سورة
اية:

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن قارون أنه خرج ذات يوم على قومه، في زينة عظيمة وتجمل باهر، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخارفها وزينتها، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي { قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} أي ذو حظ وافر من الدنيا، فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم { ويلكم ثواب اللّه خير لمن آمن وعمل صالحاً} أي جزاء اللّه لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون. كما في الحديث الصحيح: (يقول اللّه تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرءوا إن شئتم: { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} )، وقوله: { ولا يلقاها إلا الصابرون} قال السدي: ولا يُلَقّى الجنة إلا الصابرون، كأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا العلم، وقال ابن جرير: ولا يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا الراغبون في الدار الآخرة، وكأنه جعل ذلك مقطوعاً من كلام أولئك وجعله من كلام اللّه عزَّ وجلَّ وإخباره بذلك.

تفسير الجلالين

{ فخرج } قارون { على قومه في زينته } بأتباعه الكثيرين ركبانا متحلين بملابس الذهب والحرير على خيول وبغال متحلية { قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا } للتنبيه { ليت لنا مثل ما أوتي قارون } في الدنيا { إنه لذو حظ } نصيب { عظيم } واف فيها.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَخَرَجَ قَارُون عَلَى قَوْمه فِي زِينَته , وَهِيَ فِيمَا ذُكِرَ ثِيَاب الْأُرْجُوَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21038 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا طَلْحَة بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , عَنْ جَابِر { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي الْقِرْمِز . 21039 - قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب حُمْر . 21040 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : عَلَى بَرَاذِين بِيض , عَلَيْهَا سُرُوج الْأُرْجُوَان , عَلَيْهِمْ الْمُعَصْفَرَات. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُعَصْفَرَانِ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : عَلَى بَغْلَة شَهْبَاء عَلَيْهَا الْأُرْجُوَان , وَثَلَاث مِائَة جَارِيَة عَلَى الْبِغَال الشُّهْب , عَلَيْهِنَّ ثِيَاب حُمْر . 21041 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي وَيَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ مُبَارَك , عَنْ الْحَسَن { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب حُمْر وَصُفْر . 21042 -حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , أَنَّهُ سَمِعَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ , قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب حُمْر . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا غُنْدَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ إِبْرَاهِيم مِثْله . 21043 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلِيّ الْمُقَدَّمِيّ , قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيل بْن حَكِيم , قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى مَالِك بْن دِينَار عَشِيَّة , وَإِذَا هُوَ فِي ذِكْر قَارُون , قَالَ : وَإِذَا رَجُل مِنْ جِيرَانه عَلَيْهِ ثِيَاب مُعَصْفَرَة , قَالَ : فَقَالَ مَالِك : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب مِثْل ثِيَاب هَذَا . 21044 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَلَى أَرْبَعَة آلَاف دَابَّة , عَلَيْهِمْ وَعَلَى دَوَابّهمْ الْأُرْجُوَان . 21045 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا , عَلَيْهِمْ الْمُعَصْفَرَات , فِيمَا كَانَ أَبِي يَذْكُر لَنَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَخَرَجَ قَارُون عَلَى قَوْمه فِي زِينَته , وَهِيَ فِيمَا ذُكِرَ ثِيَاب الْأُرْجُوَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21038 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا طَلْحَة بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , عَنْ جَابِر { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي الْقِرْمِز . 21039 - قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب حُمْر . 21040 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : عَلَى بَرَاذِين بِيض , عَلَيْهَا سُرُوج الْأُرْجُوَان , عَلَيْهِمْ الْمُعَصْفَرَات. * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُعَصْفَرَانِ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : عَلَى بَغْلَة شَهْبَاء عَلَيْهَا الْأُرْجُوَان , وَثَلَاث مِائَة جَارِيَة عَلَى الْبِغَال الشُّهْب , عَلَيْهِنَّ ثِيَاب حُمْر . 21041 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي وَيَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ مُبَارَك , عَنْ الْحَسَن { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب حُمْر وَصُفْر . 21042 -حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , أَنَّهُ سَمِعَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ , قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب حُمْر . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا غُنْدَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ إِبْرَاهِيم مِثْله . 21043 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلِيّ الْمُقَدَّمِيّ , قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيل بْن حَكِيم , قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى مَالِك بْن دِينَار عَشِيَّة , وَإِذَا هُوَ فِي ذِكْر قَارُون , قَالَ : وَإِذَا رَجُل مِنْ جِيرَانه عَلَيْهِ ثِيَاب مُعَصْفَرَة , قَالَ : فَقَالَ مَالِك : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : فِي ثِيَاب مِثْل ثِيَاب هَذَا . 21044 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَلَى أَرْبَعَة آلَاف دَابَّة , عَلَيْهِمْ وَعَلَى دَوَابّهمْ الْأُرْجُوَان . 21045 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته } قَالَ : خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا , عَلَيْهِمْ الْمُعَصْفَرَات , فِيمَا كَانَ أَبِي يَذْكُر لَنَا .' { قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاة الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْل مَا أُوتِيَ قَارُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا مِنْ قَوْم قَارُون : يَا لَيْتَنَا أُعْطِينَا مِثْل مَا أُعْطِيَ قَارُون مِنْ زِينَتهَا ! . { قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاة الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْل مَا أُوتِيَ قَارُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا مِنْ قَوْم قَارُون : يَا لَيْتَنَا أُعْطِينَا مِثْل مَا أُعْطِيَ قَارُون مِنْ زِينَتهَا ! .' يَقُول : إِنَّ قَارُون لَذُو نَصِيب مِنْ الدُّنْيَا .يَقُول : إِنَّ قَارُون لَذُو نَصِيب مِنْ الدُّنْيَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فخرج على قومه} أي على بني إسرائيل فيما رآه زينة من متاع الحياة الدنيا؛ من الثياب والدواب والتجمل في يوم عيد قال الغزنوي : في يوم السبت . قوله تعالى: { في زينته} أي مع زينته قال الشاعر : إذا ما قلوب القوم طارت مخافة ** من الموت أرسوا بالنفوس المواجد أي مع النفوس كان خرج في سبعين ألفا من تبعه، عليهم المعصفرات، وكان أول من صبغ له الثياب المعصفرة قال السدي : مع ألف جوار بيض على بغال بيض بسروج من ذهب على قطف الأرجوان قال ابن عباس : خرج على البغال الشهب. مجاهد : على براذين بيض عليها سروج الأرجوان، وعليهم المعصفرات، وكان ذلك أول يوم رئي فيه المعصفر قال قتادة : خرج على أربعة آلاف دابة عليهم ثياب حمر، منها ألف بغل أبيض عليها قطف حمر قال ابن جريج : خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، ومعه ثلاثمائة جارية على البغال الشهب عليهن الثياب الحمر وقال ابن زيد : خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات الكلبي : خرج في ثوب أخضر كان الله أنزله على موسى من الجنة فسرقه منه قارون وقال جابر بن عبدالله رضي الله عنه : كانت زينته القرمز. قلت : القرمز صبغ أحمر مثل الأرجوان، والأرجوان في اللغة صبغ أحمر؛ ذكره القشيري. قوله تعالى: { قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} أي نصيب وافر من الدنيا ثم قيل : هذا من قول مؤمني ذلك الوقت، تمنوا مثل ماله رغبة في الدنيا وقيل : هو من قول أقوام لم يؤمنوا بالآخرة ولا رغبوا فيها، وهم الكفار. { وقال الذين أوتوا العلم} وهم أحبار بني إسرائيل قالوا للذين تمنوا مكانه { ويلكم ثواب الله خير} يعني الجنة. { لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون} أي لا يؤتى الأعمال الصالحة أو لا يؤتى الجنة في الآخرة إلا الصابرون على طاعة الله وجاز ضميرها لأنها المعنية بقوله { ثواب الله} .

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قلنا: إن قارون كان بطبيعة الحال غنياً وجيهاً، حَسَن الصوت والصورة، كثير العدد، كثير المال، فكيف لو أضفت إلى هذا كله أن يخرج في زينته وفي موكب عظيم، وفي أبهة { فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ... } [القصص: 79].

وللعلماء كلام كثير في هذه الزينة التي خرج فيها قارون، فقد كان فيها ألف جارية من صفاتهن كذا وكذا، وألف فرس.. إلخ، حتى أن الناس انبهروا به وبزينته، بل وانقسموا بسببه قسمين: جماعة فُتِنوا به، وأخذهم بريق النعمة والزينة والزهو وترف الحياة، ومدُّوا أعينهم إلى ما هو فيه من متعة الدنيا.

وفي هؤلاء يقول تعالى: { قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [القصص: 79] وقد خاطب الحق - تبارك وتعالى - نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله:
{  وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا... }
[طه: 131].

والمعنى: لا تنظر إلى ما في يد غيرك، واحترم قدر الله في خَلْق الله، واعلم أنك إنْ فرحت بالنعمة عند غيرك أتاك خيرها يطرق بابك وخدمتْك كأنها عندك، وإنْ كرهتها وحسدته عليها تأبَّت عليك، وحُرمْت نفعها؛ لأن النعمة أعشق لصاحبها من عشقه لها، فكيف تأتيه وهو كاره لها عند غيره؟

لذلك من صفات المؤمن أن يحب الخير عند أخيه كما يحبه لنفسه، وحين لا تحب النعمة عند غيرك، فما أذنبه هو؟ فكأنك تعترض على قدر الله فيه، وما دُمْتَ قد تأبيت واعترضت على قدر المنعم، فلا بُدَّ أن يحرمك منها.

لذلك يقول سبحانه في موضع آخر:
{  وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ... }
[النساء: 32].

لأن لكل منكم مهمة ودوراً في الحياة، ولكل منكم مواهبه وميزاته التي يمتاز بها عن الآخرين، ولا بُدَّ أن يكون فيك خصال أحسن ممن تحسده، لكنك غافل عنها غير متنبه لها.

وسبق أن قلنا: إن الحق سبحانه قد وزَّع أسباب فَضْله على خَلْقه؛ لأننا جميعاً أمام الله سواء، وهو سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً؛ لذلك قلنا: إن مجموع مواهب كل فرد تساوي مجموع مواهب الآخر، فقد تزيد أنت عني في خصلة، وأزيد عنك في أخرى، فهذا يمتاز بالذكاء، وهذا بالصحة، وهذا بالعلم، وهذا بالحِلْم.. إلخ.

لأن حركة الحياة تتطلب كل هذه الإمكانيات، فبها تتكامل الحياة، وليس من الممكن أن تتوفر كل هذه المزايا لشخص واحد يقوم بكل الأعمال، بل إنْ تميزْتَ في عملك، وأتقنتَ مهمتك فلك الشكر.

ومن العجيب ألاَّ تنتفع أنت بنبوغك، في حين ينتفع به غيرك، ومن ذلك قولهم مثلاً (باب النجار مخلع)، فلماذا لا يصنع باباً لنفسه، وهو نجار؟ قالوا: لأنه الباب الوحيد الذي لا يتقاضى عليه أجراً.إذن: حينما تجد غيرك مُتفوِّقاً في شيء فلا تحقد عليه؛ لأن تفوقه سيعود عليك، وضربنا لذلك مثلاً بشيء بسيط؛ حين تمسك المقصَّ بيدك اليمنى لتقصَّ أظافر اليد اليسرى تجد أن اليد اليمنى - لأنها مرنة سهلة الحركة - تقصُّ أظافر اليسرى بدقة، أما حين تقصُّ اليسرى أظافر اليمنى فإنها لا تعطيك نفس المهارة التي كانت لليمنى. إذن: فحُسْن اليمنى تعدَّى لليُسْرى ونفعها.

وهكذا إذا رأيتَ أخاك قد تفوَّق في شيء أو أحسن في صُنْعه فاحمد الله؛ لأن حُسْنه وتفوقه سيعود عليك، وقد لا يعود عليه هو، فلا تحسده، ولا تحقد عليه، بل ادْعُ له بالمزيد؛ لأنك ستنتفع به في يوم من الأيام.

لكن ماذا قال أهل الدنيا الذين بُهِروا بزينة قارون؟ قالوا: { يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.. } [القصص: 79] يعني: كما نقول نحن (حظه بمب)؛ لأن هؤلاء لا يعنيهم إلا أمر الدنيا ومُتعها وزُخْرفها، أما أهل العلم وأهل المعرفة فلهم رأْيٌ مخالف، ونظرة أبعد للأمور؛ لذلك رَدُّوا عليهم: { وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ... }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net