سورة
اية:

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ} الآية. [79].
قال الضحاك ومقاتل: نزلت في نصارى نَجْرَان حين عبدوا عيسى. وقوله: { لِبَشَرٍ} يعني عيسى { أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ} يعني الإنجيل.
وقال ابن عباس في رواية الكلبي وعطاء: إن أبا رافع اليهودي والرِّبِّيس من نصارى نَجْرَان، قالا: يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. معاذ الله أن يُعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الحسن: بلغني أن رجلاً قال: يا رسول الله، نُسلِّم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله. فأنزل الله تعالى هذه الآية.

تفسير بن كثير

عن ابن عباس قال، قال أبو رافع القرظي: حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (معاذ اللّه أن نعبد غير اللّه، أو أن نأمر بعبادة غير اللّه، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني)، أو كما قال صلى اللّه عليه وسلم، فأنزل اللّه في ذلك من قولهما: { ما كان لبشر أن يؤتيه اللّه الكتاب والحكم والنبوة - إلى قوله - بعد إذ أنتم مسلمون} ""ذكره محمد بن إسحاق""أي ما ينبغي لبشر آتاه اللّه الكتاب والحكمة والنبوة، أن يقول للناس اعبدوني من دون اللّه، أي مع اللّه، فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى لهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضاً، يعني أهل الكتاب كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم، كما قال اللّه تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه} الآية. وفي المسند أن عدي بن حاتم قال: يا رسول اللّه، ما عبدوهم، قال: (بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم)، فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال، يدخلون في هذا الذم والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين. فالرسل، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين، هم السفراء بين اللّه وبين خلقه، في أداء ما حملوه من الرسالة، وإبلاغ الأمانة فقاموا بذلك أتم القيام ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق، وقوله تعالى: { ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} أي ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين، قال ابن عباس: أي حكماء علماء حلماء، وقال الحسن: فقهاء، وعن الحسن أيضاً: يعني أهل عبادة وأهل تقوى، وقال الضحاك في قوله: { بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً، تَعْلمون: أي تفهمون معناه، وقرئ تعلّمون بالتشديد من التعليم، { وبما كنتم تدرسون} تحفظون ألفاظه، ثم قال اللّه تعالى: { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً} أي ولا يأمركم بعبادة أحد غير اللّه، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، أيامركُم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} ؟ أي لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير اللّه، ومن دعا إلى عبادة غير اللّه فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة اللّه وحده لا شريك له كما قال تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فعبدون} ، وقال: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون اللّه آلهة يعبدون} ؟ وقال إخباراً عن الملائكة: { ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} .

تفسير الجلالين

ونزل لما قال نصارى نجران إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا ولما طلب بعض المسلمين السجود له صلى الله عليه وسلم { ما كان } ينبغي { لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم } أي الفهم للشريعة { والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن } يقول { كونوا ربانيين } علماء عاملين منسوبين إلى الرب بزيادة ألف ونون تفخيما { بما كنتم تَعْلمُونَ } بالتخفيف والتشديد { الكتاب وبما كنتم تدرسون } أي بسبب ذلك فإن فائدته أن تعملوا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْبَشَر , وَالْبَشَر : جَمْع بَنِي آدَم , لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , مِثْل الْقَوْم وَالْخَلْق , وَقَدْ يَكُون اِسْمًا لِوَاحِدٍ . { أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب } يَقُول : أَنْ يُنَزِّل اللَّه عَلَيْهِ كِتَابه , { وَالْحُكْم } يَعْنِي : وَيُعَلِّمهُ فَصْل الْحِكْمَة , { وَالنُّبُوَّة } يَقُول : وَيُعْطِيه النُّبُوَّة , { ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } يَعْنِي : ثُمَّ يَدْعُو النَّاس إِلَى عِبَادَة نَفْسه دُون اللَّه , وَقَدْ آتَاهُ اللَّه مَا آتَاهُ مِنْ الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة , وَلَكِنْ إِذَا آتَاهُ اللَّه ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْعِلْم بِاَللَّهِ , وَيَحْدُوهُمْ عَلَى مَعْرِفَة شَرَائِع دِينه , وَأَنْ يَكُونُوا رُؤَسَاء فِي الْمَعْرِفَة بِأَمْرِ اللَّه وَنَهْيه , وَأَئِمَّة فِي طَاعَته وَعِبَادَته بِكَوْنِهِمْ مُعَلِّمِي النَّاس الْكِتَاب , وَبِكَوْنِهِمْ دَارِسِيهِ . وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَدْعُونَا إِلَى عِبَادَتك ؟ كَمَا : 5769 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ أَبُو رَافِع الْقُرَظِيّ حِين اِجْتَمَعَتْ الْأَحْبَار مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ أَهْل نَجْرَان عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام : أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّد أَنْ نَعْبُدك كَمَا تَعْبُد النَّصَارَى عِيسَى اِبْن مَرْيَم ؟ فَقَالَ رَجُل مِنْ أَهْل نَجْرَان نَصْرَانِيّ , يُقَال لَهُ الرَّئِيس : أَوَ ذَاكَ تُرِيد مِنَّا يَا مُحَمَّد وَإِلَيْهِ تَدْعُونَا ؟ أَوْ كَمَا قَالَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَعَاذ اللَّه أَنْ نَعْبُد غَيْر اللَّه , أَوْ نَأْمُر بِعِبَادَةِ غَيْره , مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي , وَلَا بِذَلِكَ أَمَرَنِي " . أَوْ كَمَا قَالَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة } . .. الْآيَة , إِلَى قَوْله بَعْد : { إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ أَبُو رَافِع الْقُرَظِيّ , فَذَكَرَ نَحْوه . 5770 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْل : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } يَقُول : مَا كَانَ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة يَأْمُر عِبَاده أَنْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا مِنْ دُون اللَّه . 5771 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . 5772 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ يَهُود يَتَعَبَّدُونَ النَّاس مِنْ دُون رَبّهمْ , بِتَحْرِيفِهِمْ كِتَاب اللَّه عَنْ مَوْضِعه , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } ثُمَّ يَأْمُر النَّاس بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْبَشَر , وَالْبَشَر : جَمْع بَنِي آدَم , لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , مِثْل الْقَوْم وَالْخَلْق , وَقَدْ يَكُون اِسْمًا لِوَاحِدٍ . { أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب } يَقُول : أَنْ يُنَزِّل اللَّه عَلَيْهِ كِتَابه , { وَالْحُكْم } يَعْنِي : وَيُعَلِّمهُ فَصْل الْحِكْمَة , { وَالنُّبُوَّة } يَقُول : وَيُعْطِيه النُّبُوَّة , { ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } يَعْنِي : ثُمَّ يَدْعُو النَّاس إِلَى عِبَادَة نَفْسه دُون اللَّه , وَقَدْ آتَاهُ اللَّه مَا آتَاهُ مِنْ الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة , وَلَكِنْ إِذَا آتَاهُ اللَّه ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْعِلْم بِاَللَّهِ , وَيَحْدُوهُمْ عَلَى مَعْرِفَة شَرَائِع دِينه , وَأَنْ يَكُونُوا رُؤَسَاء فِي الْمَعْرِفَة بِأَمْرِ اللَّه وَنَهْيه , وَأَئِمَّة فِي طَاعَته وَعِبَادَته بِكَوْنِهِمْ مُعَلِّمِي النَّاس الْكِتَاب , وَبِكَوْنِهِمْ دَارِسِيهِ . وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَدْعُونَا إِلَى عِبَادَتك ؟ كَمَا : 5769 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ أَبُو رَافِع الْقُرَظِيّ حِين اِجْتَمَعَتْ الْأَحْبَار مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ أَهْل نَجْرَان عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام : أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّد أَنْ نَعْبُدك كَمَا تَعْبُد النَّصَارَى عِيسَى اِبْن مَرْيَم ؟ فَقَالَ رَجُل مِنْ أَهْل نَجْرَان نَصْرَانِيّ , يُقَال لَهُ الرَّئِيس : أَوَ ذَاكَ تُرِيد مِنَّا يَا مُحَمَّد وَإِلَيْهِ تَدْعُونَا ؟ أَوْ كَمَا قَالَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَعَاذ اللَّه أَنْ نَعْبُد غَيْر اللَّه , أَوْ نَأْمُر بِعِبَادَةِ غَيْره , مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي , وَلَا بِذَلِكَ أَمَرَنِي " . أَوْ كَمَا قَالَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة } . .. الْآيَة , إِلَى قَوْله بَعْد : { إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ أَبُو رَافِع الْقُرَظِيّ , فَذَكَرَ نَحْوه . 5770 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْل : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } يَقُول : مَا كَانَ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة يَأْمُر عِبَاده أَنْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا مِنْ دُون اللَّه . 5771 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . 5772 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ يَهُود يَتَعَبَّدُونَ النَّاس مِنْ دُون رَبّهمْ , بِتَحْرِيفِهِمْ كِتَاب اللَّه عَنْ مَوْضِعه , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيه اللَّه الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُون اللَّه } ثُمَّ يَأْمُر النَّاس بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَلَكِنْ يَقُول لَهُمْ : كُونُوا رَبَّانِيِّينَ , فَتَرَكَ الْقَوْل اِسْتِغْنَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : كُونُوا حُكَمَاء عُلَمَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5773 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : حُكَمَاء عُلَمَاء . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : حُكَمَاء عُلَمَاء . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } : حُكَمَاء عُلَمَاء . 5774 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : كُونُوا فُقَهَاء عُلَمَاء . 5775 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : فُقَهَاء . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْقَاسِم , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : فُقَهَاء . 5776 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : كُونُوا فُقَهَاء عُلَمَاء . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِي رَزِين فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : عُلَمَاء حُكَمَاء . قَالَ مَعْمَر : قَالَ قَتَادَة . 5777 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } أَمَّا الرَّبَّانِيُّونَ : فَالْحُكَمَاء الْفُقَهَاء . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الرَّبَّانِيُّونَ : الْفُقَهَاء الْعُلَمَاء , وَهُمْ فَوْق الْأَحْبَار . 5778 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } يَقُول : كُونُوا حُكَمَاء فُقَهَاء . 5779 - حُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة الثُّمَالِيّ , عَنْ يَحْيَى بْن عُقَيْل فِي قَوْله الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار , قَالَ : الْفُقَهَاء الْعُلَمَاء . * - حُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , مِثْله . * - حَدَّثَنِي اِبْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن الْحَسَن الْأَشْقَر , قَالَ : ثنا أَبُو كُدَيْنَة , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : كُونُوا حُكَمَاء فُقَهَاء . 5780 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } يَقُول : كُونُوا فُقَهَاء عُلَمَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ الْحُكَمَاء الْأَتْقِيَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5781 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن عِيَاض , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : حُكَمَاء أَتْقِيَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ وُلَاة النَّاس وَقَادَتهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5782 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْت اِبْن زَيْد يَقُول فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : الرَّبَّانِيُّونَ : الَّذِينَ يَرُبُّونَ النَّاس وُلَاة هَذَا الْأَمْر , يَرُبُّونَهُمْ : يَلُونَهُمْ . وَقَرَأَ : { لَوْلَا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار } 5 63 قَالَ : الرَّبَّانِيُّونَ : الْوُلَاة , وَالْأَحْبَار : الْعُلَمَاء . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي الرَّبَّانِيِّينَ أَنَّهُمْ جَمْع رَبَّانِيّ , وَأَنَّ الرَّبَّانِيّ الْمَنْسُوب إِلَى الرَّبَّان : الَّذِي يَرُبّ النَّاس , وَهُوَ الَّذِي يُصْلِح أُمُورهمْ وَيَرُبّهَا , وَيَقُوم بِهَا , وَمِنْهُ قَوْل عَلْقَمَة بْن عَبْدَة : وَكُنْت اِمْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْك رِبَابَتِي وَقَبْلك رَبَّتْنِي فَضِعْت رُبُوب يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " رَبَّتْنِي " : وَلِيَ أَمْرِي وَالْقِيَام بِهِ قَبْلك مَنْ يَرُبّهُ وَيُصْلِحهُ , فَلَمْ يُصْلِحُوهُ , وَلَكِنَّهُمْ أَضَاعُونِي فَضِعْت , يُقَال مِنْهُ : رَبَّ أَمْرِي فُلَان فَهُوَ يَرُبّهُ رَبًّا وَهُوَ رَابُّهُ , فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَة فِي مَدْحه قِيلَ : هُوَ رَبَّان , كَمَا يُقَال : هُوَ نَعْسَان , مِنْ قَوْلهمْ : نَعِسَ يَنْعَس , وَأَكْثَر مَا يَجِيء مِنْ الْأَسْمَاء عَلَى فَعْلَان مَا كَانَ مِنْ الْأَفْعَال مَاضِيه عَلَى فَعِلَ مِثْل قَوْلهمْ : هُوَ سَكْرَان وَعَطْشَان وَرَيَّان , مِنْ سَكِرَ يَسْكَر , وَعَطِشَ يَعْطَش , وَرَوِيَ يَرْوَى , وَقَدْ يَجِيء مِمَّا كَانَ مَاضِيه عَلَى فَعَلَ يَفْعُل , نَحْو مَا قُلْنَا مِنْ نَعَسَ يَنْعُس , وَرَبَّ يَرُبّ . فَإِذَا كَانَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا , وَكَانَ الرَّبَّان مَا ذَكَرْنَا , وَالرَّبَّانِيّ : هُوَ الْمَنْسُوب إِلَى مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْت , وَكَانَ الْعَالِم بِالْفِقْهِ وَالْحِكْمَة مِنْ الْمُصْلِحِينَ , يَرُبّ أُمُور النَّاس بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُمْ الْخَيْر , وَدُعَائِهِمْ إِلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَتهمْ , وَكَانَ كَذَلِكَ الْحَكِيم التَّقِيّ لِلَّهِ , وَالْوَلِيّ الَّذِي يَلِي أُمُور النَّاس عَلَى الْمِنْهَاج الَّذِي وَلِيَهُ الْمُقْسِطُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ أُمُور الْخَلْق بِالْقِيَامِ فِيهِمْ , بِمَا فِيهِ صَلَاح عَاجِلهمْ وَآجِلهمْ , وَعَائِدَة النَّفْع عَلَيْهِمْ فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ ; كَانُوا جَمِيعًا مُسْتَحِقِّينَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } . فَالرَّبَّانِيُّونَ إِذًا , هُمْ عِمَاد النَّاس فِي الْفِقْه وَالْعِلْم وَأُمُور الدِّين وَالدُّنْيَا , وَلِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد : " وَهُمْ فَوْق الْأَحْبَار " , لِأَنَّ الْأَحْبَار هُمْ الْعُلَمَاء . وَالرَّبَّانِيّ : الْجَامِع إِلَى الْعِلْم وَالْفِقْه , الْبَصَر بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِير , وَالْقِيَام بِأُمُورِ الرَّعِيَّة , وَمَا يُصْلِحهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَدِينهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَلَكِنْ يَقُول لَهُمْ : كُونُوا رَبَّانِيِّينَ , فَتَرَكَ الْقَوْل اِسْتِغْنَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : كُونُوا حُكَمَاء عُلَمَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5773 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : حُكَمَاء عُلَمَاء . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : حُكَمَاء عُلَمَاء . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } : حُكَمَاء عُلَمَاء . 5774 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : كُونُوا فُقَهَاء عُلَمَاء . 5775 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : فُقَهَاء . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْقَاسِم , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : فُقَهَاء . 5776 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : كُونُوا فُقَهَاء عُلَمَاء . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ مَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِي رَزِين فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : عُلَمَاء حُكَمَاء . قَالَ مَعْمَر : قَالَ قَتَادَة . 5777 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } أَمَّا الرَّبَّانِيُّونَ : فَالْحُكَمَاء الْفُقَهَاء . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الرَّبَّانِيُّونَ : الْفُقَهَاء الْعُلَمَاء , وَهُمْ فَوْق الْأَحْبَار . 5778 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } يَقُول : كُونُوا حُكَمَاء فُقَهَاء . 5779 - حُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة الثُّمَالِيّ , عَنْ يَحْيَى بْن عُقَيْل فِي قَوْله الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار , قَالَ : الْفُقَهَاء الْعُلَمَاء . * - حُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس , مِثْله . * - حَدَّثَنِي اِبْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن الْحَسَن الْأَشْقَر , قَالَ : ثنا أَبُو كُدَيْنَة , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : كُونُوا حُكَمَاء فُقَهَاء . 5780 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } يَقُول : كُونُوا فُقَهَاء عُلَمَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ الْحُكَمَاء الْأَتْقِيَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5781 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن عِيَاض , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : حُكَمَاء أَتْقِيَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ وُلَاة النَّاس وَقَادَتهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5782 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْت اِبْن زَيْد يَقُول فِي قَوْله : { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } قَالَ : الرَّبَّانِيُّونَ : الَّذِينَ يَرُبُّونَ النَّاس وُلَاة هَذَا الْأَمْر , يَرُبُّونَهُمْ : يَلُونَهُمْ . وَقَرَأَ : { لَوْلَا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار } 5 63 قَالَ : الرَّبَّانِيُّونَ : الْوُلَاة , وَالْأَحْبَار : الْعُلَمَاء . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي الرَّبَّانِيِّينَ أَنَّهُمْ جَمْع رَبَّانِيّ , وَأَنَّ الرَّبَّانِيّ الْمَنْسُوب إِلَى الرَّبَّان : الَّذِي يَرُبّ النَّاس , وَهُوَ الَّذِي يُصْلِح أُمُورهمْ وَيَرُبّهَا , وَيَقُوم بِهَا , وَمِنْهُ قَوْل عَلْقَمَة بْن عَبْدَة : وَكُنْت اِمْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْك رِبَابَتِي وَقَبْلك رَبَّتْنِي فَضِعْت رُبُوب يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " رَبَّتْنِي " : وَلِيَ أَمْرِي وَالْقِيَام بِهِ قَبْلك مَنْ يَرُبّهُ وَيُصْلِحهُ , فَلَمْ يُصْلِحُوهُ , وَلَكِنَّهُمْ أَضَاعُونِي فَضِعْت , يُقَال مِنْهُ : رَبَّ أَمْرِي فُلَان فَهُوَ يَرُبّهُ رَبًّا وَهُوَ رَابُّهُ , فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَة فِي مَدْحه قِيلَ : هُوَ رَبَّان , كَمَا يُقَال : هُوَ نَعْسَان , مِنْ قَوْلهمْ : نَعِسَ يَنْعَس , وَأَكْثَر مَا يَجِيء مِنْ الْأَسْمَاء عَلَى فَعْلَان مَا كَانَ مِنْ الْأَفْعَال مَاضِيه عَلَى فَعِلَ مِثْل قَوْلهمْ : هُوَ سَكْرَان وَعَطْشَان وَرَيَّان , مِنْ سَكِرَ يَسْكَر , وَعَطِشَ يَعْطَش , وَرَوِيَ يَرْوَى , وَقَدْ يَجِيء مِمَّا كَانَ مَاضِيه عَلَى فَعَلَ يَفْعُل , نَحْو مَا قُلْنَا مِنْ نَعَسَ يَنْعُس , وَرَبَّ يَرُبّ . فَإِذَا كَانَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا , وَكَانَ الرَّبَّان مَا ذَكَرْنَا , وَالرَّبَّانِيّ : هُوَ الْمَنْسُوب إِلَى مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْت , وَكَانَ الْعَالِم بِالْفِقْهِ وَالْحِكْمَة مِنْ الْمُصْلِحِينَ , يَرُبّ أُمُور النَّاس بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُمْ الْخَيْر , وَدُعَائِهِمْ إِلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَتهمْ , وَكَانَ كَذَلِكَ الْحَكِيم التَّقِيّ لِلَّهِ , وَالْوَلِيّ الَّذِي يَلِي أُمُور النَّاس عَلَى الْمِنْهَاج الَّذِي وَلِيَهُ الْمُقْسِطُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ أُمُور الْخَلْق بِالْقِيَامِ فِيهِمْ , بِمَا فِيهِ صَلَاح عَاجِلهمْ وَآجِلهمْ , وَعَائِدَة النَّفْع عَلَيْهِمْ فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ ; كَانُوا جَمِيعًا مُسْتَحِقِّينَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } . فَالرَّبَّانِيُّونَ إِذًا , هُمْ عِمَاد النَّاس فِي الْفِقْه وَالْعِلْم وَأُمُور الدِّين وَالدُّنْيَا , وَلِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد : " وَهُمْ فَوْق الْأَحْبَار " , لِأَنَّ الْأَحْبَار هُمْ الْعُلَمَاء . وَالرَّبَّانِيّ : الْجَامِع إِلَى الْعِلْم وَالْفِقْه , الْبَصَر بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِير , وَالْقِيَام بِأُمُورِ الرَّعِيَّة , وَمَا يُصْلِحهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَدِينهمْ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب , وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْحِجَاز وَبَعْض الْبَصْرِيِّينَ : " بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " بِفَتْحِ التَّاء وَتَخْفِيف اللَّام , يَعْنِي : بِعِلْمِكُمْ الْكِتَاب , وَدِرَاسَتكُمْ إِيَّاهُ وَقِرَاءَتكُمْ . وَاعْتَلُّوا لِاخْتِيَارِهِمْ قِرَاءَة ذَلِكَ كَذَلِكَ , بِأَنَّ الصَّوَاب لَوْ كَانَ التَّشْدِيد فِي اللَّام وَضَمّ التَّاء , لَكَانَ الصَّوَاب فِي " تَدْرُسُونَ " بِضَمِّ التَّاء وَتَشْدِيد الرَّاء . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب } بِضَمِّ التَّاء مِنْ تُعَلِّمُونَ وَتَشْدِيد اللَّام , بِمَعْنَى : بِتَعْلِيمِكُمْ النَّاس الْكِتَاب , وَدِرَاسَتكُمْ إِيَّاهُ . وَاعْتَلُّوا لِاخْتِيَارِهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ وَصَفَهُمْ بِالتَّعْلِيمِ فَقَدْ وَصَفَهُمْ بِالْعِلْمِ , إِذْ لَا يُعَلِّمُونَ إِلَّا بَعْد عِلْمهمْ بِمَا يُعَلِّمُونَ . قَالُوا : وَلَا مَوْصُوف بِأَنَّهُ يَعْلَم , إِلَّا وَهُوَ مَوْصُوف بِأَنَّهُ عَالِم . قَالُوا : فَأَمَّا الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ عَالِم , فَغَيْر مَوْصُوف بِأَنَّهُ مُعَلِّم غَيْره . قَالُوا : فَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ , أَبْلَغهمَا فِي مَدْح الْقَوْم , وَذَلِكَ وَصْفهمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس الْكِتَاب . كَمَا : 5783 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَرَأَ : " بِمَا كُنْت تَعْلَمُونَ الْكِتَاب وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ " مُخَفَّفَة بِنَصَبِ التَّاء . وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَة : مَا عَلَّمُوهُ حَتَّى عَلِمُوهُ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بِضَمِّ التَّاء وَتَشْدِيد اللَّام , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَ الْقَوْم بِأَنَّهُمْ أَهْل عِمَاد لِلنَّاسِ فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ , وَأَهْل إِصْلَاح لَهُمْ وَلِأُمُورِهِمْ وَتَرْبِيَة , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } عَلَى مَا بَيَّنَّا قَبْل مِنْ مَعْنَى الرَّبَّانِيّ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ صَارُوا أَهْل إِصْلَاح لِلنَّاسِ , وَتَرْبِيَة لَهُمْ بِتَعْلِيمِهِمْ إِيَّاهُمْ كِتَاب رَبّهمْ . وَدِرَاسَتهمْ إِيَّاهُ : تِلَاوَته , وَقَدْ قِيلَ : دِرَاسَتهمْ الْفِقْه . وَأَشْبَهَ التَّأْوِيلَيْنِ بِالدِّرَاسَةِ مَا قُلْنَا مِنْ تِلَاوَة الْكِتَاب , لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْله : { تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب } , وَالْكِتَاب : هُوَ الْقُرْآن , فَلَأَنْ تَكُون الدِّرَاسَة مَعْنِيًّا بِهَا دِرَاسَة الْقُرْآن أَوْلَى مِنْ أَنْ تَكُون مَعْنِيًّا بِهَا دِرَاسَة الْفِقْه الَّذِي لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5784 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ يَحْيَى بْن آدَم : قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا : كَانَ عَاصِم يَقْرَؤُهَا : { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب } قَالَ : الْقُرْآن , { وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } قَالَ : الْفِقْه . فَمَعْنَى الْآيَة : وَلَكِنْ يَقُول لَهُمْ : كُونُوا أَيّهَا النَّاس سَادَة النَّاس وَقَادَتهمْ فِي أَمْر دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ , رَبَّانِيِّينَ بِتَعْلِيمِكُمْ إِيَّاهُمْ كِتَاب اللَّه , وَمَا فِيهِ مِنْ حَلَال وَحَرَام , وَفَرْض وَنَدْب , وَسَائِر مَا حَوَاهُ مِنْ مَعَانِي أُمُور دِينهمْ , وَبِتِلَاوَتِكُمْ إِيَّاهُ وَدِرَاسَتِكُمُوهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب , وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْحِجَاز وَبَعْض الْبَصْرِيِّينَ : " بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " بِفَتْحِ التَّاء وَتَخْفِيف اللَّام , يَعْنِي : بِعِلْمِكُمْ الْكِتَاب , وَدِرَاسَتكُمْ إِيَّاهُ وَقِرَاءَتكُمْ . وَاعْتَلُّوا لِاخْتِيَارِهِمْ قِرَاءَة ذَلِكَ كَذَلِكَ , بِأَنَّ الصَّوَاب لَوْ كَانَ التَّشْدِيد فِي اللَّام وَضَمّ التَّاء , لَكَانَ الصَّوَاب فِي " تَدْرُسُونَ " بِضَمِّ التَّاء وَتَشْدِيد الرَّاء . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب } بِضَمِّ التَّاء مِنْ تُعَلِّمُونَ وَتَشْدِيد اللَّام , بِمَعْنَى : بِتَعْلِيمِكُمْ النَّاس الْكِتَاب , وَدِرَاسَتكُمْ إِيَّاهُ . وَاعْتَلُّوا لِاخْتِيَارِهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ وَصَفَهُمْ بِالتَّعْلِيمِ فَقَدْ وَصَفَهُمْ بِالْعِلْمِ , إِذْ لَا يُعَلِّمُونَ إِلَّا بَعْد عِلْمهمْ بِمَا يُعَلِّمُونَ . قَالُوا : وَلَا مَوْصُوف بِأَنَّهُ يَعْلَم , إِلَّا وَهُوَ مَوْصُوف بِأَنَّهُ عَالِم . قَالُوا : فَأَمَّا الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ عَالِم , فَغَيْر مَوْصُوف بِأَنَّهُ مُعَلِّم غَيْره . قَالُوا : فَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ , أَبْلَغهمَا فِي مَدْح الْقَوْم , وَذَلِكَ وَصْفهمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس الْكِتَاب . كَمَا : 5783 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَرَأَ : " بِمَا كُنْت تَعْلَمُونَ الْكِتَاب وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ " مُخَفَّفَة بِنَصَبِ التَّاء . وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَة : مَا عَلَّمُوهُ حَتَّى عَلِمُوهُ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بِضَمِّ التَّاء وَتَشْدِيد اللَّام , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَ الْقَوْم بِأَنَّهُمْ أَهْل عِمَاد لِلنَّاسِ فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ , وَأَهْل إِصْلَاح لَهُمْ وَلِأُمُورِهِمْ وَتَرْبِيَة , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ } عَلَى مَا بَيَّنَّا قَبْل مِنْ مَعْنَى الرَّبَّانِيّ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ صَارُوا أَهْل إِصْلَاح لِلنَّاسِ , وَتَرْبِيَة لَهُمْ بِتَعْلِيمِهِمْ إِيَّاهُمْ كِتَاب رَبّهمْ . وَدِرَاسَتهمْ إِيَّاهُ : تِلَاوَته , وَقَدْ قِيلَ : دِرَاسَتهمْ الْفِقْه . وَأَشْبَهَ التَّأْوِيلَيْنِ بِالدِّرَاسَةِ مَا قُلْنَا مِنْ تِلَاوَة الْكِتَاب , لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْله : { تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب } , وَالْكِتَاب : هُوَ الْقُرْآن , فَلَأَنْ تَكُون الدِّرَاسَة مَعْنِيًّا بِهَا دِرَاسَة الْقُرْآن أَوْلَى مِنْ أَنْ تَكُون مَعْنِيًّا بِهَا دِرَاسَة الْفِقْه الَّذِي لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5784 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ يَحْيَى بْن آدَم : قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا : كَانَ عَاصِم يَقْرَؤُهَا : { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَاب } قَالَ : الْقُرْآن , { وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } قَالَ : الْفِقْه . فَمَعْنَى الْآيَة : وَلَكِنْ يَقُول لَهُمْ : كُونُوا أَيّهَا النَّاس سَادَة النَّاس وَقَادَتهمْ فِي أَمْر دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ , رَبَّانِيِّينَ بِتَعْلِيمِكُمْ إِيَّاهُمْ كِتَاب اللَّه , وَمَا فِيهِ مِنْ حَلَال وَحَرَام , وَفَرْض وَنَدْب , وَسَائِر مَا حَوَاهُ مِنْ مَعَانِي أُمُور دِينهمْ , وَبِتِلَاوَتِكُمْ إِيَّاهُ وَدِرَاسَتِكُمُوهُ .'

تفسير القرطبي

قوله { ما كان} معناه ما ينبغي؛ كما قال { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء : 92] و { ما كان لله أن يتخذ من ولد} [مريم : 35]. و { ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} [النور : 16] يعني ما ينبغي. والبشر يقع للواحد والجمع لأنه بمنزلة المصدر؛ والمراد به هنا عيسى في قول الضحاك والسدي. والكتاب : القرآن. والحكم : العلم والفهم. وقيل أيضا : الأحكام. أي إن الله لا يصطفي لنبوته الكَذَبة، ولو فعل ذلك بشر لسلبه الله آيات النبوة وعلاماتها. ونصب { ثم يقول} على الاشتراك بين { أن يؤتيه} وبين { يقول} أي لا يجتمع لنبي إتيان النبوة وقوله { كونوا عبادا لي من دون الله} . { ولكن كونوا ربانيين} أي ولكن جائز أن يكون النبي يقول لهم كونوا ربانيين. وهذه الآية قيل إنها نزلت في نصارى نجران. وكذلك روي أن السورة كلها إلى قوله { وإذ غدوت من أهلك} [آل عمران : 121] كان سبب نزولها نصارى نجران ولكن مزج معهم اليهود؛ لأنهم فعلوا من الجحد والعناد فعلهم. والربانيون واحدهم رباني منسوب إلى الرب. والرباني الذي يُرَبّي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ وكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور؛ روي معناه عن ابن عباس. قال بعضهم : كان في الأصل ربي فأدخلت الألف والنون للمبالغة؛ كما يقال للعظيم اللحية : لِحْيانِيّ ولعظيم الجمة جماني ولغليظ الرقبة رَقَبانيّ. وقال المبرد : الربانيون أرباب العلم، واحدهم ربان، من قولهم : رَبَّه يَرُبّه فهو رَبان إذا دبره وأصلحه؛ فمعناه على هذا يدبرون أمور الناس ويصلحونها. والألف والنون للمبالغة كما قالوا ريّان وعطشان، ثم ضمت إليها ياء النسبة كما قيل : لحياني ورقباني وجماني. قال الشاعر : لو كنت مرتهنا في الجو أنزلني ** منه الحديث ورباني أحباري فمعنى الرباني العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة : وقال أبو رزين : الرباني هو العالم الحكيم. وروى شعبة عن عاصم عن زر عن عبدالله بن مسعود { ولكن كونوا ربانيين} قال : حكماء علماء. ابن جبير : حكماء أتقياء. وقال الضحاك : لا ينبغي لأحد أن يدع حفظ القرآن جهده فإن الله تعالى يقول { ولكن كونوا ربانيين} . وقال ابن زيد : الربانيون الولاة، والأحبار العلماء. وقال مجاهد : الربانيون فوق الأحبار. قال النحاس : وهو قول حسن؛ لأن الأحبار هم العلماء. والرباني الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة؛ مأخوذ من قول العرب : رَبّ أمرَ الناس يَرُبّه إذا أصلحه وقام به، فهو راب ورباني على التكثير. قال أبو عبيدة : سمعت عالما يقول : الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العارف بأنباء الأمة وما كان وما يكون. وقال محمد بن الحنفية يوم مات ابن عباس : اليوم مات رباني هذه الأمة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ما من مؤمن ذكر ولا أنثى حر ولا مملوك إلا ولله عز وجل عليه حق أن يتعلم من القرآن ويتفقه في دينه - ثم تلا هذه الآية - { ولكن كونوا ربانيين} الآية. رواه ابن عباس. قوله تعالى { بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} قرأه أبو عمرو وأهل المدينة بالتخفيف من العلم. واختار هذه القراءة أبو حاتم. قال أبو عمرو : وتصديقها { تَدْرُسون} ولم يقل "تُدَرّسون" بالتشديد من التدريس. وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة "تُعلّمون" بالتشديد من التعليم؛ واختارها أبو عبيد. قال : لأنها تجمع المعنيين "تعلمون، وتدرسون". قال مكي : التشديد أبلغ، لأن كل معلم عالم بمعنى يعلم وليس كل من عَلِمَ شيئا مُعَلِّما، فالتشديد يدل على العلم والتعليم، والتخفيف إنما يدل على العلم فقط، فالتعليم أبلغ وأمدح وغيره أبلغ في الذم. احتج من رجح قراءة التخفيف بقول ابن مسعود "كونوا ربانيين" قال : حكماء علماء؛ فيبعد أن يقال كونوا فقهاء حكماء علماء بتعليمكم. قال الحسن، كونوا حكماء علماء بعلمكم. وقرأ أبو حيوة "تُدرِسون" من أدرس يُدرس. وقرأ مجاهد "تعلمون" بفتح التاء وتشديد اللام، أي تتعلمون.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 78 - 82

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونحن نعرف أن الحق سبحانه وتعالى حين ينزل منهجه، فهو ينزله في كتاب، ويقتضي ذلك أن يصطفي سبحانه إنسانا للرسالة، أي أن الرسول يجيء بمنهج ويطبقه على نفسه ويبلغه للناس، الرسول مصطفى من الله ويختلف في مهمته عن النبي، فالنبي أيضا مصطفى ليطبق المنهج، وهكذا حتى لا يسمع الناس المنهج ككلام فقط ولكن يرونه تطبيقا أيضا، إذن فالرسول واسطة تبليغية ونموذج سلوكي والنبي ليس واسطة تبليغية، بل هو نموذج سلوكي فقط.

إن الحق سبحانه وتعالى يرسل النبي ويرسل الرسول، ولذلك تأتي الآية:
{  وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }
[الحج: 52].

هكذا نعرف أن الرسول والنبي كليهما مرسل من عند الله، الرسول مرسل للبلاغ والأسوة، والنبي مرسل للأسوة فقط، لأن هناك بعضا من الأزمنة يكون المنهج موجودا، ولكن حمل النفس على المنهج، هو المفتقد، ومثال ذلك عصرنا الحاضر ان المنهج موجود وكلنا نعلم ما الحلال وما الحرام، لكن خيبة هذا الزمان تأتي من ناحية عدم حمل أنفسنا على المنهج، لذلك فنحن نحتاج إلى أسوة سلوكية، هكذا عرفنا الكتاب، والنبوة، فما هو الحكم إذن؟

لقد جاء الحق بكلمة: " الحكم " هنا ليدلنا على أنه ليس من الضروري أن توجد الحكمة الإيمانية في الرسول أو النبي فقط، بل قد تكون الحكمة من نصيب إنسان من الرعية الإيمانية، وتكون القضية الإيمانية ناضجة في ذهنه، فيقولها لأن الحكمة تقتضي هذا. ألم يذكر الله لنا وصية لقمان لابنه؟ إن وصية لقمان لابنه هي المنهج الديني، وعلى ذلك فمن الممكن أن يأتي إنسان دون رسالة أو نبوة، ولكن المنهج الإيماني ينقدح في ذهنه، فيعظ به ويطبقه، وهذا إيذان من الله على أن المنهج يمكن لأي عقل حين يستقبله أن يقتنع به، فيعمل به ويبلغه.

ولابد لنا أن نؤكد أن من يهبه الله الحكمة في الدعوة لمنهج الله وتطبيق هذا المنهج، لن يضيف للمنهج شيئا، وبحكم صدقة مع الله فهو لن يدعي أنه مبعوث من الله للناس، إنه يكتفي بالدعوة لله وبأن، يكون أسوة حسنة.

لكن لماذا جاءت هذه الآية؟ لقد جاءت هذه الآية بعد جدال نصارى نجران مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأثناء الجدال انضمت إليهم جماعة من اليهود، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- بماذا تؤمن وتأمر؟ فأبلغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأوامر المنهج ونواهيه، وأصول العبادة، ولأن تلك الجماعة كانوا من أهل الكتاب، بعضهم من نصارى نجران والبعض الآخر من يهود المدينة، وكانوا يزيفون أوامر تعبدية ليست من عند الله، ويريدون من الناس طاعة هذه الأوامر، لذلك لم يفطنوا إلى الفارق بين منهج رسول الله صلى الله عليه السلام وأوامره، وبين ما زيفوه هم من أوامر، فمحمد صلى الله عليه وسلم يطلب من الناس عبادة الله على ضوء المنهج الذي أنزله عليه الحق سبحانه، أما هم فيطلبون طاعة الناس في أوامر من تزييفهم.والطاعة - كما نعلم - هي لله وحده في أصول كل الأديان، فإذا ما جاء إنسان بأمر ليس من الله، وطلب من الناس أن يطيعوه فيه، فهذا معناه أن ذلك الإنسان يطلب أن يعبده الناس - والعياذ بالله - لأن طاعة البشر في غير أوامر الله هي شرك بالله. ولهذا تشابهت المواقف على هذا البعض من أهل الكتاب، وظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منهم طاعتهم لأوامره هو، كما كانوا يطلبون من الناس بعد تحريفهم للمنهج وقالوا: أتريد أن نعبدك ونتخذك إلها؟

إنهم لم يفطنوا إلى الفارق بين الرسول الأمين على منهج الله، وبين رؤسائهم الذين خالفوا الأحكام واستبدلوها بغيرها، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب منهم طاعته لذاته هو، ولكنه قد طلب منهم الطاعة للمنهج الذي جاء به رسولا وقدوة، واستنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوه.

وأنزل الله سبحانه قوله الحق:

{ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ } [آل عمران: 79]

لقد بلغت بهم الغفلة والشرك أنهم ظنوا أن الله لم يختر رسولا أمينا على المنهج، وظنوا بالله ظن السوء، أو أنهم ظنوا أن الرسول سيحرف المنهج كما حرفوه هم، فتحولوا عن عبادة الله إلى عبادة من بعثه الله رسولا، ولذلك جاء القول الفصل { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ }.

وقد ينصرف المعنى أيضا إلى أن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يُجِلُّونَه -صلى الله عليه وسلم - وكل مؤمن مطلوب منه أن يُجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يعظمه، ومن فرط حب بعض الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: أنسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، ألا نسجد لك؟

إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب السجود له من أحد، والحق سبحانه هو الذي كلف عباده المؤمنين بتكريم رسوله فقال:
{  لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }
[النور: 63].

إن المطلوب هو التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أن نعطي له أشياء لا تكون إلا لله.إن تعظيم المسلمين لرسول الله وتكريمهم له هو أن نجعل دعاءه مختلفاً عن دعاء بعضنا بعضا.

والحق في هذه الآية التي نحن في مجال الخواطر عنها وحولها يقول: { وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ }.

إن " لكن " هنا للاستدراك ، مثلما قلنا من قبل: إن " بلى " تنقض القضية التي قبلها وتثبت بعدها قضية مخالفة لها. إن الحق يستدرك هنا لنفهم أنه ليس لأحد من البشر أن يقول: " كونوا عبادا لي " بعد أن أعطاه الله الكتاب والحكم والنبوة، والقضية التي يتم الاستدراك من أجلها وإثباتها هي: { كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ } وكلمة " رباني " ، وكلمة " رب " ، وكلمة " ربيون " ، وكلمة " ربان " ، وكل المادة المكونة من " الراء " و " الباء " تدل على التربية، والولاية، وتعهد المربي، وتدور حول هذا المعنى. أليس ربان السفينة هو الذي يقود السفينة؟

وكلمة " الرب " توضح المتولي للتربية، إذن فما معنى كلمة " رباني "؟ إنك إذا أردت أن تنسب إلى " رب " تقول: " ربّي ". وإذا أردنا المبالغة في النسبة نضيف لها ألفا ونونا فنقول: " رباني " ولذلك نجد في التعبيرات المعاصرة من يريدون أن ينسبوا أمرا إلى العلم فيقولون: " علماني " وفي ذلك مبالغة في النسبة إلى العلم. والفرق بين " علمي " و " علماني " هو أن العلماني يزعم لنفسه أن كل أموره تمشي على العلم المادي، ونجد أن في " علماني " ألفاً ونوناً زائدين لتأكيد النسبة إلى العلم.

وقد يقول قائل: ولماذا نؤكد الانتساب إلى الله بكلمة " رباني "؟

ونقول: لأن الكلمة مأخوذة من كلمة رب، وتؤدي إلى معان: منها أن كل ما عنده من حصيلة البلاغ لا بد أن يكون صادرا ومنسوبا إلى الرب؛ لأنه لم يأت بشيء من عنده، أي أنه يأخذ من الله ولا يأخذ من أحد آخر أبدا؛ فهو رباني الأخذ.

وتؤدي الكلمة إلى معنى آخر: إنه حين يقول ويتكلم فإنه يكون متصفا بخلق أنزله رب يربي الناس ليبلغوا الغاية المقصودة منهم، فهو عندما ينقل ما عنده للناس يكون مربيا، ويدبر الأمر للفلاح والصلاح.

يقول الحق - سبحانه -: { بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } إن العلم هو تلقي النص المنهجي. والدراسة هي البحث الفكري في النص المنهجي.

لذلك فنحن في الريف نقول: " ندرس القمح " أي أننا ندرس القمح بألة حادة كالنورج حتى تنفصل حبوب القمح عن " التبن " وتكون نتيجة الدراس هي استخلاص النافع.. إذن ففيه فرق بين " تعلمون " أي تعلمون غيركم المنهج الصادر من الله وذلك خاضع لتلقي النص، وبين { مَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } أي تعملون أفكاركم في الفهم عن النص.

إن الفهم عن النص يحتاج إلى مدارسة، ومعنى المدارسة هو أخذ وعطاء، ويقال: " دارسه " أي أن واحد قد قام بتبادل التدريس مع آخر، ويقال أيضا: " تدارسنا " أي أنني قلت ما عندي وأنت قد قلت ما عندك حتى يمكن أن نستخلص ونستنبط الحكم الذي يوجد في النص.

وقد يأتي النص محكما، وقد يأتي النص محتملا لأكثر من معنى.

وما دمت قد تعلمت، فلا بد أنك تعرفت على النصوص المحكمة للمنهج. وما دمت قد تدارست، فلا بد أنك قد فهمت من النصوص المحتملة حين مدارستك لأهل الذكر حُسْن استقبال المنهج؛ لذلك يجب أن تكون ربانياً في الأمرين معاً.

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً... }


www.alro7.net