سورة
اية:

وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين وبغيهم إياهم الإضلال، وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم، وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم، ثم قال تعالى منكراً عليهم: { يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات اللّه وأنتم تشهدون} أي تعلمون صدقها وتتحققون حقها، { يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} أي تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه، { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} الآية. وهذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتَوَروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم، ليقول الجهلة من الناس إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: { لعلهم يرجعون} قال مجاهد: يعني يهوداً صلت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار مكراً منهم، ليروا الناس أن قد بدت لهم الضلالة منه بعد أن كانوا اتبعوه، وقال ابن عباس: قالت طائفة من أهل الكتاب إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم، لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا. وقوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} أي لا تطمئنوا أو تظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم، قال اللّه تعالى: { قل إن الهدى هدى اللّه} أي هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان، بما ينزله على عبده ورسوله صلى اللّه عليه وسلم من الآيات البينات، والدلائل القاطعات والحجج الواضحات، وإن كتمتم أيها اليهود ما بأيديكم من صفة محمد النبي الأمي، في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين. وقوله: { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم} يقولون لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلموه منكم، ويساوونكم فيه، يمتازون به عليكم لشدة الإيمان به، أو يحاجوكم به عند ربكم، أي يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم فتقوم به عليكم الدلالة وترتكب الحجة في الدنيا والآخرة، قال اللّه تعالى: { قل إن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء} أي الأمور كلها تحت تصرفه وهو المعطي المانع، يمنُّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصرف التام، ويضل من يشاء فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة والحكمة البالغة { واللّه واسع عليم يختص برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم} أي اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يُحدُّ ولا يوُصف، بما شرف به نبيكم محمداً صلى اللّه عليه وسلم على سائر الأنبياء، وهداكم به إلى أكمل الشرائع.

تفسير الجلالين

وقالوا أيضاً { ولا تؤمنوا } تصدَّقوا { إلا لمن تبع } وافق { دينكم } قال تعالى: { قل } لهم يا محمد { إن الهدى هدى الله } الذي هو الإسلام وما عداه ضلال، والجملةُ اعتراض { أن } أي بأن { يؤتى أحدّ مثل ما أوتيتم } من الكتاب والحكمة والفصائل وأن مفعول تؤمنوا، والمستثنى منه أحد قدم عليه المستثنى المعنى: لا تقروا بأن أحدا يؤتى ذلك إلا لمن اتبع دينكم { أو } بأن { يحاجوكم } أي المؤمنون يغلبوكم { عند ربكم } يوم القيامة لأنكم أصح دينا، وفي قراءة: أأن بهمزة التوبيخ أي إيتاء أحد مثله تقرون به قال تعالى { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } فمن أين لكم أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم { والله واسع } كثير الفضل { عليم } بمن هو أهله .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا تُصَدِّقُوا إِلَّا مَنْ تَبِعَ دِينكُمْ فَكَانَ يَهُودِيًّا . وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ قَوْل الطَّائِفَة الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الْيَهُود : { آمِنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْه النَّهَار } . وَاللَّام الَّتِي فِي قَوْله : { لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } نَظِيره اللَّام الَّتِي فِي قَوْله : { عَسَى أَنْ يَكُون رَدِفَ لَكُمْ } 27 72 بِمَعْنَى : رَدِفَكُمْ { بَعْض الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } 27 72 وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5727 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } هَذَا قَوْل بَعْضهمْ لِبَعْضٍ . 5728 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . 5729 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } قَالَ : لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ الْيَهُودِيَّة . 5730 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب : قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } قَالَ : لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِدِينِكُمْ لَا مَنْ خَالَفَهُ - , فَلَا تُؤْمِنُوا بِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا تُصَدِّقُوا إِلَّا مَنْ تَبِعَ دِينكُمْ فَكَانَ يَهُودِيًّا . وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ قَوْل الطَّائِفَة الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الْيَهُود : { آمِنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْه النَّهَار } . وَاللَّام الَّتِي فِي قَوْله : { لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } نَظِيره اللَّام الَّتِي فِي قَوْله : { عَسَى أَنْ يَكُون رَدِفَ لَكُمْ } 27 72 بِمَعْنَى : رَدِفَكُمْ { بَعْض الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } 27 72 وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5727 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } هَذَا قَوْل بَعْضهمْ لِبَعْضٍ . 5728 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . 5729 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } قَالَ : لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ الْيَهُودِيَّة . 5730 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب : قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } قَالَ : لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِدِينِكُمْ لَا مَنْ خَالَفَهُ - , فَلَا تُؤْمِنُوا بِهِ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ } . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : قَوْله : { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه } اِعْتَرَضَ بِهِ فِي وَسَط الْكَلَام خَبَرًا مِنْ اللَّه عَنْ أَنَّ الْبَيَان بَيَانه وَالْهُدَى هُدَاهُ . قَالُوا : وَسَائِر الْكَلَام بَعْد ذَلِكَ مُتَّصِل بِالْكَلَامِ الْأَوَّل خَبَرًا عَنْ قِيل الْيَهُود بَعْضهَا لِبَعْضٍ . فَمَعْنَى الْكَلَام عِنْدهمْ : وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ , وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ , أَوْ أَنْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ : أَيْ وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُحَاجَّكُمْ أَحَد عِنْد رَبّكُمْ . ثُمَّ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء , وَإِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5731 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ } : حَسَدًا مِنْ يَهُود أَنْ تَكُون النُّبُوَّة فِي غَيْرهمْ , وَإِرَادَة أَنْ يُتَّبَعُوا عَلَى دِينهمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : تَأْوِيل ذَلِكَ : قُلْ يَا مُحَمَّد إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه , إِنَّ الْبَيَان بَيَان اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد , قَالُوا : وَمَعْنَاهُ : لَا يُؤْتَى أَحَد مِنْ الْأُمَم مِثْل مَا أُوتِيتُمْ , كَمَا قَالَ : { يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا } 4 176 بِمَعْنَى لَا تَضِلُّونَ , وَكَقَوْلِهِ : { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوب الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ } 26 200 : 201 يَعْنِي : أَنْ لَا يُؤْمِنُوا { مِثْل مَا أُوتِيتُمْ } . يَقُول : مِثْل مَا أُوتِيت أَنْتَ يَا مُحَمَّد وَأُمَّتك مِنْ الْإِسْلَام وَالْهُدَى , أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ . قَالُوا : وَمَعْنَى " أَوْ " إِلَّا : أَيْ إِلَّا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ , يَعْنِي إِلَّا أَنْ يُجَادِلُوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ عِنْد مَا فَعَلَ بِهِمْ رَبّكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5732 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ } يَقُول : مِثْل مَا أُوتِيتُمْ يَا أُمَّة مُحَمَّد , أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ , تَقُول الْيَهُود : فَعَلَ اللَّه بِنَا كَذَا وَكَذَا مِنْ الْكَرَامَة , حَتَّى أَنْزَلَ عَلَيْنَا الْمَنّ وَالسَّلْوَى , فَإِنَّ الَّذِي أَعْطَيْتُكُمْ أَفْضَل , فَقُولُوا : { إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء } . .. الْآيَة . فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل جَمِيع هَذَا الْكَلَام أَمْر مِنْ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولهُ لِلْيَهُودِ , وَهُوَ مُتَلَاصِق بَعْضه بِبَعْضٍ لَا اِعْتِرَاض فِيهِ , وَالْهُدَى الثَّانِي رَدّ عَلَى الْهُدَى الْأَوَّل , وَ " أَنَّ " فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر عَنْ الْهُدَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذَا أَمْر مِنْ اللَّه لِنَبِيِّهِ أَنْ يَقُولهُ لِلْيَهُودِ , وَقَالُوا : تَأْوِيله : قُلْ يَا مُحَمَّد إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه , أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِنْ النَّاس مِثْل مَا أُوتِيتُمْ , يَقُول : مِثْل الَّذِي أُوتِيتُمُوهُ أَنْتُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود مِنْ كِتَاب اللَّه , وَمِثْل نَبِيّكُمْ , فَلَا تَحْسُدُوا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أُعْطِيتهمْ , مِثْل الَّذِي أَعْطَيْتُكُمْ مِنْ فَضْلِي , فَإِنَّ الْفَضْل بِيَدِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5733 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ } يَقُول : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه كِتَابًا مِثْل كِتَابكُمْ , وَبَعَثَ نَبِيًّا مِثْل نَبِيّكُمْ حَسَدْتُمُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ ; { قُلْ إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه } . .. الْآيَة . 5734 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تَأْوِيل ذَلِكَ : قُلْ يَا مُحَمَّد إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ أَنْتُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود مِنْ كِتَاب اللَّه . قَالُوا : وَهَذَا آخِر الْقَوْل الَّذِي أَمَرَ اللَّه بِهِ نَبِيّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولهُ لِلْيَهُودِ مِنْ هَذِهِ الْآيَة , قَالُوا : وَقَوْله : { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } مَرْدُود عَلَى قَوْله : { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } . وَتَأْوِيل الْكَلَام عَلَى قَوْل أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة : وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ , فَتَتْرُكُوا الْحَقّ أَنْ يُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْد رَبّكُمْ مَنْ اِتَّبَعْتُمْ دِينه , فَاخْتَرْتُمُوهُ أَنَّهُ مُحِقّ , وَأَنَّكُمْ تَجِدُونَ نَعْته فِي كِتَابكُمْ . فَيَكُون حِينَئِذٍ قَوْله : { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } مَرْدُودًا عَلَى جَوَاب نَهْي مَتْرُوك عَلَى قَوْل هَؤُلَاءِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5735 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ } يَقُول : هَذَا الْأَمْر الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ , أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ , قَالَ : قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : لَا تُخْبِرُوهُمْ بِمَا بَيَّنَ اللَّه لَكُمْ فِي كِتَابه لِيُحَاجُّوكُمْ , قَالَ : لِيُخَاصِمُوكُمْ بِهِ عِنْد رَبّكُمْ . { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه } مُعْتَرَض بِهِ , وَسَائِر الْكَلَام مُتَّسِق عَلَى سِيَاق وَاحِد . فَيَكُون تَأْوِيله حِينَئِذٍ : وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ اِتَّبَعَ دِينكُمْ , وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ , بِمَعْنَى : لَا يُؤْتَى أَحَد بِمِثْلِ مَا أُوتِيتُمْ , { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ } بِمَعْنَى : أَوْ أَنْ يُحَاجّكُمْ عِنْد رَبّكُمْ أَحَد بِإِيمَانِكُمْ , لِأَنَّكُمْ أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنْهُمْ بِمَا فَضَّلَكُمْ بِهِ عَلَيْهِمْ . فَيَكُون الْكَلَام كُلّه خَبَرًا عَنْ قَوْل الطَّائِفَة الَّتِي قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب آمِنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْه النَّهَار } سِوَى قَوْله : { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه } ثُمَّ يَكُون الْكَلَام مُبْتَدَأ بِتَكْذِيبِهِمْ فِي قَوْلهمْ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْقَائِلِينَ مَا قَالُوا مِنْ الطَّائِفَة الَّتِي وَصَفْت لَك قَوْلهَا لِتُبَّاعِهَا مِنْ الْيَهُود { إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه } إِنَّ التَّوْفِيق تَوْفِيق اللَّه , وَالْبَيَان بَيَانه , وَإِنَّ الْفَضْل بِيَدِهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء , لَا مَا تَمَنَّيْتُمُوهُ أَنْتُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا ذَلِكَ مِنْ سَائِر الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا , لِأَنَّهُ أَصَحّهَا مَعْنًى , وَأَحْسَنهَا اِسْتِقَامَة عَلَى مَعْنَى كَلَام الْعَرَب , وَأَشَدّهَا اِتِّسَاقًا عَلَى نَظْم الْكَلَام وَسِيَاقه , وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل فَانْتِزَاع يَبْعُد مِنْ الصِّحَّة عَلَى اِسْتِكْرَاه شَدِيد الْكَلَام . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ } . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : قَوْله : { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه } اِعْتَرَضَ بِهِ فِي وَسَط الْكَلَام خَبَرًا مِنْ اللَّه عَنْ أَنَّ الْبَيَان بَيَانه وَالْهُدَى هُدَاهُ . قَالُوا : وَسَائِر الْكَلَام بَعْد ذَلِكَ مُتَّصِل بِالْكَلَامِ الْأَوَّل خَبَرًا عَنْ قِيل الْيَهُود بَعْضهَا لِبَعْضٍ . فَمَعْنَى الْكَلَام عِنْدهمْ : وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ , وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ , أَوْ أَنْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ : أَيْ وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُحَاجَّكُمْ أَحَد عِنْد رَبّكُمْ . ثُمَّ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء , وَإِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5731 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ } : حَسَدًا مِنْ يَهُود أَنْ تَكُون النُّبُوَّة فِي غَيْرهمْ , وَإِرَادَة أَنْ يُتَّبَعُوا عَلَى دِينهمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : تَأْوِيل ذَلِكَ : قُلْ يَا مُحَمَّد إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه , إِنَّ الْبَيَان بَيَان اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد , قَالُوا : وَمَعْنَاهُ : لَا يُؤْتَى أَحَد مِنْ الْأُمَم مِثْل مَا أُوتِيتُمْ , كَمَا قَالَ : { يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا } 4 176 بِمَعْنَى لَا تَضِلُّونَ , وَكَقَوْلِهِ : { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوب الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ } 26 200 : 201 يَعْنِي : أَنْ لَا يُؤْمِنُوا { مِثْل مَا أُوتِيتُمْ } . يَقُول : مِثْل مَا أُوتِيت أَنْتَ يَا مُحَمَّد وَأُمَّتك مِنْ الْإِسْلَام وَالْهُدَى , أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ . قَالُوا : وَمَعْنَى " أَوْ " إِلَّا : أَيْ إِلَّا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ , يَعْنِي إِلَّا أَنْ يُجَادِلُوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ عِنْد مَا فَعَلَ بِهِمْ رَبّكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5732 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ } يَقُول : مِثْل مَا أُوتِيتُمْ يَا أُمَّة مُحَمَّد , أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ , تَقُول الْيَهُود : فَعَلَ اللَّه بِنَا كَذَا وَكَذَا مِنْ الْكَرَامَة , حَتَّى أَنْزَلَ عَلَيْنَا الْمَنّ وَالسَّلْوَى , فَإِنَّ الَّذِي أَعْطَيْتُكُمْ أَفْضَل , فَقُولُوا : { إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء } . .. الْآيَة . فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل جَمِيع هَذَا الْكَلَام أَمْر مِنْ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولهُ لِلْيَهُودِ , وَهُوَ مُتَلَاصِق بَعْضه بِبَعْضٍ لَا اِعْتِرَاض فِيهِ , وَالْهُدَى الثَّانِي رَدّ عَلَى الْهُدَى الْأَوَّل , وَ " أَنَّ " فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر عَنْ الْهُدَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذَا أَمْر مِنْ اللَّه لِنَبِيِّهِ أَنْ يَقُولهُ لِلْيَهُودِ , وَقَالُوا : تَأْوِيله : قُلْ يَا مُحَمَّد إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه , أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِنْ النَّاس مِثْل مَا أُوتِيتُمْ , يَقُول : مِثْل الَّذِي أُوتِيتُمُوهُ أَنْتُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود مِنْ كِتَاب اللَّه , وَمِثْل نَبِيّكُمْ , فَلَا تَحْسُدُوا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أُعْطِيتهمْ , مِثْل الَّذِي أَعْطَيْتُكُمْ مِنْ فَضْلِي , فَإِنَّ الْفَضْل بِيَدِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5733 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ } يَقُول : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه كِتَابًا مِثْل كِتَابكُمْ , وَبَعَثَ نَبِيًّا مِثْل نَبِيّكُمْ حَسَدْتُمُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ ; { قُلْ إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه } . .. الْآيَة . 5734 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تَأْوِيل ذَلِكَ : قُلْ يَا مُحَمَّد إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ أَنْتُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود مِنْ كِتَاب اللَّه . قَالُوا : وَهَذَا آخِر الْقَوْل الَّذِي أَمَرَ اللَّه بِهِ نَبِيّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولهُ لِلْيَهُودِ مِنْ هَذِهِ الْآيَة , قَالُوا : وَقَوْله : { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } مَرْدُود عَلَى قَوْله : { وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ } . وَتَأْوِيل الْكَلَام عَلَى قَوْل أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة : وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ , فَتَتْرُكُوا الْحَقّ أَنْ يُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْد رَبّكُمْ مَنْ اِتَّبَعْتُمْ دِينه , فَاخْتَرْتُمُوهُ أَنَّهُ مُحِقّ , وَأَنَّكُمْ تَجِدُونَ نَعْته فِي كِتَابكُمْ . فَيَكُون حِينَئِذٍ قَوْله : { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } مَرْدُودًا عَلَى جَوَاب نَهْي مَتْرُوك عَلَى قَوْل هَؤُلَاءِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5735 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ } يَقُول : هَذَا الْأَمْر الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ , أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ , قَالَ : قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : لَا تُخْبِرُوهُمْ بِمَا بَيَّنَ اللَّه لَكُمْ فِي كِتَابه لِيُحَاجُّوكُمْ , قَالَ : لِيُخَاصِمُوكُمْ بِهِ عِنْد رَبّكُمْ . { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه } مُعْتَرَض بِهِ , وَسَائِر الْكَلَام مُتَّسِق عَلَى سِيَاق وَاحِد . فَيَكُون تَأْوِيله حِينَئِذٍ : وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ اِتَّبَعَ دِينكُمْ , وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ , بِمَعْنَى : لَا يُؤْتَى أَحَد بِمِثْلِ مَا أُوتِيتُمْ , { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْد رَبّكُمْ } بِمَعْنَى : أَوْ أَنْ يُحَاجّكُمْ عِنْد رَبّكُمْ أَحَد بِإِيمَانِكُمْ , لِأَنَّكُمْ أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنْهُمْ بِمَا فَضَّلَكُمْ بِهِ عَلَيْهِمْ . فَيَكُون الْكَلَام كُلّه خَبَرًا عَنْ قَوْل الطَّائِفَة الَّتِي قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب آمِنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْه النَّهَار } سِوَى قَوْله : { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه } ثُمَّ يَكُون الْكَلَام مُبْتَدَأ بِتَكْذِيبِهِمْ فِي قَوْلهمْ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْقَائِلِينَ مَا قَالُوا مِنْ الطَّائِفَة الَّتِي وَصَفْت لَك قَوْلهَا لِتُبَّاعِهَا مِنْ الْيَهُود { إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه } إِنَّ التَّوْفِيق تَوْفِيق اللَّه , وَالْبَيَان بَيَانه , وَإِنَّ الْفَضْل بِيَدِهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء , لَا مَا تَمَنَّيْتُمُوهُ أَنْتُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا ذَلِكَ مِنْ سَائِر الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا , لِأَنَّهُ أَصَحّهَا مَعْنًى , وَأَحْسَنهَا اِسْتِقَامَة عَلَى مَعْنَى كَلَام الْعَرَب , وَأَشَدّهَا اِتِّسَاقًا عَلَى نَظْم الْكَلَام وَسِيَاقه , وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل فَانْتِزَاع يَبْعُد مِنْ الصِّحَّة عَلَى اِسْتِكْرَاه شَدِيد الْكَلَام .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء وَاَللَّه وَاسِع عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفْت قَوْلهمْ لِأَوْلِيَائِهِمْ : إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه , إِنَّ التَّوْفِيق لِلْإِيمَانِ , وَالْهِدَايَة لِلْإِسْلَامِ بِيَدِ اللَّه , وَإِلَيْهِ دُونكُمْ وَدُون سَائِر خَلْقه , { يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء } مِنْ خَلْقه , يَعْنِي : يُعْطِيه مَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَاده تَكْذِيبًا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي قَوْلهمْ لِتُبَّاعِهِمْ : لَا يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ . فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لَهُمْ : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكُمْ , إِنَّمَا هُوَ إِلَى اللَّه الَّذِي بِيَدِهِ الْأَشْيَاء كُلّهَا , وَإِلَيْهِ الْفَضْل , وَبِيَدِهِ يُعْطِيه مَنْ يَشَاء . { وَاَللَّه وَاسِع عَلِيم } يَعْنِي : وَاَللَّه ذُو سَعَة بِفَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاء أَنْ يَتَفَضَّل عَلَيْهِ عَلِيم ذُو عِلْم بِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ لِلْفَضْلِ أَهْل . 5736 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك قِرَاءَة عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { قُلْ إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء } قَالَ : الْإِسْلَام . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء وَاَللَّه وَاسِع عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفْت قَوْلهمْ لِأَوْلِيَائِهِمْ : إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه , إِنَّ التَّوْفِيق لِلْإِيمَانِ , وَالْهِدَايَة لِلْإِسْلَامِ بِيَدِ اللَّه , وَإِلَيْهِ دُونكُمْ وَدُون سَائِر خَلْقه , { يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء } مِنْ خَلْقه , يَعْنِي : يُعْطِيه مَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَاده تَكْذِيبًا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي قَوْلهمْ لِتُبَّاعِهِمْ : لَا يُؤْتَى أَحَد مِثْل مَا أُوتِيتُمْ . فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لَهُمْ : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكُمْ , إِنَّمَا هُوَ إِلَى اللَّه الَّذِي بِيَدِهِ الْأَشْيَاء كُلّهَا , وَإِلَيْهِ الْفَضْل , وَبِيَدِهِ يُعْطِيه مَنْ يَشَاء . { وَاَللَّه وَاسِع عَلِيم } يَعْنِي : وَاَللَّه ذُو سَعَة بِفَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاء أَنْ يَتَفَضَّل عَلَيْهِ عَلِيم ذُو عِلْم بِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ لِلْفَضْلِ أَهْل . 5736 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك قِرَاءَة عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { قُلْ إِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء } قَالَ : الْإِسْلَام . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} هذا نهي، وهو من كلام اليهود بعضهم لبعض، أي قال ذلك الرؤساء للسفلة. وقال السدي : من قول يهود خيبر ليهود المدينة. وهذه الآية أشكل ما في السورة. فروي عن الحسن ومجاهد أن معنى الآية ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنهم لا حجة لهم فإنكم أصح منهم دينا. و { أن} و { يحاجوكم} في موضع خفض، أي بأن يحاجوكم أي باحتجاجهم، أي لا تصدقوهم في ذلك فإنهم لا حجة لهم. { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} من التوراة والمن والسلوى وفرق البحر وغيرها من الآيات والفضائل. فيكون { أن يؤتى} مؤخرا بعد { أو يحاجوكم} ، وقوله { إن الهدى هدى الله} اعتراض بين كلامين. وقال الأخفش : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدقوا أن يحاجوكم؛ يذهب إلى أنه معطوف. وقيل : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ فالمد على الاستفهام أيضا تأكيد للإنكار الذي قالوه أنه لا يؤتى أحد مثل ما أتوه؛ لأن علماء اليهود قالت لهم : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ فالكلام على نسقه. و { أن} في موضع رفع على قول من رفع في قولك أزيد ضربته، والخبر محذوف تقديره أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تصدقون أو تقرون، أي إيتاء موجود مصدق أو مقر به، أي لا تصدقون بذلك. ويجوز أن تكون { أن} في موضع نصب على إضمار فعل؛ كما جاز في قولك أزيدا ضربته، وهذا أقوى في العربية لأن الاستفهام بالفعل أولى، والتقدير أتقرون أن يؤتى، أو أتشيعون ذلك، أو أتذكرون ذلك ونحوه. وبالمد قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد. وقال أبو حاتم "آن" معناه "ألأن"، فحذفت لام الجر استخفافا وأبدلت مدة؛ كقراءة من قرأ { أن كان ذا مال} [القلم : 14] أي ألأن. وقوله { أو يحاجوكم} على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين؛ أو تكون { أو} بمعنى { أن} لأنهما حرفا شك وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر. وتقدير الآية : وأن يحاجوكم عند ربكم يا معشر المؤمنين، فقل : يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه. ومن قرأ بترك المد قال : إن النفي الأول دل على إنكارهم في قولهم ولا تؤمنوا. فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم : لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أي لا إيمان لهم ولا حجة؛ فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات، أي أنها لا تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم. فالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة واللام زائدة. ومن استثنى ليس من الأول، وإلا لم يجز الكلام. ودخلت { أحد} لأن أول الكلام نفي، فدخلت في صلة { أن} لأنه مفعول الفعل المنفي؛ فإن في موضع نصب لعدم الخافض. وقال الخليل : (أن) في موضع خفض بالخافض المحذوف. وقيل : إن اللام ليست بزائدة، و { تؤمنوا} محمول على تُقِرّوا. وقال ابن جريج : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. وقيل : المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لمن تبع دينكم لئلا يكون طريقا إلى عبدة الأوثان إلى تصديقه. وقال الفراء : يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله عز وجل { إلا لمن تبع دينكم} ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم { قل إن الهدى هدى الله} . أي إن البيان الحق هو بيان الله عز وجل { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} بين ألا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، و { لا} مقدرة بعد { أن} أي لئلا يؤتى؛ كقوله { يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء : 176] أي لئلا تضلوا، فلذلك صلح دخول { أحد} في الكلام. و"أو" بمعنى "حتى" و"إلا أن"؛ كما قال امرؤ القيس : فقلت له لا تبك عينك إنما ** نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقال آخر : وكنت إذا غمزت قناة قوم ** كسرت كعوبها أو تستقيما ومثله قولهم : لا نلتقي أو تقوم الساعة، بمعنى "حتى" أو "إلى أن"؛ وكذلك مذهب الكسائي. وهي عند الأخفش عاطفة على { ولا تؤمنوا} وقد تقدم. أي لا إيمان لهم ولا حجة؛ فعطف على المعنى. ويحتمل أن تكون الآية كلها خطابا للمؤمنين من الله تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم والتشحيذ لبصائرهم؛ لئلا يشكّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم. والمعنى لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين، ولا تصدقوا أن يحاجكم في دينكم عند ربكم من خالفكم أو يقدر على ذلك، فإن الهدى هدى الله وإن الفضل بيد الله. قال الضحاك : إن اليهود قالوا إنا نحاج عند ربنا من خالفنا في ديننا؛ فبين الله تعالى أنهم هم المدحضون المعذبون وأن المؤمنين هم الغالبون. ومحاجتهم خصومتهم يوم القيامة. ففي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن اليهود والنصارى يحاجونا عند ربنا فيقولون أعطيتنا أجرا واحدا وأعطيتهم أجرين فيقول هل ظلمتكم من حقوقكم شيئا قالوا لا قال فإن ذلك فضلي أوتيه من أشاء). قال علماؤنا : فلو علموا أن ذلك من فضل الله لم يحاجونا عند ربنا؛ فأعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم يحاجونكم يوم القيامة عند ربكم، ثم قال : قل لهم الآن { إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} . وقرأ ابن كثير "آن يؤتى" بالمد على الاستفهام؛ كما قال الأعشى : أأن رأت رجلا أعشى أضر به ** ريب المنون ودهر متبل خبل وقرأ الباقون بغير مد على الخبر. وقرأ سعيد بن جبير "إن يؤتى" بكسر الهمزة، على معنى النفي؛ ويكون من كلام الله تعالى كما قال الفراء. والمعنى : قل يا محمد { إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم} يعني اليهود - بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم. ونصب { أو يحاجوكم} يعني بإضمار "أن" و"أو" تضمر بعدها "أن" إذا كانت بمعنى "حتى" و"إلا أن". وقرأ الحسن "أن يؤتي" بكسر التاء وياء مفتوحة، على معنى أن يؤتي أحد أحدا مثل ما أوتيتم، فحذف المفعول. قوله تعالى { قل إن الهدى هدى الله} فيه قولان : أحدهما : إن الهدى إلى الخير والدلالة إلى الله عز وجل بيد الله جل ثناؤه يؤتيه أنبياءه، فلا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم مثل ما أوتيتم، فإن أنكروا ذلك فقل لهم { إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} . والقول الآخر : قل إن الهدى هدى الله الذي آتاه المؤمنين من التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم لا غيره. وقال بعض أهل الإشارات في هذه الآية : لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم فإن من لا يوافقكم لا يرافقكم. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 67 - 75

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إن الحق سبحانه يكشف للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به من الأميين لعبة إيمان بعض من أهل الكتاب بالإسلام وجه النهار والكفر به آخر النهار، لقد طالب المتآمرون بعضهم بعضا أن يظل الأمر سرا حتى لا يفقد المكر هدفه وهو بلبلة المسلمين من الأميين، ولذلك قال هؤلاء المتآمرون بعضهم لبعض: { وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } أي لا تكشفوا سر هذه الخدعة إلا لمن هو على شاكلتكم، لكن الحق يكشف هذا الأمر كله بنزول هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلاغه إياها للمؤمنين، وبذلك فسد أمر تلك البلبلة، وارتدت الحرب النفسية إلى صدور من أشعلوها، ويستمر القول الكريم في كشف خديعة هؤلاء البعض من أهل الكتاب فيقول سبحانه: { قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ }.

إن الحق سبحانه يكشف فعل الماكرين من أهل الكتاب الذين أرادوا إعلان الإيمان أول النهار كلون من " هدى النفس " لكنه من صميم الضلال والإضلال وذريعة له، ولم يكن هدى من الله؛ لأن هدى الله إنما يوصل الإنسان إلى الغاية التي يريدها الله، وهؤلاء البعض من أهل الكتاب أرادوا بالخديعة أن يجعلوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أتباع يؤمنون بالإسلام؛ لقد تواصي هؤلاء القوم من أهل الكتاب بأن يكتموا اتفاقهم على تمثيل الادعاء بالإيمان وجه النهار والكفر به في آخره، وألا يعلنوا ذلك إلا لأهل ديانتهم حتى لا يفقد المكر هدفه، وهو بلبلة المسلمين.

لقد أخذهم الخوف؛ لأن الناس إن أخذوا بدين محمد صلى الله عليه وسلم لأوتوا مثلما أوتي أهل الكتاب من معرفة بالمنهج، بل إن المنهج الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو المنهج الخاتم، وأهل المكر من أهل الكتاب إنما أرادوا أن يحرموا الناس من الإيمان، أو أنهم خافوا أن يدخل المسلمون معهم في المحاجة في أمر الإيمان، وكان كل ذلك من قلة الفطنة التي تصل إلى حد الغباء.

لماذا؟ لأنهم توهموا أن الله لا يعرف باطن ما كتموا وظاهر ما فعلوا، إنهم تناسوا أن الحق يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وتطابق ذلك مع سابق فعلهم عندما خرجوا من مصر، وذهبوا إلى التيه أثناء عبور الصحراء، وادعوا أن الله قال لموسى عليه السلام: " علموا بيوتكم أيها الإسرائيليون، لأني سأنزل وأبطش بالبلاد كلها ". وكأنهم لو لم يضعوا العلامات على البيوت فلن يعرفها الله، إنه كلام خائب للغاية بل هو منتهى الخيبة والضلال، ويبلغ الحق رسوله الكريم: { قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }.

وما دام الفضل بيد الله فلن تستطيعوا يا أهل المكر بالمسلمين أن تأخذوا أناسا كما تودون، وبعد ذلك تريدون أن تخدعوهم؛ لأن الفضل حين يؤتيه الله لمن آمن به فلن ينزعه إلا الله.

فالحيلة لن تنزع فضل الإيمان بالله مادام قد أعطاه الله، والله واسع بمعنى أنه قادر على إعطاء الفضل لكل الخلق، ولن ينقص ذلك من فضله شيئا، والحق سبحانه عليم بمن يستحق هذا الفضل لأن قلبه مشغول بربه.

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ... }


www.alro7.net