سورة
اية:

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ

تفسير بن كثير

لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثمّ عرف حال الكافرين بآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين، الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولمّا كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس، أطنب في ذكرهم بصفات متعددة، كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور، تعريفا لأحوالهم لتُجتَنَبَ ويُجتنب من تلبّس بها أيضا، فقال تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله ..} الآيات. والنفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي: وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي: وهو من أكبر الذنوب، لأن المنافق يخالف قولُه فعله، وسره علانيَتَه، وإنما نزلت صفات المنافقين في السورة المدنية، لأن مكّة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، ولهذا نبّه اللّه سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع لذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفّار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظنَّ بأهل الفجور خيرا، فقال تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} أي يقولون ذلك قولا كما قال تعالى: { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} ، أي إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط لا في نفس الأمر، وليس الأمر كذلك، كما كذبهم اللّه في شهادتهم بقوله: { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} وفي اعتقادهم بقوله: { وما هم بمؤمنين} . وقوله تعالى: { يخادعون الله والذين آمنوا} أي بإظهار ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون - بجهلهم - أنهم يخدعون اللّه بذلك وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين، ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: { وما يخدعون إلا أنفسَهم وما يشعرون} أي ما يغرّون بصنيعهم هذا إلا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم كما قال تعالى: { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} ، ومن القراء من قرأ: وما يخادعون وكلا القراءتين يرجع إلى معنى واحد.

تفسير الجلالين

ونزل في المنافقين: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر } أي يوم القيامة لأنه آخر الأيام { وما هم بمؤمنين } روعي فيه معنى من، وفي ضمير يقول لفظها.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَمَّا قَوْله : { وَمِنْ النَّاس } فَإِنَّ فِي النَّاس وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون جَمْعًا لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , وَإِنَّمَا وَاحِده إنْسَان وَوَاحِدَته إنْسَانَة . وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ يَكُون أَصْله " أُنَاس " أُسْقِطَتْ الْهَمْزَة مِنْهَا لِكَثْرَةِ الْكَلَام بِهَا , ثُمَّ دَخَلَتْهَا الْأَلِف وَاللَّام الْمُعَرِّفَتَانِ , فَأُدْغِمَتْ اللَّامّ الَّتِي دَخَلَتْ مَعَ الْأَلِف فِيهَا لِلتَّعْرِيفِ فِي النُّون , كَمَا قِيلَ فِي : { لَكِنَّا هُوَ اللَّه رَبِّي } 18 38 عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِي اسْم اللَّه الَّذِي هُوَ اللَّه . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ النَّاس لُغَة غَيْر أُنَاس , وَأَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَب تُصَغِّرهُ نُوَيْس مِنْ النَّاس , وَأَنَّ الْأَصْل لَوْ كَانَ أُنَاس لَقِيلَ فِي التَّصْغِير : أُنَيْس , فَرُدَّ إلَى أَصْله . وَأَجْمَعَ جَمِيع أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل النِّفَاق , وَأَنَّ هَذِهِ الصِّفَة صِفَتهمْ ذَكَرَ بَعْض مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل بِأَسْمَائِهِمْ : 262 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج , وَمَنْ كَانَ عَلَى أَمْرهمْ . وَقَدْ سُمِّيَ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا أَسَمَاؤُهُمْ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , غَيْر أَنِّي تَرَكْت تَسْمِيَتهمْ كَرَاهَة إطَالَة الْكِتَاب بِذِكْرِهِمْ . 263 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } حَتَّى بَلَغَ : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } 2 16 قَالَ : هَذِهِ فِي الْمُنَافِقِينَ . 264 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : هَذِهِ الْآيَة إلَى ثَلَاث عَشْرَة فِي نَعْت الْمُنَافِقِينَ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . * حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 265 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ إسْمَاعِيل السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , وَعَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } هُمْ الْمُنَافِقُونَ 266 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , عَنْ ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس فِي قَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } إلَى : { فَزَادَهُمْ اللَّه مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } 2 10 قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْل النِّفَاق . 267 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } قَالَ : هَذَا الْمُنَافِق يُخَالِف قَوْله فِعْله وَسِرّه عَلَانِيَته وَمَدْخَله مَخْرَجه وَمَشْهَده مَغِيبه . وَتَأْوِيل ذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمَّا جَمَعَ لِرَسُولِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ فِي دَار هِجْرَته وَاسْتَقَرَّ بِهَا قَرَاره وَأَظْهَرَ اللَّه بِهَا كَلِمَته , وَفَشَا فِي دُور أَهْلهَا الْإِسْلَام , وَقَهَرَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ فِيهَا مِنْ أَهْل الشِّرْك مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان , وَذَلَّ بِهَا مَنْ فِيهَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب ; أَظَهَرَ أَحْبَار يَهُودِهَا لِرَسُولِ اللَّه الضَّغَائِن وَأَبْدَوْا لَهُ الْعَدَاوَة وَالشَّنَآن حَسَدًا وَبَغْيًا إلَّا نَفَرًا مِنْهُمْ , هَدَاهُمْ اللَّه لِلْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا , كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَدَّ كَثِير مِنْ أَهْل الْكِتَاب لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْد إيمَانكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْد أَنَفْسهمْ مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقّ } 2 109 وَطَابَقهمْ سِرًّا عَلَى مُعَادَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَبَغْيهمْ الْغَوَائِل قَوْم مِنْ أَرَاهِط الْأَنْصَار الَّذِي آوَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصَرُوهُ وَكَانُوا قَدْ عَتَوْا فِي شِرْكهمْ وَجَاهِلِيَّتهمْ قَدْ سُمُّوا لَنَا بِأَسْمَائِهِمْ , كَرِهْنَا تَطْوِيل الْكِتَاب بِذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ وَأَنْسَابهمْ . وَظَاهِرُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي خِفَاء غَيْر جِهَار حِذَار الْقَتْل عَلَى أَنْفُسهمْ وَالسِّبَاء مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , وَرُكُونًا إلَى الْيَهُود , لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك وَسُوء الْبَصِيرَة بِالْإِسْلَامِ . فَكَانُوا إذَا لَقُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْل الْإِيمَان بِهِ مِنْ أَصْحَابه , قَالُوا لَهُمْ حِذَارًا عَلَى أَنْفُسهمْ : إنَّا مُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِالْبَعْثِ , وَأَعْطَوْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَلِمَة الْحَقّ لِيَدْرَءُوا عَنْ أَنَفْسهمْ حُكْم اللَّه فِيمَنْ اعْتَقَدَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الشِّرْك لَوْ أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا هُمْ مُعْتَقِدُوهُ مِنْ شِرْكهمْ , وَإِذَا لَقُوا إخْوَانهمْ مِنْ الْيَهُود وَأَهْل الشِّرْك وَالتَّكْذِيب بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ فَخَلَوْا بِهِمْ , قَالُوا : { إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } 2 14 فَإِيَّاهُمْ عَنَى جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى خَبَرًا عَنْهُمْ " آمَنَّا بِاَللَّهِ " : صَدَّقْنَا بِاَللَّهِ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْإِيمَان التَّصْدِيق فِيمَا مَضَى قَبْل مِنْ كِتَابنَا هَذَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَمَّا قَوْله : { وَمِنْ النَّاس } فَإِنَّ فِي النَّاس وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون جَمْعًا لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , وَإِنَّمَا وَاحِده إنْسَان وَوَاحِدَته إنْسَانَة . وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ يَكُون أَصْله " أُنَاس " أُسْقِطَتْ الْهَمْزَة مِنْهَا لِكَثْرَةِ الْكَلَام بِهَا , ثُمَّ دَخَلَتْهَا الْأَلِف وَاللَّام الْمُعَرِّفَتَانِ , فَأُدْغِمَتْ اللَّامّ الَّتِي دَخَلَتْ مَعَ الْأَلِف فِيهَا لِلتَّعْرِيفِ فِي النُّون , كَمَا قِيلَ فِي : { لَكِنَّا هُوَ اللَّه رَبِّي } 18 38 عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِي اسْم اللَّه الَّذِي هُوَ اللَّه . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ النَّاس لُغَة غَيْر أُنَاس , وَأَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَب تُصَغِّرهُ نُوَيْس مِنْ النَّاس , وَأَنَّ الْأَصْل لَوْ كَانَ أُنَاس لَقِيلَ فِي التَّصْغِير : أُنَيْس , فَرُدَّ إلَى أَصْله . وَأَجْمَعَ جَمِيع أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل النِّفَاق , وَأَنَّ هَذِهِ الصِّفَة صِفَتهمْ ذَكَرَ بَعْض مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل بِأَسْمَائِهِمْ : 262 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج , وَمَنْ كَانَ عَلَى أَمْرهمْ . وَقَدْ سُمِّيَ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا أَسَمَاؤُهُمْ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , غَيْر أَنِّي تَرَكْت تَسْمِيَتهمْ كَرَاهَة إطَالَة الْكِتَاب بِذِكْرِهِمْ . 263 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } حَتَّى بَلَغَ : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } 2 16 قَالَ : هَذِهِ فِي الْمُنَافِقِينَ . 264 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : هَذِهِ الْآيَة إلَى ثَلَاث عَشْرَة فِي نَعْت الْمُنَافِقِينَ . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . * حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 265 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ إسْمَاعِيل السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , وَعَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } هُمْ الْمُنَافِقُونَ 266 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , عَنْ ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس فِي قَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } إلَى : { فَزَادَهُمْ اللَّه مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } 2 10 قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْل النِّفَاق . 267 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } قَالَ : هَذَا الْمُنَافِق يُخَالِف قَوْله فِعْله وَسِرّه عَلَانِيَته وَمَدْخَله مَخْرَجه وَمَشْهَده مَغِيبه . وَتَأْوِيل ذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمَّا جَمَعَ لِرَسُولِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ فِي دَار هِجْرَته وَاسْتَقَرَّ بِهَا قَرَاره وَأَظْهَرَ اللَّه بِهَا كَلِمَته , وَفَشَا فِي دُور أَهْلهَا الْإِسْلَام , وَقَهَرَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ فِيهَا مِنْ أَهْل الشِّرْك مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان , وَذَلَّ بِهَا مَنْ فِيهَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب ; أَظَهَرَ أَحْبَار يَهُودِهَا لِرَسُولِ اللَّه الضَّغَائِن وَأَبْدَوْا لَهُ الْعَدَاوَة وَالشَّنَآن حَسَدًا وَبَغْيًا إلَّا نَفَرًا مِنْهُمْ , هَدَاهُمْ اللَّه لِلْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا , كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَدَّ كَثِير مِنْ أَهْل الْكِتَاب لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْد إيمَانكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْد أَنَفْسهمْ مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقّ } 2 109 وَطَابَقهمْ سِرًّا عَلَى مُعَادَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَبَغْيهمْ الْغَوَائِل قَوْم مِنْ أَرَاهِط الْأَنْصَار الَّذِي آوَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصَرُوهُ وَكَانُوا قَدْ عَتَوْا فِي شِرْكهمْ وَجَاهِلِيَّتهمْ قَدْ سُمُّوا لَنَا بِأَسْمَائِهِمْ , كَرِهْنَا تَطْوِيل الْكِتَاب بِذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ وَأَنْسَابهمْ . وَظَاهِرُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي خِفَاء غَيْر جِهَار حِذَار الْقَتْل عَلَى أَنْفُسهمْ وَالسِّبَاء مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , وَرُكُونًا إلَى الْيَهُود , لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك وَسُوء الْبَصِيرَة بِالْإِسْلَامِ . فَكَانُوا إذَا لَقُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْل الْإِيمَان بِهِ مِنْ أَصْحَابه , قَالُوا لَهُمْ حِذَارًا عَلَى أَنْفُسهمْ : إنَّا مُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِالْبَعْثِ , وَأَعْطَوْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَلِمَة الْحَقّ لِيَدْرَءُوا عَنْ أَنَفْسهمْ حُكْم اللَّه فِيمَنْ اعْتَقَدَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الشِّرْك لَوْ أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا هُمْ مُعْتَقِدُوهُ مِنْ شِرْكهمْ , وَإِذَا لَقُوا إخْوَانهمْ مِنْ الْيَهُود وَأَهْل الشِّرْك وَالتَّكْذِيب بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ فَخَلَوْا بِهِمْ , قَالُوا : { إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } 2 14 فَإِيَّاهُمْ عَنَى جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى خَبَرًا عَنْهُمْ " آمَنَّا بِاَللَّهِ " : صَدَّقْنَا بِاَللَّهِ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْإِيمَان التَّصْدِيق فِيمَا مَضَى قَبْل مِنْ كِتَابنَا هَذَا .' وَقَوْله : { وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } يَعْنِي بِالْبَعْثِ يَوْم الْقِيَامَة . وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْم الْقِيَامَة الْيَوْم الْآخِر : لِأَنَّهُ آخِر يَوْم , لَا يَوْم بَعْده سِوَاهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ لَا يَكُون بَعْده يَوْم , وَلَا انْقِطَاع لِلْآخِرَةِ , وَلَا فِنَاء , وَلَا زَوَال ؟ . قِيلَ : إنَّ الْيَوْم عِنْد الْعَرَب إنَّمَا سُمِّيَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ الَّتِي قَبْله , فَإِذَا لَمْ يَتَقَدَّم النَّهَار لَيْل لَمْ يُسَمَّ يَوْمًا , فَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم لَا لَيْل لَهُ بَعْده سِوَى اللَّيْلَة الَّتِي قَامَتْ فِي صَبِيحَتهَا الْقِيَامَة , فَذَلِكَ الْيَوْم هُوَ آخِر الْأَيَّام , وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " الْيَوْم الْآخِر " , وَنَعَتَهُ بِالْعَقِيمِ , وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ يَوْم عَقِيم لِأَنَّهُ لَا لَيْل بَعْده .وَقَوْله : { وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } يَعْنِي بِالْبَعْثِ يَوْم الْقِيَامَة . وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْم الْقِيَامَة الْيَوْم الْآخِر : لِأَنَّهُ آخِر يَوْم , لَا يَوْم بَعْده سِوَاهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ لَا يَكُون بَعْده يَوْم , وَلَا انْقِطَاع لِلْآخِرَةِ , وَلَا فِنَاء , وَلَا زَوَال ؟ . قِيلَ : إنَّ الْيَوْم عِنْد الْعَرَب إنَّمَا سُمِّيَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ الَّتِي قَبْله , فَإِذَا لَمْ يَتَقَدَّم النَّهَار لَيْل لَمْ يُسَمَّ يَوْمًا , فَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم لَا لَيْل لَهُ بَعْده سِوَى اللَّيْلَة الَّتِي قَامَتْ فِي صَبِيحَتهَا الْقِيَامَة , فَذَلِكَ الْيَوْم هُوَ آخِر الْأَيَّام , وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " الْيَوْم الْآخِر " , وَنَعَتَهُ بِالْعَقِيمِ , وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ يَوْم عَقِيم لِأَنَّهُ لَا لَيْل بَعْده .' وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } وَنَفِيه عَنْهُمْ جَلَّ ذِكْره اسْم الْإِيمَان , وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر ; فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ تَكْذِيب لَهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا عَنْ اعْتِقَادهمْ مِنْ الْإِيمَان وَالْإِقْرَار بِالْبَعْثِ , وَإِعْلَام مِنْهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الَّذِي يُبْدُونَهُ لَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ خِلَاف مَا فِي ضَمَائِر قُلُوبهمْ , وَضِدّ مَا فِي عَزَائِم نَفُوسهمْ . وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلَالَة وَاضِحَة عَلَى بِطُولِ مَا زَعَمَتْهُ الْجَهْمِيَّة مِنْ أَنَّ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِالْقَوْلِ دُون سَائِر الْمَعَانِي غَيْره . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ الَّذِينَ ذَكَرهمْ فِي كِتَابه مِنْ أَهْل النِّفَاق أَنَّهُمْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ : { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } ثُمَّ نَفَى عَنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ , إذْ كَانَ اعْتِقَادهمْ غَيْر مُصَدِّق قَوْلهمْ ذَلِكَ . وَقَوْله : { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي بِمُصَدِّقِينَ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ بِهِ مُصَدِّقُونَ .وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } وَنَفِيه عَنْهُمْ جَلَّ ذِكْره اسْم الْإِيمَان , وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر ; فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ تَكْذِيب لَهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا عَنْ اعْتِقَادهمْ مِنْ الْإِيمَان وَالْإِقْرَار بِالْبَعْثِ , وَإِعْلَام مِنْهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الَّذِي يُبْدُونَهُ لَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ خِلَاف مَا فِي ضَمَائِر قُلُوبهمْ , وَضِدّ مَا فِي عَزَائِم نَفُوسهمْ . وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلَالَة وَاضِحَة عَلَى بِطُولِ مَا زَعَمَتْهُ الْجَهْمِيَّة مِنْ أَنَّ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِالْقَوْلِ دُون سَائِر الْمَعَانِي غَيْره . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ الَّذِينَ ذَكَرهمْ فِي كِتَابه مِنْ أَهْل النِّفَاق أَنَّهُمْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ : { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } ثُمَّ نَفَى عَنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ , إذْ كَانَ اعْتِقَادهمْ غَيْر مُصَدِّق قَوْلهمْ ذَلِكَ . وَقَوْله : { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي بِمُصَدِّقِينَ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ بِهِ مُصَدِّقُونَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} فيه سبع مسائل: الأولى: روى ابن جريج عن مجاهد قال : نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين، واثنتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين. و روى أسباط عن السدي في قوله { ومن الناس } قال : هم المنافقون. وقال علماء الصوفية : الناس اسم جنس، واسم الجنس لا يخاطب به الأولياء. الثانية: واختلف النحاة في لفظ الناس، فقيل : هو اسم من أسماء الجموع، جمع إنسان وإنسانة، على غير اللفظ، وتصغيره نويس. فالناس من النوس وهو الحركة، يقال : ناس ينوس أي تحرك، ومنه حديث أم زرع أناسَ من حُليٍّ أذني . وقيل : أصله من نسي، فأصل ناس نسي قلب فصار نيس تحركت الياء فانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، ثم دخلت الألف واللام فقيل : الناس. قال ابن عباس : نسي آدم عهد الله فسمي إنسانا. وقال عليه السلام : (نسي آدم فنسيت ذريته). وفي التنزيل { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي} [طه: 115 ]. وسيأتي وعلى هذا فالهمزة زائدة، قال الشاعر : لا تنسين تلك العهود فإنما ** سميت إنسانا لأنك ناسي وقال آخر : فإن نسيت عهودا منك سالفة ** فاغفر فأول ناس أول الناس وقيل : سمي إنسانا لأنسه بحواء. وقيل : لأنسه بربه، فالهمزة أصلية، قال الشاعر : وما سمي الإنسان إلا لأنسه ** ولا القلب إلا أنه يتقلب الثالثة: لما ذكر الله جل وتعالى المؤمنين أولا، وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم، ذكر الكافرين في مقابلتهم، إذ الكفر والإيمان طرفان. ثم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين قبلهم، لنفي الإيمان عنهم بقوله الحق { وما هم بمؤمنين} . ففي هذا رد على الكرَّامية حيث قالوا : إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب، واحتجوا بقوله تعالى { فأثابهم الله بما قالوا} [المائدة: 85 ]. ولم يقل : بما قالوا وأضمروا، وبقوله عليه السلام : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم). وهذا منهم قصور وجمود، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع القول والاعتقاد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان). أخرجه ابن ماجة في سننه. فما ذهب إليه محمد بن كرام السجستاني وأصحابه هو النفاق وعين الشقاق، ونعوذ بالله من الخذلان وسوء الاعتقاد. الرابعة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم : المؤمن ضربان : مؤمن يحبه الله ويواليه، ومؤمن لا يحبه الله ولا يواليه، بل يبغضه ويعاديه، فكل من علم الله أنه يوافي بالإيمان، فالله محب له، موال له، راض عنه. وكل من علم الله أنه يوافي بالكفر، فالله مبغض له، ساخط عليه، معاد له، لا لأجل إيمانه، ولكن لكفره وضلاله الذي يوافي به. والكافر ضربان : كافر يعاقب لا محالة، وكافر لا يعاقب. فالذي يعاقب هو الذي يوافي بالكفر، فالله ساخط عليه معاد له. والذي لا يعاقب هو الموافي بالإيمان، فالله غير ساخط على هذا ولا مبغض له، بل محب له موال، لا لكفره لكن لإيمانه الموافي به. فلا يجوز أن يطلق القول وهي : - الخامسة: بأن المؤمن يستحق الثواب، والكافر يستحق العقاب، بل يجب تقييده بالموافاة، ولأجل هذا قلنا : إن الله راض عن عمر في الوقت الذي كان يعبد الأصنام، ومريد لثوابه ودخوله الجنة، لا لعبادته الصنم، لكن لإيمانه الموافي به. وإن الله تعالى ساخط على إبليس في حال عبادته، لكفره الموافي به. وخالفت القدرية في هذا وقالت : إن الله لم يكن ساخطا على إبليس وقت عبادته، ولا راضيا عن عمر وقت عبادته للصنم. وهذا فاسد، لما ثبت أن الله سبحانه عالم بما يوافي به إبليس لعنه الله، وبما يوافي به عمر رضي الله عنه فيما لم يزل، فثبت أنه كان ساخطا على إبليس محبا لعمر. ويدل عليه إجماع الأمة على أن الله سبحانه وتعالى غير محب لمن علم أنه من أهل النار، بل هو ساخط عليه، وأنه محب لمن علم أنه من أهل الجنة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وإنما الأعمال بالخواتيم) ولهذا قال علماء الصوفية : ليس الإيمان ما يتزين به العبد قولا وفعلا، لكن الإيمان جَرْيُ السعادة في سوابق الأزل، وأما ظهوره على الهياكل فربما يكون عاريا، وربما يكون حقيقة. قلت : هذا كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبدالله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). فإن قيل وهي : - السادسة: فقد خرّج الإمام الحافظ أبو محمد عبدالغني بن سعيد المصري من حديث محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة، وهو محمد بن أبي قيس، عن سليمان بن موسى وهو الأشدق، عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس أخبرنا أبو رَزين العقيلي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لأشربن أنا وأنت يا أبا رزين من لبن لم يتغير طعمه) قال قلت : كيف يحيي الله الموتى؟ قال : (أما مررت بأرض لك مجدبة ثم مررت بها مخصبة ثم مررت بها مجدبة ثم مررت بها مخصبة) قلت : بلى. قال : (كذلك النشور) قال قلت : كيف لي أن أعلم أني مؤمن؟ قال : (ليس أحد من هذه الأمة - قال ابن أبي قيس : أو قال من أمتي - عمل حسنة وعلم أنها حسنة وأن الله جازيه بها خيرا أو عمل سيئة وعلم أنها سيئة وأن الله جازيه بها شرا أو يغفرها إلا مؤمن). قلت : وهذا الحديث وإن كان سنده ليس بالقوي فإن معناه صحيح وليس بمعارض لحديث ابن مسعود، فإن ذلك موقوف على الخاتمة، كما قال عليه السلام : (وإنما الأعمال بالخواتيم). وهذا إنما يدل على أنه مؤمن في الحال، والله أعلم. السابعة: قال علماء اللغة : إنما سمي المنافق منافقا لإظهاره غير ما يضمر، تشبيها باليربوع، له جحر يقال له : النافقاء، وآخر يقال له : القاصعاء. وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب، فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج، فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر. وكذلك المنافق ظاهره إيمان، وباطنه كفر، وقد تقدم هذا المعنى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 4 - 8


سورة البقرة الايات 8 - 11

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الناس في الحياة الدنيا على ثلاثة أحوال: إما مؤمن، وإما كافر، وإما منافق.

والله سبحانه وتعالى في بداية القرآن الكريم في سورة البقرة.. أراد أن يعطينا وصف البشر جميعا بالنسبة للمنهج وأنهم ثلاث فئات: الفئة الأولى هم المؤمنون، عَرَّفنا الله سبحانه وتعالى صفاتهم في ثلاث آيات، في قوله تعالى:

{ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }

والفئة الثانية هم الكفار، وعرفنا الله سبحانه وتعالى صفاتهم في آيتين في قوله تعالى:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }

وجاء للمنافقين فعرف صفاتهم في ثلاث عشرة آية متتابعة، لماذا..؟ لخطورتهم على الدين، فالذي يهدم الدين هو المنافق، أما الكافر فنحن نتقيه ونحذره، لأنه يعلن كفره.

إن المنافق، يتظاهر أمامك بالإيمان، ولكنه يبطن الشر والكفر، وقد تحسبه مؤمنا، فتطلعه على أسرارك، فيتخذها سلاحا لطعن الدين.. وقد خلق الله في الإنسان ملكات متعددة، ولكن يعيش الإنسان في سلام مع نفسه، لابد أن تكون ملكاته منسجمة وغير متناقضة.

فالمؤمن ملكاته منسجمة، لأنه اعتقد بقلبه في الإيمان ونطق لسانه بما يعتقد، فلا تناقض بين ملكاته أبداً..

والكافر قد يقال إنه يعيش في سلام مع نفسه، فقد رفض الإيمان وأنكره بقلبه ولسانه وينطق بذلك، ولكن الذي فقد السلام مع ملكاته هو المنافق، أنه فقد السلام مع مجتمعه وفقد السلام مع نفسه، فهو يقول بلسانه، ما لا يعتقد قلبه، يظهر غير ما يبطن، ويقول غير ما يعتقد، ويخشى أن يكشفه الناس، فيعيش في خوف عميق، وهو يعتقد أن ذلك شيء مؤقت سينتهي.

ولكن هذا التناقض يبقى معه إلى آخر يوم له في الدنيا، ثم ينتقل معه إلى الآخرة، فينقض عليه، ليقوده إلى النار، واقرأ قوله تبارك وتعالى:
{  حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
[فصلت: 20-21].

إذن كل ملكاتهم انقضت عليهم في الآخرة، فالسلام الذي كانوا يتمنونه لم يحققوه لا في حياتهم ولا في آخرتهم، فلسان المنافق يشهد عليه، ويداه تشهدان عليه، ورجلاه تشهدان عليه، والجلود تشهد عليه، فماذا بقي له؟

بينه وبين ربه تناقض، وبينه وبين نفسه تناقض، وبينه وبين مجتمعه تناقض، وبينه وبين آخرته تناقض. وبينه وبين الكافرين تناقض. يقول لسانه ما ليس في قلبه، وبماذا وصف الحق سبحانه وتعالى المنافقين؟ قال تعالى: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } [البقرة: 8].هذه أول صفات المنافقين في القرآن الكريم، يعلنون الإيمان وفي قلوبهم الكفر، ولذلك فإن إيمانهم كله تظاهر، إذا ذهبوا للصلاة لا تكتب لهم، لأنهم يتظاهرون بها، ولا يؤدونها عن إيمان، وإذا أدوا الزكاة، فإنها تكون عليهم حسرة، لأنهم ينفقونها وهم لها كارهون، لأنها في زعمهم نقص من مالهم. لا يأخذون عليها ثوابا في الآخرة، وإذا قتل واحد منهم في غزوة، انتابهم الحزن، والأسى، لأنهم أهدروا حياتهم ولم يقدموها في سبيل الله.

وهكذا يكون كل ما يفعلونه شقاء بالنسبة لهم.

أما المؤمن فحين يصلي أو يؤدي الزكاة أو يستشهد في سبيل الله فهو يرجو الجنة، وأما المنافقون فإنهم يفعلون كل هذا، وهم لا يرجون شيئا.. فكأنهم بنفاقهم قد حكم عليهم الله سبحانه وتعالى بالشقاء في الدنيا والآخرة، فلا هم في الدنيا لهم متعة المؤمن فيما يفعل في سبيل الله، ولا هم في الآخرة لهم ثواب المؤمن فيما يرجو من الله.


www.alro7.net