سورة
اية:

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ...} الآية. [7].
قال الكلبي: إن مشركي مكة قالوا: يا محمد، والله لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله. فنزلت هذه الآية.

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهاتهم ومنازعتهم فيه، { ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم} أي عاينوه ورأوا نزوله وباشروا ذلك، لقال { الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} ، وهذا كما قال تعالى مخبراً عن مكابرتهم للمحسوسات، { ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} وكقوله تعالى: { وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم} ، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك} أي ليكون معه نذيراً، قال اللّه تعالى: { ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون} أي لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب، كماقال اللّه تعالى: ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} ، وقوله: { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين} الآية، وقوله تعالى: { ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكاً، أي لو بعثنا إلى البشر رسولاً ملكياً، لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشريّ، كقوله تعالى: { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً} ، فمن رحمته تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلاً منهم ليدعو بعضهم بعضاً، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: { لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم} الآية. قال الضحاك عن ابن عباس في الآية يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور، { وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون، وقيل: ولشبهنا عليهم. وقوله: { ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: { قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة وكيف نجَّى رسله وعباده المؤمنين.

تفسير الجلالين

{ ولو نزلَّنا عليك كتابا } مكتوبا { في قرطاس } رَق كما اقترحوا { فلمسوه بأيديهم } أبلغ من عاينوه لأنه أنفى للشك { لقال الذين كفروا إن } ما { هذا إلا سحر مبين } تعنُّنا وعنادا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر مُبِين } وَهَذَا إِخْبَار مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان وَالْآلِهَة وَالْأَصْنَام . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكَيْف يَتَفَقَّهُونَ الْآيَات , أَمْ كَيْف يَسْتَدِلُّونَ عَلَى بُطْلَان مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَجُحُود نُبُوَّتك بِحُجَجِ اللَّه وَآيَاته وَأَدِلَّته , وَهُمْ لِعِنَادِهِمْ الْحَقّ وَبُعْدهمْ مِنْ الرُّشْد , لَوْ أَنْزَلْت عَلَيْك يَا مُحَمَّد الْوَحْي الَّذِي أَنْزَلْته عَلَيْك مَعَ رَسُولِي فِي قِرْطَاس يُعَايِنُونَهُ وَيَمَسُّونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَقْرَءُونَهُ مِنْهُ مُعَلَّقًا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض بِحَقِيقَةِ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَصِحَّة مَا تَأْتِيهِمْ بِهِ مِنْ تَوْحِيدِي وَتَنْزِيلِي , لَقَالَ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِي غَيْرِي فَيُشْرِكُونَ فِي تَوْحِيدِي سِوَايَ : { إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر مُبِين } : أَيْ مَا هَذَا الَّذِي جِئْتنَا بِهِ إِلَّا سِحْر سَحَرْت بِهِ أَعْيُننَا , لَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَة وَلَا صِحَّة ; { مُبِين } يَقُول : مُبِين لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَتَأَمَّلَهُ أَنَّهُ سِحْر لَا حَقِيقَة لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10184 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } قَالَ : فَمَسُّوهُ وَنَظَرُوا إِلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ . 10185 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } يَقُول : فَعَايَنُوهُ مُعَايَنَة لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : { إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر مُبِين } . 10186 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } يَقُول : لَوْ نَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاء صُحُفًا فِيهَا كِتَاب فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ , لَزَادَهُمْ ذَلِكَ تَكْذِيبًا 10187 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس } : الصُّحُف . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فِي قِرْطَاس } يَقُول : فِي صَحِيفَة , { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : { إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر مُبِين } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر مُبِين } وَهَذَا إِخْبَار مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان وَالْآلِهَة وَالْأَصْنَام . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكَيْف يَتَفَقَّهُونَ الْآيَات , أَمْ كَيْف يَسْتَدِلُّونَ عَلَى بُطْلَان مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَجُحُود نُبُوَّتك بِحُجَجِ اللَّه وَآيَاته وَأَدِلَّته , وَهُمْ لِعِنَادِهِمْ الْحَقّ وَبُعْدهمْ مِنْ الرُّشْد , لَوْ أَنْزَلْت عَلَيْك يَا مُحَمَّد الْوَحْي الَّذِي أَنْزَلْته عَلَيْك مَعَ رَسُولِي فِي قِرْطَاس يُعَايِنُونَهُ وَيَمَسُّونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَقْرَءُونَهُ مِنْهُ مُعَلَّقًا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض بِحَقِيقَةِ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَصِحَّة مَا تَأْتِيهِمْ بِهِ مِنْ تَوْحِيدِي وَتَنْزِيلِي , لَقَالَ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِي غَيْرِي فَيُشْرِكُونَ فِي تَوْحِيدِي سِوَايَ : { إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر مُبِين } : أَيْ مَا هَذَا الَّذِي جِئْتنَا بِهِ إِلَّا سِحْر سَحَرْت بِهِ أَعْيُننَا , لَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَة وَلَا صِحَّة ; { مُبِين } يَقُول : مُبِين لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَتَأَمَّلَهُ أَنَّهُ سِحْر لَا حَقِيقَة لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10184 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } قَالَ : فَمَسُّوهُ وَنَظَرُوا إِلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ . 10185 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } يَقُول : فَعَايَنُوهُ مُعَايَنَة لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : { إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر مُبِين } . 10186 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } يَقُول : لَوْ نَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاء صُحُفًا فِيهَا كِتَاب فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ , لَزَادَهُمْ ذَلِكَ تَكْذِيبًا 10187 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاس } : الصُّحُف . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فِي قِرْطَاس } يَقُول : فِي صَحِيفَة , { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : { إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر مُبِين } . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} الآية. المعنى : ولو نزلنا يا محمد بمرأى منهم كما زعموا وطلبوا كلاما مكتوبا { في قرطاس} وعن ابن عباس : كتابا معلقا بين السماء والأرض وهذا يبين لك أن التنزيل على وجهين؛ أحدهما : على معنى نزله عليك الكتاب بمعنى نزول الملك به. والآخر : ولو نزلنا كتابا في قرطاس يمسكه الله بين السماء والأرض؛ وقال { نزلنا} على المبالغة بطول مكث الكتاب بين السماء والأرض والكتاب مصدر بمعنى الكتابة فبين أن الكتابة في قرطاس؛ لأنه غير معقول كتابة إلا في قرطاس أي في صحيفة والقرطاس الصحيفة؛ ويقال : قرطاس بالضم؛ وقَرطَس فلان إذا رمى فأصاب الصحيفة الملزقة بالهدف. { فلمسوه بأيديهم} أي فعاينوا ذلك ومسوه باليد كما اقترحوا وبالغوا في ميزه وتقليبه جسا بأيديهم ليرتفع كل ارتياب ويزول عنهم كل إشكال، لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم، وقالوا : سحر مبين إنما سكرت أبصارنا وسحرنا؛ وهذه الآية جواب لقولهم { حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه} [الإسراء : 93] فأعلم الله بما سبق في علمه من أنه لو نزل لكذبوا به. قال الكلبي : نزلت في النضر بن الحرث وعبدالله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء : 90] الآية.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 6 - 14

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا الكتاب - القرآن - لو نزل إلى هؤلاء المكذبين مكتوباً في ورق من المحس المشاهد فلمسوه بأيديهم لقالوا ما قاله كل مكذب، إنه سحر ظاهر. وقد طالب المكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء ليقرأوه كشرط من ضمن شروط أخرى قال عنها الحق مصوراً جحودهم:
{  وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً }
[الإسراء: 90-93].

فبعد أن وضح لهم إعجاز القرآن حاولوا زوراً، واقترحوا من الآيات ليؤمنوا، كان يفجر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ينبوعاً في أرض مكة لا ينقطع ماؤه، أو يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بستان من نخيل وعنب. تتخلله الأنهار، أو أن يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُنزل السماء عليهم قطعاً كعذاب شديد، أو أن يتجسد لهم الله والملائكة ليَروْهم رأي العين، أو أن يكون لرسول الله بيت من ذهب مزخرف، أو أن يصعد إلى السماء ويأتيهم بكتاب من الله يقرر صدق رسالته، ولكن الله برحمته واتساع حنانه ينزه ذاته أن يتحكم فيه أحد أو أن يشاركه في قدرته فيعلن لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم قوله - سبحانه وتعالى -:
{  قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً }
[الإسراء: 93].

لأن الذي يبعث الآيات هو رب العالمين، ولا أحد يجرؤ أن يفرض على الله آياته. ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو مُستَقْبِل لآيات الله لا مقترح للآيات، ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن من يقترح على الله آية ثم يأتي فيكذب بها يصيبه ويناله الهلاك، هذه سنة الله، ورسول الله يعلم أنه النبي الخاتم؛ لذلك لن يطلب أي آية من الله حتى لا ينزل عقاب الله من بعدها إن كذبوا بها. ويبلغ الحق رسوله عتو المتجبرين المنكرين واستكبارهم. { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }

الحق يعلم أن قلوب بعض المنكرين قد صارت غفلاً لا يدخلها الإيمان ولا يخرج منها الباطل - كما أراد هو لهم - فلو نزَّل إليهم كتاباً في قرطاس ليكون في مجال رؤية العين ولمسوه بأيديهم فلن يؤمنوا. ويأتي أمر لمس الكتاب بالأيدي؛ لأن اللمس هو الحاسة التي يشترك فيها الجميع حتى الأعمى منهم، وبرغم ذلك فسيكذبون قائلين: { إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ومثل هذا الرد لا ينبع عن عقل أو تدبر أو حكمة.ولا يتناسب مع القوم الذين عُرفوا بالبلاغة والفصاحة، وبحسن القول وصياغته؛ لأن السحر إنما يغير من رؤية الناس للواقع، وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم متهماً بالسحر منهم فلماذا لم يسحرهم هم، ولماذا استعصموا هم بالذات على السحر؟ والمسحور ليس له عمل ولا إرادة مع الساحر، ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم ساحراً لصنع من السحر ما يجعلهم يؤمنون.

إن من العجيب وهم أبصر الناس بفن القول، وهم أهل النبوغ في الأداء، ويعرفون القول الفصل والرأي الصحيح ويميزون بين فنون القول: خطابةً، وكتابةً، ونثراً، وشعراً، والقول المسجوع، والقول المرسل، من العجيب أنهم يقفون أمام معجزة القرآن مبهوتين لا يعرفون من أمرهم رشداً، فمرة يقولون إنه سحر، ومرة يقولون: إنه كلام كهنة، وثالثة يقولون: إنه كلام مجنون.

والقرآن ليس بسحر، لأنه يملك من البيان ما يملكون وفوق ما يملكون ويحسنون، ولا يفعل رسول الله معهم ما يجعلهم يؤمنون على الرغم منهم، وليس القرآن كذلك بكلام كهنة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ بينهم ويعلمون أنه الصادق الأمين الذي لم يتلق علماً من أحد، فضلا عن أن كلام الكهان له سمت خاص وسجع معروف، والقرآن ليس كذلك. ويعلمون أنه كلام رجل عاقل، فكلام المجنون لا ينسجم مع بعضه، وها هوذا الحق يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{  مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ }
[القلم: 2-4].

وقد أعد الله رسوله ليستقبل النبوة بقوة الفعل، لا بسفه الرأي، وله في إبلاغ رسالة ربه ثوابٌ لا مقطوع ولا ممنوع، وهو على الخُلق العظيم. والخُلُقُ العظيم - كما نعلم - هو استقبال الأحداث بملكات متساوية وليست متعارضة ولا يملك ذلك إلا عاقل. وقد شهدوا بخُلُق محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يأتي هذا الخلق العظيم من مجنون؟ وكيف يصدر السلوك المتصف بالسلامة والصلاح والخير من مجنون؟ كانت - إذن - كل اتهاماتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تنبع من إصرارهم على الكفر، لا من واقع لمسوه، فكل ما قالوه في رسول الله هم أول الناس الذين شهدوا عكسه ولمسوا نقيضه.

وجاءوا - إصراراً على الكفر - يطلبون أية أخرى: { وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ... }


www.alro7.net