سورة
اية:

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى توبيخاً لبني إسرائيل وتقريعاً لهم على ما شاهدوه من آيات اللّه تعالى وإحيائه الموتى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} كله فهي كالحجارة التي لا تلين أبداً، ولهذا نهى اللّه المؤمنين عن مثل حالهم، فقال: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر اللّه وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة، بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشدَّ قسوة من الحجارة، فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون بالأنهار الجارية، ومنها ما يشقَّق فيخرج منه الماء وإن لم يكن جارياً، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية اللّه وفيه إدراك لذلك بحسبه، كما قال تعالى: { وإن من شيء إلا يسبِّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} والمعنى: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تُدْعون إليه من الحق. وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: { يريد أن ينقض} قال الرازي والقرطبي: ولا حاجة إلى هذا، فإن اللّه تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى: { فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} وقال: { تسبّح له السموات السبع والأرض ومن فيهن} الآية، وقال: { والنجم والشجر يسجدان} ، وقال: { قالتا أتينا طائعين} وفي الصحيح: (هذا جبل يحبنا ونحبه)، وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلّم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن)، وفي صفة الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلم بحق يوم القيامة وغير ذلك مما في معناه. تنبيه اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: { فهي كالحجارة أو أشد قسوة} بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم أوههنا بمعنى الواو تقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة، كقوله تعالى: { ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} وقوله: { عذراً أو نذراً} وكما قال جرير بن عطية: نال الخلافة أو كانت له قدراً ** كما أتى ربَّه موسى على قَدَرَ قال ابن جرير: يعني نال الخلافة وكانت له قدراً، وقال آخرون: أوههنا بمعنى بل فتقديره: فهي كالحجارة بل أشد قسوة، وكقوله: { إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} { فكان قاب قوسين أو أدنى} ، وقال آخرون: معنى ذلك: { فهي كالحجارة أو أشد قسوة} عندكم حكاه ابن جرير. وقال بعضهم: معنى ذلك فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين: إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها في القسوة، قال ابن جرير ومعنى ذلك على هذا التأويل فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة، وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره، قلت وهذا القول الأخير يبقى شبيهاً بقوله تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} مع قوله: { أو كصيب من السماء} ، وكقوله: { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} ، مع قوله { أو كظلمات في بحر لجِّي} الآية أي: إن منهم من هو هكذا ومنهم من هو هكذا، واللّه أعلم. عن ابن عمر: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه، فإن كثرة الكلام بغير ذكر اللّه قسوة القلب، وإنَّ أبعد الناس من اللّه القلب القاسي) ""رواه ابن مردويه والترمذي في كتاب الزهد، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم""وروي مرفوعاً: (أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل والحرص على الدنيا) ""رواه البزار عن أنَس بن مالك مرفوعاً"".

تفسير الجلالين

{ ثم قست قلوبكم } أيها اليهود صلبت عن قبول الحق { من بعد ذلك } المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات { فهي كالحجارة } في القسوة { أو أشد قسوة } منها { وإن من الحجارة لما يتفجَّر منه الأنهار وإن منها لما يشقق } فيه إدغام التاء في الأصل في الشين { فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط } ينزل من علو إلى أسفل { من خشية الله } وقلوبكم لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع { وما الله بغافل عما تعلمون } وإنما يؤخركم لوقتكم وفي قراءة بالتحتانية وفيه التفات عن الخطاب.

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} القسوة : الصلابة والشدة واليبس وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى. قال أبو العالية وقتادة وغيرهما : المراد قلوب جميع بني إسرائيل. وقال ابن عباس : المراد قلوب ورثة القتيل، لأنهم حين حيي وأخبر بقاتله وعاد إلى موته أنكروا قتله، وقالوا : كذب، بعد ما رأوا هذه الآية العظمى، فلم يكونوا قط أعمى قلوبا، ولا أشد تكذيبا لنبيهم منهم عند ذلك، لكن نفذ حكم الله بقتله.روى الترمذي عن عبدالله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي). وفي مسند البزار عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أربعة من الشقاء جمود العين وقساء القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا) قوله تعالى { فهي كالحجارة أو أشد قسوة} { أو} قيل هي بمعنى الواو كما قال { آثما أو كفورا} [الإنسان:24]. { عذرا أو نذرا} وقال الشاعر : نال الخلافة أو كانت له قدرا أي وكانت. وقيل : هي بمعنى بل، كقوله تعالى { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} [الصافات:147] المعنى بل يزيدون. وقال الشاعر : بدت مثل الشمس في رونق الضحى ** وصورتها أو أنت في العين أملح أي بل أنت وقيل : معناها الإبهام على المخاطب، ومنه قول أبي الأسود الدؤلي : أحب محمدا حبا شديدا ** وعباسا وحمزة أو عليا فإن يك حبهم رشدا أصبه **ولست بمخطئ إن كان غيا ولم يشك أبو الأسود أن حبهم رشد ظاهر، وإنما قصد الإبهام. وقد قيل لأبي الأسود حين قال ذلك : شككت قال : كلا، ثم استشهد بقوله تعالى { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ:24] وقال : أو كان شاكا من أخبر بهذا! وقيل : معناها التخيير، أي شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا، وهذا كقول القائل : جالس الحسن أو ابن سيرين، وتعلم الفقه أو الحديث أو النحو. قيل : بل هي على بابها من الشك، ومعناها عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم : أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة؟ وقد قيل هذا المعنى في قوله تعالى { إلى مائة ألف أو يزيدون} [الصافات:147] وقالت فرقة : إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر، وفيهم من قلبه أشد من الحجر فالمعنى : هم فرقتان. { أو أشد} أشد مرفوع بالعطف على موضع الكاف في قوله { كالحجارة} ، لأن المعنى فهي مثل الحجارة أو أشد. ويجوز أو { أشد} بالفتح عطف على الحجارة. و { قسوة} نصب على التمييز. وقرأ أبو حيوة { قساوة} والمعنى واحد. قوله تعالى: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} قد تقدم معنى الانفجار. ويشقق أصله بتشقق، أدغمت التاء في الشين، وهذه عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهارا، أو عن الحجارة التي تتشقق وإن لم يجر ماء منفسح. وقرأ ابن مصرف { ينشقق} بالنون، وقرأ { لما يتفجر} { لما يتشقق} بتشديد { لما} في الموضعين. وهي قراءة غير متجهة. وقرأ مالك بن دينار { ينفجر} بالنون وكسر الجيم. قال قتادة : عذر الحجارة ولم يعذر شقي بني آدم. قال أبو حاتم : يجوز لما تتفجر بالتاء، ولا يجوز لما تتشقق بالتاء، لأنه إذا قال تتفجر أنثه بتأنيث الأنهار، وهذا لا يكون في تشقق. قال النحاس : يجوز ما أنكره على المعنى، لأن المعنى وأن منها لحجارة تتشقق، وأما يشقق فمحمول على لفظ ما. والشق واحد الشقوق، فهو في الأصل مصدر، تقول : بيد فلان ورجليه شقوق، ولا تقل : شقاق، إنما الشقاق داء يكون بالدواب، وهو تشقق يصيب أرساغها وربما ارتفع إلى وظيفها، عن يعقوب. والشق : الصبح. و { ما} في قوله { لما يتفجر} في موضع نصب، لأنها اسم إن واللام للتأكيد. { منه} على لفظ ما، ويجوز منها على المعنى، وكذلك { وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} . وقرأ قتادة { وإن} في الموضعين، مخففة من الثقيلة. قوله تعالى: { وإن منها لما يهبط من خشية الله} يقول إن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم، لخروج الماء منها وترديها. قال مجاهد : ما تردى حجر من رأس جبل، ولا تفجر نهر. من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله، نزل بذلك القرآن الكريم. ومثله عن ابن جريج. وقال بعض المتكلمين في قوله { وإن منها لما يهبط من خشية الله} : البرد الهابط من السحاب. وقيل : لفظة الهبوط مجاز، وذلك أن الحجارة لما كانت القلوب تعتبر بخلقها، وتخشع بالنظر إليها، أضيف تواضع الناظر إليها، كما قالت العرب : ناقة تاجرة، أي تبعث من يراها على شرائها. وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة، كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله { يريد أن ينقض} ، وكما قال زيد الخيل : لما أتى خبر الزبير تواضعت ** سور المدينة والجبال الخشع وذكر ابن بحر أن الضمير في قوله تعالى { وإن منها} راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة أي من القلوب لما يخضع من خشيه الله. قلت : كل ما قيل يحتمله اللفظ، والأول صحيح، فإنه لا يمتنع أن يعطى بعض الجمادات المعرفة فيعقل، كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب، فلما تحول عنه حن، وثبت عنه أنه قال : (إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن). وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (قال لي ثبير اهبط فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله). فناداه حراء : إلي يا رسول الله. وفي التنزيل { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} [الأحزاب:72] الآية. وقال { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} [الحشر:21] يعني تذللا وخضوعا، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة { سبحان { إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: { وما الله بغافل عما تعملون} { بغافل} في موضع نصب على لغة أهل الحجاز، وعلى لغة تميم في موضع رفع. والياء توكيد { عما تعملون} أي عن عملكم حتى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا يحصيها عليكم، { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة:7، 8] ولا تحتاج { ما} إلى عائد إلا أن يجعلها بمعنى الذي فيحذف العائد لطول الاسم، أي عن الذي تعملونه. وقرأ ابن كثير { يعلمون} بالياء، والمخاطبة على هذا لمحمد عليه السلام.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 67 - 77

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لماذا ذكر الحق سبحانه وتعالى القلب ووصفه بأنه يقسو ولم يقل نفوسكم ـ لأن القلب هو موضع الرقة والرحمة والعطف.. وإذا ما جعلنا القلب كثير الذكر لله فإنه يمتلئ رحمة وعطفا.. والقلب هو العضو الذي يحسم مشاكل الحياة.. فإذا كان القلب يعمر باليقين والإيمان.. فكل جارحة تكون فيها خميرة الإيمان.

وحتى نعرف قوة وقدرة وسعة القلب على الإيمان واحتوائه أوضح الله تعالى هذا المعنى في كتابه العزيز حيث يقول:
{  ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }
[الزمر: 23]

وهكذا نرى أن الجلود تقشعر من هول الوعيد بالنار.. ومجرد قراءة ما ذكره القرآن عنها.. وبعد ذلك تأتي الرحمة، وفي هذه الحالة لا تلين الجلود فقط ولكن لابد أن تلين القلوب لأنها هي التي تعطي اللمحة الإيمانية لكل جوارح الجسد..

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب "

إذن فالقلب هو منبع اليقين ومصب الإيمان، وكما أن الإيمان في القلب فإن القسوة والكفر في القلب.. فالقلب حينما ينسى ذكر الله يقسو.. لماذا؟.. لأنه يعتقد أنه ليس هناك إلا الحياة الدنيا وإلا المادة فيحاول أن يحصل منها على أقصى ما يستطيع وبأي طريقة فلا تأتي إلا بالظلم والطغيان وأخذ حقوق الضعفاء، ثم لا يفرط فيها أبدا لأنها هي منتهى حياته فلا شيء بعدها.

إنه يجد إنساناً يموت أمامه من الجوع ولا يعطيه رغيفا.. وإذا خرج الإيمان من القلب خرجت منه الرحمة وخرج منه كل إيمان الجوارح.. فلمحة الإيمان التي في اليد تخرج فتمتد اليد إلى السرقة والحرام.. ولمحة الإيمان التي في العين تخرج فتنظر العين إلى كل ما حرم الله. ولمحة الإيمان التي في القدم تخرج فلا تمشي القدم إلى المسجد أبدا ولكنها تمشي إلى الخمارة وإلى السرقة.. لأنه كما قلنا القلب مخزن الإيمان في الجسم.

ويشبه الحق تبارك وتعالى قسوة قلوبهم فيقول: { فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً }.. الحجارة هي الشيء القاسي الذي تدركه حواسنا ومألوف لنا ومألوف لبني إسرائيل أيضا.. لأن لهم مع الحجارة شوطا كبيرا عندما تاهوا في الصحراء.. وعندما عطشوا وكان موسى يضرب لهم الحجر بعصاه.

الله تبارك وتعالى لفتهم إلى أن المفروض أن تكون قلوبهم لينة ورفيقة حتى ولو كانت في قسوة الحجارة.. ولكن قلوبهم تجاوزت هذه القسوة فلم تصبح في شدة الحجارة وقسوتها بل هي أشد.

ولكن كيف تكون القلوب أشد قسوة من الحجارة.. لا تنظر إلى لينونة مادة القلوب ولكن انظر إلى أدائها لمهمتها.

الجبل قسوته مطلوبة لأن هذه مهمته أن يكون وتداً للأرض صلبا قويا، ولكن هذه القسوة ليست مطلوبة من القلب وليست مهمته.. أما قلوب بني إسرائيل فهي أشد قسوة من الجبل.. والمطلوب في القلوب اللين، وفي الحجارة القسوة.. فكل صفة مخلوقة لمخلوق ومطلوبة لمهمة.. فالخطاف مثلا أعوج.. هذا العوج يجعله يؤدي مهمته على الوجه الأكمل.. فعوج الخطاف استقامة لمهمته.. وحين تفسد القلوب وتخرج عن مهمتها تكون أقسى من الحجارة.. وتكون على العكس تماما من مهمتها..

ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ } [البقرة: 74]

هنا يذكرهم الله لما رأوه من الرحمة الموجودة في الحجارة.. عندما ضرب موسى الحجر بالعصا فانفجرت منه العيون. وذلك مثل حسي شهدوه. يقول لهم الحق جل جلاله: أن الرحمة تصيب الحجارة فيتفجر منها الأنهار ويخرج منها الماء ويقول سبحانه: { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ }..

إذن فالحجارة يصيبها اللين والرحمة فيخرج منها الماء. ولكن قلوبكم إذا قست لا يصيبها لين ولا رحمة فلا تلين أبدا ولا تخشع أبدا. والله سبحانه وتعالى نزل عليكم التوراة وأعطاكم من فضله ورحمته وستره ومغفرته الكثير.. كان المفروض أن تلين قلوبكم لذكر الله.

ولكن ما الفرق بين تفجر الأنهار من الحجارة وبين تشققها ليخرج منها الماء؟ عندما تتفجر الحجارة يخرج منها الماء. نحن نذهب إلى مكان الماء لنأخذ حاجتنا.. ولكن عندما تتفجر منها الأنهار فالماء هو الذي يأتي إلينا ونحن في أماكننا.. وفرق بين عطاء تذهب إليه وعطاء يأتي إليك.. أما هبوط الحجر من خشية الله فذلك حدث عندما تجلى الله للجبل فجعله دكا. واقرأ قوله تعالى:
{  فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً }
[الأعراف: 143]

يذكرهم الحق سبحانه كيف أن الجبل حين تجلى الله له هبط وانهار من خشية الله. وهكذا لا يعطيهم الأمثلة مما وقع لغيرهم، ولكن يعطيهم الأمثلة مما وقع لهم.

وقوله تعالى: { وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } أي تذكروا أن الله سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء وأن كل ما تعملونه يعرفه وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلى رحمته ومغفرته، فلا تجعلوا قلوبكم تقسو حتى لا يطردكم الله من رحمته كما خلت قلوبكم من ذكره.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net