا به قال: إن له ملائكة مثلما قال: إن هناك جنّاً، والملائكة من جنس الغيب، والجن مستور عنا. وهؤلاء المنكرون الجاحدون يطلبون نزول مَلَك حتى يؤمنوا. إذن فهم قد عرفوا أن هناك غيباً وأن فطرتهم الأولى تحمل أثراً من منطق السماء لكنهم ينكرون، وقولهم بالملَك دليل على أن في أعماقهم رواسب من دين إبراهيم ودين إسماعيل، وبقيت تلك الآثار في النفوس لأنها مسألة لا تمس السيادة، ولو أنزل الحق لهم ملَكَاً لما آمنوا أيضاً، فهم مكذبون. ولا يريد الحق أن يطبق عليهم سنته بنزول الآية التي يطلبونها حتى لا ينزل بهم عقابه إن كفروا بها. فلو أنزل الحق عليهم ملَكَاً كما يطلبون ثم كفروا لقضي الأمر وأهلكوا بدون إمهال. إذ لو تجلى الملَك لهم وظهر على طبيعته ما تحملته كياناتهم البشرية.

ولقد نزل الملَكُ بآثاره الدامغة وهو غيب أنزله - سبحانه وتعالى - بالوحي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل في رسول الله ما فعل، ولم يظهر من عمله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أثره فحسب. وها هوذا رسول الله يشرح لنا ذلك لحظة مجيء الملك أول مرة في غار حراء:

فقال الملك: اقرأ.

" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ: فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني، فقال: { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته يرجف فؤاده ودخل على زوجه السيدة خديجة بنت خويلد، فقال: (زملوني زملوني). فزملوه حتى ذهب عنه الروع. وأخبرها الخبر وقال: " لقد خشيت على نفسي " فقالت خديجة - رضي الله عنها - وهي تعدد صفات وخلق رسول الله العظيمة: " كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر ".

هكذا كان الإيمان الأول من خديجة من فور أن عرفت خبر الوحي. ويطمئن الحق رسوله من بعد ذلك قائلاً:
{  أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }
[الشرح: 1-4].

وشرح الله صدر رسوله فصار هذا الصدر مهبط الأسرار والعلم وحط عن ظهر الرسول الكريم الأعباء الثقال، وارتبط اسم الرسول صلى الله عليه وسلم بأصل الإيمان والعقيدة حتى صار اسم رسول الله مقروناً باسمه - جل شأنه - في الشهادة الأولى للإسلام " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ".إذن كان هذا حال رسول الله حين تجلَّى له المَلَك لا بالحقيقة الملكية، ذلك أن هناك فارقاً بين البنيان البشري والبنيان الملكي. فالبنيان البشري يستقبل الأشياء المادية التي تناسب تكوينه، فإن جاءت له طاقة أعلى منه فلا يمكنه أن يستقبلها إلا إذا أعد الله المَلَك وصَّوره بصورة تجعله قابلاً للإرسال، وأعد الله الرسول ليكون قابلاً للاستقبال. ونعلم جميعاً قصة موسى لما جاء لميقات ربه، وقال الله في وصف ذلك اللقاء:
{  وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ }
[الأعراف: 143].

والمانع لرؤية الله هو عدم قدرة الإنسان على الإحاطة البصرية بالله، فعندما تجلى الله للجيل المتماسك الصلب صار الجبل دكاً، أي مفتتاً وخر موسى عليه السلام مصعوقاً من هول ما رأى، ولما أفاق تاب الله وأعلن أنه أول المؤمنين به سبحانه فإذا كان الإنسان قد صعق من تجلي الحق للجبل، فكيف يقدر على أن يتجلى الحق له؟

إننا نعلم أن كل تكوين له قدرة استقبال لما يناسبه من أشياء، وضربنا لذلك مثلاً من دنيانا العلمية - ولله المثل الأعلى دائماً وهو منزه عن كل مثال - نجد الإنسان منا عندما يدخل الكهرباء إلى بيته لرغبته في الانتفاع بقانون النور والضوء لمدة أطول وبفوائد الكهرباء المتعددة، ولكنه عندما يريد أن ينام فهو يطلب الانتفاع بقانون الظلمة، فيطفئ المصابيح، ويضع مصباحاً صغيراً لا يتحمل أن يأخذ الطاقة مباشرة من الكهرباء من مصدرها القوي؛ لذلك يأتي الإنسان بمحول للطاقة فيستقبل المحول طاقة الكهرباء العالية من مصدرها ويخفضها بصورة تناسب المصباح الصغير. وهكذا نحتفظ بضوء ضعيف في الليل لنستفيد من قانون الظلمة لننام.

وقد امتن الحق علينا أنه خلق النور وخلق الظلام، وكل منهما له مهمة. فإذا كان خَلْقُ النور والضوء والكهرباء قد أتاح للإنسان بناء حضارة، فالظلام أتاح للإنسان أن يرتاح وتسكن نفسه فيقوم ممتلئاً بالنشاط والحيوية. وإذا كنا نحتفظ في الليل ببصيص نور لا يزعج، فنحن نفعل ذلك حتى لا نحطم الأشياء أو نصطدم بها إذا ما قمنا في الليل لقضاء حاجة.

وكذلك الإنسان.. إنه لا يستطيع بضعفه أن يأخذ عن الله مباشرة.. ومن رحمة الحق بالخلق أن جعل بينه وبين الخلق وسائط، بتلقي المَلَك عن الله، والملك وسيط، والمَلك ينقل إلى الرسول المصطفى، والرسول المصطفى وسيط، ومن تغفيل أهل الكفر أنهم طالبوا بإنزال ملك رسول.ويرد الله عليهم في موضع آخر من القرآن الكريم:
{  وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً }
[الإسراء: 94-95].

لقد طالبوا - جهلاً - أن ينزل إليهم ملك رسول بالهدى، ويأمر الحق رسوله أن يرد عليهم بأنه لو كان بين البشر ملائكة.. أي لو كان هناك ملائكة يمشون في الأرض لنزل إليهم الملك كرسول. ولما كان هذا غير حاصل، فقد أرسل الحق رسولاً من البشر؛ لأن المفروض أن يُبلغ الرسول وأن يكون كذلك أسوة سلوكية للمنهج، بأن يطبق المنهج على نفسه، فلو نزل ملك كرسول وطبق المنهج على نفسه لقال له البشر: إنك مَلَك تقدر على ما لا نقدر عليه وأنت لا تصلح أسوة لنا؛ لذلك كان لا بد أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم أنفسهم حتى يكون أسوة لهم وقدوة.

إن هذا هو ما يبطل الادعاء بألوهية عيسى عليه السلام أو بنوته لله؛ لأن عيسى عليه السلام طالبهم أن يفعلوا مثله. وأراد الحق ببشرية الرسل أن يؤكد القدوة والأسوة في الرسل، ولذلك قال: { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ }؛ لأن البشر لا يستطيعون استقبال إشعاعات وإشراقات المَلَك لأنهم غير معدِّين لاستقبال تلك الإشعاعات والإشراقات. ولذلك يقول الحق: { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً... }


www.alro7.net