سورة
اية:

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن اليهود بأن منهم الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم { من إن تأمنه بقنطار} أي من المال { يؤده إليك} أي وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك، { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً} أي بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار، فما فوقه أولى أن لا يؤديه إليك. وقوله { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} أي إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب فإن اللّه قد أحلها لنا، قال اللّه تعالى: { ويقولون على اللّه الكذب وهم يعلمون} أي وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوها بهذه الضلالة، فإن اللّه حرّم عليهم أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بُهت. عن أبي صعصعة بن يزيد أن رجلاً سأل ابن عباس، فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال، نقول: ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب: { ليس علينا في الأميين سبيل} ، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم ""أخرجه عبد الرزاق عن أبي صعصعة بن يزيد"" وعن سعيد بن جبير قال: لما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل، قال نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (كذب أعداء اللّه، ما من شيء كان في الجاهلية إلى وهو تحت قدميَّ هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر) ""أخرجه ابن أبي حاتم"" ثم قال تعالى: { بلى من أوفى بعهده واتقى} أي لكن من أوفى بعهده واتقى منكم يا أهل الكتاب. اتقى محارم اللّه واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيدهم { فإن اللّه يحب المتقين} .

تفسير الجلالين

{ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار } أي بمال كثير { يؤدَّه إليك } لأمانته كعبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأعادها إليه { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } لخيانته { إلا ما دمت عليه قائما } لا تفارقه فمتى فارقته أنكره ككعب بن الأشرف استودعه قرشي دينارا فجحده { ذلك } أي ترك الأداء { بأنهم قالوا } بسبب قولهم { ليس علينا في الأميين } أي العرب { سبيل } أي إثم لاستحلالهم ظلم من خالف دينهم ونسبوه إليه تعالى، قال تعالى { ويقولون على الله الكذب } في نسبة ذلك إليه { وهم يعلمون } أنهم كاذبون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ أَهْل الْكِتَاب مَنْ إِنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْك وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } وَهَذَا الْخَبَر مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ مِنْ أَهْل الْكِتَاب , وَهُمْ الْيَهُود مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل أَهْل أَمَانَة يُؤَدُّونَهَا وَلَا يَخُونُونَهَا , وَمِنْهُمْ الْخَائِن أَمَانَته , الْفَاجِر فِي يَمِينه الْمُسْتَحِلّ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا وَجْه إِخْبَار اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ النَّاس لَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ مِنْهُمْ الْمُؤَدِّي أَمَانَته وَالْخَائِنُهَا ؟ قِيلَ : إِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ وَعَزَّ بِإِخْبَارِهِ الْمُؤْمِنِينَ خَبَرهمْ عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي كِتَابه بِهَذِهِ الْآيَات تَحْذِيرهمْ أَنْ يَأْتَمِنُوهُمْ عَلَى أَمْوَالهمْ , وَتَخْوِيفهمْ الِاغْتِرَار بِهِمْ , لِاسْتِحْلَالِ كَثِير مِنْهُمْ أَمْوَال الْمُؤْمِنِينَ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَمِنْ أَهْل الْكِتَاب الَّذِي إِنْ تَأْمَنهُ يَا مُحَمَّد عَلَى عَظِيم مِنْ الْمَال كَثِير , يُؤَدِّهِ إِلَيْك , وَلَا يَخُنْك فِيهِ ; وَمِنْهُمْ الَّذِي إِنْ تَأْمَنهُ عَلَى دِينَار يَخُنْك فِيهِ , فَلَا يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلَّا أَنْ تُلِحّ عَلَيْهِ بِالتَّقَاضِي وَالْمُطَالَبَة . وَالْبَاء فِي قَوْله : { بِدِينَارٍ } , وَعَلَى يَتَعَاقَبَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِع , كَمَا يُقَال : مَرَرْت بِهِ , وَمَرَرْت عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } فَقَالَ بَعْضهمْ : إِلَّا مَا دُمْت لَهُ مُتَقَاضِيًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5740 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } : إِلَّا مَا طَلَبْته وَاتَّبَعْته . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } قَالَ : تَقْتَضِيه إِيَّاهُ . 5741 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } قَالَ : مُوَاظِبًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا عَلَى رَأْسه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5742 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } يَقُول : يَعْتَرِف بِأَمَانَتِهِ مَا دُمْت قَائِمًا عَلَى رَأْسه , فَإِذَا قُمْت ثُمَّ جِئْت تَطْلُبهُ كَافَرَكَ الَّذِي يُؤَدِّي , وَاَلَّذِي يَجْحَد . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا بِالْمُطَالَبَةِ وَالِاقْتِضَاء , مِنْ قَوْلهمْ : قَامَ فُلَان بِحَقِّي عَلَى فُلَان حَتَّى اِسْتَخْرَجَهُ لِي , أَيْ عَمِلَ فِي تَخْلِيصه , وَسَعَى فِي اِسْتِخْرَاجه مِنْهُ حَتَّى اِسْتَخْرَجَهُ , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِاسْتِحْلَالِهِمْ أَمْوَال الْأُمِّيِّينَ , وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْضِي مَا عَلَيْهِ إِلَّا بِالِاقْتِضَاءِ الشَّدِيد وَالْمُطَالَبَة , وَلَيْسَ الْقِيَام عَلَى رَأْس الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْن , بِمُوجِب لَهُ النُّقْلَة عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ اِسْتِحْلَال مَا هُوَ لَهُ مُسْتَحِلّ , وَلَكِنْ قَدْ يَكُون - مَعَ اِسْتِحْلَاله الذَّهَاب بِمَا عَلَيْهِ لِرَبِّ الْحَقّ - إِلَى اِسْتِخْرَاجه السَّبِيل بِالِاقْتِضَاءِ وَالْمُحَاكَمَة وَالْمُخَاصَمَة , فَذَلِكَ الِاقْتِضَاء : هُوَ قِيَام رَبّ الْمَال بِاسْتِخْرَاجِ حَقّه مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ أَهْل الْكِتَاب مَنْ إِنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْك وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } وَهَذَا الْخَبَر مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ مِنْ أَهْل الْكِتَاب , وَهُمْ الْيَهُود مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل أَهْل أَمَانَة يُؤَدُّونَهَا وَلَا يَخُونُونَهَا , وَمِنْهُمْ الْخَائِن أَمَانَته , الْفَاجِر فِي يَمِينه الْمُسْتَحِلّ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا وَجْه إِخْبَار اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ النَّاس لَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ مِنْهُمْ الْمُؤَدِّي أَمَانَته وَالْخَائِنُهَا ؟ قِيلَ : إِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ وَعَزَّ بِإِخْبَارِهِ الْمُؤْمِنِينَ خَبَرهمْ عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي كِتَابه بِهَذِهِ الْآيَات تَحْذِيرهمْ أَنْ يَأْتَمِنُوهُمْ عَلَى أَمْوَالهمْ , وَتَخْوِيفهمْ الِاغْتِرَار بِهِمْ , لِاسْتِحْلَالِ كَثِير مِنْهُمْ أَمْوَال الْمُؤْمِنِينَ . فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَمِنْ أَهْل الْكِتَاب الَّذِي إِنْ تَأْمَنهُ يَا مُحَمَّد عَلَى عَظِيم مِنْ الْمَال كَثِير , يُؤَدِّهِ إِلَيْك , وَلَا يَخُنْك فِيهِ ; وَمِنْهُمْ الَّذِي إِنْ تَأْمَنهُ عَلَى دِينَار يَخُنْك فِيهِ , فَلَا يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلَّا أَنْ تُلِحّ عَلَيْهِ بِالتَّقَاضِي وَالْمُطَالَبَة . وَالْبَاء فِي قَوْله : { بِدِينَارٍ } , وَعَلَى يَتَعَاقَبَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِع , كَمَا يُقَال : مَرَرْت بِهِ , وَمَرَرْت عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } فَقَالَ بَعْضهمْ : إِلَّا مَا دُمْت لَهُ مُتَقَاضِيًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5740 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } : إِلَّا مَا طَلَبْته وَاتَّبَعْته . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } قَالَ : تَقْتَضِيه إِيَّاهُ . 5741 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } قَالَ : مُوَاظِبًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا عَلَى رَأْسه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5742 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا } يَقُول : يَعْتَرِف بِأَمَانَتِهِ مَا دُمْت قَائِمًا عَلَى رَأْسه , فَإِذَا قُمْت ثُمَّ جِئْت تَطْلُبهُ كَافَرَكَ الَّذِي يُؤَدِّي , وَاَلَّذِي يَجْحَد . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا بِالْمُطَالَبَةِ وَالِاقْتِضَاء , مِنْ قَوْلهمْ : قَامَ فُلَان بِحَقِّي عَلَى فُلَان حَتَّى اِسْتَخْرَجَهُ لِي , أَيْ عَمِلَ فِي تَخْلِيصه , وَسَعَى فِي اِسْتِخْرَاجه مِنْهُ حَتَّى اِسْتَخْرَجَهُ , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِاسْتِحْلَالِهِمْ أَمْوَال الْأُمِّيِّينَ , وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْضِي مَا عَلَيْهِ إِلَّا بِالِاقْتِضَاءِ الشَّدِيد وَالْمُطَالَبَة , وَلَيْسَ الْقِيَام عَلَى رَأْس الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْن , بِمُوجِب لَهُ النُّقْلَة عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ اِسْتِحْلَال مَا هُوَ لَهُ مُسْتَحِلّ , وَلَكِنْ قَدْ يَكُون - مَعَ اِسْتِحْلَاله الذَّهَاب بِمَا عَلَيْهِ لِرَبِّ الْحَقّ - إِلَى اِسْتِخْرَاجه السَّبِيل بِالِاقْتِضَاءِ وَالْمُحَاكَمَة وَالْمُخَاصَمَة , فَذَلِكَ الِاقْتِضَاء : هُوَ قِيَام رَبّ الْمَال بِاسْتِخْرَاجِ حَقّه مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّ مَنْ اِسْتَحَلَّ الْخِيَانَة مِنْ الْيَهُود وَجُحُود حُقُوق الْعَرَبِيّ الَّتِي هِيَ لَهُ عَلَيْهِ , فَلَمْ يُؤَدِّ مَا اِئْتَمَنَهُ الْعَرَبِيّ عَلَيْهِ إِلَيْهِ إِلَّا مَا دَامَ لَهُ مُتَقَاضِيًا مُطَالِبًا , مِنْ أَجْل أَنَّهُ يَقُول : لَا حَرَج عَلَيْنَا فِيمَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَال الْعَرَب , وَلَا إِثْم , لِأَنَّهُمْ عَلَى غَيْر الْحَقّ , وَأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ نَحْو قَوْلنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5743 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } . .. الْآيَة , قَالَتْ الْيَهُود : لَيْسَ عَلَيْنَا فِيمَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَال الْعَرَب سَبِيل . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } قَالَ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْمُشْرِكِينَ سَبِيل , يَعْنُونَ : مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب . 5744 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } قَالَ : يُقَال لَهُ : مَا بَالُك لَا تُؤَدِّي أَمَانَتك ؟ فَيَقُول : لَيْسَ عَلَيْنَا حَرَج فِي أَمْوَال الْعَرَب , قَدْ أَحَلَّهَا اللَّه لَنَا . 5745 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر لَمَّا نَزَلَتْ : { وَمِنْ أَهْل الْكِتَاب مَنْ إِنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْك وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَذَبَ أَعْدَاء اللَّه مَا مِنْ شَيْء كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَّا وَهُوَ تَحْت قَدَمِي , إِلَّا الْأَمَانَة فَإِنَّهَا مُؤَدَّاة إِلَى الْبَرّ وَالْفَاجِر " . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا قَالَتْ الْيَهُود : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } يَعْنُونَ أَخْذَ أَمْوَالهمْ , قَالَ رَسُول اللَّه , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " إِلَّا وَهُوَ تَحْت قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ , إِلَّا الْأَمَانَة فَإِنَّهَا مُؤَدَّاة " وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ . 5746 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب كَانُوا يَقُولُونَ : لَيْسَ عَلَيْنَا جُنَاح فِيمَا أَصَبْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ , لِأَنَّهُمْ أُمِّيُّونَ , فَذَلِكَ قَوْله : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا : 5747 - حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } قَالَ : بَايَعَ الْيَهُود رِجَال مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا أَسْلَمُوا تَقَاضَوْهُمْ ثَمَن بُيُوعهمْ , فَقَالُوا : لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا أَمَانَة , وَلَا قَضَاء لَكُمْ عِنْدنَا , لِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ دِينكُمْ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ , وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي كِتَابهمْ , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } . 5748 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ صَعْصَعَة , قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس : إِنَّا نَغْزُو أَهْل الْكِتَاب , فَنُصِيب مِنْ ثِمَارهمْ ؟ قَالَ : وَتَقُولُونَ كَمَا قَالَ أَهْل الْكِتَاب : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } . 5749 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْهَمْدَانِيّ , عَنْ صَعْصَعَة : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : إِنَّا نُصِيب فِي الْغَزْو - أَوْ الْعِذْق , الشَّكّ مِنْ الْحَسَن - مِنْ أَمْوَال أَهْل الذِّمَّة الدَّجَاجَة وَالشَّاة , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَتَقُولُونَ مَاذَا ؟ قَالَ نَقُول : لَيْسَ عَلَيْنَا بِذَلِكَ بَأْس . قَالَ : هَذَا كَمَا قَالَ أَهْل الْكِتَاب : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } إِنَّهُمْ إِذَا أَدَّوْا الْجِزْيَة لَمْ تَحِلّ لَكُمْ أَمْوَالهمْ إِلَّا بِطِيبِ أَنْفُسهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّ مَنْ اِسْتَحَلَّ الْخِيَانَة مِنْ الْيَهُود وَجُحُود حُقُوق الْعَرَبِيّ الَّتِي هِيَ لَهُ عَلَيْهِ , فَلَمْ يُؤَدِّ مَا اِئْتَمَنَهُ الْعَرَبِيّ عَلَيْهِ إِلَيْهِ إِلَّا مَا دَامَ لَهُ مُتَقَاضِيًا مُطَالِبًا , مِنْ أَجْل أَنَّهُ يَقُول : لَا حَرَج عَلَيْنَا فِيمَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَال الْعَرَب , وَلَا إِثْم , لِأَنَّهُمْ عَلَى غَيْر الْحَقّ , وَأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ نَحْو قَوْلنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5743 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } . .. الْآيَة , قَالَتْ الْيَهُود : لَيْسَ عَلَيْنَا فِيمَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَال الْعَرَب سَبِيل . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } قَالَ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْمُشْرِكِينَ سَبِيل , يَعْنُونَ : مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب . 5744 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } قَالَ : يُقَال لَهُ : مَا بَالُك لَا تُؤَدِّي أَمَانَتك ؟ فَيَقُول : لَيْسَ عَلَيْنَا حَرَج فِي أَمْوَال الْعَرَب , قَدْ أَحَلَّهَا اللَّه لَنَا . 5745 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر لَمَّا نَزَلَتْ : { وَمِنْ أَهْل الْكِتَاب مَنْ إِنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْك وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَذَبَ أَعْدَاء اللَّه مَا مِنْ شَيْء كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَّا وَهُوَ تَحْت قَدَمِي , إِلَّا الْأَمَانَة فَإِنَّهَا مُؤَدَّاة إِلَى الْبَرّ وَالْفَاجِر " . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا قَالَتْ الْيَهُود : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } يَعْنُونَ أَخْذَ أَمْوَالهمْ , قَالَ رَسُول اللَّه , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " إِلَّا وَهُوَ تَحْت قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ , إِلَّا الْأَمَانَة فَإِنَّهَا مُؤَدَّاة " وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ . 5746 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب كَانُوا يَقُولُونَ : لَيْسَ عَلَيْنَا جُنَاح فِيمَا أَصَبْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ , لِأَنَّهُمْ أُمِّيُّونَ , فَذَلِكَ قَوْله : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا : 5747 - حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } قَالَ : بَايَعَ الْيَهُود رِجَال مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا أَسْلَمُوا تَقَاضَوْهُمْ ثَمَن بُيُوعهمْ , فَقَالُوا : لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا أَمَانَة , وَلَا قَضَاء لَكُمْ عِنْدنَا , لِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ دِينكُمْ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ , وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي كِتَابهمْ , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } . 5748 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ صَعْصَعَة , قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاس : إِنَّا نَغْزُو أَهْل الْكِتَاب , فَنُصِيب مِنْ ثِمَارهمْ ؟ قَالَ : وَتَقُولُونَ كَمَا قَالَ أَهْل الْكِتَاب : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } . 5749 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْهَمْدَانِيّ , عَنْ صَعْصَعَة : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : إِنَّا نُصِيب فِي الْغَزْو - أَوْ الْعِذْق , الشَّكّ مِنْ الْحَسَن - مِنْ أَمْوَال أَهْل الذِّمَّة الدَّجَاجَة وَالشَّاة , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَتَقُولُونَ مَاذَا ؟ قَالَ نَقُول : لَيْسَ عَلَيْنَا بِذَلِكَ بَأْس . قَالَ : هَذَا كَمَا قَالَ أَهْل الْكِتَاب : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } إِنَّهُمْ إِذَا أَدَّوْا الْجِزْيَة لَمْ تَحِلّ لَكُمْ أَمْوَالهمْ إِلَّا بِطِيبِ أَنْفُسهمْ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ الْقَائِلِينَ مِنْهُمْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي أَمْوَال الْأُمِّيِّينَ مِنْ الْعَرَب حَرَج أَنْ نَخْتَانَهُمْ إِيَّاهُ , يَقُولُونَ - بِقِيلِهِمْ : إِنَّ اللَّه أَحَلَّ لَنَا ذَلِكَ , فَلَا حَرَج عَلَيْنَا فِي خِيَانَتهمْ إِيَّاهُ , وَتَرْك قَضَائِهِمْ - الْكَذِب عَلَى اللَّه عَامِدِينَ الْإِثْم بِقِيل الْكَذِب عَلَى اللَّه أَنَّهُ أَحَلَّ ذَلِكَ لَهُمْ , وَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } . كَمَا : 5750 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : فَيَقُول عَلَى اللَّه الْكَذِب , وَهُوَ يَعْلَم , يَعْنِي الَّذِي يَقُول مِنْهُمْ إِذَا قِيلَ لَهُ : مَا لَك لَا تُؤَدِّي أَمَانَتك ؟ لَيْسَ عَلَيْنَا حَرَج فِي أَمْوَال الْعَرَب , قَدْ أَحَلَّهَا اللَّه لَنَا . 5751 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } : يَعْنِي اِدِّعَاءَهُمْ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي كِتَابهمْ قَوْلهمْ : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ الْقَائِلِينَ مِنْهُمْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي أَمْوَال الْأُمِّيِّينَ مِنْ الْعَرَب حَرَج أَنْ نَخْتَانَهُمْ إِيَّاهُ , يَقُولُونَ - بِقِيلِهِمْ : إِنَّ اللَّه أَحَلَّ لَنَا ذَلِكَ , فَلَا حَرَج عَلَيْنَا فِي خِيَانَتهمْ إِيَّاهُ , وَتَرْك قَضَائِهِمْ - الْكَذِب عَلَى اللَّه عَامِدِينَ الْإِثْم بِقِيل الْكَذِب عَلَى اللَّه أَنَّهُ أَحَلَّ ذَلِكَ لَهُمْ , وَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } . كَمَا : 5750 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : فَيَقُول عَلَى اللَّه الْكَذِب , وَهُوَ يَعْلَم , يَعْنِي الَّذِي يَقُول مِنْهُمْ إِذَا قِيلَ لَهُ : مَا لَك لَا تُؤَدِّي أَمَانَتك ؟ لَيْسَ عَلَيْنَا حَرَج فِي أَمْوَال الْعَرَب , قَدْ أَحَلَّهَا اللَّه لَنَا . 5751 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } : يَعْنِي اِدِّعَاءَهُمْ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي كِتَابهمْ قَوْلهمْ : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل } . '

تفسير القرطبي

فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} مثل عبدالله بن سلام. { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} وهو فنحاص بن عازوراء اليهودي، أودعه رجل دينارا فخانه. وقيل : كعب بن الأشرف وأصحابه. وقرأ ابن وثاب والأشهب العقيلي "من إن تيمنه" على لغة من قرأ "نستعين" وهي لغة بكر وتميم. وفي حرف عبدالله "مالك لا تِيْمَنّا على يوسف" والباقون بالألف. وقرأ نافع والكسائي "يؤدهي" بياء في الإدراج. قال أبو عبيد : واتفق أبو عمرو والأعمش وعاصم وحمزة في رواية أبي بكر على وقف الهاء، فقرؤوا "يؤدّهْ إليك". قال النحاس : بإسكان الهاء لا يجوز إلا في الشعر عند بعض النحويين، وبعضهم لا يجيزه البتة ويرى أنه غلط ممن قرأ به، وإنه توهم أن الجزم يقع على الهاء، وأبو عمرو أجل من أن يجوز عليه مثل هذا. والصحيح عنه أنه كان يكسر الهاء؛ وهي قراءة يزيد بن القعقاع. وقال الفراء : مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون : ضربته ضربا شديدا؛ كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصلها الرفع؛ كما قال الشاعر : لما رأى ألاّ دَعَهْ ولا شِبَعْ ** مال إلى أرْطاة حِقْف فاضطجع وقيل : إنما جاز إسكان الهاء في هذا الموضع لأنها وقعت في موضع الجزم وهي الياء الذاهبة. وقرأ أبو المنذر سلام والزهري "يؤدّهُ" بضم الهاء بغير واو. وقرأ قتادة وحميد ومجاهد "يؤدِّهُو" بواو في الإدراج، اختير لها الواو لأن الواو من الشفة والهاء بعيدة المخرج. قال سيبويه : الواو في المذكر بمنزلة الألف في المؤنث ويبدل منها ياء لأن الياء أخف إذا كان قبلها كسرة أو ياء، وتحذف الياء وتبقى الكسرة لأن الياء قد كانت تحذف والفعل مرفوع فأثبتت بحالها. الثانية: أخبر تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين، والمؤمنون لا يميزون ذلك، فينبغي اجتناب جميعهم. وخص أهل الكتاب بالذكر وإن كان المؤمنون كذلك؛ لأن الخيانة فيهم أكثر، فخرج الكلام على الغالب. والله أعلم. وقد مضى تفسير القنطار. وأما الدينار فأربعة وعشرون قيراطا والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير، فمجموعه اثنتان وسبعون حبة، وهو مجمع عليه. ومن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى، ومن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر. وهذا أدل دليل على القول بمفهوم الخطاب. وفيه بين العلماء خلاف كثير مذكور في أصول الفقه. وذكر تعالى قسمين : من يؤدّي ومن لا يؤدّي إلا بالملازمة عليه؛ وقد يكون من الناس من لا يؤدِّي وإن دمت عليه قائما. فذكر تعالى القسمين لأنه الغالب والمعتاد والثالث نادر؛ فخرج الكلام على الغالب. وقرأ طلحة بن مصرف وأبو عبدالرحمن السلمي وغيرهما "دمت" بكسر الدال وهما لغتان، والكسر لغة أزْد السَّراة؛ من "دِمْت تدام" مثل خفت تخاف. وحكى الأخفش دِمت تدوم، شاذا. الثالثة: استدل أبو حنيفة على مذهبه في ملازمة الغريم بقوله تعالى { إلا ما دمت عليه قائما} وأباه سائر العلماء، وقد تقدم في البقرة. وقد استدل بعض البغداديين من علمائنا على حبس المِديان بقوله تعالى { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما} فإذا كان له ملازمته ومنعه من التصرف، جاز حبسه. وقيل : إن معنى { إلا ما دمت عليه قائما} أي بوجهك فيهابك ويستحي منك، فان الحياء في العينين؛ ألا ترى إلى قول ابن عباس رضي الله عنه : لا تطلبوا من الأعمى حاجة فإن الحياء في العينين. وإذا طلبت من أخيك حاجة فانظر إليه بوجهك حتى يستحي فيقضيها. ويقال { قائما} أي ملازما له؛ فإن أنظرته أنكرك. وقيل : أراد بالقيام إدامة المطالبة لا عين القيام. والدينار أصله دِنّار فعوضت من إحدى النونين ياء طلبا للتخفيف لكثرة استعماله. يدل عليه أنه يجمع دنانير ويصغر دُنَيْنير. الرابعة: الأمانة عظيمة القدر في الدين، ومن عظم قدرها أنها تقوم هي والرحم على جَنَبَتَي الصراط؛ كما في صحيح مسلم. فلا يمكن من الجواز إلا من حفظهما. وروى مسلم عن حذيفة قال : حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة، قال : (ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه) الحديث. وقد تقدم بكماله أول البقرة. وروى ابن ماجة حدثنا محمد بن المصفى حدثنا محمد بن حرب عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة كثير بن مرة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه رِبْقة الإسلام). وقد مضى في البقرة معنى قوله عليه السلام : (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك). والله أعلم. الخامسة: ليس في هذه الآية تعديل لأهل الكتاب ولا لبعضهم خلافا لمن ذهب إلى ذلك؛ لأن فساق المسلمين يوجد فيهم من يؤدي الأمانة ويؤمن على المال الكثير ولا يكونون بذلك عدولا. فطريق العدالة والشهادة ليس يجزئ فيه أداء الأمانة في المال من جهة المعاملة والوديعة؛ ألا ترى قولهم { ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران : 75] فكيف يعدل من يعتقد استباحة أموالنا وحريمنا بغير حرج عليه؛ ولو كان ذلك كافيا في تعديلهم لسمعت شهادتهم على المسلمين. السادسة: قوله تعالى { ذلك بأنهم قالوا} يعني اليهود { ليس علينا في الأميين سبيل} قيل : إن اليهود كانوا إذا بايعوا المسلمين يقولون : ليس علينا في الأميين سبيل - أي حرج في ظلمهم - لمخالفتهم إيانا. وادعوا أن ذلك في كتابهم؛ فأكذبهم الله عز وجل ورد عليهم فقال { بلى} أي بلى عليهم سبيل العذاب بكذبهم واستحلالهم أموال العرب. قال أبو إسحاق الزجاج : وتم الكلام. ثم قال { من أوفى بعهده واتقى} [آل عمران : 76]. ويقال : إن اليهود كانوا قد استدانوا من الأعراب أموالا فلما أسلم أرباب الحقوق قالت اليهود : ليس لكم علينا شيء، لأنكم تركتم دينكم فسقط عنا دَينكم. وادّعوا أنه حكم التوراة فقال الله تعالى { بلى} ردا لقولهم { ليس علينا في الأميين سبيل} . أي ليس كما تقولون، ثم استأنف فقال { من أوفى بعهده واتقى} الشرك فليس من الكاذبين بل يحبه الله ورسوله. السابعة: قال رجل لابن عباس : إنا نصيب في العمد من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة ونقول : ليس علينا في ذلك بأس. فقال له : هذا كما قال أهل الكتاب { ليس علينا في الأميين سبيل} إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا عن طيب أنفسهم؛ ذكره عبدالرزاق عن معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن صعصعة أن رجلا قال لابن عباس؛ فذكره. الثامنة: قوله تعالى { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} يدل على أن الكافر لا يُجعل أهلا لقبول شهادته؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه كذاب. وفيه رد عل الكفرة الذين يحرمون ويحللون غير تحريم الله وتحليله ويجعلون ذلك من الشرع. قال ابن العربي : ومن هذا يخرج الرد على من يحكم بالاستحسان من غير دليل، ولست أعلم أحدا من أهل القبلة قاله. وفي الخبر : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ما شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 67 - 75


سورة ال عمران الايات 75 - 78

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إنه مطلق الإنصاف الإلهي، فإذا كان الحق قد كشف للرسول بعضا من مكر أهل الكتاب فذلك لا يعني أن هناك حملة على أهل الكتاب وكأنهم كلهم أهل سوء، لا، بل منهم مَنْ يتميز بالأمانة، وهذا القول إنما يؤكد إنصاف الإله المنصف العدل.

إن الحق سبحانه يخاطب النفوس التي يعلمها، فهو يعلم أن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، قد نزلت رحمة للناس أجمعين، ويخاطب بها العالم كله بما فيه من أهل الكتاب، وهم الذين يعرفون الآيات والعلامات التي تدل على مجيء رسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنهم أناس قد جعلوا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم في بؤرة شعورهم ليدرسوها ويؤمنوا بها. ولو أن الله قد جعل الحملة على كل أهل الكتاب، لقال الذين كفروا في الإيمان برسول الله: " كنا نفكر في أن نؤمن، ونحن نريد أن ننفذ تعاليم الله لنا لكن محمدا يشن حملة على كل أهل الكتاب ونحن منهم ".

فساعة يقول الله إن بعضا من أهل الكتاب يتميزون بالأمانة فإن من تراوده فكرة الإسلام يقولون: إن محمد صلى الله عليه وسلم لا يتكلم إلا عن نور من ربه، لكن لو عمم القرآن الحكم على الكل، لتساءل الذين ينشغلون برغبة الإيمان بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم " لماذا يعم الحكم الجميع ونحن نسير في الطريق إلى الإيمان؟ ".

ولهذا يضع الحق القول الفصل في أن منهم أناساً يتجهون إلى الإيمان:
{  لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }
[آل عمران: 113].

وفي هذا ما يطمئن الذي شغلوا أنفسهم بدراسة هذا الدين والتفكير في أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

لو كان القرآن قد نزل بلعنتهم جميعا لقال الذين يفكرون منهم في الإيمان " نحن لسنا كذلك ولا نستحق اللعنة، فلماذا يأتي محمد بلعنتنا؟ ".

لذلك نرى القول بأن { وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } العدل المطلق في الإنصاف:

وقد قال بعض المفسرين: إن القرآن يقصد هنا من { أَهْلِ ٱلْكِتَابِ } النصارى؛ لأن منهم أصحاب ضمير حي، ونحن نعرف أن المقصود بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وفي هذا التفسير إنصاف للنصارى فصفة الخير لهم لا ينكرها الله، بل يشيعها في قرآنه الذي يُتلى إلى يوم الدين، وذلك ليصدق أيضا أهل الكتاب أيَّ أمر سيء تنزل فيه آيات من القرآن، لأن القرآن منصف مطلق الإنصاف. فما دام قد قال خصلة الخير فيهم فلا بد أن يكون صادقا عندما يقول الأمور السيئة التي اتصفوا بها.وعندما يقول الحق سبحانه: " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك " فالقنطار هنا للمبالغة في القدر الكبير من المال، وكلمة الأمانة حينما نستعرضها في كتاب الله عز وجل نجد أنها مرة تتعدى بالباء، كمثل هذه الآية { مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ } ومرة تتعدى بـ " على ":
{  قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ }
[يوسف: 11] وقوله الحق
{  قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ }
[يوسف: 64].

إن مادة الأمانة تأتي متعدية مرة بالباء، ومرة متعدية بـ " على ".

وكل حرف من هذين الحرفين له حكمة، فالمتكلم هو الله.

إن الأمانة هي شيء يأتمن فيه مؤتمِن على مؤتمَن ولا حجة لصاحب الشيء المؤتَمَن عليه إلا ذمة المؤتمَن فإن كانت العلاقة بينهما محكومة بإيصال أو عقد، أو شهود فهذه ليست أمانة إنما الأمانة هي ما يعطيها انسان لاخر فيما بينهما، وبعد ذلك فالمؤتمن بعد ذلك إما أن يُقِرّبها وإمّا لا يقِرّبها.

وقلنا سابقا: إن على المؤمن الحق أن يحتاط للأمانة، لأن هناك وقتاً تتحمل فيه الأمانة، وهناك وقت آخر تؤدي فيه الأمانة إن طلبها صاحبها.

ومثال تحمل الأمانة كأن يعرض عليك إنسان مبلغا من المال، ويقول: " احفظ هذا المبلغ أمانة عندك " فتقول له: نعم سأفعل. وتأخذ المبلغ، إن هذا الفعل يسمى " التحمل " ، وعندما يأتي صاحب المال ليطلبه فهذا اسمه " الأداء " والكل يضمنون أنفسهم وقت التحمل، وقد تكون النية هكذا بالفعل، ولكن المؤمن الحق لا يأمن ظروف الأغيار، فمن المتحمل أنه عندما يأتي صاحب المال ليطلبه من المؤتمَن يجد المؤمن نفسه وقد انشغل بالأغيار، فقد تكون ظروف الحياة قد داهمته مما دفعه ليتصرف في الأمانة أو أن تكون نفسه قد تحركت، وقالت له: وماذا يحدث لو تصرفت في الأمانة؟ إن المؤمن الحق لا يضمن نفسه وقت الأداء، وإن ضمن نفسه وقت التحمل.

إذن يجب أن نلحظ في الأمانة ملحوظتين هما " الأداء " و " التحمل ". والذي يأخذون الأمانة وفي نيتهم أن يؤدوها ضمنوا أنفسهم وقت التحمل، لكنهم لا يضمنون أنفسهم وقت الأداء لذلك فالمؤمن المحتاط يقول لنفسه: ولماذا أعرض نفسي لذلك، فقد يأتي وقت الأداء فلا أستطيع ردّها لصاحبها.

لذلك يقول لصاحب الأمانة: أرجوك ابتعد عني فأنا لن أحمل هذه الأمانة.

إنه خائف من وقت الأداء وذلك ما حدث في أمانة التكليف والاختيار والتي قال عنها الحق سبحانه:
{  إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }
[الأحزاب: 72].

إن السماء والأرض والجبال طلبوا ألا يكون لهم اختيار وأن يظلوا مقهورين؛ لأنهم لا يضمنون لحظة الأداء، أما الإنسان فلأنه ظلوم جهول فقد قال: " لا، إنني عاقل وسأرتب الأمور " فالإنسان ظلوم لنفسه، وجهول لأنه لم يعرف ماذا يفعل وقت الأداء.لذلك نرى هنا القول الحق: { وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ } ونجد الأمانة متعدية بالباء، فمعنى الباء - في اللغة - الإلصاق، أي التصق القنطار بأمانته، فأصبح هناك ارتباط وامتزاج، وإياك ساعة الأداء أن تفصل الأمانة عن القنطار، فساعة يغريك قنطار الذهب ببريقه فعليك أن تلصق الأمانة بالقنطار، وإياك أن يغريك قنطار فتترك أمانتك لأنك إن نظرت إلى القنطار دون أن تنظر إلى الأمانة فهذه هي الخيبة.

أما استعمال " على " مع الأمانة، فـ " على " في اللغة تأتي للاستعلاء والتمكن، أي اجعل الأمانة مستعلية على القنطار، وبذلك تصير أمانتك فوق القنطار، فساعة تحدثك نفسك بأن تأخذ القنطار لأنه يدير لك حركة حياتك، ولأنه يخرجك إلى دنيا عريضة مغرية فتذكر عز الأمانة، ولهذا نجد الفقهاء قد قالوا بقطع يد السارق في ربع دينار، وجعلوا دية قطع يد إنسان لم يسرق خمسمائة دينار وتساؤل البعض قائلا:
يد بخمس مئين عسجد وديت   مابالها قطعت في ربع دينار
فقال فقيه ردا على ذلك المعترض:
عز الأمانة أغلاها، وأرخصها ذل   الخيانة، فافهم حكمة الباري
إذن قول الحق سبحانه وتعالى: { وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ } هذا القول جاء بالباء ليلصق الأمانة بما اؤتمن عليه ولا يفصل بينهما أبدا لأنه لو فصل الأمانة وعِزَّها عن القنطار ربما سولت له نفسه أن يأخذ القنطار ويترك الأمانة.

وكذلك عندما تأتي الأمانة متعدية بعلى، تكون الأمانة فوق الشيء المؤتمن عليه، فالأمانة يجب أن تكون مستعلية على الشيء مهما غلت قيمته، ويقول الحق من بعد ذلك: { وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً } أي أن تكون دائم السؤال عن دينارك الذي ائتمنت عليه ذلك الإنسان، وأن تلح في طلب دينارك.

ومن بعد ذلك يقول الحق: { ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } وقد قام بعض من بني إسرائيل على عهد رسول الله، يخديعة الأميين من العرب المؤمنين فأنكروا حقوقهم. والمقصود بالأميين هنا المؤمنون الذين لم يكونوا من أهل الكتاب، أو هم المنسوبون إلى الأم كما قال الحق:
{  وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
[النحل:78].

أو أن يكون المقصود " بالأميين " أهل مكة، فقد كانوا يسمونهم كذلك لأنهم منسوبون إلى أم القرى " مكة المكرمة ".

من أين جاء أهل الكتاب إذن بهذا الأسلوب المزدوج في معاملة الناس؟ ومن الذي وضع هذا المنهج الذي يقضي بخديعة المؤمنين الأميين؟ وهل الفضائل ومنازل الخلق تختلف في المعاملة من إنسان إلى آخر؟ وهل يقضي الخلق القويم أن يأخذ إنسان الأمانة وينكرها إذا كانت لرجل أمي؟ ويرد الأمانة ويعترف بها إن كانت ليهودي؟ هل يصح أن يقرض إنسان أمواله بالربا لغير اليهود، ويقرض اليهود دون ربا؟ إذن تكون هذه المعاملات مجحفة، هنا فضيلة، وهناك لا فضيلة، لا، إن القضية يجب أن تكون مستوية ومكتملة في كل وقت وكل زمان ولكل إنسان، ولا ينبغي أن تتنوع.من أين إذن جاءوا بهذا القول وهم أهل كتاب؟ إن هذا ضد منهج الكتاب الذي أنزله الله عليهم بل هو من التحريف والتحوير لقد خدعوا أنفسهم وألصقوا بالتشريع ما ليس فيه، فالكتاب السماوي الذي نزل عليهم ليس به تصنيف البشر صنفين: صنف هم أهل الكتاب ولهم معاملة خاصة، وصنف هم الأميون ولهم معاملة أخرى، وكان عليهم ان يتعلموا من عدالة رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملتهم.

لقد أرخ لهم رسول الله بالنص المنزل عليه من الله التأريخ الصادق والعادل، في هذا القول الكريم الذي نتناوله بالخواطر إنما يسجل تاريخ اليهودية مع الإسلام. وهذا التأريخ لم يصدر فيه الله حكما واحدا يشملهم جميعا، بل أنصف أصحاب الحق منهم، وإن كانوا على دين اليهودية، وبذلك استقر في أذهان المنصفين منهم أن الإسلام قد جاء بكل الحق، فلو كان الإسلام قد أصدر حكما واحدا ضد كل اليهود سواء من وقف منهم ضد دعوة رسول الله أو المنصف منهم الذي تراوده فكرة الإيمان بالإسلام، لو كان مثل ذلك الحكم العام الشامل قد صدر لقال المنصفون من اليهود: نحن نفكر في أن نؤمن بالإسلام فكيف يهاجمنا الإسلام هذه المهاجمة؟ لكن الإسلام جاء لينصف فيعطي كل ذي حق حقه.

وهؤلاء هم الذين يؤرخ الله لهم بالقول: { مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } وتلك شهادة على صدق اليقين من هؤلاء، أما الذين طغت عليهم المادة فهؤلاء هم الذين جاء فيهم القول الحكيم: { وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً } وهذا هو التأريخ الصادق لمن طغت عليهم المادة فلا يرد الإنسان منهم ما عليه إلا بعد الملاحقة والمطاردة، وهكذا يبلغنا القرآن التاريخ بصدق.

والعلة في أن الذي يؤتمن على قنطار ويؤديه هو إنسان ملتزم أمامه إله موصوف باسم الحق، ولا يريد الله من عباده إلا أن يواجهوا حركة حياتهم بالحق.

وأكرر هنا مرة أخرى، إن كلمة " الأمانة " ترد في القرآن الكريم مرة وهي متعدية بـ " على " ، ومرة أخرى وهي متعدية بالباء، لأن الباء تأتي في اللغة لإلصاق شيء بشيء آخر، فكأنك إذا اؤتمنت أيها المسلم فلا بد أن تلتصق بالأمانة حتى تؤديها، وكذلك جاءت الأمانة متعدية بـ " على " ، أي أنك أيها المؤمن إذا اؤتمنت فعليك أن تستعلي على الشيء الذي اؤتمنت عليه.فإذا ما اؤتمنت على مائة جنيه مثلا فلا تنظر إلى ما يعود عليك من نفع إذا ما تصرفت في هذا المبلغ، بل يجب أن تستعلي على تلك المنفعة. فإياك أن تغش نفسك أيها المؤمن بفائدة ونفاسة الشيء الذي تختلسه من الأمانة، بل قارن هذا الشيء بالأمانة فستجد أن كفة الأمانة هي الراجحة.

والذين استباحوا خيانة الأمانة من أهل الكتاب، إنما عميت بصيرتهم عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نال الشهرة بالأمانة سواء قبل الرسالة أو بعدها. وعميت أبصارهم، إن الدين الحق لا يفرق في أداء الأمانة بين صنف من البشر، وصنف آخر؛ فالدين الحق يضم تشريعا من إله خلق الجميع وهكذا نجد أن تشريعهم بالتفرقة في أداء الأمانة هو تشريع من عند أنفسهم، وليس من الرب المتولي شئون خلقه جميعا، ويدحض الحق القضية التي حكموا بوساطتها أن يعاملوا الأميين معاملة تختلف عن معاملتهم لأهل الكتاب، فقال سبحانه: { ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }.

يعلمون ماذا؟ يعلمون ان قولهم كذب، فهم يعرفون الحكم الصحيح وينحرفون عنه، وياليتهم قالوا: إن ذلك الحكم من عند أنفسهم، لكنهم ينسبون ذلك إلى تعاليم دينهم، وتعاليم الدين - كما قلنا - مأخوذة من الله، وهم بذلك - والعياذ بالله - يفترون على الله كذبا بأنه خلق خلقا ثم صنفهم صنفين: صنفاً تؤدى الأمانة له، وصنفاً لا تؤدى الأمانة له، وهكذا كذبوا على الله وعلموا أنهم كاذبون، وهذا هو الافتراء. وهم أيضا يعلمون العقوبة التي تلحق من يكذب على الله ورغم ذلك كذبوا.

لقد حذف الحق في هذه الآية المفعول به فلم يقل: " يعملون كذا ". الحق حين يحذف " المفعول " فهو يريد أن يعمم الفهم ويريد أن يعمم الحركة، إنه سبحانه يريد أن يبلغنا بأن هؤلاء يعلمون أن قولهم هذا كذب، ويعلمون عقوبة ذلك الكذب.. وساعة تأتي قضية منفية ثم يأتي بعدها كلمة " بلى " فإنها تنقض القضية التي سبقتها ومعنى ذلك أنها تُثْبِت ضدها. لقد قالوا:

" ليس علينا في الأميين سبيل " وهذه قضية منفية بـ " ليس " ، والحق يقول في الآية التالية: { بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }


www.alro7.net