سورة
اية:

وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً

تفسير بن كثير

الواقعة من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها كما قال تعالى: { فيومئذ وقعت الواقعة} وقوله تعالى: { ليس لوقعتها كاذبة} أي ليس لوقوعها إذا أراد اللّه كونها صارف يصرفها ولا دافع يدفعها، كما قال: { استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من اللّه} ، وقال: { سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع} ، ومعنى { كاذبة} أي لابد أن تكون، وقال قتادة: ليس فيها ارتداد ولا رجعة، قال ابن جرير: والكاذبة مصدر كالعاقبة والعافية، وقوله تعالى: { خافضة رافعة} أي تخفض أقواماً إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء، وعن ابن عباس: { خافضة رافعة} تخفض أقواماً وترفع آخرين، وقال عثمان بن سراقة: الساعة خفضت أعداء اللّه إلى النار، ورفعت أولياء اللّه إلى الجنة، وقال محمد بن كعب: تخفض رجالاً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالاً كانوا في الدنيا مخفوضين، وقال السدي: خفضت المتكبرين ورفعت المتواضعين، وقوله تعالى: { إذا رجت الأرض رجَّاً} أي حركت تحريكاً فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد { إذا رجت الأرض رجَّاً} أي زلزلت زلزالاً، وقال الربيع بن أنَس: ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه، كقوله تعالى: { إذا زلزلت الأرض زلزالها} ، وقال تعالى: { إن زلزلة الساعة شيء عظيم} ، وقوله تعالى: { وبست الجبال بساً} أي فتتت فتاً، قاله ابن عباس ومجاهد، وقال ابن زيد: صارت الجبال كما قال اللّه تعالى { كثيباً مهيلاً} ، وقوله تعالى: { فكانت هباء منبثاً} عن علي رضي اللّه عنه: هباء منبثاً كرهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء، وقال ابن عباس: الهباء الذي يطير من النار إذا اضرمت يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاً، وقال عكرمة: المنبث الذي قد ذرته الريح وبثته، وقال قتادة: { هباء منبثاً} كيابس الشجر الذي تذروه الرياح، وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة، وذهابها ونسفها أي قلعها وصيرورتها كالعهن المنفوش. وقوله تعالى: { وكنتم أزواجاً ثلاثة} أي ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين يؤتون كتبهم بشمالهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار، وطائفة سابقون بين يديه عزَّ وجلَّ وهم أحظى وأقرب من أصحاب اليمين، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عدداً من أصحاب اليمين، لهذا قال تعالى: { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون} ، وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن اللّه} الآية وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه، قال ابن عباس { وكنتم أزواجاً ثلاثة} قال: هي التي في سورة الملائكة { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية. وقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: { وكنتم أزواجاً ثلاثة} قال: أصنافاً ثلاثة، وقال مجاهد: { وكنتم أزواجاً ثلاثة} يعني فرقاً ثلاثة، وقال ميمون بن مهران: أفواجاً ثلاثة، اثنان في الجنة وواحد في النار، قال مجاهد: { والسابقون السابقون} هم الأنبياء عليهم السلام، وقال السدي: هم أهل عليين، وقال ابن سيرين { والسابقون السابقون} الذين صلوا إلى القبلتين، وقال الحسن وقتادة: { والسابقون السابقون} أي من كل أمة، وقال الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، أنه قرأ هذه الآية { والسابقون السابقون أولئك المقربون} ثم قال: أولهم رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل اللّه، وهذه الأقوال كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات، كما أمروا، كما قال تعالى: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض} ، وقال تعالى: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} ، فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل وكما تدين تُدان، ولهذا قال تعالى: { أولئك المقربون في جنات النعيم} ، وقال ابن أبي حاتم، قالت الملائكة: يا رب جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون، فاجعل لنا الآخرة، فقال: لا أفعل، فراجعوا ثلاثاً، فقال: لا أجعل من خلقت بيدي، كمن قلت له كن فكان؛ ثم قرأ عبد اللّه: { والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم} ""رواه ابن أبي حاتم عن عبد اللّه بن عمرو موقوفاً"".

تفسير الجلالين

{ وكنتم } في القيامة { أزواجا } أصنافا { ثلاثة } .

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وكنتم أزواجا ثلاثة} أي أصنافا ثلاثة كل، صنف يشاكل ما هو منه، كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم فقال { فأصحاب الميمنة} { وأصحاب المشأمة} و { السابقون} ، فأصحاب الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأصحاب المشأمة هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، قاله السدي. والمشأمة الميسرة وكذلك الشأمة. يقال : قعد فلان شأمة. ويقال : يا فلان شائم بأصحابك، أي خذ بهم شأمة أي ذات الشمال. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الشمال الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين اليمن، ولما جاء عن الشمال الشؤم. وقال ابن عباس والسدي : أصحاب الميمنة هم الذين كانوا عن يمين حين أخرجت الذرية من صلبه فقال الله لهم : هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم : أصحاب الميمنة هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب : أصحاب الميمنة من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله. وقال ابن جريج : أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات، وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع : أصحاب الميمنة الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة المشائيم علي أنفسهم بالأعمال السيئة القبيحة. وفي صحيح مسلم من حديث الإسراء عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة - قال - فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شمال بكى - قال - فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح - قال - قلت يا جبريل من هذا قال هذا آدم عليه السلام وهذه الأسودة التي عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار) وذكر الحديث. وقال المبرد : وأصحاب الميمنة أصحاب التقدم، وأصحاب الشأمة أصحاب التأخر. والعرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك، أي أجعلني من المتقدمين ولا تجعلنا من المتأخرين. والتكرير في { ما أصحاب الميمنة} . و { ما أصحاب المشأمة} للتفخيم والتعجيب، كقوله { الحاقة ما الحاقة} الحاقة : 1] و { القارعة ما القارعة} [القارعة : 1] كما يقال : زيد ما زيد! وفي حديث أم زرع رضي الله عنها : مالك وما مالك! والمقصود تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب ولأصحاب المشأمة من العقاب. وقيل { أصحاب} رفع بالابتداء والخبر { ما أصحاب الميمنة} كأنه قال { فأصحاب الميمنة} ما هم، المعنى : أي شيء هم. وقيل : يجوز أن تكون { ما} تأكيدا، والمعنى فالذين يعطون كتابهم بأيمانهم هم أصحاب التقدم وعلو المنزلة. قوله تعالى { والسابقون السابقون} روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم) ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القرظي : إنهم الأنبياء. الحسن وقتادة : السابقون إلى الإيمان من كل أمة. ونحوه عن عكرمة. محمد بن سيرين : هم الذين صلوا إلى القبلتين، دليله قوله تعالى { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} [التوبة : 100]. وقال مجاهد وغيره : هم السابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحا إلى الصلاة. وقال علي رضي الله عنه : هم السابقون إلى الصلوات الخمس. الضحاك : إلى الجهاد. سعيد بن جبير : إلى التوبة وأعمال البر، قال الله تعالى { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} [آل عمران : 133] ثم أثنى عليهم فقال { أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [المؤمنون : 61]. وقيل : إنهم أربعة، منهم سابق أمة موسى وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية، وسابقان في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، قال ابن عباس، حكاه الماوردي. وقال شميط بن العجلان : الناس ثلاثة، فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا هو السابق المقرب، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها فهذا من أصحاب الشمال. وقيل : هم كل من سبق إلى شيء من أشياء الصلاح. ثم قيل { السابقون} رفع بالابتداء والثاني توكيد له والخبرة { أولئك المقربون} وقال الزجاج { السابقون} رفع بالابتداء والثاني خبره، والمعنى السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله { أولئك المقربون} من صفتهم. وقيل : إذا خرج رجل من السابقين المقربين من منزله في الجنة كان له ضوء يعرفه به من دونه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الواقعة الايات 1 - 19


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net