سورة
اية:

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى حاكماً بتكفير فرق النصارى ممن قال منهم بأن المسيح هو اللّه، - تعالى اللّه عن قولهم وتنزه وتقدس علواً كبيراً - هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد اللّه ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال { إني عبد اللّه} ، ولم يقل إني أنا اللّه ولا ابن اللّه، بل قال: { إني عبد الّله آتاني الكتاب وجعلني نبياً} ، وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمراً لهم بعبادة اللّه ربه وربهم وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: { وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا اللّه ربي وربكم إنه من يشرك باللّه} أي فيعبد معه غيره { فقد حرم اللّه عليه الجنة ومأواه النار} أي فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة، كما قال تعالى: { إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وفي الصحيح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث منادياً ينادي في الناس: (إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة) وفي لفظ (مؤمنة) ولهذا قال تعالى: { وما للظالمين من أنصار} أي وماله عند اللّه ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه. وقوله: { لقد كفر الذين قالوا إن اللّه ثالث ثلاثة} الصحيح أنها أنزلت في النصارى خاصة قاله مجاهد وغير واحد، ثم اختلفوا في ذلك، فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهو أقنوم الأب، وأقنوم الأبن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الإبن، تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً. قال ابن جرير وغيره: والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافاً متبايناً، ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة. وقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع اللّه، فجعلوا اللّه ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، وهي كقوله تعالى: { وإذ قال اللّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللّه قال سبحانك} الآية، وهذا القول هو الأظهر، واللّه أعلم. قال اللّه تعالى: { وما من إله إلا إله واحد} أي ليس متعدداً بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودت، ثم قال تعالى متوعداً لهم ومتهدداً: { وإن لم ينتهوا عما يقولون} أي من هذا الإفتراء والكذب { ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} أي في الآخرة من الأغلال والنكال، ثم قال: { أفلا يتوبون إلى اللّه ويستغفرونه واللّه غفور رحيم} وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الإفتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه، وقوله تعالى: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} أي له أسوة أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل} ، وقوله: { وأمه صديقة} أي مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى ونبوة أم عيسى استدلالاً منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} ، وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن اللّه لم يبعث نبياً إلا من الرجال، قال اللّه تعالى: { وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} ، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه اللّه الإجماع على ذلك، وقوله تعالى: { كانا يأكلان الطعام} أي يحتاجان إلى التغذية به وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: { انظر كيف نبين لهم الآيات} أي نوضحها ونظهرها، { ثم انظر أنّى يؤفكون} أي ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون، وبأي قول يتمسكون، وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون؟.

تفسير الجلالين

{ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } سبق مثله { وقال } لهم { المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } فإني عبد ولست بإله { إنه من يشرك بالله } في العبادة غيره { فقد حرَّم الله عليه الجنة } منعه أن يدخلها { ومأواه النار وما للظالمين من } زائدة { أنصار } يمنعونهم من عذاب الله .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ بَعْض مَا فُتِنَ بِهِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ حَسِبُوا أَنْ لَا تَكُون فِتْنَة . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَكَانَ مِمَّا اِبْتَلَيْتهمْ وَاخْتَبَرْتهمْ بِهِ فَنَقَضُوا فِيهِ مِيثَاقِي وَغَيَّرُوا عَهْدِي الَّذِي كُنْت أَخَذْته عَلَيْهِمْ , بِأَنْ لَا يَعْبُدُوا سِوَايَ وَلَا يَتَّخِذُوا رَبًّا غَيْرِي , وَأَنْ يُوَحِّدُونِي , وَيَنْتَهُوا إِلَى طَاعَتِي ; عَبْدِي عِيسَى اِبْن مَرْيَم , فَإِنِّي خَلَقْته وَأَجْرَيْت عَلَى يَده نَحْو الَّذِي أَجْرَيْت ++ النَّصَارَى , عَلَيْهِمْ غَضَب اللَّه ! يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا اِخْتَبَرْتهمْ وَابْتَلَيْتهمْ بِمَا اِبْتَلَيْتهمْ بِهِ أَشْرَكُوا بِي قَالُوا لِخَلْقٍ مِنْ خَلْقِي وَعَبْد مِثْلهمْ مِنْ عَبِيدِي وَبَشَر نَحْوهمْ مَعْرُوف نَسَبه وَأَصْله مَوْلُود مِنْ الْبَشَر يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِي وَيَأْمُرهُمْ بِعِبَادَتِي وَطَاعَتِي وَيُقِرّ لَهُمْ بِأَنِّي رَبّه وَرَبّهمْ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي شَيْئًا , هُوَ إِلَههمْ ; جَهْلًا مِنْهُمْ اللَّه وَكُفْرًا بِهِ , وَلَا يَنْبَغِي لِلَّهِ أَنْ يَكُون وَالِدًا وَلَا مَوْلُودًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ بَعْض مَا فُتِنَ بِهِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ حَسِبُوا أَنْ لَا تَكُون فِتْنَة . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَكَانَ مِمَّا اِبْتَلَيْتهمْ وَاخْتَبَرْتهمْ بِهِ فَنَقَضُوا فِيهِ مِيثَاقِي وَغَيَّرُوا عَهْدِي الَّذِي كُنْت أَخَذْته عَلَيْهِمْ , بِأَنْ لَا يَعْبُدُوا سِوَايَ وَلَا يَتَّخِذُوا رَبًّا غَيْرِي , وَأَنْ يُوَحِّدُونِي , وَيَنْتَهُوا إِلَى طَاعَتِي ; عَبْدِي عِيسَى اِبْن مَرْيَم , فَإِنِّي خَلَقْته وَأَجْرَيْت عَلَى يَده نَحْو الَّذِي أَجْرَيْت ++ النَّصَارَى , عَلَيْهِمْ غَضَب اللَّه ! يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا اِخْتَبَرْتهمْ وَابْتَلَيْتهمْ بِمَا اِبْتَلَيْتهمْ بِهِ أَشْرَكُوا بِي قَالُوا لِخَلْقٍ مِنْ خَلْقِي وَعَبْد مِثْلهمْ مِنْ عَبِيدِي وَبَشَر نَحْوهمْ مَعْرُوف نَسَبه وَأَصْله مَوْلُود مِنْ الْبَشَر يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِي وَيَأْمُرهُمْ بِعِبَادَتِي وَطَاعَتِي وَيُقِرّ لَهُمْ بِأَنِّي رَبّه وَرَبّهمْ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي شَيْئًا , هُوَ إِلَههمْ ; جَهْلًا مِنْهُمْ اللَّه وَكُفْرًا بِهِ , وَلَا يَنْبَغِي لِلَّهِ أَنْ يَكُون وَالِدًا وَلَا مَوْلُودًا .' وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَقَالَ الْمَسِيح يَا بَنِي إِسْرَائِيل اُعْبُدُوا اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ } يَقُول : اِجْعَلُوا الْعِبَادَة وَالتَّذَلُّل لِلَّذِي لَهُ يَذِلّ كُلّ شَيْء وَلَهُ يَخْضَع كُلّ مَوْجُود , رَبِّي وَرَبّكُمْ , يَقُول : مَالِكِي وَمَالِككُمْ , وَسَيِّدِي وَسَيِّدكُمْ , الَّذِي خَلَقَنِي وَإِيَّاكُمْ .وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَقَالَ الْمَسِيح يَا بَنِي إِسْرَائِيل اُعْبُدُوا اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ } يَقُول : اِجْعَلُوا الْعِبَادَة وَالتَّذَلُّل لِلَّذِي لَهُ يَذِلّ كُلّ شَيْء وَلَهُ يَخْضَع كُلّ مَوْجُود , رَبِّي وَرَبّكُمْ , يَقُول : مَالِكِي وَمَالِككُمْ , وَسَيِّدِي وَسَيِّدكُمْ , الَّذِي خَلَقَنِي وَإِيَّاكُمْ .' { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِك بِاَللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة } أَنْ يَسْكُنهَا فِي الْآخِرَة { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِك بِاَللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة } أَنْ يَسْكُنهَا فِي الْآخِرَة' يَقُول : وَمَرْجِعه وَمَكَانه الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ وَيَصِير فِي مَعَاده , مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَته نَار جَهَنَّم .يَقُول : وَمَرْجِعه وَمَكَانه الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ وَيَصِير فِي مَعَاده , مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَته نَار جَهَنَّم .' يَقُول : وَلَيْسَ لِمَنْ فَعَلَ غَيْر مَا أَبَاحَ اللَّه لَهُ وَعَبَدَ غَيْر الَّذِي لَهُ عِبَادَة الْخَلْق ,يَقُول : وَلَيْسَ لِمَنْ فَعَلَ غَيْر مَا أَبَاحَ اللَّه لَهُ وَعَبَدَ غَيْر الَّذِي لَهُ عِبَادَة الْخَلْق ,' يَنْصُرُونَهُ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ اللَّه , فَيُنْقِذُونَهُ مِنْهُ إِذَا أَوْرَدَهُ جَهَنَّم .يَنْصُرُونَهُ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ اللَّه , فَيُنْقِذُونَهُ مِنْهُ إِذَا أَوْرَدَهُ جَهَنَّم .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} هذا قول اليعقوبية فرد الله ذلك بحجة قاطعة مما يقرون به؛ فقال { وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} أي إذا كان المسيح يقول : يا رب ويا الله فكيف يدعو نفسه أم كيف يسألها؟ هذا محال { إنه من يشرك بالله} قيل : هو من قول عيسى. وقيل : ابتداء كلام من الله تعالى. والإشراك أن يعتقد معه موجدا. وقد مضى في (آل عمران) القول في اشتقاق المسيح فلا معنى لإعادته.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 71 - 75

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهناك ثلاث آيات تتعرض لهذه المسألة: { لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ }. والآية الثانية:
{  لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ }
[المائدة: 73].

والآية الثالثة:
{  وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ }
[المائدة: 116].

إذن فالخلاف في المسألة جاء على ثلاث صور:

طائفة تقول: المسيح هو الله. وطائفة تقول: إن المسيح هو إله مع اثنين آخرين. وطائفة تقول: إن المسيح هو وأمه إلهان. ولكل طائفة رد. والرد يأتي من أبسط شيء نشاهده في الوجود للكائن الحي، فالإنسان - كما نعرف - سيد الكون والأدنى منه يخدمه. فالإنسان يحتاج إلى الحيوان من أجل منافعه، وكذلك يحتاج إلى النبات والجماد، هذا السيد - الإنسان - يحتاج إلى الأدنى منه. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يرد على تأليه سيدنا عيسى وسيدتنا مريم، فقال:
{  كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ }
[المائدة: 75].

وهذا استدلال من أوضح الأدلة، لا للفيلسوف فحسب ولكن لكل المستويات، فماداما يأكلان الطعام فقد احتاجا إلى الأدنى منهما. والذي يحتاج إلى الأدنى منه لا يكون الأعلى ولا هو الواحد الأحد. والمتبعون لهذه الفرق الثلاثة مختلفون.

والحق سبحانه وتعالى يقول: { وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ } وكلمة { ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } تستعمل على أنه واحد من ثلاثة لكنه غير معين. فكل ثلاثة يجتمعون معاً، يقال لكل واحد منهم إنه { ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ }. وليس هذا القول ممنوعاً إلا في حالة واحدة، أن نقول: ثالث ثلاثة آلهة؛ لأن الإله لا يتعدد. ويصح أن نقول كلمة: " ثالث اثنين " لأن الله يقول:
{  مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ }
[المجادلة: 7].

إذن فمن الممكن أن نقول: هو رابع ثلاثة، أو خامس أربعة أو سادس خمسة. وهو الذي يصير الثلاثة به أربعة أو يصير الأربعة به خمسة أو يصير الخمسة به ستة. إننا إن أوردنا عدداً هو اسم فاعل وبعد ذلك أضفناه لما دونه، فهذا تعيين بأنه الأخير. فإن قال قائل: الله رابع ثلاث جالسين فهذا قول صحيح. لكن لو قلنا إنهم آلهة. فهذا هو المحرم، والممنوع؛ لأن الإله لا يتعدد.

ويلاحظ أن الحق لم يقل: ما يكون من نجوى اثنين إلاّ هو ثالثهم؛ لأن النجوى لا تكون إلا من ثلاثة، فإن جلس اثنان معاً فهما يتكلمان معاً دون نجوى؛ لأن النجوى تتطلب ألا يسمعهم أحد. والنجوى مُسَارَّةَ، وأول النجوى ثلاثة، ولذلك بدأها الحق بأول عدد تنطبق عليه. فإن قلت: " ثالث ثلاثة " فهذا قول صحيح إن لم يكونوا ثلاثة آلهة.

والحق أراد أن يدفع هذا القول بالبطلان حين قال: { كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ }.والطعام مقوم للحياة ومعطٍ للطاقة في حركة الحياة؛ لأن الإنسان يريد أن يستبقي الحياة ويريد طاقة، والطعام أدنى من الإنسان لأنه في خدمته، فإذا ما كانا يأكلان الطعام فهما في حاجة للأدنى. وإن لم يأكلا فلا بد من الجوع والهزال.

ولذلك فهما ليسا آلهة. بعضهم يقول: { كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ } هي كناية عن شيء آخر هو إخراج الخبث. ونقول: ليس إخراج الخبث ضرورياً لأن الله سيطعمنا في الجنة ولا يخرج منا خبث. فهذا ليس بدليل. ويرتقي الحق مع الناس في الجدل، فاليهود قالوا في المسيح - عليه السلام - ما لا يليق بمكانته كنبي مرسل وقالوا في مريم عليها السلام ما لا يليق باصطفائها من الحق.

واليهود إذن خصوم المسيح. وأنصار المسيح هم الحواريون! فإذا كان لم يستطع أن يصنع من خصومه ما يضرهم ولا مع حوارييه ما ينفعهم فكيف يكون إلهاً؟ والنص القرآني يقول عن مريم:
{  يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ }
[آل عمران: 43].

والمسيح نفسه كان دائماً مع الله خاشعاً عابداً. والذي يعبد إنما يعبد من هو أعلى منه؛ فالإله لا يعبد ذاته. وإذا كان هذا قول من ينتسبون إلى السماء إيماناً بإله وإيماناً بمنهج، فماذا عن قول الذين لا ينتسبون إلى السماء من الملاحدة الذين ينكرون الأولوهية؟

إذن كان من الواجب أن يؤمن المنسوبون إلى السماء بواسطة مناهج وبواسطة أنبياء وأن يصفوا هذه المسائل فيما بينهم. وعلى سبيل المثال كان العالم موجوداً ومداراً قبل المسيح فمن إذن كان يدير العالم من قبل ميلاده؟ ولذلك أراد الحق سبحانه جل جلاله أن يحسم الموقف. والقرآن يعلمنا:
{  وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }
[سبأ: 24].

أيمكن أن يكون المتناقضان محقين؟ لا؛ لأن أحدهما لا بد أن يكون على هدى ولا بد أن يكون الآخر على ضلال. ولذلك نقول: كلامكم لا يلزمنا وكلامنا لا يلزمكم. ونفوض الأمر إلى الإله الذي نؤمن به. وحتى نصفي هذه المسألة نذكر قول الحق:
{  نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ }
[آل عمران: 61].

ونقول: اجعل لعنتك على الكاذبين. حتى تخرجنا من هذا الخلاف ولا تجعل واحداً منا يسطير على الآخر، فأنت صاحب الشأن، فها نحن أولاء بأنفسنا ونسائنا وأولادنا ندعو دعاءً واحداً: اجعل لعنة الله على الكاذبين منا. وما تلاعن قوم وابتهلوا إلا وأظهر الله المسألة في وقتها. ولم يقبل أحد من أهل الكتاب هذه المباهلة، والحق يقول: { لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ... }


www.alro7.net