سورة
اية:

ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبوه من المناهي لما فعلوه، لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه تبارك وتعالى بما لم يكن أو كان فكيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} الآية، قال ابن جرير { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا والحمد للّه الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: (إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواس)، وقال السدي: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: واللّه لقد كتب اللّه علينا القتل فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت: واللّه لو كتب علينا { أن اقتلوا أنفسكم} لفعلنا، فأنزل اللّه هذه الآية. قال تعالى: { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} أي: ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به وتركوا ما ينهون عنه، { لكان خيراً لهم} أي من مخالفة الأمر وارتكاب النهي { وأشد تثيبتاً} قال السدي: أي وأشد تصديقاً، { وإذا لآتيناهم من لدنا} أي من عندنا { أجراً عظيماً} يعني الجنة، { ولهديناهم صراطاً مستقيماً} أي في الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: { ومن يطع اللّه والرسول فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً} أي من عمل بما أمره اللّه به ورسوله وترك ما نهاه اللّه عنه ورسوله، فإن اللّه عزّ وجلَّ يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقاً للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين، وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى عليهم تعالى، فقال: { وحسن أولئك رفيقاً} وقال البخاري عن عائشة قالت: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (ما من نبي يمرض إلا خُيِّر بين الدنيا والآخرة)، وكان في شكواه التي قبض فيها أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: { مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبييّن والصدّيقين والشهداء والصالحين} فعلمت أنه خُيِّر. وهذا معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الآخر: (اللهم الرفيق الأعلى) ثلاثاً ثم قضى، عليه أفضل الصلاة والتسليم. ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة روى ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : (يا فلان مالي أراك محزوناً)؟ فقال: يا نبي اللّه شيء فكرت فيه، فقال ما هو؟ قال: نحن نغدوا ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين، فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم شيئاً، فأتاه جبريل بهذه الآية: { ومن يطع اللّه والرسول فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين} الآية، فبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم فبشره وعن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه! إنك لأحب إليَّ من نفسي، وأحب إليَّ من أهلي، وأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلتّ الجنة رفعتَ مع النبييّن، وإن دخلتُ الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى نزلت عليه { ومن يطع اللّه والرسول فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً} . وثبت في صحيح مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيت عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل فقلت: يا رسول اللّه أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: (أو غير ذلك؟) قلت: هو ذاك، قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) وقال الإمام أحمد عن عمرو ابن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه شهدت أن لا إله إلا اللّه، وأنك رسول اللّه؛ وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعقَّ والديه) تفرد به أحمد. وروى الترمذي عن أبي سعيد قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) وقد ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متوترة عن جماعة من الصحابة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال: (المرء مع من أحب) قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث، وفي رواية عن أنس أنه قال: إني لأحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأحب أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما، وأرجوا أن اللّه يبعثني معهم، وإن لم أعمل كعملهم. قال الإمام مالك بن أنس عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم)، قالوا: يا رسول اللّه تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: (بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين) ""أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم""قال تعالى: { ذلك الفضل من اللّه} أي من عند اللّه برحمته، وهو الذي أهّلهم لذلك لا بأعمالهم، { وكفى باللّه عليماً} أي هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق.

تفسير الجلالين

{ ذلك } أي كونهم مع ذكر مبتدأ خبره { الفضل من الله } تفضل به عليهم لا أنهم نالوه بطاعتهم { وكفى بالله عليما } بثواب الآخرة أي فثقوا بما أخبركم به (ولا ينبئك مثل خبير) .

تفسير الطبري

وَأَمَّا قَوْله : { ذَلِكَ الْفَضْل مِنْ اللَّه } فَإِنَّهُ يَقُول : كَوْن مَنْ أَطَاعَ اللَّه وَالرَّسُول مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ , { الْفَضْل مِنْ اللَّه } يَقُول ذَلِكَ عَطَاء اللَّه إِيَّاهُمْ وَفَضْله عَلَيْهِمْ , لَا بِاسْتِيجَابِهِمْ ذَلِكَ لِسَابِقَةٍ سَبَقَتْ لَهُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَلَيْسَ بِالطَّاعَةِ وَصَلُوا إِلَى مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ مِنْ فَضْله ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّهُمْ لَمْ يُطِيعُوهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا بِفَضْلِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَهَدَاهُمْ بِهِ لِطَاعَتِهِ , فِعْل ذَلِكَ فَضْل مِنْهُ تَعَالَى ذِكْره .وَأَمَّا قَوْله : { ذَلِكَ الْفَضْل مِنْ اللَّه } فَإِنَّهُ يَقُول : كَوْن مَنْ أَطَاعَ اللَّه وَالرَّسُول مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ , { الْفَضْل مِنْ اللَّه } يَقُول ذَلِكَ عَطَاء اللَّه إِيَّاهُمْ وَفَضْله عَلَيْهِمْ , لَا بِاسْتِيجَابِهِمْ ذَلِكَ لِسَابِقَةٍ سَبَقَتْ لَهُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَلَيْسَ بِالطَّاعَةِ وَصَلُوا إِلَى مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ مِنْ فَضْله ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّهُمْ لَمْ يُطِيعُوهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا بِفَضْلِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَهَدَاهُمْ بِهِ لِطَاعَتِهِ , فِعْل ذَلِكَ فَضْل مِنْهُ تَعَالَى ذِكْره .' وَقَوْله : { وَكَفَى بِاَللَّهِ عَلِيمًا } يَقُول : وَحَسْب الْعِبَاد بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ عَلِيمًا بِطَاعَةِ الْمُطِيع مِنْهُمْ وَمَعْصِيَة الْعَاصِي , فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُحْصِيه عَلَيْهِمْ وَيَحْفَظهُ حَتَّى يُجَازِي جَمِيعهمْ , فَيَجْزِي الْمُحْسِن مِنْهُمْ بِالْإِحْسَانِ , وَالْمُسِيء مِنْهُمْ بِالْإِسَاءَةِ , وَيَعْفُو عَمَّنْ شَاءَ مِنْ أَهْل التَّوْحِيد.وَقَوْله : { وَكَفَى بِاَللَّهِ عَلِيمًا } يَقُول : وَحَسْب الْعِبَاد بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ عَلِيمًا بِطَاعَةِ الْمُطِيع مِنْهُمْ وَمَعْصِيَة الْعَاصِي , فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُحْصِيه عَلَيْهِمْ وَيَحْفَظهُ حَتَّى يُجَازِي جَمِيعهمْ , فَيَجْزِي الْمُحْسِن مِنْهُمْ بِالْإِحْسَانِ , وَالْمُسِيء مِنْهُمْ بِالْإِسَاءَةِ , وَيَعْفُو عَمَّنْ شَاءَ مِنْ أَهْل التَّوْحِيد.'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل الأولى قوله تعالى‏ { ‏ومن يطع الله والرسول‏} ‏ لما ذكر تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله‏.‏ وهذه الآية تفسير قوله تعالى‏ { ‏اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ‏} ‏الفاتحة‏:‏6 - 7‏]‏ وهي المراد في قوله عليه السلام عند موته ‏(‏اللهم الرفيق الأعلى ‏)‏‏.‏ وفي البخاري عن عائشة قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة ‏)‏ كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول‏:‏ ‏(‏مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ‏)‏ فعلمت أنه خير‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ إنما نزلت هذه الآية لما قال عبدالله بن زيد بن عبدربه الأنصاري - الذي أري الأذان - ‏:‏ يا رسول الله، إذا مت ومتنا كنت في عليين لا نراك ولا نجتمع بك؛ وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية‏.‏ وذكر مكي عن عبدالله هذا وأنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ اللهم أعمني حتى لا أري شيئا بعده؛ فعمي مكانه‏.‏ وحكاه القشري فقال‏:‏ اللهم أعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي حتى ألقى حبيبي؛ فعمي مكانه‏.‏ وحكى الثعلبي‏:‏ أنها نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن؛ فقال له‏:‏ ‏(‏يا ثوبان ما غير لونك ‏)‏ فقال‏:‏ يا رسول الله ما بي ضر ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏ ذكره الواحدي عن الكلبي‏.‏ وأسند عن مسروق قال‏:‏ قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا؛ فأنزل الله تعالى‏ { ‏ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين‏} ‏‏.‏ وفي طاعة الله طاعة رسوله ولكنه ذكره تشريفا لقدره وتنويها باسمه صلى الله عليه وسلم وعلى آله‏.‏ ‏} ‏فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم‏} ‏ أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في الدرجة؛ فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا والاقتداء‏.‏ وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول‏.‏ قال الله تعالى‏ { ‏ونزعنا ما في صدورهم من غل ‏} ‏الأعراف‏:‏ 43‏]‏‏.‏ والصديق فعيل، المبالغ في الصدق أو في التصديق، والصديق هو الذي يحقق بفعله ما يقول بلسانه‏.‏ وقيل‏:‏ هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصديق‏.‏ وقد تقدم في البقرة اشتقاق الصديق ومعنى الشهيد‏.‏ والمراد هنا بالشهداء عمر وعثمان وعلي، والصالحين سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين‏.‏ وقيل ‏} ‏الشهداء‏} ‏ القتلى في سبيل الله‏.‏ ‏} ‏والصالحين‏} ‏ صالحي أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قلت‏:‏ واللفظ يعم كل صالح وشهيد، والله أعلم‏.‏ والرفق لين الجانب‏.‏ وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك بصحبته؛ ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض‏.‏ ويجوز ‏} ‏وحسن أولئك رفقاء‏} ‏‏.‏ قال الأخفش‏ { ‏رفيقا ‏} ‏منصوب على الحال وهو بمعنى رفقاء؛ وقال‏:‏ انتصب على التمييز فوحد لذلك؛ فكأن المعنى وحسن كل واحد منهم رفيقا‏.‏ كما قال تعالى‏ { ‏ثم نخرجكم طفلا ‏} ‏الحج‏:‏ 5‏]‏ أي نخرج كل واحد منكم طفلا‏.‏ وقال تعالى‏ { ‏ينظرون من طرف خفي ‏} ‏الشورى‏:‏45‏]‏ وينظر معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خير الرفقاء أربعة‏)‏ ولم يذكر الله تعالى هنا إلا أربعة فتأمله‏.‏ في هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، ثم ثنى بالصديقين ولم يجعل بينهما واسطة‏.‏ وأجمع المسلمون على تسمية أبى بكر الصديق رضي الله عنه صديقا، كما أجمعوا على تسمية محمد عليه السلام رسولا، وإذا ثبت هذا وصح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز أن يتقدم بعده أحد‏.‏ والله أعلم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ذلك الفضل من الله‏} ‏ أخبر تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة‏.‏ بطاعتهم بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه‏.‏ خلافا لما قالت المعتزلة‏:‏ إنما ينال العبد ذلك بفعله‏.‏ فلما امتن الله سبحانه على أوليائه بما آتاهم من فضله، وكان لا يجوز لأحد أن يثني على نفسه بما لم يفعله دل ذلك على بطلان قولهم‏.‏ والله أعلم‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 69 - 73

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فالفضل من الله يستمّد حيثيته من سعى الإنسان، فقوله: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } حددت الحق الذي لك والذي توجبه عدالة التكليف، لكن ربنا لم يقل: إن هذا العطاء لله من الحق والعدل. بل هو من الفضل، والفضل من الله هو مناط فرح المؤمن؛ لأنك مهما عملت في التكليف فلن تؤديه كما يجب بالنسبة لله، ولذلك أوضح سبحانه لنا: تنبهوا.. أنا كلفتكم وقد تعملون وتجتهدون، لكن لا تفرحوا مما سيجمعه هذا العمل من حسنات، ولكن سيكون فرحكم بما يعطيكم ربكم من فضله قال سبحانه:
{  قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }
[يونس: 58].

وذلك الفضل من الله يرد على من يقول: كيف يجيء " ثوبان " أو مَن دون " ثوبان " ويكون في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء ومع الصالحين، ونقول: لو لم تكن منزلته أدنى لما كان في ذلك تفضل، إنه ينال الفضل بأن كانت طاعته لله ولرسوله فوق كل طاعة، أما حبه لله وللرسول، فهذا من سعيه وعمله بتوفيق الله له - وما توفيقي إلا بالله - والفضل هو مناط فرح المؤمن { ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً }. ونحن نرضى ونفرح ونكتفي بعلم الله؛ لأنه سبحانه يرتب أحكامه على علم شامل ومحيط، ويعرف صدق الحب القلبي وصدق الودادة، وصدق تقدير المؤمن لمن زاد عنه في المنزلة.

وبعد أن أمّن الحق لنا داخلية وطننا الإيماني، وتجمعنا الإسلامي بالأصول التي ذكرها، وهي: أن نؤدي الأمانات، وإذا أدينا الأمانات فلن نحتاج إلى أن نتقاضى، فإذا غفل بعضنا ولم يؤد أمانة، وحدث نزاع فسيأتي الحكم بالعدل. وبعد ذلك نحتكم في كل أمورنا إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نحتكم إلى الطواغيت، وهات لي مجتمعا إيمانيا واحدا يؤدي الأمانة ولا يشعر بالاطمئنان.

وعرفنا أن الأمانة هي: حق لغيرك في ذمتك أنت تؤديه، وكل ما عداك غير. وأنت غير بالنسبة لكل ما عداك، فتكون كلها مسألة في الخير المستطرق للناس جميعا، وإذا حدثت غفلة يأتي العدل. والعدل يحتاج حكما، وعندما نأتي لنحكم نحتكم لله وللرسول، وإياك أن تتحاكم إلى الطاغوت. وكان " كعب بن الأشرف " يمثل الطاغوت سابقا، والآن أيضاً يوجد من هم مثل كعب بن الأشرف. بل هناك طواغيت كثيرة.

إنك إذا رأيت خللاً في العالم الإسلامي فأعلم أن هناك خللاً في تطبيق التكليف الإسلامي، فكيف تستقيم لنا الأمور ونحن بعيدون عن منهج تكاليف الإسلام المكتملة؟ ولو استقامت الأمور لكانت شهادة بأن هذا المنهج لا ضرورة له. لكن إذا حدث شيء فهذا دليل صدق التكليف.

وبعد أن طمأننا على المصير الأخروي مع النبيين والصديقين والشهداء أوضح سبحانه: لاحظوا أن كل رسالة خير تأتي من السماء إلى الأرض ما جاءت إلا لمحاربة فساد وقضاء على فساد طام في الأرض؛ لأن النفس البشرية إما أن يكون لها وازع من نفسها بحيث إنها قد تهم مرة بمعصية ثم توبخ نفسها وتعود إلى المنهج، فتكون مناعتها ذاتية، وإما أن المناعة ليست ذاتية في النفس بل ذاتية في البيئة، فمثلاً نجد واحداً لا يقدر على نفسه.لكنه يجد واحداً آخر يقول له: " هذا عيب ". وهذا يعني أن البيئة مازال فيها خير، وكانت الأمم السابقة قد خلت من المناعة وصارت على هيئة ومسلك واحد وهو ما يصوره الحق بقوله:
{  كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ }
[المائدة: 79].

إذن فقد فسدت مناعة الذات، ولا توجد مناعة في المجتمع، فتتدخل - إذن - السماء. لكن الحق فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وميزها على غيرها من الأمم لأن مناعتها دائماً في ذوات أفرادها. فإن لم تكن في ذوات الأفراد ففي المجموع، فلا يمكن أن يخلو المجتمع الإيماني من فرد يقول: لا. ولذلك لن يأتي رسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو كانت ستحدث طامة وفسد بها المجتمع ولا نجد فيه من يقول: لا.. لكان ولا بد أن يأتي رسول، لكن محمدا كان خاتم النبيين؛ لأن الله سبحانه وتعالى فضل أمة محمد بأن جعل وازعها دائماً أما من ذاتها بحيث يرد كل فرد نفسه وتكون نفسه لوّامة، وإمّا مناعة في المجتمع وكل واحد فيه يوصِي، وكل واحد يوصيَ، واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
{  وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ }
[العصر: 1-3].

تواصوا لماذا؟ لأن النفس البشرية أغيار، فقد تهيج نفسي لأخرج عن المنهج مرة؛ فواحد آخر ينهاني، وأنا أردها له وأهديه وأرشده إلى الصراط المستقيم، وواحد آخر أخطأ فأنا أقول له وأنهاه. إذن فقوله: " وتواصوا " يعني: ليكن كل واحد منكم موصيا وموصى. فكلنا يَنظر بعضنا ويلاحظه؛ مَن ضعف في شيء يجد من يقوِّمه، فلا ينعدم أن يوجد في الأمة المحمدية موصٍ بالخير ومُوصى أيضا بالخير، وتوجد في النفس الواحدة أنه موصٍ في موقف ومُوصىً في موقف آخر؛ بحيث لا يتأبى إن وصاه غيره؛ لأنه كان يوصى بالأمس، وكما قالوا: " رحم الله امرأ أهدى إلى عيوبي ".

وبعد أن استكمل الحق بناء البيئة الإيمانية برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وصرتم أنتم آخر الأمم. فهو سبحانه يطمئننا على أن الشر لا يطم عندنا وستبقى فينا مناعة إيمانية حتى وإن لم يلتزم قوم فسيلتزم آخرون. وإن لم يلتزم الإنسان في كل تصرفاته، فسيلتزم في البعض ويترك البعض، ولو لم تتدخل المساء بمنهج قويم لصار العالم متعبا.وكيف يتعب العالم؟ إن العالم يتعب إذا تعطلت فيه مناهج الحق الذي استخلفنا في الأرض. فتطغى مظاهر الجبروت والقوة على مظاهر الضعف. ويتحكم في كل إنسان هواه.

وفي عالمنا المعاصر نرى حتى في الأمم التي لا تؤمن بدين لا تترك شعوبها لهوى أفرادها، بل ينظمون الحياة بتشريعات قد تتعبهم، ووضعت الأمم غير المتدينة لنفسها نظاما يحجز هوى النفس، ونقول لهم: أنتم عملتم على قدر فكركم، وعلى قدر علمكم بخصال البشر، وعلى قدر علمكم بالطبائع وأنتم تجنيتم في هذه؛ لأنكم تقننون لشيء لم تخلقوه بشيء لم تصنعوه.

وأصل التقنين: أن تقنن لشيء صنعته، كما قلنا: إن الذي يضع برنامج الصيانة لأي آلة هو من صنع الآلة، فالذي صَنَع التليفزيون أيترك الجزار يضع قانون للتليفزيون برنامج الصيانة؟ لا، فمن صنع التليفزيون هو الذي يضع قانون صيانته، فما بالنا بالذي خلقنا؟ إنه هو الذي يضع قانون صيانتي: بـ " افعل ولا تفعل " ، فأنتم يا بشر تتحكمون في أشياء بأهواء بعض الناس وتقولون: افعل هذه ولا تفعل هذه، فعلى أي أساس عرفتم شرور المخالفات؟ هل خلقتم أنتم النفس وتعرفون ملكاتها؟ لا. بدليل أنكم تعدلون قوانينكم، ويحدث التعديل - كما قلنا - لأن المشرع يتبين خطأ فيستدرك الخطأ، والمشرع البشرى يخطيء لأنه يقنن لما لم يصنع، فإذا كنا لا نريد أن يظهر خطأ فلنترك التقنين لمن صنع وهو الله.

والتاريخ البشرى يؤكد أن الفساد يطم عندما يتعطل منهج السماء، والسماء تتخل برسالة، وكل رسالة جاءت كان لها خصوم وهم المنتفعون بالشر، وهؤلاء لن يتركوا منهج الله يسيطر ليسلبهم هذه الهيمنة والسيطرة والقهر والجبروت والانتفاع بالشر، بل يحاربون رسالات السماء، ويلفتنا الحق إلى أن أهل الشر والناس المنفلتين من مناهج السماء وغير المتدينين، سيسببون لكم متاعب، فبعدما توطنون أنفسكم التوطين الإيماني انتبهوا إلى خصومكم وإلى أعدائكم في الله لقد قال الحق سبحانه وتعالى في هذه القضية: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }.


www.alro7.net