سورة
اية:

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { أفتطمعون} أيها المؤمنون { أن يؤمنوا لكم} أن ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك { وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه} أي يتأولونه على غير تأويله { من بعد ما عقلوه} أي فهموه على الجليّة، ومع هذا يخالفونه على بصيرة { وهم يعلمون} أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسة يحرفون الكلم عن مواضعه} وليس كلهم قد سمعها، ولكن هم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها، قال السدي: هي التوراة حرّفوها. وقال قتادة في قوله: { ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} هم اليهود كانوا يسمعون كلام اللّه ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه، وقال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل اللّه في كتابهم من نعت محمد صلى اللّه عليه وسلم فحرفوه عن مواضعه، وقال السدي: { وهم يعلمون} أي أنهم أذنبوا، وقال ابن وهب في قوله { يسمعون كلام اللّه ثم يحرفونه} قال: التوراة التي أنزلها اللّه عليهم، يحرفونها يجعلون الحلال فيها حراماً، والحرام فيها حلالاً، والحق فيها باطلاً والباطل فيها حقاً. وقوله تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} ، قال ابن عباس { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} أي قالوا: إنَّ صاحبكم رسول اللّه ولكنه إليكم خاصة. { وإذا خلا بعضهم إلى بعض} قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم فكان منهم، { وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجوكم به عند ربكم} أي تقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به. يقول اللّه تعالى: { أولا يعلمون أن اللّه يعلم ما يسرون وما يعلنون} ؟ وقال الضحاك: يعني المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم قالوا آمنا، وقال السدي: هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا. وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة نحن مسلمون، ليعلموا خبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر اللّه نبيّه صلى اللّه عليه وسلم قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون، وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون فيقولون: أليس قد قال اللّه لكم كذا وكذا، فيقولون: بلى. قال أبو العالية { أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} يعني بما أنزل عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى اللّه عليه وسلم، وقال قتادة: { أتحدثونهم بما فتح اللّه عليكم ليحاجوكم به عند ربكم} كانوا يقولون سيكون نبيّ فخلا بعضهم ببعض فقالوا: { أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} وعن مجاهد في قوله تعالى: { أتحدثونهم بما فتح اللّه عليكم} قال: قام النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت فقالوا من أخبر بهذا الأمر محمداً؟ ما خرج هذا القول إلا منكم { أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} بما حكم اللّه للفتح ليكون لهم حجة عليكم. وقال الحسن البصري: هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدِّثوا أصحاب محمد بما فتح اللّه عليكم، مما في كتابكم ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم. وقوله تعالى: { أولا يعلمون أن اللّه يعلم ما يسرون وما يعلنون} يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وتكذيبهم به وهم يجدونه مكتوباً عندهم. وقال الحسن: { إن اللّه يعلم ما يسرون} كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم بما فتح اللّه عليهم مما في كتابهم، خشية أن يحاجّهم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم بما في كتابهم عند ربهم { وما يعلنون} يعني حين قالوا لأصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم آمنا.

تفسير الجلالين

قال تعالى { أو لا يعلمون } الاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليها للعطف { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ما يخفون وما يظهرون من ذلك وغيره فيرعَوُوا عن ذلك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } أَوَلَا يَعْلَم هَؤُلَاءِ اللَّائِمُونَ مِنْ الْيَهُود إخْوَانهمْ مِنْ أَهْل مِلَّتهمْ , عَلَى كَوْنهمْ إذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا , وَعَلَى إخْبَارهمْ الْمُومِنِينَ بِمَا فِي كُتُبهمْ مِنْ نَعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَبْعَثه , الْقَائِلُونَ لَهُمْ : { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّه عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْد رَبّكُمْ } أَنَّ اللَّه عَالِم بِمَا يُسِرُّونَ فَيُخْفُونَهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي خَلَائِهِمْ مِنْ كُفْرهمْ وَتَلَاوُمهمْ بَيْنهمْ عَلَى إظْهَارهمْ مَا أَظَهَرُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ الْإِقْرَار بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَى قِيلهمْ لَهُمْ آمَنَّا , وَنَهْي بَعْضهمْ بَعْضًا أَنْ يُخْبِرُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا فَتَحَ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ , وَقَضَى لَهُمْ عَلَيْهِمْ فِي كُتُبهمْ مِنْ حَقِيقَة نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْته وَمَبْعَثه , وَمَا يُعْلِنُونَ فَيُظْهِرُونَهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَصْحَابِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ إذَا لَقُوهُمْ مِنْ قِيلهمْ لَهُمْ : آمَنَّا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ نِفَاقًا وَخِدَاعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ . كَمَا : 1116 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ } مِنْ كُفْرهمْ وَتَكْذِيبهمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَلَا بَعْضهمْ إلَى بَعْض , { وَمَا يُعْلِنُونَ } إذَا لَقُوا أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا آمَنَّا لِيَرْضَوْهُمْ بِذَلِكَ . 1117 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } يَعْنِي مَا أَسَرُّوا مِنْ كُفْرهمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْذِيبهمْ بِهِ , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ . { وَمَا يُعْلِنُونَ } يَعْنِي مَا أَعْلَنُوا حِين قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنَّا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } أَوَلَا يَعْلَم هَؤُلَاءِ اللَّائِمُونَ مِنْ الْيَهُود إخْوَانهمْ مِنْ أَهْل مِلَّتهمْ , عَلَى كَوْنهمْ إذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا , وَعَلَى إخْبَارهمْ الْمُومِنِينَ بِمَا فِي كُتُبهمْ مِنْ نَعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَبْعَثه , الْقَائِلُونَ لَهُمْ : { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّه عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْد رَبّكُمْ } أَنَّ اللَّه عَالِم بِمَا يُسِرُّونَ فَيُخْفُونَهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي خَلَائِهِمْ مِنْ كُفْرهمْ وَتَلَاوُمهمْ بَيْنهمْ عَلَى إظْهَارهمْ مَا أَظَهَرُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ الْإِقْرَار بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَى قِيلهمْ لَهُمْ آمَنَّا , وَنَهْي بَعْضهمْ بَعْضًا أَنْ يُخْبِرُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا فَتَحَ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ , وَقَضَى لَهُمْ عَلَيْهِمْ فِي كُتُبهمْ مِنْ حَقِيقَة نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْته وَمَبْعَثه , وَمَا يُعْلِنُونَ فَيُظْهِرُونَهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَصْحَابِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ إذَا لَقُوهُمْ مِنْ قِيلهمْ لَهُمْ : آمَنَّا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ نِفَاقًا وَخِدَاعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ . كَمَا : 1116 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ } مِنْ كُفْرهمْ وَتَكْذِيبهمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَلَا بَعْضهمْ إلَى بَعْض , { وَمَا يُعْلِنُونَ } إذَا لَقُوا أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا آمَنَّا لِيَرْضَوْهُمْ بِذَلِكَ . 1117 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } يَعْنِي مَا أَسَرُّوا مِنْ كُفْرهمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْذِيبهمْ بِهِ , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ . { وَمَا يُعْلِنُونَ } يَعْنِي مَا أَعْلَنُوا حِين قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنَّا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} هذا في المنافقين. أصل لقوا : لقيوا وقد تقدم. قوله تعالى { وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} الآية في اليهود، وذلك أن ناسا منهم أسلموا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم، فقالت لهم اليهود { أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} أي حكم الله عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أكرم على الله منكم، عن ابن عباس والسدي. وقيل : إن عليا لما نازل قريظة يوم خيبر سمع سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف إليه وقال : يا رسول الله، لا تبلغ إليهم، وعرَّض له، فقال : (أظنك سمعت شتمي منهم لو رأوني لكفوا عن ذلك) ونهض إليهم، فلما رأوه أمسكوا، فقال لهم : (أنقضتم العهد يا إخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته) فقالوا : ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا، من حدثك بهذا؟ ما خرج هذا الخبر إلا من عندنا! روي هذا المعنى عن مجاهد. { وإذا خلا} الأصل في { خلا} خلو، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وتقدم معنى { خلا} في أول السورة. ومعنى { فتح} حكم. والفتح عند العرب : القضاء والحكم، ومنه قوله تعالى { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} أي الحاكمين، والفتاح : القاضي بلغة اليمن، يقال : بيني وبينك الفتاح، قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم. والفتح : النصر، ومنه قوله { يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة:89]، وقوله { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال:19]. ويكون بمعنى الفرق بين الشيئين. قوله تعالى: { ليحاجوكم به} نصب بلام كي، وإن شئت بإضمار أن، وعلامة النصب، حذف النون. قال يونس : وناس من العرب يفتحون لام كي. قال الأخفش : لأن الفتح الأصل. قال خلف الأحمر : هي لغة بني العنبر. ومعنى { ليحاجوكم} ليعيروكم، ويقولوا نحن أكرم على الله منكم. وقيل : المعنى ليحتجوا عليكم بقولكم، يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه. وقيل : إن الرجل من اليهود كان يلقى صديقه من المسلمين فيقول له : تمسك بدين محمد فإنه نبي حقا. قوله تعالى: { عند ربكم} قيل في الآخرة، كما قال { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر:31]. وقيل : عند ذكر ربكم. وقيل { عند} بمعنى في أي ليحاجوكم به في ربكم، فيكونوا أحق به منكم لظهور الحجة عليكم، وروي عن الحسن. والحجة : الكلام المستقيم على الإطلاق، ومن ذلك محجة الطريق. وحاججت فلانا فحججته، أي غلبته بالحجة. ومنه الحديث : (فحج آدم موسى) قوله تعالى { أفلا تعقلون} قيل : هو من قول الأحبار للأتباع. وقيل : هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين، أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال، ثم وبخهم توبيخا يتلى فقال { أولا يعلمون} الآية. فهو استفهام معناه التوبيخ والتقريع. وقرأ الجمهور { يعلمون} بالياء، وابن محيصن بالتاء، خطابا للمؤمنين. والذي أسروه كفرهم، والذي أعلنوه الجحد به.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 67 - 77

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يبين الله لنا بأنه يعلم أمرهم وما يفعلون. لقد ظنوا أن الله غافل عندما خلا بعضهم إلى بعض وقالوا: { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ }.. الله علم وسمع.. وعندما يلاقي المنافقون المؤمنين ويقولون آمنا.. { وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } هذا انفعال حركي ليس فيه كلام يقال ولكن فيه واقع يرى.. ومع ذلك فهو ليس سرا.

ما هو السر وما هو العلن؟.. الأمر المعلن هو الذي يخرج منك إلى من عنده آلة السماع ليسمعك.. والأمر المعلن يخرج منك إلى من عنده آلة الرؤية ليراك.. فإن كان حركة بلا صوت فهذا عدته العين.. وإن كان بصوت فعدته الأذن.. هذه وسائل الإدراك الأصلية.

وقوله تعالى { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } ألم يكن أولى أن يقول سبحانه يعلم ما يعلنون وما يسرون.. وإذا كان يعلم ما نسر أفلا يعلم ما نعلن؟.. لاشك أنه يعلم.. ولكنها دقة في البلاغة القرآنية؛ ذلك أن المتكلم هو الله سبحانه.

ونحن نعلم أن الله غيب.. وغيب يعني مستور عن حواسنا.. ومادام الله غيبا فهو يعلم الغيب المستور.. ربما كان العلن الظاهر له قوانين أخرى.. فمثلا إذا كان هناك شخص في المنزل، ثم يقول " أنا اعلم ما في المنزل وما هو خارج المنزل.. لو قال أنا اعلم ما في المنزل لقلنا له أنت داخله فلا غرابة في ذلك.. ولكنك مستور عما في الخارج فكيف تعلمه؟

ومادام الله غيباً فقوله ما يسرون أقرب لغيبه. وما يعلنون هي التي تحتاج وقفة. لا تظنوا أن الله تبارك وتعالى لأنه غيب لا يعلم إلا ما هو مستور وخفي فقط.. لا.. إنه يعلم المشهود والغائب.. إذن فالمناسب لأن الله غيب عن أبصارنا وكوننا لا ندركه أن يقول ما يسرون أولا..

ما معنى ما يسرون؟.. السر هو ما لم تهمس به إلى غيرك.. لأن همسك للغير بالشيء لم يعد سرا.. ولكن السر هو ما تسره في نفسك ولا تهمس به لأحد من الناس.. وإذا كان السر هو ما تسره في نفسك، فالعلن هو ما تجاهر به. ويكون علنا مادام قد علمه اثنان.. والعلن عند الناس واضح والسر عندهم خفي.. والله سبحانه وتعالى حين يخبرنا أنه غيب.. فليس معنى ذلك أنه لا يعلم إلا غيباً. إنه يعلم السر والعلن.. والله جل جلاله يقول في القرآن الكريم:
{  يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى }
[طه: 7]

فإذا كان السر هو ما تخفيه في نفسك وله واقع داخلك.. " ما هو أخفى " هو أن الله يعلم أنك ستفعله قبل أن تفعله. ويعلم أنه سيحدث منك قبل أن يحدث منك.


www.alro7.net