سورة
اية:

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

القولُ في آية التسمية وبيان نزولها
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد الجرجاني، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الجوهري، حدَّثنا محمد بن يحيى بن مَنْدَه، حدَّثنا أبو كُرَيْب، حدَّثنا عثمان بن سعيد، حدَّثنا بشر بن عمارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك عن ابن عباس، أنه قال:
أول ما نزلَ به جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا محمد استعذ ثم قل: { بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} .
أخبرنا أبو عبد الله بن [أبي] إسحاق، حدَّثنا إسماعيل بن أحمد الخلاَّلي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن زيد البجلي، حدَّثنا أبو كُرَيب. حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف ختم السورة حتى ينزل عليه { بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} .
أخبرنا عبد القاهر بن طاهر البغدادي، أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر، أخبرنا إبراهيم بن علي الذُّهلي، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا عمرو بن الحجاج العبدي، عن عبد الله بن أبي حسين، ذكر عن عبد الله بن مسعود قال:
كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل { بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} .
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أخبرنا جدي، أخبرنا أبو عمرو أحمد بن محمد الْحَرشِيّ، حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا محمد بن عيسى بن أبي فُدَيْك، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال:
نزلت { بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} . في كل سورة.
القول في سورة الفاتحة
اختلفوا فيها: فعند الأكثرين: هي مكية من أوائل ما نزل من القرآن.
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد، أخبرنا جدي، أخبرنا أبو عمرو الحِيرِي؛ حدَّثنا إبراهيم بن الحارث وعلي بن سهل بن المغيرة قالا: حدَّثنا يحيى بن [أبي] بكير، حدَّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي مَيْسَرَة:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا برز سمع منادياً يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هارباً، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك. قال: فلما برز سمع النداء: يا محمد، فقال: لبيك، قال: قل: أشهد أن لا إله إلاَّ الله أشهد وأن محمداً رسول الله، ثم قال: قل: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} حتى فرغ من فاتحة الكتاب.
وهذا قول علي بن أبي طالب.
أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد المفسر، أخبرنا الحسن بن جعفر المفسر، قال: أخبرنا أبو الحسن بن محمد بن محمود المَرْوَزِيّ، حدَّثنا عبد الله بن محمود السعدي، حدَّثنا أبو يحيى القَصْرِي، حدَّثنا مروان بن معاوية عن العلاء بن المسيب، عن الفضيل بن عمرو، عن علي بن أبي طالب قال:
نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش.
وبهذا الإسناد عن السعدي: حدَّثنا عمرو بن صالح، حدثنا أبي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
قام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. فقالت قريش: دَقَّ الله فاك أو نحو هذا، قاله الحسن وقتادة.
وعند مجاهد: أن الفاتحة مدنية. قال الحسين بن الفضل: لكل عالم هفوة، وهذه بادرة من مجاهد؛ لأنه تفرد بهذا القول، والعلماء على خلافه. ومما يقطع به على أنها مكيه قوله تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} يعني الفاتحة.
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن النحوي، أخبرنا محمد بن أحمد بن علي الحيري، أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدَّثنا يحيى بن أيوب، حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ عليه أبيّ بن كعب أُمَّ القرآن فقال: والذي نفسي بيده، ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلَها، إنها لَهِيَ السبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته.
وسورة "الحجر" مكية بلا اختلاف، ولم يكن الله ليمتن على رسوله بإيتائه فاتحة الكتاب وهو بمكة ثم ينزلها بالمدينة. ولا يسعنا القول: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة الكتاب. هذا مما لا تقبله العقول.

تفسير بن كثير

قوله تعالى { صراط الذين أنعمت عليهم} مفسّر للصراط المستقيم، والذين أنعم اللّه عليهم هم المذكورون في سورة النساء: { ومن يطع اللّه والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا} ، وعن ابن عباس: صراط الذين أنعمتَ عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصدّيقين والشهداء والصالحين، وذلك نظير الآية السابقة، وقال الربيع بن أنَس: هم النبيّون، وقال ابن جريج ومجاهد: هم المؤمنون، والتفسير المتقدم عن ابن عباس أعم وأشمل. وقوله تعالى { غير المغضوب عليهم ولا الضالين} بالجر على النعت، والمعنى: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة، غير صراط المغضوب عليهم وهم الذين علموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بـ لا ليدل على أن ثَمَّ مسلكين فاسدين وهما: طريقة اليهود، وطريقة النصارى، فجيء بـ لا لتأكيد النفي وللفرق بين الطريقتين ليجتنب كل واحدٍ منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهودُ فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لكنْ أخصُّ أوصاف اليهود الغضب كما قال تعالى عنهم: { من لعنه الله وغضب عليه} وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال تعالى عنهم: { قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وأضلوا عن سواء السبيل} وبهذا وردت الأحاديث والآثار، فقد روي عن عدي بن حاتم أنه قال: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قوله تعالى: { غير المغضوب عليهم} قال: هم اليهود { ولا الضالين} قال: النصارى ) ""رواه أحمد والترمذي من طرق وله ألفاظ كثيرة""ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: آمين ومعناه: اللهم استجب، لما روي عن أبي هريرة أنه قال: (كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا تلا { غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول) ""رواه أبو داود وابن ماجة وزاد فيه ""فيرتج بها المسجد"" فصل فيما اشتملت هذه السورة الكريمة - وهي سبع آيات - على حمد اللّه وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله، والتضرع إليه، والتبرؤ من حولهم وقوّتهم، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه حتى يقضي لهم بذلك إلى جواز الصراط يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنّات النَّعيم، في جوار النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين. واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوامع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة وهم المغضوب عليهم والضّالّون. وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله: { أنعمت عليهم} وحذف الفاعل في الغضب في قوله: { غير المغضوب عليهم} وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة، وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به وإن كان هو الذي أضلهم بقدره كما قال تعالى: { من يضلل الله فلا هادي له} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال. لا كما تقول القدرية من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلون، ويحتجون على بدعتهم بمتشابه من القرآن ويتركون ما يكون فيه صريحا في الرد عليهم وهذا حال أهل الضلال والغي. وقد ورد في الحديث الصحيح: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ) فليس - بحمد اللّه - لمبتدع في القرآن حجةٌ صحيحة لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل، مفرقا بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقضٌ ولا اختلاف، لأنه من عند اللّه: { تنزيل من حكيم حميد} .

تفسير الجلالين

{ صراط الَّذين أنعمت عليهم } بالهداية ويبدل من الذين بصلته { غير المغضوب عليهم} وهم اليهود { ولا } وغير { الضالِّين } وهم النصارى ونكتة البدل إفادة أن المهتدين ليسوا يهوداً ولا نصارى . والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اَله وصحبه وسلم تسليما كثيراً دائما أبداً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } إِبَانَة عَنْ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم أَيّ الصِّرَاط هُوَ , إِذْ كَانَ كُلّ طَرِيق مِنْ طُرُق الْحَقّ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا , فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد : اِهْدِنَا يَا رَبّنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم , صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ , بِطَاعَتِك وَعِبَادَتك مِنْ مَلَائِكَتك , وَأَنْبِيَائِك , وَالصِّدِّيقِينَ , وَالشُّهَدَاء , وَالصَّالِحِينَ . وَذَلِكَ نَظِير مَا قَالَ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي تَنْزِيله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَأَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَمَنْ يُطِعْ اللَّه وَالرَّسُول فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ } 4 66 : 69 قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَاَلَّذِي أُمِرَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته أَنْ يَسْأَلُوهُ رَبّهمْ مِنْ الْهِدَايَة لِلطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيم , هِيَ الْهِدَايَة لِلطَّرِيقِ الَّذِي وَصَفَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَته . وَذَلِكَ الطَّرِيق هُوَ طَرِيق الَّذِي وَصَفَهُمْ اللَّه بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ فِي تَنْزِيله , وَوَعَدَ مَنْ سَلَكَهُ فَاسْتَقَامَ فِيهِ طَائِعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنْ يُورِدَهُ مَوَارِدهمْ , وَاَللَّه لَا يُخْلِف الْمِيعَاد . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَر عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . 158 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عَمَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } يَقُول : طَرِيق مِنْ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ بِطَاعَتِك وَعِبَادَتك مِنْ الْمَلَائِكَة وَالنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ , الَّذِينَ أَطَاعُوك وَعَبَدُوك. 159 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ أَبِي جَعْفَر عَنْ رَبِيع : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } قَالَ : النَّبِيُّونَ. 160 - وَحَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } قَالَ : الْمُؤْمِنِينَ. 161 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : قَالَ وَكِيع { أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } : الْمُسْلِمِينَ . 162 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } قَالَ : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل وَاضِح عَلَى أَنَّ طَاعَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا يَنَالهَا الْمُطِيعُونَ إِلَّا بِإِنْعَامِ اللَّه بِهَا عَلَيْهِمْ وَتَوْفِيقه إِيَّاهُمْ لَهَا . أَوَلَا يَسْمَعُونَهُ يَقُول : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } فَأَضَافَ كُلّ مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ اِهْتِدَاء وَطَاعَة وَعِبَادَة إِلَى أَنَّهُ إِنْعَام مِنْهُ عَلَيْهِمْ ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَأَيْنَ تَمَام هَذَا الْخَبَر , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ قَوْل الْقَائِل لِآخَر : أَنْعَمْت عَلَيْك , مُقْتَضٍ الْخَبَر عَمَّا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ , فَأَيْنَ ذَلِكَ الْخَبَر فِي قَوْله : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } وَمَا تِلْكَ النِّعْمَة الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ ؟ قِيلَ لَهُ : قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَان فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا عَنْ اجْتِزَاء الْعَرَب فِي مَنْطِقهَا بِبَعْضٍ مِنْ بَعْض إِذَا كَانَ الْبَعْض الظَّاهِر دَالًّا عَلَى الْبَعْض الْبَاطِن وَكَافِيًا مِنْهُ , فَقَوْله : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَمْر اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده بِمَسْأَلَتِهِ الْمَعُونَة وَطَلَبهمْ مِنْهُ الْهِدَايَة لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيم لَمَّا كَانَ مُتَقَدِّمًا قَوْله : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } الَّذِي هُوَ إِبَانَة عَنْ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم , وَإِبْدَال مِنْهُ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ النِّعْمَة الَّتِي أَنْعَمَ اللَّه بِهَا عَلَى مَنْ أُمِرْنَا بِمَسْأَلَتِهِ الْهِدَايَة لِطَرِيقِهِمْ هُوَ الْمِنْهَاج الْقَوِيم وَالصِّرَاط الْمُسْتَقِيم الَّذِي قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْ تَأْوِيله آنِفًا , فَكَانَ ظَاهِرُ مَا ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ مَعَ قُرْب تَجَاوُر الْكَلِمَتَيْنِ مُغْنِيًا عَنْ تَكْرَاره كَمَا قَالَ نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : كَأَنَّكَ مِنْ جِمَال بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ يُرِيد كَأَنَّكَ مِنْ جِمَال بَنِي أُقَيْش جَمَل يُقَعْقَع خَلْف رِجْلَيْهِ بِشَنِّ , فَاكْتَفَى بِمَا ظَهَرَ مِنْ ذِكْر الْجِمَال الدَّالّ عَلَى الْمَحْذُوف مِنْ إِظْهَار مَا حَذَفَ . وَكَمَا قَالَ الْفَرَزْدَق بْن غَالِب : تَرَى أَرْبَاقَهُمْ مُتَقَلِّدِيهَا إِذَا صَدِئَ الْحَدِيدُ عَلَى الْكَمَاةِ يُرِيد : مُتَقَلِّدِيهَا هُمْ , فَحَذَفَ " هُمْ " إِذْ كَانَ الظَّاهِر مِنْ قَوْله : " وَأَرْبَاقهمْ " دَالًّا عَلَيْهَا . وَالشَّوَاهِد عَلَى ذَلِكَ مِنْ شِعْر الْعَرَب وَكَلَامهَا أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } وَقَوْله : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } إِبَانَة عَنْ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم أَيّ الصِّرَاط هُوَ , إِذْ كَانَ كُلّ طَرِيق مِنْ طُرُق الْحَقّ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا , فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد : اِهْدِنَا يَا رَبّنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم , صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ , بِطَاعَتِك وَعِبَادَتك مِنْ مَلَائِكَتك , وَأَنْبِيَائِك , وَالصِّدِّيقِينَ , وَالشُّهَدَاء , وَالصَّالِحِينَ . وَذَلِكَ نَظِير مَا قَالَ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي تَنْزِيله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَأَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَمَنْ يُطِعْ اللَّه وَالرَّسُول فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ } 4 66 : 69 قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَاَلَّذِي أُمِرَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته أَنْ يَسْأَلُوهُ رَبّهمْ مِنْ الْهِدَايَة لِلطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيم , هِيَ الْهِدَايَة لِلطَّرِيقِ الَّذِي وَصَفَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَته . وَذَلِكَ الطَّرِيق هُوَ طَرِيق الَّذِي وَصَفَهُمْ اللَّه بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ فِي تَنْزِيله , وَوَعَدَ مَنْ سَلَكَهُ فَاسْتَقَامَ فِيهِ طَائِعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنْ يُورِدَهُ مَوَارِدهمْ , وَاَللَّه لَا يُخْلِف الْمِيعَاد . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَر عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . 158 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عَمَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } يَقُول : طَرِيق مِنْ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ بِطَاعَتِك وَعِبَادَتك مِنْ الْمَلَائِكَة وَالنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ , الَّذِينَ أَطَاعُوك وَعَبَدُوك. 159 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ أَبِي جَعْفَر عَنْ رَبِيع : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } قَالَ : النَّبِيُّونَ. 160 - وَحَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } قَالَ : الْمُؤْمِنِينَ. 161 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : قَالَ وَكِيع { أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } : الْمُسْلِمِينَ . 162 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } قَالَ : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل وَاضِح عَلَى أَنَّ طَاعَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا يَنَالهَا الْمُطِيعُونَ إِلَّا بِإِنْعَامِ اللَّه بِهَا عَلَيْهِمْ وَتَوْفِيقه إِيَّاهُمْ لَهَا . أَوَلَا يَسْمَعُونَهُ يَقُول : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } فَأَضَافَ كُلّ مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ اِهْتِدَاء وَطَاعَة وَعِبَادَة إِلَى أَنَّهُ إِنْعَام مِنْهُ عَلَيْهِمْ ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَأَيْنَ تَمَام هَذَا الْخَبَر , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ قَوْل الْقَائِل لِآخَر : أَنْعَمْت عَلَيْك , مُقْتَضٍ الْخَبَر عَمَّا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ , فَأَيْنَ ذَلِكَ الْخَبَر فِي قَوْله : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } وَمَا تِلْكَ النِّعْمَة الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ ؟ قِيلَ لَهُ : قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَان فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا عَنْ اجْتِزَاء الْعَرَب فِي مَنْطِقهَا بِبَعْضٍ مِنْ بَعْض إِذَا كَانَ الْبَعْض الظَّاهِر دَالًّا عَلَى الْبَعْض الْبَاطِن وَكَافِيًا مِنْهُ , فَقَوْله : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَمْر اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده بِمَسْأَلَتِهِ الْمَعُونَة وَطَلَبهمْ مِنْهُ الْهِدَايَة لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيم لَمَّا كَانَ مُتَقَدِّمًا قَوْله : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } الَّذِي هُوَ إِبَانَة عَنْ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم , وَإِبْدَال مِنْهُ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ النِّعْمَة الَّتِي أَنْعَمَ اللَّه بِهَا عَلَى مَنْ أُمِرْنَا بِمَسْأَلَتِهِ الْهِدَايَة لِطَرِيقِهِمْ هُوَ الْمِنْهَاج الْقَوِيم وَالصِّرَاط الْمُسْتَقِيم الَّذِي قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْ تَأْوِيله آنِفًا , فَكَانَ ظَاهِرُ مَا ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ مَعَ قُرْب تَجَاوُر الْكَلِمَتَيْنِ مُغْنِيًا عَنْ تَكْرَاره كَمَا قَالَ نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : كَأَنَّكَ مِنْ جِمَال بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ يُرِيد كَأَنَّكَ مِنْ جِمَال بَنِي أُقَيْش جَمَل يُقَعْقَع خَلْف رِجْلَيْهِ بِشَنِّ , فَاكْتَفَى بِمَا ظَهَرَ مِنْ ذِكْر الْجِمَال الدَّالّ عَلَى الْمَحْذُوف مِنْ إِظْهَار مَا حَذَفَ . وَكَمَا قَالَ الْفَرَزْدَق بْن غَالِب : تَرَى أَرْبَاقَهُمْ مُتَقَلِّدِيهَا إِذَا صَدِئَ الْحَدِيدُ عَلَى الْكَمَاةِ يُرِيد : مُتَقَلِّدِيهَا هُمْ , فَحَذَفَ " هُمْ " إِذْ كَانَ الظَّاهِر مِنْ قَوْله : " وَأَرْبَاقهمْ " دَالًّا عَلَيْهَا . وَالشَّوَاهِد عَلَى ذَلِكَ مِنْ شِعْر الْعَرَب وَكَلَامهَا أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقُرَّاء مُجْمِعَة عَلَى قِرَاءَة " غَيْر " بِجَرِّ الرَّاء مِنْهَا. وَالْخَفْض يَأْتِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون غَيْر صِفَة لِلَّذِينَ وَنَعْتًا لَهُمْ فَتَخْفِضهَا , إِذْ كَانَ " الَّذِينَ " خَفْضًا وَهِيَ لَهُمْ نَعْت وَصِفَة ; وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يَكُون " غَيْر " نَعْتًا لِ " الَّذِينَ " , و " الَّذِينَ " مَعْرِفَة وَغَيْر نَكِرَة ; لِأَنَّ " الَّذِينَ " بِصِلَتِهَا لَيْسَتْ بِالْمَعْرِفَةِ الْمُؤَقَّتَة كَالْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ أَمَارَات بَيْن النَّاس , مِثْل : زَيْد وَعَمْرو , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; وَإِنَّمَا هِيَ كَالنَّكِرَاتِ الْمَجْهُولَات , مِثْل : الرَّجُل وَالْبَعِير , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; فَمَا كَانَ " الَّذِينَ " كَذَلِكَ صِفَتهَا , وَكَانَتْ غَيْر مُضَافَة إِلَى مَجْهُول مِنْ الْأَسْمَاء نَظِير " الَّذِينَ " فِي أَنَّهُ مَعْرِفَة غَيْر مُوَقَّتَة كَمَا " الَّذِينَ " مَعْرِفَة غَيْر مُؤَقَّتَة , جَازَ مِنْ أَجْل ذَلِكَ أَنْ يَكُون : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } نَعْتًا لِ { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } كَمَا يُقَال : لَا أَجْلِس إِلَّا إِلَى الْعَالِم غَيْر الْجَاهِل , يُرَاد : لَا أَجْلِس إِلَّا إِلَى مَنْ يَعْلَم , لَا إِلَى مَنْ يَجْهَل . وَلَوْ كَانَ { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } مَعْرِفَة مُوَقَّتَة كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } لَهَا نَعْتًا , وَذَلِكَ أَنَّهُ خَطَأ فِي كَلَام الْعَرَب إِذَا وَصَفْت مَعْرِفَة مُؤَقَّتَة بِنَكِرَةٍ أَنْ تُلْزِم نَعْتهَا النَّكِرَة إِعْرَاب الْمَعْرِفَة الْمَنْعُوت بِهَا , إِلَّا عَلَى نِيَّة تَكْرِير مَا أُعْرِبَ الْمُنْعَت بِهَا . خَطَأ فِي كَلَامهمْ أَنْ يُقَال : مَرَرْت بِعَبْدِ اللَّه غَيْر الْعَالِم , فَتَخْفِض " غَيْر " إِلَّا عَلَى نِيَّة تَكْرِير الْبَاء الَّتِي أَعْرَبْت عَبْد اللَّه , فَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ لَوْ قِيلَ كَذَلِكَ : مَرَرْت بِعَبْدِ اللَّه , مَرَرْت بِغَيْرِ الْعَالِم . فَهَذَا أَحَد وَجْهَيْ الْخَفْض فِي : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } وَالْوَجْه الْآخَر مِنْ وَجْهَيْ الْخَفْض فِيهَا أَنْ يَكُون " الَّذِينَ " بِمَعْنَى الْمَعْرِفَة الْمُؤَقَّتَة. وَإِذَا وُجِّهَ إِلَى ذَلِكَ , كَانَتْ غَيْر مَخْفُوضَة بِنِيَّةِ تَكْرِير الصِّرَاط الَّذِي خَفَضَ الَّذِينَ عَلَيْهَا , فَكَأَنَّك قُلْت : صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ صِرَاط غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ . وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ فِي غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ , وَإِنْ اِخْتَلَفَا بِاخْتِلَافِ مُعْرِبِيهِمَا , فَإِنَّهُمَا يَتَقَارَب مَعْنَاهُمَا ; مِنْ أَجْل أَنَّ مَنْ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ فَهَدَاهُ لِدِينِهِ الْحَقّ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ غَضَب رَبّه وَنَجَا مِنْ الضَّلَال فِي دِينه , فَسَوَاء - إِذْ كَانَ سَامِع قَوْله : { اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } غَيْر جَائِز أَنْ يَرْتَاب مَعَ سَمَاعه ذَلِكَ مِنْ تَالِيه فِي أَنَّ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ لِلصِّرَاطِ , غَيْر غَاضِب رَبّهمْ عَلَيْهِمْ مَعَ النِّعْمَة الَّتِي قَدْ عَظُمَتْ مِنَّته بِهَا عَلَيْهِمْ فِي دِينهمْ , وَلَا أَنْ يَكُونُوا ضُلَّالًا وَقَدْ هَدَاهُمْ لِلْحَقِّ رَبّهمْ , إِذْ كَانَ مُسْتَحِيلًا فِي فِطَرهمْ اِجْتِمَاع الرِّضَا مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ شَخْص وَالْغَضَب عَلَيْهِ فِي حَال وَاحِدَة وَاجْتِمَاع الْهُدَى وَالضَّلَال لَهُ فِي وَقْت وَاحِد - أَوُصِفَ الْقَوْم مَعَ وَصْف اللَّه إِيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ تَوْفِيقه إِيَّاهُمْ وَهِدَايَته لَهُمْ وَإِنْعَامه عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْعَمَ اللَّه بِهِ عَلَيْهِمْ فِي دِينهمْ بِأَنَّهُمْ غَيْر مَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ ضَالُّونَ , أَمْ لَمْ يُوصَفُوا بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الصِّفَة الظَّاهِرَة الَّتِي وُصِفُوا بِهَا قَدْ أَنْبَأَتْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّح وَصْفهمْ بِهِ. هَذَا إِذَا وَجَّهْنَا " غَيْر " إِلَى أَنَّهَا مَخْفُوضَة عَلَى نِيَّة تَكْرِير الصِّرَاط الْخَافِض الَّذِينَ , وَلَمْ نَجْعَل { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } مِنْ صِفَة { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } بَلْ إِذَا حَمَّلْنَاهُمْ غَيْرهمْ ; وَإِنْ كَانَ الْفَرِيقَانِ لَا شَكَّ مُنْعَمًا عَلَيْهِمَا فِي أَدْيَانهمْ . فَأَمَّا إِذَا وَجَّهْنَا : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } إِلَى أَنَّهَا مِنْ نِعْمَة { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } فَلَا حَاجَة بِسَامِعِهِ إِلَى الِاسْتِدْلَال , إِذْ كَانَ الصَّرِيح مِنْ مَعْنَاهُ قَدْ أَغْنَى عَنْ الدَّلِيل , وَقَدْ يَجُوز نَصْب " غَيْر " فِي { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } وَإِنْ كُنْت لِلْقِرَاءَةِ بِهَا كَارِهًا لِشُذُوذِهَا عَنْ قِرَاءَة الْقُرَّاء . وَإِنَّ مَا شَذَّ مِنْ الْقِرَاءَات عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأُمَّة نَقْلًا ظَاهِرًا مُسْتَفِيضًا , فَرَأْي لِلْحَقِّ مُخَالِف وَعَنْ سَبِيل اللَّه وَسَبِيل رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَبِيل الْمُسْلِمِينَ مُتَجَانِف , وَإِنْ كَانَ لَهُ -لَوْ كَانَتْ الْقِرَاءَة جَائِزَة بِهِ - فِي الصَّوَاب مَخْرَج . وَتَأْوِيل وَجْه صَوَابه إِذَا نَصَبْت : أَنْ يُوَجَّه إِلَى أَنْ يَكُون صِفَة لِلْهَاءِ وَالْمِيم اللَّتَيْنِ فِي " عَلَيْهِمْ " الْعَائِدَة عَلَى " الَّذِينَ " , لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَخْفُوضَة ب " عَلَى " , فَهِيَ فِي مَحَلّ نَصْب بِقُولِهِ : " أَنْعَمْت ". فَكَأَنَّ تَأْوِيل الْكَلَام إِذَا نَصَبْت " غَيْر " الَّتِي مَعَ " الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " : صِرَاط الَّذِينَ هَدَيْتهمْ إِنْعَامًا مِنْك عَلَيْهِمْ غَيْر مَغْضُوب عَلَيْهِمْ , أَيْ لَا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ وَلَا ضَالِّينَ . فَيَكُون النَّصْب فِي ذَلِكَ حِينَئِذٍ كَالنَّصْبِ فِي " غَيْر " فِي قَوْلك : مَرَرْت بِعَبْدِ اللَّه غَيْر الْكَرِيم وَلَا الرَّشِيد , فَتَقْطَع غَيْر الْكَرِيم مِنْ عَبْد اللَّه , إِذْ كَانَ عَبْد اللَّه مَعْرِفَة مُؤَقَّتَة وَغَيْر الْكَرِيم نَكِرَة مَجْهُولَة . وَقَدْ كَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ يَزْعُم أَنَّ قِرَاءَة مَنْ نَصَبَ " غَيْر " فِي { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } عَلَى وَجْه اِسْتِثْنَاء { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } مِنْ مَعَانِي صِفَة { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } كَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ مَعْنَى الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ نَصْبًا : اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ إِلَّا الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ الَّذِينَ لَمْ تُنْعِم عَلَيْهِمْ فِي أَدْيَانهمْ وَلَمْ تَهْدِهِمْ لِلْحَقِّ , فَلَا تَجْعَلْنَا مِنْهُمْ ; كَمَا قَالَ نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : وَقَفْت فِيهَا أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا أَعْيَتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلَّا أَوَارِيَّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ وَالْأَوَارِي مَعْلُوم أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عِدَاد أَحَد فِي شَيْء . فَكَذَلِكَ عِنْده اِسْتَثْنَى { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } مِنْ { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ مَعَانِيهمْ فِي الدِّين فِي شَيْء . وَأَمَّا نَحْوِيُّو الْكُوفِيِّينَ فَأَنْكَرُوا هَذَا التَّأْوِيل وَاسْتَخْطَئُوهُ , وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ الزَّاعِم مِنْ أَهْل الْبَصْرَة لَكَانَ خَطَأ أَنْ يُقَال : { وَلَا الضَّالِّينَ } لِأَنَّ " لَا " نَفْي وَجَحْد , وَلَا يُعْطَف بِجَحْدٍ إِلَّا عَلَى جَحْد ; وَقَالُوا : لَمْ نَجِد فِي شَيْء مِنْ كَلَام الْعَرَب اِسْتِثْنَاء يُعْطَف عَلَيْهِ بِجَحْدٍ , وَإِنَّمَا وَجَدْنَاهُمْ يَعْطِفُونَ عَلَى الِاسْتِثْنَاء بِالِاسْتِثْنَاءِ , وَبِالْجَحْدِ عَلَى الْجَحْد فَيَقُولُونَ فِي الِاسْتِثْنَاء : قَامَ الْقَوْم إِلَّا أَخَاك وَإِلَّا أَبَاك ; وَفِي الْجَحْد : مَا قَامَ أَخُوك , وَلَا أَبُوك ; وَأَمَّا قَامَ الْقَوْم إِلَّا أَبَاك وَلَا أَخَاك , فَلَمْ نَجِدهُ فِي كَلَام الْعَرَب ; قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مَعْدُومًا فِي كَلَام الْعَرَب وَكَانَ الْقُرْآن بِأَفْصَح لِسَان الْعَرَب نُزُوله , عَلِمْنَا إِذْ كَانَ قَوْله : { وَلَا الضَّالِّينَ } مَعْطُوفًا عَلَى قَوْله : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } أَنَّ " غَيْر " بِمَعْنَى الْجَحْد لَا بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاء , وَأَنَّ تَأْوِيل مَنْ وَجَّهَهَا إِلَى الِاسْتِثْنَاء خَطَأ . فَهَذِهِ أَوْجُه تَأْوِيل { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } . بِاخْتِلَافِ أَوْجُه إِعْرَاب ذَلِكَ . وَإِنَّمَا اِعْتَرَضْنَا بِمَا اِعْتَرَضْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ بَيَان وُجُوه إِعْرَابه , وَإِنْ كَانَ قَصْدنَا فِي هَذَا الْكِتَاب الْكَشْف عَنْ تَأْوِيل آيِ الْقُرْآن , لِمَا فِي اِخْتِلَاف وُجُوه إِعْرَاب ذَلِكَ مِنْ اِخْتِلَاف وُجُوه تَأْوِيله , فَاضْطَرَّتْنَا الْحَاجَة إِلَى كَشْفِ وُجُوه إِعْرَابه , لِتَنْكَشِف لِطَالِبِ تَأْوِيله وُجُوه تَأْوِيله عَلَى قَدْر اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفَة فِي تَأْوِيله وَقِرَاءَته . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي تَأْوِيله وَقِرَاءَته عِنْدنَا الْقَوْل الْأَوَّل , وَهُوَ قِرَاءَة : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } بِخَفْضِ الرَّاء مِنْ " غَيْر " بِتَأْوِيلِ أَنَّهَا صِفَة لِ { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } وَنَعْت لَهُمْ ; لِمَا قَدْ قَدَّمْنَا مِنْ الْبَيَان إِنْ شِئْت , وَإِنْ شِئْت فَبِتَأْوِيلِ تَكْرَار وَصِرَاط " كُلّ ذَلِكَ صَوَاب حَسَن . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَمَنْ هَؤُلَاءِ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ الَّذِينَ أَمَرَنَا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَسْأَلَتِهِ أَنْ لَا يَجْعَلنَا مِنْهُمْ ؟ قِيلَ : هُمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي تَنْزِيله فَقَالَ : { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَة عِنْد اللَّه مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير وَعَبَدَ الطَّاغُوت أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل } 5 60 فَأَعْلَمَنَا جَلَّ ذِكْرُهُ بِمَنِّهِ مَا أَحَلَّ بِهِمْ مِنْ عُقُوبَتِهِ بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ , ثُمَّ عَلِمْنَا , مِنْهُ مَنَّهُ عَلَيْنَا , وَجْه السَّبِيل إِلَى النَّجَاة , مِنْ أَنْ يَحِلّ بِنَا مِثْل الَّذِي حَلَّ بِهِمْ مِنْ الْمَثُلَات , وَرَأْفَة مِنْهُ بِنَا . فَإِنْ قِيلَ : وَمَا الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُمْ أُولَاء الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه وَذَكَر نَبَأَهُمْ فِي تَنْزِيله عَلَى مَا وَصَفْت ؟ قِيلَ : 163 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْوَلِيد الرَّمْلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر الرَّقِّيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ : الْيَهُود . * - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , قَالَ : سَمِعْت عَبَّاد بْن حُبَيْش يُحَدِّث عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ : الْيَهُود ". * - وَحَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُصْعَب , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ مُرِّيّ بْن قَطَرِيّ , عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْل اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } قَالَ : " هُمْ الْيَهُود " . 164 -وَحَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة الشَّامِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق : أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحَاصِر وَادِي الْقُرَى فَقَالَ : مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تُحَاصِر يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " هَؤُلَاءِ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ : الْيَهُود " . * - وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ سَعِيد الْجُرَيْرِيّ , عَنْ عُرْوَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق , أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوه. 165 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ بُدَيْل الْعُقَيْلِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن شَقِيق أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى وَهُوَ عَلَى فَرَسه وَسَأَلَهُ رَجُل مِنْ بَنِي الْقَيْن , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : " الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " وَأَشَارَ إِلَى الْيَهُود . * - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِد الْوَاسِطِيّ , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق , أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ نَحْوه 166 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عَمَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } يَعْنِي الْيَهُود الَّذِينَ غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ . 167 -وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن طَلْحَة , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } هُمْ الْيَهُود . 168 -وَحَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد الرَّازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } قَالَ : هُمْ الْيَهُود . 169 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ رَبِيع : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } قَالَ : الْيَهُود . 170 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } قَالَ : الْيَهُود . 171 -وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب . قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } الْيَهُود . 172 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : حَدَّثَنِي اِبْن زَيْد , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : { الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } الْيَهُود. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاخْتُلِفَ فِي صِفَة الْغَضَب مِنْ اللَّه جَلَّ ذِكْره ; فَقَالَ بَعْضهمْ : غَضَب اللَّه عَلَى مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقه إِحْلَال عُقُوبَته بِمَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ , إِمَّا فِي دُنْيَاهُ , وَإِمَّا فِي آخِرَته , كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسه جَلَّ ذِكْرُهُ فِي كِتَابه فَقَالَ : { فَلَمَّا آسَفُونَا اِنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ } 43 55 وَكَمَا قَالَ : { قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَة عِنْد اللَّه مَنْ لَعَنَهُ اللَّه وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير } وَقَالَ بَعْضهمْ : غَضَبُ اللَّه عَلَى مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَاده ذَمّ مِنْهُ لَهُمْ وَلِأَفْعَالِهِمْ , وَشَتْم مِنْهُ لَهُمْ بِالْقَوْلِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْغَضَب مِنْهُ مَعْنَى مَفْهُوم , كَاَلَّذِي يُعْرَف مِنْ مَعَانِي الْغَضَب . غَيْر أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ جِهَة الْإِثْبَات , فَمُخَالِف مَعْنَاهُ مِنْهُ مَعْنَى مَا يَكُون مِنْ غَضَب الْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ يُزْعِجُهُمْ وَيُحَرِّكهُمْ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَيُؤْذِيهِمْ ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا تَحِلّ ذَاته الْآفَات , وَلَكِنَّهُ لَهُ صِفَة كَمَا الْعِلْم لَهُ صِفَة , وَالْقُدْرَة لَهُ صِفَة عَلَى مَا يُعْقَل مِنْ جِهَة الْإِثْبَات , وَإِنْ خَالَفَتْ مَعَانِي ذَلِكَ مَعَانِي عُلُوم الْعِبَاد الَّتِي هِيَ مَعَارِف الْقُلُوب وَقُوَاهُمْ الَّتِي تُوجَد مَعَ وُجُود الْأَفْعَال وَتُعْدَم مَعَ عَدَمهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقُرَّاء مُجْمِعَة عَلَى قِرَاءَة " غَيْر " بِجَرِّ الرَّاء مِنْهَا. وَالْخَفْض يَأْتِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون غَيْر صِفَة لِلَّذِينَ وَنَعْتًا لَهُمْ فَتَخْفِضهَا , إِذْ كَانَ " الَّذِينَ " خَفْضًا وَهِيَ لَهُمْ نَعْت وَصِفَة ; وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يَكُون " غَيْر " نَعْتًا لِ " الَّذِينَ " , و " الَّذِينَ " مَعْرِفَة وَغَيْر نَكِرَة ; لِأَنَّ " الَّذِينَ " بِصِلَتِهَا لَيْسَتْ بِالْمَعْرِفَةِ الْمُؤَقَّتَة كَالْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ أَمَارَات بَيْن النَّاس , مِثْل : زَيْد وَعَمْرو , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; وَإِنَّمَا هِيَ كَالنَّكِرَاتِ الْمَجْهُولَات , مِثْل : الرَّجُل وَالْبَعِير , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; فَمَا كَانَ " الَّذِينَ " كَذَلِكَ صِفَتهَا , وَكَانَتْ غَيْر مُضَافَة إِلَى مَجْهُول مِنْ الْأَسْمَاء نَظِير " الَّذِينَ " فِي أَنَّهُ مَعْرِفَة غَيْر مُوَقَّتَة كَمَا " الَّذِينَ " مَعْرِفَة غَيْر مُؤَقَّتَة , جَازَ مِنْ أَجْل ذَلِكَ أَنْ يَكُون : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } نَعْتًا لِ { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } كَمَا يُقَال : لَا أَجْلِس إِلَّا إِلَى الْعَالِم غَيْر الْجَاهِل , يُرَاد : لَا أَجْلِس إِلَّا إِلَى مَنْ يَعْلَم , لَا إِلَى مَنْ يَجْهَل . وَلَوْ كَانَ { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } مَعْرِفَة مُوَقَّتَة كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } لَهَا نَعْتًا , وَذَلِكَ أَنَّهُ خَطَأ فِي كَلَام الْعَرَب إِذَا وَصَفْت مَعْرِفَة مُؤَقَّتَة بِنَكِرَةٍ أَنْ تُلْزِم نَعْتهَا النَّكِرَة إِعْرَاب الْمَعْرِفَة الْمَنْعُوت بِهَا , إِلَّا عَلَى نِيَّة تَكْرِير مَا أُعْرِبَ الْمُنْعَت بِهَا . خَطَأ فِي كَلَامهمْ أَنْ يُقَال : مَرَرْت بِعَبْدِ اللَّه غَيْر الْعَالِم , فَتَخْفِض " غَيْر " إِلَّا عَلَى نِيَّة تَكْرِير الْبَاء الَّتِي أَعْرَبْت عَبْد اللَّه , فَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ لَوْ قِيلَ كَذَلِكَ : مَرَرْت بِعَبْدِ اللَّه , مَرَرْت بِغَيْرِ الْعَالِم . فَهَذَا أَحَد وَجْهَيْ الْخَفْض فِي : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } وَالْوَجْه الْآخَر مِنْ وَجْهَيْ الْخَفْض فِيهَا أَنْ يَكُون " الَّذِينَ " بِمَعْنَى الْمَعْرِفَة الْمُؤَقَّتَة. وَإِذَا وُجِّهَ إِلَى ذَلِكَ , كَانَتْ غَيْر مَخْفُوضَة بِنِيَّةِ تَكْرِير الصِّرَاط الَّذِي خَفَضَ الَّذِينَ عَلَيْهَا , فَكَأَنَّك قُلْت : صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ صِرَاط غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ . وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ فِي غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ , وَإِنْ اِخْتَلَفَا بِاخْتِلَافِ مُعْرِبِيهِمَا , فَإِنَّهُمَا يَتَقَارَب مَعْنَاهُمَا ; مِنْ أَجْل أَنَّ مَنْ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ فَهَدَاهُ لِدِينِهِ الْحَقّ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ غَضَب رَبّه وَنَجَا مِنْ الضَّلَال فِي دِينه , فَسَوَاء - إِذْ كَانَ سَامِع قَوْله : { اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } غَيْر جَائِز أَنْ يَرْتَاب مَعَ سَمَاعه ذَلِكَ مِنْ تَالِيه فِي أَنَّ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ لِلصِّرَاطِ , غَيْر غَاضِب رَبّهمْ عَلَيْهِمْ مَعَ النِّعْمَة الَّتِي قَدْ عَظُمَتْ مِنَّته بِهَا عَلَيْهِمْ فِي دِينهمْ , وَلَا أَنْ يَكُونُوا ضُلَّالًا وَقَدْ هَدَاهُمْ لِلْحَقِّ رَبّهمْ , إِذْ كَانَ مُسْتَحِيلًا فِي فِطَرهمْ اِجْتِمَاع الرِّضَا مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ شَخْص وَالْغَضَب عَلَيْهِ فِي حَال وَاحِدَة وَاجْتِمَاع الْهُدَى وَالضَّلَال لَهُ فِي وَقْت وَاحِد - أَوُصِفَ الْقَوْم مَعَ وَصْف اللَّه إِيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ تَوْفِيقه إِيَّاهُمْ وَهِدَايَته لَهُمْ وَإِنْعَامه عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْعَمَ اللَّه بِهِ عَلَيْهِمْ فِي دِينهمْ بِأَنَّهُمْ غَيْر مَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ ضَالُّونَ , أَمْ لَمْ يُوصَفُوا بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الصِّفَة الظَّاهِرَة الَّتِي وُصِفُوا بِهَا قَدْ أَنْبَأَتْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّح وَصْفهمْ بِهِ. هَذَا إِذَا وَجَّهْنَا " غَيْر " إِلَى أَنَّهَا مَخْفُوضَة عَلَى نِيَّة تَكْرِير الصِّرَاط الْخَافِض الَّذِينَ , وَلَمْ نَجْعَل { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } مِنْ صِفَة { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } بَلْ إِذَا حَمَّلْنَاهُمْ غَيْرهمْ ; وَإِنْ كَانَ الْفَرِيقَانِ لَا شَكَّ مُنْعَمًا عَلَيْهِمَا فِي أَدْيَانهمْ . فَأَمَّا إِذَا وَجَّهْنَا : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } إِلَى أَنَّهَا مِنْ نِعْمَة { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } فَلَا حَاجَة بِسَامِعِهِ إِلَى الِاسْتِدْلَال , إِذْ كَانَ الصَّرِيح مِنْ مَعْنَاهُ قَدْ أَغْنَى عَنْ الدَّلِيل , وَقَدْ يَجُوز نَصْب " غَيْر " فِي { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } وَإِنْ كُنْت لِلْقِرَاءَةِ بِهَا كَارِهًا لِشُذُوذِهَا عَنْ قِرَاءَة الْقُرَّاء . وَإِنَّ مَا شَذَّ مِنْ الْقِرَاءَات عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأُمَّة نَقْلًا ظَاهِرًا مُسْتَفِيضًا , فَرَأْي لِلْحَقِّ مُخَالِف وَعَنْ سَبِيل اللَّه وَسَبِيل رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَبِيل الْمُسْلِمِينَ مُتَجَانِف , وَإِنْ كَانَ لَهُ -لَوْ كَانَتْ الْقِرَاءَة جَائِزَة بِهِ - فِي الصَّوَاب مَخْرَج . وَتَأْوِيل وَجْه صَوَابه إِذَا نَصَبْت : أَنْ يُوَجَّه إِلَى أَنْ يَكُون صِفَة لِلْهَاءِ وَالْمِيم اللَّتَيْنِ فِي " عَلَيْهِمْ " الْعَائِدَة عَلَى " الَّذِينَ " , لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَخْفُوضَة ب " عَلَى " , فَهِيَ فِي مَحَلّ نَصْب بِقُولِهِ : " أَنْعَمْت ". فَكَأَنَّ تَأْوِيل الْكَلَام إِذَا نَصَبْت " غَيْر " الَّتِي مَعَ " الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " : صِرَاط الَّذِينَ هَدَيْتهمْ إِنْعَامًا مِنْك عَلَيْهِمْ غَيْر مَغْضُوب عَلَيْهِمْ , أَيْ لَا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ وَلَا ضَالِّينَ . فَيَكُون النَّصْب فِي ذَلِكَ حِينَئِذٍ كَالنَّصْبِ فِي " غَيْر " فِي قَوْلك : مَرَرْت بِعَبْدِ اللَّه غَيْر الْكَرِيم وَلَا الرَّشِيد , فَتَقْطَع غَيْر الْكَرِيم مِنْ عَبْد اللَّه , إِذْ كَانَ عَبْد اللَّه مَعْرِفَة مُؤَقَّتَة وَغَيْر الْكَرِيم نَكِرَة مَجْهُولَة . وَقَدْ كَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ يَزْعُم أَنَّ قِرَاءَة مَنْ نَصَبَ " غَيْر " فِي { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } عَلَى وَجْه اِسْتِثْنَاء { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } مِنْ مَعَانِي صِفَة { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } كَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ مَعْنَى الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ نَصْبًا : اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ إِلَّا الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ الَّذِينَ لَمْ تُنْعِم عَلَيْهِمْ فِي أَدْيَانهمْ وَلَمْ تَهْدِهِمْ لِلْحَقِّ , فَلَا تَجْعَلْنَا مِنْهُمْ ; كَمَا قَالَ نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : وَقَفْت فِيهَا أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا أَعْيَتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلَّا أَوَارِيَّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ وَالْأَوَارِي مَعْلُوم أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عِدَاد أَحَد فِي شَيْء . فَكَذَلِكَ عِنْده اِسْتَثْنَى { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } مِنْ { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ مَعَانِيهمْ فِي الدِّين فِي شَيْء . وَأَمَّا نَحْوِيُّو الْكُوفِيِّينَ فَأَنْكَرُوا هَذَا التَّأْوِيل وَاسْتَخْطَئُوهُ , وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ الزَّاعِم مِنْ أَهْل الْبَصْرَة لَكَانَ خَطَأ أَنْ يُقَال : { وَلَا الضَّالِّينَ } لِأَنَّ " لَا " نَفْي وَجَحْد , وَلَا يُعْطَف بِجَحْدٍ إِلَّا عَلَى جَحْد ; وَقَالُوا : لَمْ نَجِد فِي شَيْء مِنْ كَلَام الْعَرَب اِسْتِثْنَاء يُعْطَف عَلَيْهِ بِجَحْدٍ , وَإِنَّمَا وَجَدْنَاهُمْ يَعْطِفُونَ عَلَى الِاسْتِثْنَاء بِالِاسْتِثْنَاءِ , وَبِالْجَحْدِ عَلَى الْجَحْد فَيَقُولُونَ فِي الِاسْتِثْنَاء : قَامَ الْقَوْم إِلَّا أَخَاك وَإِلَّا أَبَاك ; وَفِي الْجَحْد : مَا قَامَ أَخُوك , وَلَا أَبُوك ; وَأَمَّا قَامَ الْقَوْم إِلَّا أَبَاك وَلَا أَخَاك , فَلَمْ نَجِدهُ فِي كَلَام الْعَرَب ; قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مَعْدُومًا فِي كَلَام الْعَرَب وَكَانَ الْقُرْآن بِأَفْصَح لِسَان الْعَرَب نُزُوله , عَلِمْنَا إِذْ كَانَ قَوْله : { وَلَا الضَّالِّينَ } مَعْطُوفًا عَلَى قَوْله : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } أَنَّ " غَيْر " بِمَعْنَى الْجَحْد لَا بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاء , وَأَنَّ تَأْوِيل مَنْ وَجَّهَهَا إِلَى الِاسْتِثْنَاء خَطَأ . فَهَذِهِ أَوْجُه تَأْوِيل { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } . بِاخْتِلَافِ أَوْجُه إِعْرَاب ذَلِكَ . وَإِنَّمَا اِعْتَرَضْنَا بِمَا اِعْتَرَضْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ بَيَان وُجُوه إِعْرَابه , وَإِنْ كَانَ قَصْدنَا فِي هَذَا الْكِتَاب الْكَشْف عَنْ تَأْوِيل آيِ الْقُرْآن , لِمَا فِي اِخْتِلَاف وُجُوه إِعْرَاب ذَلِكَ مِنْ اِخْتِلَاف وُجُوه تَأْوِيله , فَاضْطَرَّتْنَا الْحَاجَة إِلَى كَشْفِ وُجُوه إِعْرَابه , لِتَنْكَشِف لِطَالِبِ تَأْوِيله وُجُوه تَأْوِيله عَلَى قَدْر اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفَة فِي تَأْوِيله وَقِرَاءَته . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي تَأْوِيله وَقِرَاءَته عِنْدنَا الْقَوْل الْأَوَّل , وَهُوَ قِرَاءَة : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } بِخَفْضِ الرَّاء مِنْ " غَيْر " بِتَأْوِيلِ أَنَّهَا صِفَة لِ { الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } وَنَعْت لَهُمْ ; لِمَا قَدْ قَدَّمْنَا مِنْ الْبَيَان إِنْ شِئْت , وَإِنْ شِئْت فَبِتَأْوِيلِ تَكْرَار وَصِرَاط " كُلّ ذَلِكَ صَوَاب حَسَن . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَمَنْ هَؤُلَاءِ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ الَّذِينَ أَمَرَنَا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَسْأَلَتِهِ أَنْ لَا يَجْعَلنَا مِنْهُمْ ؟ قِيلَ : هُمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي تَنْزِيله فَقَالَ : { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَة عِنْد اللَّه مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير وَعَبَدَ الطَّاغُوت أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل } 5 60 فَأَعْلَمَنَا جَلَّ ذِكْرُهُ بِمَنِّهِ مَا أَحَلَّ بِهِمْ مِنْ عُقُوبَتِهِ بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ , ثُمَّ عَلِمْنَا , مِنْهُ مَنَّهُ عَلَيْنَا , وَجْه السَّبِيل إِلَى النَّجَاة , مِنْ أَنْ يَحِلّ بِنَا مِثْل الَّذِي حَلَّ بِهِمْ مِنْ الْمَثُلَات , وَرَأْفَة مِنْهُ بِنَا . فَإِنْ قِيلَ : وَمَا الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُمْ أُولَاء الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه وَذَكَر نَبَأَهُمْ فِي تَنْزِيله عَلَى مَا وَصَفْت ؟ قِيلَ : 163 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْوَلِيد الرَّمْلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر الرَّقِّيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ : الْيَهُود . * - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , قَالَ : سَمِعْت عَبَّاد بْن حُبَيْش يُحَدِّث عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ : الْيَهُود ". * - وَحَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُصْعَب , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ مُرِّيّ بْن قَطَرِيّ , عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْل اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } قَالَ : " هُمْ الْيَهُود " . 164 -وَحَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة الشَّامِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق : أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحَاصِر وَادِي الْقُرَى فَقَالَ : مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تُحَاصِر يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " هَؤُلَاءِ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ : الْيَهُود " . * - وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ سَعِيد الْجُرَيْرِيّ , عَنْ عُرْوَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق , أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوه. 165 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ بُدَيْل الْعُقَيْلِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن شَقِيق أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى وَهُوَ عَلَى فَرَسه وَسَأَلَهُ رَجُل مِنْ بَنِي الْقَيْن , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : " الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " وَأَشَارَ إِلَى الْيَهُود . * - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِد الْوَاسِطِيّ , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق , أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ نَحْوه 166 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عَمَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } يَعْنِي الْيَهُود الَّذِينَ غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ . 167 -وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن طَلْحَة , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } هُمْ الْيَهُود . 168 -وَحَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد الرَّازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } قَالَ : هُمْ الْيَهُود . 169 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ رَبِيع : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } قَالَ : الْيَهُود . 170 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } قَالَ : الْيَهُود . 171 -وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب . قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } الْيَهُود . 172 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : حَدَّثَنِي اِبْن زَيْد , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : { الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ } الْيَهُود. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاخْتُلِفَ فِي صِفَة الْغَضَب مِنْ اللَّه جَلَّ ذِكْره ; فَقَالَ بَعْضهمْ : غَضَب اللَّه عَلَى مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقه إِحْلَال عُقُوبَته بِمَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ , إِمَّا فِي دُنْيَاهُ , وَإِمَّا فِي آخِرَته , كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسه جَلَّ ذِكْرُهُ فِي كِتَابه فَقَالَ : { فَلَمَّا آسَفُونَا اِنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ } 43 55 وَكَمَا قَالَ : { قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَة عِنْد اللَّه مَنْ لَعَنَهُ اللَّه وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير } وَقَالَ بَعْضهمْ : غَضَبُ اللَّه عَلَى مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَاده ذَمّ مِنْهُ لَهُمْ وَلِأَفْعَالِهِمْ , وَشَتْم مِنْهُ لَهُمْ بِالْقَوْلِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْغَضَب مِنْهُ مَعْنَى مَفْهُوم , كَاَلَّذِي يُعْرَف مِنْ مَعَانِي الْغَضَب . غَيْر أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ جِهَة الْإِثْبَات , فَمُخَالِف مَعْنَاهُ مِنْهُ مَعْنَى مَا يَكُون مِنْ غَضَب الْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ يُزْعِجُهُمْ وَيُحَرِّكهُمْ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَيُؤْذِيهِمْ ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا تَحِلّ ذَاته الْآفَات , وَلَكِنَّهُ لَهُ صِفَة كَمَا الْعِلْم لَهُ صِفَة , وَالْقُدْرَة لَهُ صِفَة عَلَى مَا يُعْقَل مِنْ جِهَة الْإِثْبَات , وَإِنْ خَالَفَتْ مَعَانِي ذَلِكَ مَعَانِي عُلُوم الْعِبَاد الَّتِي هِيَ مَعَارِف الْقُلُوب وَقُوَاهُمْ الَّتِي تُوجَد مَعَ وُجُود الْأَفْعَال وَتُعْدَم مَعَ عَدَمهَا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : كَانَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة يَزْعُم أَنَّ " لَا " مَعَ " الضَّالِّينَ " أُدْخِلَتْ تَتْمِيمًا لِلْكَلَامِ وَالْمَعْنَى إِلْغَاؤُهَا , وَيَسْتَشْهِد عَلَى قِيله ذَلِكَ بِبَيْتِ الْعَجَّاج : فِي بِئْرٍ لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ وَيَتَأَوَّلهُ بِمَعْنَى : فِي بِئْر حُور سَرَى , أَيْ فِي بِئْر هَلَكَة , وَأَنَّ " لَا " بِمَعْنَى الْإِلْغَاء وَالصِّلَة . وَيَعْتَلّ أَيْضًا لِذَلِكَ بِقَوْلِ أَبِي النَّجْم : فَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَنْ لَا تَسْخَرَا لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ الْقَفَنْدَرَا وَهُوَ يُرِيد : فَمَا أَلُوم الْبِيض أَنْ تَسْخَر وَبِقَوْلِ الْأَحْوَص : وَيَلْحَيْنَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لَا أُحِبَّهُ وَلِلَّهْوِ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ يُرِيد : وَيَلْحَيْنَنِي فِي اللَّهْو أَنْ أُحِبَّهُ. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد } 7 12 يُرِيد أَنْ تَسْجُد . وَحُكِيَ عَنْ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّل " غَيْر " الَّتِي " مَعَ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " أَنَّهَا بِمَعْنَى " سِوَى " , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام كَانَ عِنْده : اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ الَّذِينَ هُمْ سِوَى الْمَغْضُوب وَالضَّالِّينَ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَسْتَنْكِر ذَلِكَ مِنْ قَوْله , وَيَزْعُم أَنَّ " غَيْر " الَّتِي " مَعَ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى " سِوَى " لَكَانَ خَطَأ أَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهَا ب " لَا " , إِذْ كَانَتْ " لَا " لَا يُعْطَفُ بِهَا إِلَّا عَلَى جَحْد قَدْ تَقَدَّمَهَا. كَمَا كَانَ خَطَأ قَوْل الْقَائِل : عِنْدِي سِوَى أَخِيك , وَلَا أَبِيك ; لِأَنَّ " سِوَى " لَيْسَتْ مِنْ حُرُوف النَّفْي وَالْجُحُود ; وَيَقُول : لَمَّا كَانَ ذَلِكَ خَطَأ فِي كَلَام الْعَرَب , وَكَانَ الْقُرْآن بِأَفْصَح اللُّغَات مِنْ لُغَات الْعَرَب. كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الَّذِي زَعَمَهُ الْقَائِل أَنَّ " غَيْر مَعَ الْمَغْضُوب " عَلَيْهِمْ بِمَعْنَى : " سِوَى الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " خَطَأ , إِذْ كَانَ قَدْ كَرَّ عَلَيْهِ الْكَلَام ب " لَا " . وَكَانَ يَزْعُم أَنَّ " غَيْر " هُنَالِكَ إِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْجَحْد . إِذْ كَانَ صَحِيحًا فِي كَلَام الْعَرَب وَفَاشِيًّا ظَاهِرًا فِي مَنْطِقهَا تَوْجِيه " غَيْر " إِلَى مَعْنَى النَّفْي وَمُسْتَعْمَلًا فِيهِمْ : أَخُوك غَيْر مُحْسِن وَلَا مُجْمِل , يُرَاد بِذَلِكَ أَخُوك لَا مُحْسِن , وَلَا مُجْمِل , وَيَسْتَنْكِر أَنْ تَأْتِي " لَا " بِمَعْنَى الْحَذْف فِي الْكَلَام مُبْتَدَأ وَلَمَّا يَتَقَدَّمهَا جَحْد , وَيَقُول : لَوْ جَازَ مَجِيئُهَا بِمَعْنَى الْحَذْف مُبْتَدَأ قَبْل دَلَالَة تَدُلّ , عَلَى ذَلِكَ مِنْ جَحْد سَابِق , لَصَحَّ قَوْل قَائِل قَالَ : أَرَدْت أَنْ لَا أُكْرِمَ أَخَاك , بِمَعْنَى : أَرَدْت أَنْ أُكْرِمَ أَخَاك . وَكَانَ يَقُول : فَفِي شَهَادَة أَهْل الْمَعْرِفَة بِلِسَانِ الْعَرَب عَلَى تَخْطِئَة قَائِل ذَلِكَ دَلَالَة وَاضِحَة عَلَى أَنَّ " لَا " تَأْتِي مُبْتَدَأَة بِمَعْنَى الْحَذْف , وَلَمَّا يَتَقَدَّمهَا جَحْد. وَكَانَ يَتَأَوَّلهُ فِي " لَا " الَّتِي فِي بَيْت الْعَجَّاج الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَصْرِيّ اِسْتَشْهَدَ بِهِ بِقَوْلِهِ إِنَّهَا جَحْد صَحِيح , وَأَنَّ مَعْنَى الْبَيْت : سَرَى فِي بِئْر لَا تُحِيرُ عَلَيْهِ خَيْرًا , وَلَا يَتَبَيَّن لَهُ فِيهَا أَثَر عَمَل , وَهُوَ لَا يَشْعُر بِذَلِكَ وَلَا يَدْرِي بِهِ. مِنْ قَوْلهمْ : طَحَنَتْ الطَّاحِنَة فَمَا أَحَارَتْ شَيْئًا ; أَيْ لَمْ يَتَبَيَّن لَهَا أَثَر عَمَل. وَيَقُول فِي سَائِر الْأَبْيَات الْأُخَر , أَعْنِي مِثْل بَيْت أَبِي النَّجْم : فَمَا أَلُوم الْبِيض أَنْ لَا تَسْخَرَا إِنَّمَا جَازَ أَنْ تَكُون " لَا " بِمَعْنَى الْحَذْف , لِأَنَّ الْجَحْد قَدْ تَقَدَّمَهَا فِي أَوَّل الْكَلَام , فَكَانَ الْكَلَام الْآخَر مُوَاصِلًا لِلْأَوَّلِ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ فَجَازَ ذَلِكَ , إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ الْجَحْد فِي أَوَّل الْكَلَام. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الْقَوْل الْآخِر أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ الْأَوَّل , إِذْ كَانَ غَيْر مَوْجُود فِي كَلَام الْعَرَب اِبْتِدَاء الْكَلَام مِنْ غَيْر جَحْد تَقَدَّمَهُ ب " لَا " الَّتِي مَعْنَاهَا الْحَذْف , وَلَا جَائِز الْعَطْف بِهَا عَلَى " سِوَى " , وَلَا عَلَى حَرْف الِاسْتِثْنَاء . وَإِنَّمَا ل " غَيْر " فِي كَلَام الْعَرَب مَعَانٍ ثَلَاثَة : أَحَدهَا الِاسْتِثْنَاء , وَالْآخَر الْجَحْد , وَالثَّالِث سِوَى , فَإِذَا ثَبَتَ خَطَأ " لَا " أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْإِلْغَاء مُبْتَدَأ وَفَسَدَ أَنْ يَكُون عَطْفًا عَلَى " غَيْر " الَّتِي مَعَ " الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " , لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى " إِلَّا " الَّتِي هِيَ اِسْتِثْنَاء , وَلَمْ يَجُزْ أَيْضًا أَنْ يَكُون عَطْفًا عَلَيْهَا لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى " سِوَى " , وَكَانَتْ " لَا " مَوْجُودَة عَطْفًا بِالْوَاوِ الَّتِي هِيَ عَاطِفَة لَهَا عَلَى مَا قَبْلهَا , صَحَّ وَثَبَتَ أَنْ لَا وَجْه لِ " غَيْر " الَّتِي مَعَ " الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " يَجُوز تَوْجِيههَا إِلَيْهِ عَلَى صِحَّة إِلَّا بِمَعْنَى الْجَحْد وَالنَّفْي , وَأَنْ لَا وَجْه لِقَوْلِهِ : " وَلَا الضَّالِّينَ " , إِلَّا الْعَطْف عَلَى " غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذًا إِذْ كَانَ صَحِيحًا مَا قُلْنَا بِاَلَّذِي عَلَيْهِ اِسْتَشْهَدْنَا : اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ لَا الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَنْ هَؤُلَاءِ الضَّالُّونَ الَّذِينَ أَمَرَنَا اللَّه بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاَللَّهِ أَنْ يَسْلُك بِنَا سَبِيلهمْ , أَوْ نَضِلّ ضَلَالهمْ ؟ قِيلَ : هُمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه فِي تَنْزِيله , فَقَالَ : { يَا أَهْل الْكِتَاب لَا تَغْلُوا فِي دِينكُمْ غَيْر الْحَقّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْل وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاء السَّبِيل } 5 77 فَإِنْ قَالَ : وَمَا بُرْهَانك عَلَى أَنَّهُمْ أُولَاء ؟ قِيلَ : 173 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْوَلِيد الرَّمْلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ عَدِيّ بْن أَبِي حَاتِم , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ : " النَّصَارَى " * -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , أَنْبَأَنَا شُعْبَة عَنْ سِمَاك , قَالَ : سَمِعْت عَبَّاد بْن حُبَيْش يُحَدِّث عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم , قَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الضَّالِّينَ : النَّصَارَى " . * - وَحَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم وَعَبْد الرَّحْمَن , قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُصْعَب , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ مُرِّيّ بْن قَطَرِيّ , عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم , قَالَ : سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْل اللَّه { وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ : " النَّصَارَى هُمْ الضَّالُّونَ " . 174 -وَحَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة الشَّامِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق : أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحَاصِر وَادِي الْقُرَى قَالَ : قُلْت : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الضَّالُّونَ : النَّصَارَى " . * - وَحَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ سَعِيد الْجُرَيْرِيّ , عَنْ عُرْوَة , يَعْنِي ابْن عَبْد اللَّه بْن قَيْس , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ بُدَيْل الْعُقَيْلِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن شَقِيق , أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى وَهُوَ عَلَى فَرَسه وَسَأَلَهُ رَجُل مِنْ بَنِي الْقَيْن فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الضَّالُّونَ " , يَعْنِي النَّصَارَى . * - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِد الْوَاسِطِيّ , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق , أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ مُحَاصِر وَادِي الْقُرَى وَهُوَ عَلَى فَرَس مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : " الضَّالُّونَ " يَعْنِي النَّصَارَى . 175 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ : النَّصَارَى . 176 -وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عَمَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ : وَغَيْر طَرِيق النَّصَارَى الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ اللَّه بِفِرْيَتِهِمْ عَلَيْهِ . قَالَ : يَقُول : فَأَلْهِمْنَا دِينك الْحَقّ , وَهُوَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , حَتَّى لَا تَغْضَب عَلَيْنَا كَمَا غَضِبْت عَلَى الْيَهُود وَلَا تُضِلّنَا كَمَا أَضْلَلْت النَّصَارَى فَتُعَذِّبنَا بِمَا تُعَذِّبهُمْ بِهِ. يَقُول اِمْنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ بِرِفْقِك وَرَحْمَتك وَقُدْرَتك . 177 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس الضَّالِّينَ : النَّصَارَى . 178 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ إِسْمَاعِيل السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْ مُحَمَّد الْهَمْدَانِيّ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا الضَّالِّينَ : هُمْ النَّصَارَى . 179 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ رَبِيع : وَلَا الضَّالِّينَ : النَّصَارَى . 180 -وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد : { وَلَا الضَّالِّينَ } النَّصَارَى . 181 -وَحَدَّثَنَا يُونُس قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد , عَنْ أَبِيهِ . قَالَ : { وَلَا الضَّالِّينَ } النَّصَارَى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَكُلُّ حَائِد عَنْ قَصْد السَّبِيل وَسَالِك غَيْر الْمَنْهَج الْقَوِيم فَضَالٌّ عِنْد الْعَرَب لِإِضْلَالِهِ وَجْه الطَّرِيق , فَلِذَلِكَ سَمَّى اللَّه جَلَّ ذِكْرُهُ النَّصَارَى ضُلَّالًا لِخَطَئِهِمْ فِي الْحَقّ مَنْهَجَ السَّبِيل , وَأَخْذِهِمْ مِنْ الدِّين فِي غَيْر الطَّرِيق الْمُسْتَقِيم . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَلَيْسَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ صِفَة الْيَهُود ؟ قِيلَ : بَلَى. فَإِنْ قَالَ : كَيْف خَصَّ النَّصَارَى بِهَذِهِ الصِّفَة , وَخَصَّ الْيَهُود بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ أَنَّهُمْ مَغْضُوب عَلَيْهِمْ ؟ قِيلَ : إِنَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ ضُلَّالٌ مَغْضُوب عَلَيْهِمْ , غَيْر أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَسَمَ كُلّ فَرِيق مِنْهُمْ مِنْ صِفَته لِعِبَادِهِ بِمَا يَعْرِفُونَهُ بِهِ إِذَا ذَكَرَهُ لَهُمْ , أَوْ أَخْبَرَهُمْ عَنْهُ , وَلَمْ يَسِم وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا بِمَا هُوَ لَهُ صِفَة عَلَى حَقِيقَته , وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ صِفَات الذَّمّ زِيَادَات عَلَيْهِ. وَقَدْ ظَنَّ بَعْض أَهْل الْغَبَاء مِنْ الْقَدَرِيَّة أَنَّ فِي وَصْف اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ النَّصَارَى بِالضَّلَالِ بِقَوْلِهِ : { وَلَا الضَّالِّينَ } وَإِضَافَته الضَّلَال إِلَيْهِمْ دُون إِضَافَة إِضْلَالهمْ إِلَى نَفْسه , وَتَرْكه وَصْفهمْ بِأَنَّهُمْ الْمُضَلَّلُونَ كَاَلَّذِي وَصَفَ بِهِ الْيَهُود أَنَّهُمْ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ , دَلَالَة عَلَى صِحَّة مَا قَالَهُ إِخْوَانه مِنْ جَهَلَة الْقَدَرِيَّة جَهْلًا مِنْهُ بِسَعَةِ كَلَام الْعَرَب وَتَصَارِيف وُجُوهه . وَلَوْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا ظَنَّهُ الْغَبِيّ الَّذِي وَصَفْنَا شَأْنه لَوَجَبَ أَنْ يَكُون شَأْن كُلّ مَوْصُوف بِصِفَةٍ أَوْ مُضَاف إِلَيْهِ فِعْل لَا يَجُوز أَنْ يَكُون فِيهِ سَبَب لِغَيْرِهِ , وَأَنْ يَكُون كُلّ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ سَبَب فَالْحَقّ فِيهِ أَنْ يَكُون مُضَافًا إِلَى مُسَبَّبه , وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُون خَطَأ قَوْل الْقَائِل : " تَحَرَّكَتْ الشَّجَرَة " إِذَا حَرَّكَتْهَا الرِّيَاح , و " اِضْطَرَبَتْ الْأَرْض " إِذَا حَرَّكَتْهَا الزَّلْزَلَة , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَام الَّذِي يَطُول بِإِحْصَائِهِ الْكِتَاب . وَفِي قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ } 10 22 بِإِضَافَتِهِ الْجَرْي إِلَى الْفُلْك , وَإِنْ كَانَ جَرْيهَا بِإِجْرَاءِ غَيْرهَا إِيَّاهَا , مَا يَدُلّ عَلَى خَطَأ التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ وَصَفْنَا قَوْله فِي قَوْله : { وَلَا الضَّالِّينَ } وَادِّعَائِهِ أَنَّ فِي نِسْبَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الضَّلَالَة إِلَى مَنْ نَسَبَهَا إِلَيْهِ مِنْ النَّصَارَى تَصْحِيحًا لِمَا اِدَّعَى الْمُنْكِرُونَ أَنْ يَكُون لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَفْعَال خَلْقه سَبَب مِنْ أَجْله وُجِدَتْ أَفْعَالهمْ , مَعَ إِبَانَة اللَّه عَزَّ ذِكْره نَصًّا فِي آي كَثِيرَة مِنْ تَنْزِيله أَنَّهُ الْمُضِلّ الْهَادِي ; فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَفَرَأَيْت مَنْ اِتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّه عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعه وَقَلْبه وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة فَمَنْ يَهْدِيه مِنْ بَعْد اللَّه أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } 45 23 فَأَنْبَأَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ الْمُضِلّ الْهَادِي دُون غَيْره. وَلَكِنَّ الْقُرْآن نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَب , عَلَى مَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْهُ فِي أَوَّل الْكِتَاب . وَمِنْ شَأْن الْعَرَب إِضَافَة الْفِعْل إِلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ , وَإِنْ كَانَ مُسَبِّبه غَيْر الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ أَحْيَانًا , وَأَحْيَانًا إِلَى مُسَبِّبه , وَإِنْ كَانَ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ الْفِعْل غَيْره. فَكَيْف بِالْفِعْلِ الَّذِي يَكْتَسِبهُ الْعَبْد كَسْبًا وَيُوجِدهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَيْنًا مُنْشَأَة ؟ بَلْ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يُضَاف إِلَى مُكْتَسِبه كَسْبًا لَهُ بِالْقُوَّةِ مِنْهُ عَلَيْهِ وَالِاخْتِيَار مِنْهُ لَهُ , وَإِلَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِإِيجَادِ عَيْنه وَإِنْشَائِهَا تَدْبِيرًا . مَسْأَلَةٌ يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ الطَّاعِنُونَ فِي الْقُرْآن إِنْ سَأَلَنَا مِنْهُمْ سَائِل فَقَالَ : إِنَّك قَدْ قَدَّمْت فِي أَوَّل كِتَابك هَذَا فِي وَصْف الْبَيَان بِأَنَّ أَعْلَاهُ دَرَجَة وَأَشْرَفَهُ مَرْتَبَة , أَبْلَغه فِي الْإِبَانَة عَنْ حَاجَة الْمُبِين بِهِ عَنْ نَفْسه وَأَبَيْنَهُ عَنْ مُرَاد قَائِله وَأَقْرَبه مِنْ فَهْم سَامِعه , وَقُلْت مَعَ ذَلِكَ إِنَّ أَوْلَى الْبَيَان بِأَنْ يَكُون كَذَلِكَ كَلَام اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِفَضْلِهِ عَلَى سَائِر الْكَلَام وَبِارْتِفَاعِ دَرَجَته عَلَى أَعْلَى دَرَجَات الْبَيَان . فَمَا الْوَجْه إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت فِي إِطَالَة الْكَلَام بِمِثْلِ سُورَة أُمّ الْقُرْآن بِسَبْعِ آيَات ؟ وَقَدْ حَوَتْ مَعَانِي جَمِيعهَا مِنْهَا آيَتَانِ , وَذَلِكَ قَوْله : { مَالِك يَوْم الدِّين إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين } إِذْ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ عَرَفَ : { مَلِك يَوْم الدِّين } فَقَدْ عَرَفَهُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاته الْمُثْلَى . وَأَنَّ مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا , فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لِسَبِيلِ مَنْ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ فِي دِينه مُتَّبِع , وَعَنْ سَبِيل مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ وَضَلَّ مُنْعَدِل , فَمَا فِي زِيَادَة الْآيَات الْخَمْس الْبَاقِيَة مِنْ الْحِكْمَة الَّتِي لَمْ تَحْوِهَا الْآيَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرْنَا ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ جَمَعَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأُمَّتِهِ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابه مَعَانِي لَمْ يَجْمَعهُنَّ بِكِتَابٍ أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيّ قَبْله وَلَا لِأُمَّةٍ مِنْ الْأُمَم قَبْلهمْ . وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ كِتَاب أَنْزَلَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَى نَبِيّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ قَبْله , فَإِنَّمَا أُنْزِلَ بِبَعْضِ الْمَعَانِي الَّتِي يَحْوِي جَمِيعهَا كِتَابه الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَالتَّوْرَاةِ الَّتِي هِيَ مَوَاعِظ وَتَفْصِيل , وَالزَّبُور الَّذِي هُوَ تَحْمِيد وَتَمْجِيد , وَالْإِنْجِيل الَّذِي هُوَ مَوَاعِظ وَتَذْكِير ; لَا مُعْجِزَة فِي وَاحِد مِنْهَا تَشْهَد لِمَنْ أُنْزِلَ إِلَيْهِ بِالتَّصْدِيقِ. وَالْكِتَاب الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْوِي مَعَانِي ذَلِكَ كُلّه , وَيَزِيد عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي سَائِر الْكُتُب غَيْره مِنْهَا خَال , وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرهَا فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَاب . وَمِنْ أَشْرَف تِلْكَ الْمَعَانِي الَّتِي فَضَلَ بِهَا كِتَابنَا سَائِر الْكُتُب قَبْله : نَظْمه الْعَجِيب , وَرَصْفه الْغَرِيب , وَتَأْلِيفه الْبَدِيع , الَّذِي عَجَزَتْ عَنْ نَظْم مِثْل أَصْغَر سُورَة مِنْهُ الْخُطَبَاء , وَكَلَّتْ عَنْ وَصْف شَكْل بَعْضه الْبُلَغَاء , وَتَحَيَّرَتْ فِي تَأْلِيفه الشُّعَرَاء , وَتَبَلَّدَتْ قُصُورًا عَنْ أَنْ تَأْتِي بِمِثْلِهِ لَدَيْهِ أَفْهَام الْفُهَمَاء . فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا التَّسْلِيم , وَالْإِقْرَار بِأَنَّهُ مِنْ عِنْد الْوَاحِد الْقَهَّار , مَعَ مَا يَحْوِي مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ تَرْغِيب , وَتَرْهِيب , وَأَمْر , وَزَجْر , وَقَصَص , وَجَدَل , وَمَثَل , وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي لَمْ تَجْتَمِع فِي كِتَاب أُنْزِلَ إِلَى الْأَرْض مِنْ السَّمَاء. فَمَهْمَا يَكُنْ فِيهِ مِنْ إِطَالَة عَلَى نَحْو مَا فِي أُمّ الْقُرْآن , فَلِمَا وَصَفْت قَبْل مِنْ أَنَّ اللَّه جَلَّ ذِكْرُهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَع - بِرَصْفِهِ الْعَجِيب , وَنَظْمه الْغَرِيب , الْمُنْعَدِل عَنْ أَوْزَان الْأَشْعَار , وَسَجْع الْكُهَّان , وَخُطَب الْخُطَبَاء , وَرَسَائِل الْبُلَغَاء , الْعَاجِز عَنْ وَصْف مِثْله جَمِيع الْأَنَام , وَعَنْ نَظْم نَظِيره كُلّ الْعِبَاد - الدَّلَالَة عَلَى نُبُوَّة نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَبِمَا فِيهِ مِنْ تَحْمِيد وَتَمْجِيد وَثَنَاء عَلَيْهِ , تَنْبِيه لِلْعِبَادِ عَلَى عَظَمَته وَسُلْطَانه وَقُدْرَته وَعِظَم مَمْلَكَته , لِيَذْكُرُوهُ بِآلَائِهِ وَيَحْمَدُوهُ عَلَى نَعْمَائِهِ , فَيَسْتَحِقُّوا بِهِ مِنْهُ الْمَزِيد وَيَسْتَوْجِبُوا عَلَيْهِ الثَّوَاب الْجَزِيل . وَبِمَا فِيهِ مِنْ نَعْت مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِمَعْرِفَتِهِ , وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِتَوْفِيقِهِ لِطَاعَتِهِ , تَعْرِيف عِبَاده أَنَّ كُلّ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَة فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ فَمِنْهُ , لِيَصْرِفُوا رَغْبَتهمْ إِلَيْهِ , وَيَبْتَغُوا حَاجَاتهمْ مِنْ عِنْده دُون مَا سِوَاهُ مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , وَبِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْره مَا أَحَلَّ بِمَنْ عَصَاهُ مِنْ مَثُلَاته , وَأَنْزَلَ بِمَنْ خَالَفَ أَمْره مِنْ عُقُوبَاته ; تَرْهِيب عِبَاده عَنْ رُكُوب مَعَاصِيه , وَالتَّعَرُّض لِمَا لَا قِبَل لَهُمْ بِهِ مِنْ سَخَطه , فَيَسْلُك بِهِمْ فِي النَّكَال وَالنِّقْمَات سَبِيل مَنْ رَكِبَ ذَلِكَ مِنْ الْهَلَاك. فَذَلِكَ وَجْه إِطَالَة الْبَيَان فِي سُورَة أُمّ الْقُرْآن , وَفِيمَا كَانَ نَظِيرًا لَهَا مِنْ سَائِر سُوَر الْفُرْقَان , وَذَلِكَ هُوَ الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالْحُجَّة الْكَامِلَة . 182 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَعْقُوب , عَنْ أَبِي السَّائِب مَوْلَى زُهْرَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا قَالَ الْعَبْد : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , قَالَ اللَّه : حَمِدَنِي عَبْدِي , وَإِذَا قَالَ : الرَّحْمَن الرَّحِيم , قَالَ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي , وَإِذَا قَالَ : مَالِك يَوْم الدِّين , قَالَ : مَجَّدَنِي عَبْدِي , فَهَذَا لِي . وَإِذَا قَالَ : إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين - إِلَى أَنْ يَخْتِم السُّورَة - قَالَ : فَذَاكَ لَهُ " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي السَّائِب , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : إِذَا قَالَ الْعَبْد : الْحَمْد لِلَّهِ , فَذَكَرَ نَحْوه , وَلَمْ يَرْفَعهُ . * -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة , قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن كَثِير , قَالَ : حَدَّثَنِي الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن مَوْلَى الْحُرَقَة , عَنْ أَبِي السَّائِب , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله. 183 - حَدَّثَنِي صَالِح بْن مِسْمَار الْمَرْوَزِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْد بْن الْحُبَاب , قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَة بْن سَعِيد , عَنْ مُطَرِّف بْن طَرِيف , عَنْ سَعْد بْن إِسْحَاق بْن كَعْب بْن عُجْرَة , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : قَسَمْت الصَّلَاة بَيْنِي وَبَيْن عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلَهُ مَا سَأَلَ , فَإِذَا قَالَ الْعَبْد : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , قَالَ اللَّه : حَمِدَنِي عَبْدِي , وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَن الرَّحِيم , قَالَ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي , وَإِذَا قَالَ : مَالِك يَوْم الدِّين , قَالَ : مَجَّدَنِي عَبْدِي , قَالَ : هَذَا لِي وَلَهُ مَا بَقِيَ " . آخِر تَفْسِير سُورَة الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : كَانَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة يَزْعُم أَنَّ " لَا " مَعَ " الضَّالِّينَ " أُدْخِلَتْ تَتْمِيمًا لِلْكَلَامِ وَالْمَعْنَى إِلْغَاؤُهَا , وَيَسْتَشْهِد عَلَى قِيله ذَلِكَ بِبَيْتِ الْعَجَّاج : فِي بِئْرٍ لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ وَيَتَأَوَّلهُ بِمَعْنَى : فِي بِئْر حُور سَرَى , أَيْ فِي بِئْر هَلَكَة , وَأَنَّ " لَا " بِمَعْنَى الْإِلْغَاء وَالصِّلَة . وَيَعْتَلّ أَيْضًا لِذَلِكَ بِقَوْلِ أَبِي النَّجْم : فَمَا أَلُومُ الْبِيضَ أَنْ لَا تَسْخَرَا لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ الْقَفَنْدَرَا وَهُوَ يُرِيد : فَمَا أَلُوم الْبِيض أَنْ تَسْخَر وَبِقَوْلِ الْأَحْوَص : وَيَلْحَيْنَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لَا أُحِبَّهُ وَلِلَّهْوِ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ يُرِيد : وَيَلْحَيْنَنِي فِي اللَّهْو أَنْ أُحِبَّهُ. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد } 7 12 يُرِيد أَنْ تَسْجُد . وَحُكِيَ عَنْ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّل " غَيْر " الَّتِي " مَعَ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " أَنَّهَا بِمَعْنَى " سِوَى " , فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام كَانَ عِنْده : اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ الَّذِينَ هُمْ سِوَى الْمَغْضُوب وَالضَّالِّينَ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَسْتَنْكِر ذَلِكَ مِنْ قَوْله , وَيَزْعُم أَنَّ " غَيْر " الَّتِي " مَعَ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى " سِوَى " لَكَانَ خَطَأ أَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهَا ب " لَا " , إِذْ كَانَتْ " لَا " لَا يُعْطَفُ بِهَا إِلَّا عَلَى جَحْد قَدْ تَقَدَّمَهَا. كَمَا كَانَ خَطَأ قَوْل الْقَائِل : عِنْدِي سِوَى أَخِيك , وَلَا أَبِيك ; لِأَنَّ " سِوَى " لَيْسَتْ مِنْ حُرُوف النَّفْي وَالْجُحُود ; وَيَقُول : لَمَّا كَانَ ذَلِكَ خَطَأ فِي كَلَام الْعَرَب , وَكَانَ الْقُرْآن بِأَفْصَح اللُّغَات مِنْ لُغَات الْعَرَب. كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الَّذِي زَعَمَهُ الْقَائِل أَنَّ " غَيْر مَعَ الْمَغْضُوب " عَلَيْهِمْ بِمَعْنَى : " سِوَى الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " خَطَأ , إِذْ كَانَ قَدْ كَرَّ عَلَيْهِ الْكَلَام ب " لَا " . وَكَانَ يَزْعُم أَنَّ " غَيْر " هُنَالِكَ إِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْجَحْد . إِذْ كَانَ صَحِيحًا فِي كَلَام الْعَرَب وَفَاشِيًّا ظَاهِرًا فِي مَنْطِقهَا تَوْجِيه " غَيْر " إِلَى مَعْنَى النَّفْي وَمُسْتَعْمَلًا فِيهِمْ : أَخُوك غَيْر مُحْسِن وَلَا مُجْمِل , يُرَاد بِذَلِكَ أَخُوك لَا مُحْسِن , وَلَا مُجْمِل , وَيَسْتَنْكِر أَنْ تَأْتِي " لَا " بِمَعْنَى الْحَذْف فِي الْكَلَام مُبْتَدَأ وَلَمَّا يَتَقَدَّمهَا جَحْد , وَيَقُول : لَوْ جَازَ مَجِيئُهَا بِمَعْنَى الْحَذْف مُبْتَدَأ قَبْل دَلَالَة تَدُلّ , عَلَى ذَلِكَ مِنْ جَحْد سَابِق , لَصَحَّ قَوْل قَائِل قَالَ : أَرَدْت أَنْ لَا أُكْرِمَ أَخَاك , بِمَعْنَى : أَرَدْت أَنْ أُكْرِمَ أَخَاك . وَكَانَ يَقُول : فَفِي شَهَادَة أَهْل الْمَعْرِفَة بِلِسَانِ الْعَرَب عَلَى تَخْطِئَة قَائِل ذَلِكَ دَلَالَة وَاضِحَة عَلَى أَنَّ " لَا " تَأْتِي مُبْتَدَأَة بِمَعْنَى الْحَذْف , وَلَمَّا يَتَقَدَّمهَا جَحْد. وَكَانَ يَتَأَوَّلهُ فِي " لَا " الَّتِي فِي بَيْت الْعَجَّاج الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَصْرِيّ اِسْتَشْهَدَ بِهِ بِقَوْلِهِ إِنَّهَا جَحْد صَحِيح , وَأَنَّ مَعْنَى الْبَيْت : سَرَى فِي بِئْر لَا تُحِيرُ عَلَيْهِ خَيْرًا , وَلَا يَتَبَيَّن لَهُ فِيهَا أَثَر عَمَل , وَهُوَ لَا يَشْعُر بِذَلِكَ وَلَا يَدْرِي بِهِ. مِنْ قَوْلهمْ : طَحَنَتْ الطَّاحِنَة فَمَا أَحَارَتْ شَيْئًا ; أَيْ لَمْ يَتَبَيَّن لَهَا أَثَر عَمَل. وَيَقُول فِي سَائِر الْأَبْيَات الْأُخَر , أَعْنِي مِثْل بَيْت أَبِي النَّجْم : فَمَا أَلُوم الْبِيض أَنْ لَا تَسْخَرَا إِنَّمَا جَازَ أَنْ تَكُون " لَا " بِمَعْنَى الْحَذْف , لِأَنَّ الْجَحْد قَدْ تَقَدَّمَهَا فِي أَوَّل الْكَلَام , فَكَانَ الْكَلَام الْآخَر مُوَاصِلًا لِلْأَوَّلِ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ فَجَازَ ذَلِكَ , إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ الْجَحْد فِي أَوَّل الْكَلَام. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الْقَوْل الْآخِر أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ الْأَوَّل , إِذْ كَانَ غَيْر مَوْجُود فِي كَلَام الْعَرَب اِبْتِدَاء الْكَلَام مِنْ غَيْر جَحْد تَقَدَّمَهُ ب " لَا " الَّتِي مَعْنَاهَا الْحَذْف , وَلَا جَائِز الْعَطْف بِهَا عَلَى " سِوَى " , وَلَا عَلَى حَرْف الِاسْتِثْنَاء . وَإِنَّمَا ل " غَيْر " فِي كَلَام الْعَرَب مَعَانٍ ثَلَاثَة : أَحَدهَا الِاسْتِثْنَاء , وَالْآخَر الْجَحْد , وَالثَّالِث سِوَى , فَإِذَا ثَبَتَ خَطَأ " لَا " أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْإِلْغَاء مُبْتَدَأ وَفَسَدَ أَنْ يَكُون عَطْفًا عَلَى " غَيْر " الَّتِي مَعَ " الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " , لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى " إِلَّا " الَّتِي هِيَ اِسْتِثْنَاء , وَلَمْ يَجُزْ أَيْضًا أَنْ يَكُون عَطْفًا عَلَيْهَا لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى " سِوَى " , وَكَانَتْ " لَا " مَوْجُودَة عَطْفًا بِالْوَاوِ الَّتِي هِيَ عَاطِفَة لَهَا عَلَى مَا قَبْلهَا , صَحَّ وَثَبَتَ أَنْ لَا وَجْه لِ " غَيْر " الَّتِي مَعَ " الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " يَجُوز تَوْجِيههَا إِلَيْهِ عَلَى صِحَّة إِلَّا بِمَعْنَى الْجَحْد وَالنَّفْي , وَأَنْ لَا وَجْه لِقَوْلِهِ : " وَلَا الضَّالِّينَ " , إِلَّا الْعَطْف عَلَى " غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ " . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذًا إِذْ كَانَ صَحِيحًا مَا قُلْنَا بِاَلَّذِي عَلَيْهِ اِسْتَشْهَدْنَا : اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ لَا الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَنْ هَؤُلَاءِ الضَّالُّونَ الَّذِينَ أَمَرَنَا اللَّه بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاَللَّهِ أَنْ يَسْلُك بِنَا سَبِيلهمْ , أَوْ نَضِلّ ضَلَالهمْ ؟ قِيلَ : هُمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه فِي تَنْزِيله , فَقَالَ : { يَا أَهْل الْكِتَاب لَا تَغْلُوا فِي دِينكُمْ غَيْر الْحَقّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْل وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاء السَّبِيل } 5 77 فَإِنْ قَالَ : وَمَا بُرْهَانك عَلَى أَنَّهُمْ أُولَاء ؟ قِيلَ : 173 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْوَلِيد الرَّمْلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ عَدِيّ بْن أَبِي حَاتِم , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ : " النَّصَارَى " * -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , أَنْبَأَنَا شُعْبَة عَنْ سِمَاك , قَالَ : سَمِعْت عَبَّاد بْن حُبَيْش يُحَدِّث عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم , قَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الضَّالِّينَ : النَّصَارَى " . * - وَحَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم وَعَبْد الرَّحْمَن , قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُصْعَب , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ مُرِّيّ بْن قَطَرِيّ , عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم , قَالَ : سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْل اللَّه { وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ : " النَّصَارَى هُمْ الضَّالُّونَ " . 174 -وَحَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة الشَّامِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق : أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحَاصِر وَادِي الْقُرَى قَالَ : قُلْت : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الضَّالُّونَ : النَّصَارَى " . * - وَحَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ سَعِيد الْجُرَيْرِيّ , عَنْ عُرْوَة , يَعْنِي ابْن عَبْد اللَّه بْن قَيْس , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ بُدَيْل الْعُقَيْلِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن شَقِيق , أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى وَهُوَ عَلَى فَرَسه وَسَأَلَهُ رَجُل مِنْ بَنِي الْقَيْن فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الضَّالُّونَ " , يَعْنِي النَّصَارَى . * - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِد الْوَاسِطِيّ , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق , أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ مُحَاصِر وَادِي الْقُرَى وَهُوَ عَلَى فَرَس مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : " الضَّالُّونَ " يَعْنِي النَّصَارَى . 175 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ : النَّصَارَى . 176 -وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عَمَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ : وَغَيْر طَرِيق النَّصَارَى الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ اللَّه بِفِرْيَتِهِمْ عَلَيْهِ . قَالَ : يَقُول : فَأَلْهِمْنَا دِينك الْحَقّ , وَهُوَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , حَتَّى لَا تَغْضَب عَلَيْنَا كَمَا غَضِبْت عَلَى الْيَهُود وَلَا تُضِلّنَا كَمَا أَضْلَلْت النَّصَارَى فَتُعَذِّبنَا بِمَا تُعَذِّبهُمْ بِهِ. يَقُول اِمْنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ بِرِفْقِك وَرَحْمَتك وَقُدْرَتك . 177 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس الضَّالِّينَ : النَّصَارَى . 178 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ إِسْمَاعِيل السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْ مُحَمَّد الْهَمْدَانِيّ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا الضَّالِّينَ : هُمْ النَّصَارَى . 179 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ رَبِيع : وَلَا الضَّالِّينَ : النَّصَارَى . 180 -وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد : { وَلَا الضَّالِّينَ } النَّصَارَى . 181 -وَحَدَّثَنَا يُونُس قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد , عَنْ أَبِيهِ . قَالَ : { وَلَا الضَّالِّينَ } النَّصَارَى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَكُلُّ حَائِد عَنْ قَصْد السَّبِيل وَسَالِك غَيْر الْمَنْهَج الْقَوِيم فَضَالٌّ عِنْد الْعَرَب لِإِضْلَالِهِ وَجْه الطَّرِيق , فَلِذَلِكَ سَمَّى اللَّه جَلَّ ذِكْرُهُ النَّصَارَى ضُلَّالًا لِخَطَئِهِمْ فِي الْحَقّ مَنْهَجَ السَّبِيل , وَأَخْذِهِمْ مِنْ الدِّين فِي غَيْر الطَّرِيق الْمُسْتَقِيم . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَلَيْسَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ صِفَة الْيَهُود ؟ قِيلَ : بَلَى. فَإِنْ قَالَ : كَيْف خَصَّ النَّصَارَى بِهَذِهِ الصِّفَة , وَخَصَّ الْيَهُود بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ أَنَّهُمْ مَغْضُوب عَلَيْهِمْ ؟ قِيلَ : إِنَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ ضُلَّالٌ مَغْضُوب عَلَيْهِمْ , غَيْر أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَسَمَ كُلّ فَرِيق مِنْهُمْ مِنْ صِفَته لِعِبَادِهِ بِمَا يَعْرِفُونَهُ بِهِ إِذَا ذَكَرَهُ لَهُمْ , أَوْ أَخْبَرَهُمْ عَنْهُ , وَلَمْ يَسِم وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا بِمَا هُوَ لَهُ صِفَة عَلَى حَقِيقَته , وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ صِفَات الذَّمّ زِيَادَات عَلَيْهِ. وَقَدْ ظَنَّ بَعْض أَهْل الْغَبَاء مِنْ الْقَدَرِيَّة أَنَّ فِي وَصْف اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ النَّصَارَى بِالضَّلَالِ بِقَوْلِهِ : { وَلَا الضَّالِّينَ } وَإِضَافَته الضَّلَال إِلَيْهِمْ دُون إِضَافَة إِضْلَالهمْ إِلَى نَفْسه , وَتَرْكه وَصْفهمْ بِأَنَّهُمْ الْمُضَلَّلُونَ كَاَلَّذِي وَصَفَ بِهِ الْيَهُود أَنَّهُمْ الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ , دَلَالَة عَلَى صِحَّة مَا قَالَهُ إِخْوَانه مِنْ جَهَلَة الْقَدَرِيَّة جَهْلًا مِنْهُ بِسَعَةِ كَلَام الْعَرَب وَتَصَارِيف وُجُوهه . وَلَوْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا ظَنَّهُ الْغَبِيّ الَّذِي وَصَفْنَا شَأْنه لَوَجَبَ أَنْ يَكُون شَأْن كُلّ مَوْصُوف بِصِفَةٍ أَوْ مُضَاف إِلَيْهِ فِعْل لَا يَجُوز أَنْ يَكُون فِيهِ سَبَب لِغَيْرِهِ , وَأَنْ يَكُون كُلّ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ سَبَب فَالْحَقّ فِيهِ أَنْ يَكُون مُضَافًا إِلَى مُسَبَّبه , وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُون خَطَأ قَوْل الْقَائِل : " تَحَرَّكَتْ الشَّجَرَة " إِذَا حَرَّكَتْهَا الرِّيَاح , و " اِضْطَرَبَتْ الْأَرْض " إِذَا حَرَّكَتْهَا الزَّلْزَلَة , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَام الَّذِي يَطُول بِإِحْصَائِهِ الْكِتَاب . وَفِي قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ } 10 22 بِإِضَافَتِهِ الْجَرْي إِلَى الْفُلْك , وَإِنْ كَانَ جَرْيهَا بِإِجْرَاءِ غَيْرهَا إِيَّاهَا , مَا يَدُلّ عَلَى خَطَأ التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ وَصَفْنَا قَوْله فِي قَوْله : { وَلَا الضَّالِّينَ } وَادِّعَائِهِ أَنَّ فِي نِسْبَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الضَّلَالَة إِلَى مَنْ نَسَبَهَا إِلَيْهِ مِنْ النَّصَارَى تَصْحِيحًا لِمَا اِدَّعَى الْمُنْكِرُونَ أَنْ يَكُون لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَفْعَال خَلْقه سَبَب مِنْ أَجْله وُجِدَتْ أَفْعَالهمْ , مَعَ إِبَانَة اللَّه عَزَّ ذِكْره نَصًّا فِي آي كَثِيرَة مِنْ تَنْزِيله أَنَّهُ الْمُضِلّ الْهَادِي ; فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَفَرَأَيْت مَنْ اِتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّه عَلَى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعه وَقَلْبه وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة فَمَنْ يَهْدِيه مِنْ بَعْد اللَّه أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } 45 23 فَأَنْبَأَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ الْمُضِلّ الْهَادِي دُون غَيْره. وَلَكِنَّ الْقُرْآن نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَب , عَلَى مَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْهُ فِي أَوَّل الْكِتَاب . وَمِنْ شَأْن الْعَرَب إِضَافَة الْفِعْل إِلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ , وَإِنْ كَانَ مُسَبِّبه غَيْر الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ أَحْيَانًا , وَأَحْيَانًا إِلَى مُسَبِّبه , وَإِنْ كَانَ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ الْفِعْل غَيْره. فَكَيْف بِالْفِعْلِ الَّذِي يَكْتَسِبهُ الْعَبْد كَسْبًا وَيُوجِدهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَيْنًا مُنْشَأَة ؟ بَلْ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يُضَاف إِلَى مُكْتَسِبه كَسْبًا لَهُ بِالْقُوَّةِ مِنْهُ عَلَيْهِ وَالِاخْتِيَار مِنْهُ لَهُ , وَإِلَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِإِيجَادِ عَيْنه وَإِنْشَائِهَا تَدْبِيرًا . مَسْأَلَةٌ يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ الطَّاعِنُونَ فِي الْقُرْآن إِنْ سَأَلَنَا مِنْهُمْ سَائِل فَقَالَ : إِنَّك قَدْ قَدَّمْت فِي أَوَّل كِتَابك هَذَا فِي وَصْف الْبَيَان بِأَنَّ أَعْلَاهُ دَرَجَة وَأَشْرَفَهُ مَرْتَبَة , أَبْلَغه فِي الْإِبَانَة عَنْ حَاجَة الْمُبِين بِهِ عَنْ نَفْسه وَأَبَيْنَهُ عَنْ مُرَاد قَائِله وَأَقْرَبه مِنْ فَهْم سَامِعه , وَقُلْت مَعَ ذَلِكَ إِنَّ أَوْلَى الْبَيَان بِأَنْ يَكُون كَذَلِكَ كَلَام اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِفَضْلِهِ عَلَى سَائِر الْكَلَام وَبِارْتِفَاعِ دَرَجَته عَلَى أَعْلَى دَرَجَات الْبَيَان . فَمَا الْوَجْه إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت فِي إِطَالَة الْكَلَام بِمِثْلِ سُورَة أُمّ الْقُرْآن بِسَبْعِ آيَات ؟ وَقَدْ حَوَتْ مَعَانِي جَمِيعهَا مِنْهَا آيَتَانِ , وَذَلِكَ قَوْله : { مَالِك يَوْم الدِّين إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين } إِذْ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ عَرَفَ : { مَلِك يَوْم الدِّين } فَقَدْ عَرَفَهُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاته الْمُثْلَى . وَأَنَّ مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا , فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لِسَبِيلِ مَنْ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ فِي دِينه مُتَّبِع , وَعَنْ سَبِيل مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ وَضَلَّ مُنْعَدِل , فَمَا فِي زِيَادَة الْآيَات الْخَمْس الْبَاقِيَة مِنْ الْحِكْمَة الَّتِي لَمْ تَحْوِهَا الْآيَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرْنَا ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ جَمَعَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأُمَّتِهِ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابه مَعَانِي لَمْ يَجْمَعهُنَّ بِكِتَابٍ أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيّ قَبْله وَلَا لِأُمَّةٍ مِنْ الْأُمَم قَبْلهمْ . وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ كِتَاب أَنْزَلَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَى نَبِيّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ قَبْله , فَإِنَّمَا أُنْزِلَ بِبَعْضِ الْمَعَانِي الَّتِي يَحْوِي جَمِيعهَا كِتَابه الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَالتَّوْرَاةِ الَّتِي هِيَ مَوَاعِظ وَتَفْصِيل , وَالزَّبُور الَّذِي هُوَ تَحْمِيد وَتَمْجِيد , وَالْإِنْجِيل الَّذِي هُوَ مَوَاعِظ وَتَذْكِير ; لَا مُعْجِزَة فِي وَاحِد مِنْهَا تَشْهَد لِمَنْ أُنْزِلَ إِلَيْهِ بِالتَّصْدِيقِ. وَالْكِتَاب الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْوِي مَعَانِي ذَلِكَ كُلّه , وَيَزِيد عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي سَائِر الْكُتُب غَيْره مِنْهَا خَال , وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرهَا فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَاب . وَمِنْ أَشْرَف تِلْكَ الْمَعَانِي الَّتِي فَضَلَ بِهَا كِتَابنَا سَائِر الْكُتُب قَبْله : نَظْمه الْعَجِيب , وَرَصْفه الْغَرِيب , وَتَأْلِيفه الْبَدِيع , الَّذِي عَجَزَتْ عَنْ نَظْم مِثْل أَصْغَر سُورَة مِنْهُ الْخُطَبَاء , وَكَلَّتْ عَنْ وَصْف شَكْل بَعْضه الْبُلَغَاء , وَتَحَيَّرَتْ فِي تَأْلِيفه الشُّعَرَاء , وَتَبَلَّدَتْ قُصُورًا عَنْ أَنْ تَأْتِي بِمِثْلِهِ لَدَيْهِ أَفْهَام الْفُهَمَاء . فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا التَّسْلِيم , وَالْإِقْرَار بِأَنَّهُ مِنْ عِنْد الْوَاحِد الْقَهَّار , مَعَ مَا يَحْوِي مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ تَرْغِيب , وَتَرْهِيب , وَأَمْر , وَزَجْر , وَقَصَص , وَجَدَل , وَمَثَل , وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي لَمْ تَجْتَمِع فِي كِتَاب أُنْزِلَ إِلَى الْأَرْض مِنْ السَّمَاء. فَمَهْمَا يَكُنْ فِيهِ مِنْ إِطَالَة عَلَى نَحْو مَا فِي أُمّ الْقُرْآن , فَلِمَا وَصَفْت قَبْل مِنْ أَنَّ اللَّه جَلَّ ذِكْرُهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَع - بِرَصْفِهِ الْعَجِيب , وَنَظْمه الْغَرِيب , الْمُنْعَدِل عَنْ أَوْزَان الْأَشْعَار , وَسَجْع الْكُهَّان , وَخُطَب الْخُطَبَاء , وَرَسَائِل الْبُلَغَاء , الْعَاجِز عَنْ وَصْف مِثْله جَمِيع الْأَنَام , وَعَنْ نَظْم نَظِيره كُلّ الْعِبَاد - الدَّلَالَة عَلَى نُبُوَّة نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَبِمَا فِيهِ مِنْ تَحْمِيد وَتَمْجِيد وَثَنَاء عَلَيْهِ , تَنْبِيه لِلْعِبَادِ عَلَى عَظَمَته وَسُلْطَانه وَقُدْرَته وَعِظَم مَمْلَكَته , لِيَذْكُرُوهُ بِآلَائِهِ وَيَحْمَدُوهُ عَلَى نَعْمَائِهِ , فَيَسْتَحِقُّوا بِهِ مِنْهُ الْمَزِيد وَيَسْتَوْجِبُوا عَلَيْهِ الثَّوَاب الْجَزِيل . وَبِمَا فِيهِ مِنْ نَعْت مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِمَعْرِفَتِهِ , وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِتَوْفِيقِهِ لِطَاعَتِهِ , تَعْرِيف عِبَاده أَنَّ كُلّ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَة فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ فَمِنْهُ , لِيَصْرِفُوا رَغْبَتهمْ إِلَيْهِ , وَيَبْتَغُوا حَاجَاتهمْ مِنْ عِنْده دُون مَا سِوَاهُ مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , وَبِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْره مَا أَحَلَّ بِمَنْ عَصَاهُ مِنْ مَثُلَاته , وَأَنْزَلَ بِمَنْ خَالَفَ أَمْره مِنْ عُقُوبَاته ; تَرْهِيب عِبَاده عَنْ رُكُوب مَعَاصِيه , وَالتَّعَرُّض لِمَا لَا قِبَل لَهُمْ بِهِ مِنْ سَخَطه , فَيَسْلُك بِهِمْ فِي النَّكَال وَالنِّقْمَات سَبِيل مَنْ رَكِبَ ذَلِكَ مِنْ الْهَلَاك. فَذَلِكَ وَجْه إِطَالَة الْبَيَان فِي سُورَة أُمّ الْقُرْآن , وَفِيمَا كَانَ نَظِيرًا لَهَا مِنْ سَائِر سُوَر الْفُرْقَان , وَذَلِكَ هُوَ الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالْحُجَّة الْكَامِلَة . 182 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَعْقُوب , عَنْ أَبِي السَّائِب مَوْلَى زُهْرَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا قَالَ الْعَبْد : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , قَالَ اللَّه : حَمِدَنِي عَبْدِي , وَإِذَا قَالَ : الرَّحْمَن الرَّحِيم , قَالَ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي , وَإِذَا قَالَ : مَالِك يَوْم الدِّين , قَالَ : مَجَّدَنِي عَبْدِي , فَهَذَا لِي . وَإِذَا قَالَ : إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين - إِلَى أَنْ يَخْتِم السُّورَة - قَالَ : فَذَاكَ لَهُ " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ أَبِي السَّائِب , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : إِذَا قَالَ الْعَبْد : الْحَمْد لِلَّهِ , فَذَكَرَ نَحْوه , وَلَمْ يَرْفَعهُ . * -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة , قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن كَثِير , قَالَ : حَدَّثَنِي الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن مَوْلَى الْحُرَقَة , عَنْ أَبِي السَّائِب , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْله. 183 - حَدَّثَنِي صَالِح بْن مِسْمَار الْمَرْوَزِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْد بْن الْحُبَاب , قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَة بْن سَعِيد , عَنْ مُطَرِّف بْن طَرِيف , عَنْ سَعْد بْن إِسْحَاق بْن كَعْب بْن عُجْرَة , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : قَسَمْت الصَّلَاة بَيْنِي وَبَيْن عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلَهُ مَا سَأَلَ , فَإِذَا قَالَ الْعَبْد : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , قَالَ اللَّه : حَمِدَنِي عَبْدِي , وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَن الرَّحِيم , قَالَ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي , وَإِذَا قَالَ : مَالِك يَوْم الدِّين , قَالَ : مَجَّدَنِي عَبْدِي , قَالَ : هَذَا لِي وَلَهُ مَا بَقِيَ " . آخِر تَفْسِير سُورَة'

تفسير القرطبي

التاسعة والعشرون: قوله تعالى { صراط الذين أنعمت عليهم} صراط بدل من الأول بدل الشيء من الشيء، كقولك : جاءني زيد أبوك. ومعناه : أدم هدايتنا، فإن الإنسان قد يهدى إلى الطريق ثم يقطع به. وقيل : هو صراط آخر، ومعناه العلم بالله جل وعز والفهم عنه، قاله جعفر بن محمد. ولغة القرآن { الذين} في الرفع والنصب والجر وهذيل تقول : اللذون في الرفع، ومن العرب من يقول : اللذو، ومنهم من يقول الذي، وسيأتي. وفي { عليهم} عشر لغات، قرئ بعامتها { عليهُم} بضم الهاء وإسكان الميم. و { عليهِم} بكسر الهاء وإسكان الميم. و { عليهمي } بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد الكسرة. و { عليهمو } بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة. و { عليهمو } بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد الميم. و { عليهم } بضم الهاء والميم من غير زيادة واو. وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء. وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القراء { عليهمي } بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم، حكاها الحسن البصري عن العرب. و { عليهُمِ} بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء. و { عليهِمُ ْ} بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو. و { عليهم } بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم. وكلها صواب، قاله ابن الأنباري. الموفية الثلاثين: قرأ عمر بن الخطاب وابن الزبير رضي الله عنهما { صراط من أنعمت عليهم } . واختلف الناس في المنعم عليهم، فقال الجمهور من المفسرين : إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وانتزعوا ذلك من قوله تعالى { ومن يطع الله والرسول فأولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [النساء: 69 ]. فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد وجميع ما قيل إلى هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان. الحادية والثلاثون: في هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة والإمامية، لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعال منه طاعة كانت أو معصية، لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه، وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم فلو كان الأمر إليهم والاختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه الهداية، ولا كرروا السؤال في كل صلاة وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7 ]. فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا يضلهم، وكذلك يدعون فيقولون { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إن هديتنا} [آل عمران:8 ]. الثانية والثلاثون: قوله تعالى { غير المغضوب عليهم ولا الضالين} اختلف في { المغضوب عليهم} و { الضالين} من هم؟ فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى، وجاء ذلك مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده والترمذي في جامعه. وشهد لهذا التفسير أيضا قوله سبحانه في اليهود : { وباؤوا بغضب من الله} [البقرة: 61].[وآل عمران 112 ]. وقال { وغضب الله عليهم} [الفتح: 6 ]. وقال في النصارى { قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77 ]. وقيل { المغضوب عليهم } المشركون. و { الضالين } المنافقون. وقيل { المغضوب عليهم } هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة و { الضالين } عن بركة قراءتها. حكاه السلمي في حقائقه والماوردي في تفسيره وليس بشيء. قال الماوردي : وهذا وجه مردود، لأن ما تعارضت فيه الأخبار وتقابلت فيه الآثار وانتشر فيه الخلاف لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم. وقيل { المغضوب عليهم} باتباع البدع و { الضالين} عن سنن الهدى. قلت : وهذا حسن، وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأعلى وأحسن. و { عليهم} في موضع رفع لأن المعنى غضب عليهم. والغضب في اللغة الشدة. ورجل غضوب أي شديد الخلق. والغضوب : الحية الخبيثة لشدتها. والغضبة : الدرقة من جلد البعير، يطوى بعضها على بعض، سميت بذلك لشدتها. ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة، فهو صفة ذات، وإرادة الله تعالى من صفات ذاته أو نفس العقوبة ومنه الحديث : (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب) فهو صفة فعل. الثالثة والثلاثون: قوله تعالى { ولا الضالين } الضلال في كلام العرب هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق، ومنه : ضل اللبن في الماء أي غاب. ومنه { أئذا ضللنا في الأرض} [السجدة: 10] . أي غبنا بالموت وصرنا ترابا، قال : ألم تسأل فتخبرك الديار ** عن الحي المضلَّل أين ساروا والضُّلَضِلَة : حجر أملس يردده الماء في الوادي. وكذلك الغضبة : صخرة في الجبل مخالفة لونه قال : أو غضبة في هضبة ما أمنعا الرابعة و الثلاثون: قرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب { غير المغضوب عليهم وغير الضالين} وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين، فالخفض على البدل من { الذين} أو من الهاء والميم في { عليهم} أو صفة للذين والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف، إلا أن الذين ليس بمقصود قصدهم فهو عام فالكلام بمنزلة قولك : إني لأمر بمثلك فأكرمه أو لأن { غير} تعرفت لكونها بين شيئين لا وسط بينهما كما تقول : الحي غير الميت والساكن غير المتحرك والقائم غير القاعد، قولان : الأول للفارسي والثاني للزمخشري. والنصب في الراء على وجهين : على الحال من الذين أو من الهاء والميم في عليهم كأنك قلت : أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم. أو على الاستثناء كأنك قلت : إلا المغضوب عليهم. ويجوز النصب بأعني، وحكي عن الخليل. الخامسة والثلاثون : قوله تعالى { لا} في { ولا الضالين} اختلف فيها فقيل هي زائدة، قاله الطبري. ومنه قوله تعالى { ما منعك ألا تسجد} [الأعراف: 12] . وقيل : هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على الذين، حكاه مكي والمهدوي. وقال الكوفيون { لا} بمعنى غير وهي قراءة عمر وأبي وقد تقدم. السادسة والثلاثون: الأصل في { الضالين} : الضاللين حذفت حركة اللام الأولى ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان مدة الألف واللام المدغمة. وقرأ أيوب السختياني { ولا الضألين} بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين، وهي لغة. حكى أبو زيد قال : سمعت عمرو بن عبيد - يقرأ { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأَنّ} [الرحمن:39 ]. فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب : دأبة وشأبة. قال أبو الفتح : وعلى هذه اللغة قول كُثَيّر : إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت نُجز تفسير سورة الحمد، ولله الحمد والمنة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الفاتـحة الايات 1 - 7


سورة الفاتحة الايات 5 - 7

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أن آمنت بالله سبحانه وتعالى إلها وربا.. واستحضرت عطاء الألوهية ونعم الربوبية وفيوضات رحمة الله على خلقه. وأعلنت أنه لا إله إلا الله. وقولك: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } أي أن العبادة لله تبارك وتعالى لا نشرك به شيئا ولا نعبد إلا إياه.. وأعلنت انك ستستعين بالله وحده بقولك: { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }. فانك قد أصبحت من عباد الله. ويعلمك الله سبحانه وتعالى الدعاء الذي يتمناه كل مؤمن.. ومادامت من عباد الله، فإن الله جل جلاله سيستجيب لك.. مصداقا لقوله سبحانه:
{  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }
[البقرة: 186]. والمؤمن لا يطلب الدنيا أبدا.. لماذا؟.. لأن الحياة الحقيقية للانسان في الآخرة. فيها الحياة الأبدية والنعيم الذي لا يفارقك ولا تفارقه. فالمؤمن لا يطلب مثلا أن يرزقه الله مالا كثيراً ولا أن يمتلك عمارة مثلا.. لأنه يعلم أن كل هذا وقتي وزائل.. ولكنه يطلب ما ينجيه من النار ويوصله الى الجنة..

ومن رحمة الله تبارك وتعالى أنه علمنا ما نطلب.. وهذا يستوجب الحمد لله.. وأول ما يطلب المؤمن هو الهداية والصراط المستقيم: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }.

والهداية نوعان: هداية دلالة وهداية معونة. هداية الدلالة هي للناس جميعا.. وهداية المعونة هي للمؤمنين فقط المتبعين لمنهج الله. والله سبحانه وتعالى هدى كل عباده هداية دلالة أي دلهم على طريق الخير وبينه لهم.. فمن أراد أن يتبع طريق الخير اتبعه.. ومن أراد ألا يتبعه تركه الله لما أراد..

هذه الهداية العامة هي أساس البلاغ عن الله. فقد بين لنا الله تبارك وتعالى في منهجه بافعل ولا تفعل ما يرضيه وما يغضبه.. وأوضح لنا الطريق الذي نتبعه لنهتدي. والطريق الذي لو سلكناه حق علينا غضب الله وسخطه.. ولكن هل كل من بين له الله سبحانه وتعالى طريق الهداية اهتدى؟.. نقول لا.. واقرأ قوله جل جلاله:
{  وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }
[فصلت: 17].

إذن هناك من لا يأخذ طريق الهداية بالاختيار الذي أعطاه الله له.. فلو أن الله سبحانه وتعالى أرادنا جميعا مهديين.. ما استطاع واحد من خلقه أن يخرج على مشيئته. ولكنه جل جلاله خلقنا مختارين لنأتيه عن حب ورغبة بدلا من أن يقهرنا على الطاعة.. ما الذي يحدث للذين اتبعوا طريق الهداية والذين لم يتبعوه وخالفوا مراد الله الشرعي في كونه؟

الذين اتبعوا طريق الهداية يعينهم الله سبحانه وتعالى عليه ويحببهم في الإيمان والتقوى ويحببهم في طاعته.. واقرأ قوله تبارك وتعالى:
{  وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ }
[محمد: 17].

أي أن كل من يتخذ طريق الهداية يعينه الله عليه.. ويزيده تقوى وحبا في الدين.. أما الذين إذا جاءهم الهدى ابتعدوا عن منهج الله وخالفوه.. فإن الله تبارك وتعالى يتخلى عنهم ويتركهم في ضلالهم. واقرأ قوله تعالى:
{  وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }
[الزخرف: 36].

والله سبحانه وتعالى قد بين لنا المحرومين من هداية المعونة على الايمان وهم ثلاثة كما بَيَّنْهُم لنا في القرآن الكريم:
{  ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ }
[النحل: 107].
{  ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ }
[المائدة: 108]
{  أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ }
[البقرة: 258].

إذن فالمطرودون من هداية الله في المعونة على الايمان.. هم الكافرون والفاسقون والظالمون.. الحق سبحانه وتعالى يقول: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } ما هو الصراط؟.. إنه الطريق الموصلة الى الغاية. ولماذا نص على أنه الصراط المستقيم. لأن الله سبحانه وتعالى وضع لنا في منهجه الطريق المستقيم.. وهو أقصر الطرق الى تحقيق الغاية.. فأقصر طريق بين نقطتين هو الطريق المستقيم. ولذلك إذا كنت تقصد مكانا فأقصر طريق تسلكه هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه ولكنه مستقيم تماما..

ولا تحسب أن البعد عن الطريق المستقيم يبدأ باعوجاج كبير. بل باعوجاج صغير جدا ولكنه ينتهي الى بُعد كبير..

ويكفي أن تراقب قضبان السكة الحديد.. عندما يبدأ القطار في اتخاذ طريق غير الذي كان يسلكه فهو لا ينحرف في أول الأمر إلا بضعة ملليمترات.. أي أن أول التحويلة ضيق جدا وكلما مشيت اتسع الفرق وازداد اتساعا. بحيث عند النهاية تجد أن الطريق الذي مشيت فيه يبعد عن الطريق الأول عشرات الكيلو مترات وربما مئات الكيلو مترات.. إذن فأي انحراف مهما كان بسيطا يبعدك عن الطريق المستقيم بعدا كبيرا.. ولذلك فإن الدعاء: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أي الطريق الذي ليس فيه إعوجاج ولو بضعة ملليمترات.. الطريق الذي ليس فيه مخالفة تبعدنا عن طريق الله المستقيم.

لذلك فإن الإنسان المؤمن يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يهديه الى أقصر الطرق للوصول الى الغاية.. وما هي الغاية؟ انها الجنة والنعيم في الآخرة.. ولذلك نقول يا رب اهدنا وأعنا على أن نسلك الطريق المستقيم وهو طريق المنهج ليوصلنا الي الجنة دون أن يكون فيه أي اعوجاج يبعدنا عنها.ولقد قال الله سبحانه وتعالى في حديث قدسي. انه اذا قال العبد: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } يقول جل جلاله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.

يقول الحق تبارك وتعالى: { صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ما معنى { ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }؟.. اقرأ الآية الكريمة:
{  وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً }
[النساء: 69].

وأنت حين تقرأ الآية الكريمة فأنت تطلب من الله تبارك وتعالى أن تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. أي أنك تطلب من الله جل جلاله.. أن يجعلك تسلك نفس الطريق الذي سلكه هؤلاء لتكون معهم في الآخرة.. فكأنك تطلب الدرجة العالية في الجنة.. لأن كل من ذكرناهم لهم مقام عال في جنة النعيم.. وهكذا فإن الطلب من الله سبحانه وتعالى هو أن يجعلك تسلك الطريق الذي لا اعوجاج فيه. والذي يوصلك في أسرع وقت الي الدرجة العالية في الآخرة.

وعندما نعرف أن الله سبحانه وتعالى قال: (هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).. تعرف أن الاستجابة تعطيك الحياة العالية في الآخرة وتمتعك بنعيم الله. ليس بقدرات البشر كما يحدث في الدنيا.. ولكن بقدرة الله تبارك وتعالى.. واذا كانت نعم الدنيا لا تعد ولا تحصى.. فكيف بنعم الآخرة؟ لقد قال الله سبحانه وتعالى عنها:
{  لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ }
[ق: 35].

أي أنه ليس كل ما تطلبه فقط ستجده أمامك بمجرد وروده على خاطرك ـ ولكن مهما طلبت من النعم ومهما تمنيت فالله جل جلاله عنده مزيد.. ولذلك فانه يعطيك كل ما تشاء ويزيد عليه بما لم تطلب ولا تعرف من النعم.. وهذا تشبيه فقط ليقرب الله تبارك وتعالى صورة النعيم إلى أذهاننا، ولكن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

وبما أن المعاني لابد أن توجد أولا في العقل ثم يأتي اللفظ المعبر عنها.. فكل شيء لا نعرفه لا توجد في لغتنا ألفاظ تعبر عنه. فنحن لم نعرف اسم التليفزيون مثلا إلا بعد أن أخترع وصار له مفهوم محدد. تماما كما لم نعرف اسم الطائرة قبل أن يتم اختراعها.. فالشيء يوجد أولا ثم بعد ذلك يوضع اللفظ المعبر عنه. ولذلك فإن مجامع اللغات في العالم تجتمع بين فترة واخرى. لتضع أسماء لأشياء جديدة اخترعت وعرفت مهمتها..

ومادام ذلك هو القاعدة اللغوية، فإنه لا توجد الفاظ في لغة البشر تعبر عن النعيم الذي سيعيشه اهل الجنة لأنه لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على القلب.. ولذلك فإن كل ما نقرؤه في القرآن الكريم يقرب لنا الصورة فقط.ولكنه لا يعطينا حقيقة ما هو موجود. ولذلك نجد الله سبحانه وتعالى حين يتحدث عن الجنة في القرآن الكريم يقول:
{  مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ }
[محمد: 15].

أي أن هذا ليس حقيقة الجنة ولكنها مثل فقط يقرب ذلك الى الاذهان.. لأنه لا توجد ألفاظ في لغات البشر يمكن أن تعطينا حقيقة ما في الجنة.

وقوله تعالى: { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم }.. أي غير الذين غضبت عليهم يا رب من الذين عصوا. ومنعت عنهم هداية الاعانة.. الذين عرفوا المنهج فخالفوه وارتكبوا كل ما حرمه الله فاستحقوا غضبه.

ومعنى غير { ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } أي يا رب لا تيسر لن الطريق الذي نستحق به غضبك. كما استحقه أولئك الذين غيروا وبدلوا في منهج الله ليأخذوا سلطة زمنية في الحياة الدنيا وليأكلوا أموال الناس بالباطل..

وقد وردت كلمة { ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } في القرآن الكريم في قوله تعالى:
{  قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ }
[المائدة: 60].

وهذه الآيات نزلت في بني اسرائيل.

وقول الله تعالى: " ولا الضالين " هناك الضال والْمُضِل.. الضال هو الذي ضل الطريق فاتخذ منهجا غير منهج الله.. ومشى في الضلالة بعيدا عن الهدى وعن دين الله.. ويقال ضل الطريق أي مشي فيه وهو لا يعرف السبيل الى ما يريد أن يصل إليه.. أي أنه تاه في الدنيا فأصبح وليا للشيطان وابتعد عن طريق الله المستقيم.. هذا هو الضال.. ولكن المضل هو من لم يكتف بأنه ابتعد عن منهج الله وسار في الحياة على غير هدى.. بل يحاول أن يأخذ غيره الى الضلالة.. يغري الناس بالكفر وعدم اتباع المنهج والبعد عن طريق الله.. وكل واحد من العاصين يأتي يوم القيامة يحمل ذنوبه.. الا المضل فانه يحمل ذنوبه وذنوب من اضلهم. مصداقا لقوله سبحانه:
{  لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ }
[النحل: 25].

أي أنك وأنت تقرأ الفاتحة.. فأنك تستعيذ بالله أن تكون من الذين ضلوا.. ولكن الحق سبحانه وتعالى لم يأتِ هنا بالمضلين. نقول انك لكي تكون مضلا لابد أن تكون ضالا أولا.. فالاستعاذة من الضلال هنا تشمل الاثنين. لأنك مادمت قد استعذت من أن تكون ضالا فلن تكون مضلا أبدا.بقى أن نتكلم عن ختم فاتحة الكتاب. بقولنا آمين أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علمه جبريل عليه السلام أن يقول بعد قراءة الفاتحة آمين، فهي من كلام جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست كلمة من القرآن.

وكلمة آمين معناها استجب يا رب فيما دعوناك به من قولنا: { ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } أي أن الدعاء هنا له شيء مطلوب تحقيقه. وآمين دعاء لتحقيق المطلوب.. وكلمة آمين اختلف العلماء فيها.. أهي عربية أم غير عربية.

وهنا يثور سؤال.. كيف تدخل كلمة غير عربية في قرآن حكم الله بأنه عربي..؟ نقول أن ورود كلمة ليست من أصل عربي في القرآن الكريم. لا ينفي أن القرآن كله عربي. بمعنى أنه اذا خوطب به العرب فهموه.. وهناك الفاظ دخلت في لغة العرب قبل أن ينزل القرآن.. ولكنها دارت على الألسن بحيث أصبحت عربية وألفتها الاذان العربية..

فليس المراد بالعربي هو أصل اللغة العربية وحدها.. وانما المراد أن القرآن نزل باللغة التي لها شيوع على ألسنة العرب. وما دام اللفظ قد شاع على اللسان قولا وفي الآذان سمعا. فإن الأجيال التي تستقبله لا تفرق بينه وبين غيره من الكلمات التي هي من أصل عربي.. فاللفظ الجديد أصبح عربيا بالاستعمال وعند نزول القرآن كانت الكلمة شائعة شيوع الكلمة العربية.

واللغة ألفاظ يصطلح على معانيها. بحيث إذا أطلق اللفظ فهم المعنى. واللغة التي نتكلمها لا تخرج عن اسم وفعل وحرف.. الاسم كلمة والفعل كلمة والحرف كلمة.. والكلمة لها معنى في ذاتها ولكن هل هذا المعنى مستقل في الفهم أو غير مستقل.. اذا قلت محمد مثلا فهمت الشخص الذي سمى بهذا الاسم فصار له معنى مستقل.. واذا قلت كتب فهمت أنه قد جمع الحروف لتقرأ على هيئة كتابة.. ولكن اذا قلت ماذا وهي حرف فليس هناك معنى مستقل.. واذا قلت " في " دَلَّتْ على الظرفية ولكنها لم تدلنا على معنى مستقل. بل لابد ان تقول الماء في الكوب.. أو فلان على الفرس.. غير المستقل في الفهم نسميه حرفا لا يظهر معناه إلا بضم شيء له.. والفعل يحتاج الي زمن، ولكن الاسم لا يحتاج الي زمن..

اذن الاسم هو ما دل على معنى مستقل بالفهم وليس الزمن جزءا منه.. والفعل ما دل على فعل مستقل بالفهم والزمن جزء منه.. والحرف دل على معنى غير مستقل.. ما هي علامة الفعل هي أنك تستطيع أن تسند اليه تاء الفاعل.. أي تقول كتبت والفاعل هو المتكلم.. ولكن الاسم لا يضاف اليه تاء الفاعل فلا تقول محمدت.. اذا رأيت شيئا يدل على الفعل أي يحتاج الى زمن.. ولكنه لا يقبل تاء الفاعل فانه يكون اسم على فعل.

آمين من هذا النوع ليست فعلا فهي اسم مدلولة مدلول الفعل.. معناه استجب.. فأنت حين تسمع كلمة " آه " انها اسم لفعل بمعنى أتوجع.. وساعة تقول " أف " اسم فعل بمعنى اتضجر.. وآمين اسم فعل بمعنى استجب.. ولكنك تقولها مرة وأنت القارئ، وتقولها مرة وأنت السامع. فساعة تقرأ الفاتحة تقول آمين.. أي أنا دعوت يا رب فاستجب دعائي.. لأنك لشدة تعلقك بما دعوت من الهداية فانك لا تكتفي بقول اهدنا ولكن تطلب من الله الاستجابة. واذا كنت تصلي في جماعة فأنت تسمع الامام وهو يقرأ الفاتحة.. ثم تقول آمين. لأن المأموم أحد الداعين.. الذي دعا هو الامام، وعندما قلت آمين فأنت شريك في الدعاء.. ولذلك فعندما دعا موسى عليه السلام أن يطمس الله على اموال قوم فرعون ويهلكهم قال الله لموسى:
{  قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }
[يونس: 89].

أي أن الخطاب من الله سبحانه وتعالى موجهٌ الى موسى وهارون. ولكن موسى عليه السلام هو الذي دعا.. وهارون أمن على دعوة موسى فأصبح مشاركا في الدعاء.

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )

لماذا جاءت كلمة الصراط معرفة بأل مرة ومضافة مرة أخرى (صراط الذين أنعمت عليهم)؟ جاءت كلمة الصراط مفردة ومعرفة بتعريفين: بالألف واللام والإضافة وموصوفا بالاستقامة مما يدل على انه صراط واحد (موصوف بالاستقامة لأنه ليس بين نقطتين إلا طريق مستقيم واحد والمستقيم هو أقصر الطرق وأقربها وصولا إلى الله) وأي طريق آخر غير هذا الصراط المستقيم لا يوصل إلى المطلوب ولا يوصل إلى الله تعالى. والمقصود بالوصول إلى الله تعالى هو الوصول إلى مرضاته فكلنا واصل إلى الله وليس هناك من طريق غير الصراط المستقيم. (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) (المزمل آية 19) (الإنسان آية 29) (إن ربي على صراط مستقيم) (هود آية 56) (قال هذا صراط علي مستقيم) (الحجر آية 41)
وردت كلمة الصراط في القرآن مفردة ولم ترد مجتمعة أبداً بخلاف السبيل فقد وردت مفردة ووردت جمعا (سبل) لان الصراط هو الأوسع وهو الذي تفضي إليه كل السبل (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (الأنعام 153) (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) (المائدة 16) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (العنكبوت 69) (هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ) (يوسف آية 108) الصراط هو صراط واحد مفرد لأنه هو طريق الإسلام الرحب الواسع الذي تفضي إليه كل السبل واتباع غير هذا الصراط ينأى بنا عن المقصود (1)
__________
(1) يقول الدكتور أحمد الكبيسي في كلمة الصراط وأخواتها في القرآن الكريم في برنامجه الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم على قناة دبي الفضائية في شرح كلمة الصراط وأخواتها في القرآن الكريم وكيف أن كل كلمة منها وردت في القرآن في مكانها المناسب والمعنى الذي تأتي به كل كلمة لا يمكن أن يكون إلا من عند العلي العظيم الذي وضع كل كلمة بميزانها وبمكانها الذي لا يمكن لكلمة أخرى أن تأتي بنفس معناها :

مرادفات كلمة الطريق تأتي على النحو التالي: إمام – صراط – طريق - سبيل – نهج – فج - جدد (جمع جادة) – نفق
وجاء معنى كل منها العام على النحو التالي:
إمام: وهو الطريق العام الرئيسي الدولي الذي يربط بين الدول وليس له مثيل وتتميز أحكامه في الإسلام بتميز تخومه. وقدسية علامات المرور فيه هي من أهم صفاته وهو بتعبيرنا الحاضر الطريق السريع بين المدن (Highway). وقد استعير هذا اللفظ في القرآن الكريم ليدل على الشرائع (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) (الإسراء آية 71 ) أي كل ما عندهم من شرائع وجاء أيضا بمعنى كتاب الله (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) (يس آية 12)
صراط: هو كل ممر بين نقطتين متناقضتين كضفتي نهر أو قمتي جبلين أو الحق والباطل والضلالة والهداية في الإسلام أو الكفر والإيمان. والصراط واحد لا يتكرر في مكان واحد ولا يثنى ولا يجمع. وقد استعير في القرآن الكريم للتوحيد فلا إله إلا الله تنقل من الكفر إلى الإيمان (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) ( الأنعام آية 161) (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) ( الأنعام آية 39) (اهدنا الصراط المستقيم) (الفاتحة آية 7) (فاتبعني أهدك صراطا سويا) (مريم آية 43 ) (وان الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) (المؤمنون آية 74 )
والصراط عموما هو العدل المطلق لله تعالى وما عداه فهو نسبي. (إن ربي على صراط مستقيم) ( هود آية 56 ) والتوحيد هو العدل المطلق وما عداه فهو نسبي.
سبيل: الطريق الذي يأتي بعد الصراط وهو ممتد طويل آمن سهل لكنه متعدد (سبل جمع سبيل) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ( العنكبوت آية 69 )السبل متعددة ولكن شرطها أن تبدأ من نقطة واحدة وتصب في نقطة واحدة عند الهدف. وفيه عناصر ثلاث: ممتد، متحرك ويأخذ إلى غاية.
و المذاهب في الإسلام من السبل كلها تنطلق من نقطة واحدة وتصل إلى غاية واحدة. وسبل السلام تأتي بعد الإيمان والتوحيد بعد عبور الصراط المستقيم. ولتقريب الصورة إلى الأذهان فيمكن اعتبار السبل في عصرنا الحاضر وسائل النقل المتعددة فقد ينطلق الكثيرون من نقطة واحدة قاصدين غاية واحدة لكن منهم من يستقل الطائرة ومنهم السيارة ومنهم الدراجة ومنهم الدواب وغيرها.
واستخدمت كلمة السبيل في القرآن بمعنى حقوق في قوله (ليس علينا في الأميين سبيل) (آل عمران آية 75 )
وابن السبيل في القرآن هو من انقطع عن أهله انقطاعا بعيدا وهدفه واضح ومشروع كالمسافر في تجارة أو للدعوة فلا تعطى الزكاة لمن انقطع عن أهله بسبب غير مشروع كالخارج في معصية أو ما شابه.
طريق:الطريق يكون داخل المدينة وللطرق حقوق خاصة بها وقد سميت طرقا لأنها تطرق كثيرا بالذهاب والإياب المتكرر من البيت إلى العمل والعكس. والطريق هي العبادات التي نفعلها بشكل دائم كالصلاة والزكاة والصوم والحج والذكر. (يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) (الأحقاف آية 30)
نهج: وهو عبارة عن ممرات خاصة لا يمر بها إلا مجموعة خاصة من الناس وهي كالعبادات التي يختص بها قوم دون قوم مثل نهج القائمين بالليل ونهج المجاهدين في سبيل الله ونهج المحسنين وأولي الألباب وعباد الرحمن فكل منهم يعبد الله تعالى بمنهج معين وعلى كل مسلم أن يتخذ لنفسه نهجا معينا خاصا به يعرف به عند الله تعالى كبر الوالدين والذكر والجهاد والدعاء والقرآن والإحسان وغيرها (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) ( المائدة آية 48 ) وإذا لاحظنا وصفها في القرآن وجدنا لها ثلاثة صفات والإنفاق فيها صفة مشتركة.
1- نهج المستغفرين بالأسحار: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) ( الذاريات آية 17 - 19 )
2- ونهج أهل التهجد: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون) (السجدة آية 16)
3- ونهج المحسنين: (الذين ينفقون بالسراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) ( آل عمران آية 134 )
فج: وهو الطريق بين جبلين (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) (الحج آية 27)
جادة: وتجمع على جدد كما وردت في القرآن الكريم (ومن الجبال جدد بيض وحمر) (فاطر آية 27 ) والجادة هي الطريق الذي يرسم في الصحراء أو الجبال من شدة الأثر ومن كثرة سلوكه.
نفق: وهو الطريق تحت الأرض (فان استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض) (الأنعام آية 35 )


ثم زاد هذا الصراط توضيحا وبيانا بعد وصفه بالاستقامة وتعريفه بأل بقول (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) جمعت هذه الآية كل أصناف الخلق المكلفين ولم تستثني منهم أحداً فذكر:
الذين انعم الله عليهم هم الذين سلكوا الصراط المستقيم وعرفوا الحق وعملوا بمقتضاه.
الذين عرفوا الحق وخالفوه (المغضوب عليهم) ويقول قسم من المفسرين أنهم العصاة.
الذين لم يعرفوا الحق وهم الضالين (قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) (الكهف آية 103-104) هذا الحسبان لا ينفعهم إنما هم من الأخسرين.
ولا يخرج المكلفون عن هذه الأصناف الثلاثة فكل الخلق ينتمي لواحد من هذه الأصناف.
وقال تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم) ولم يقل تنعم عليهم فلماذا ذكر الفعل الماضي؟
اختار الفعل الماضي على المضارع أولاً: ليتعين زمانه ليبين صراط الذين تحققت عليهم النعمة (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) (النساء آية 69) صراط الذين أنعمت عليهم يدخل في هؤلاء. وإذا قال تنعم عليهم لأغفل كل من انعم عليهم سابقا من رسل الله والصالحين ولو قال تنعم عليهم لم يدل في النص على انه سبحانه انعم على احد ولاحتمل أن يكون صراط الأولين غير الآخرين ولا يفيد التواصل بين زمر المؤمنين من آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة. مثال: اذا قلنا أعطني ما أعطيت أمثالي فمعناه أعطني مثل ما أعطيت سابقا، ولو قلنا أعطني ما تعطي أمثالي فهي لا تدل على أنه أعطى أحداً قبلي.

ولو قال " تنعم عليهم " لكان صراط هؤلاء اقل شأنا من صراط الذين أنعم عليهم فصراط الذين انعم عليهم من أولي العزم من الرسل والأنبياء والصديقين أما الذين تنعم عليهم لا تشمل هؤلاء. فالإتيان بالفعل الماضي يدل على انه بمرور الزمن يكثر عدد الذين انعم الله عليهم فمن ينعم عليهم الآن يلتحق بالسابقين من الذين انعم الله عليهم فيشمل كل من سبق وانعم الله عليهم فهم زمرة كبيرة من أولي العزم والرسل وأتباعهم والصديقين وغيرهم وهكذا تتسع دائرة المنعم عليهم ، أما الذين تنعم عليهم تختص بوقت دون وقت ويكون عدد المنعم عليهم قليل لذا كان قوله سبحانه أنعمت عليهم أوسع وأشمل واعم من الذين تنعم عليهم.
لماذا قال صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين؟
أي لماذا عبر عن الذين أنعم عليهم باستخدام الفعل (أنعمت) والمغضوب عليهم والضالين بالاسم؟
الاسم يدل على الشمول ويشمل سائر الأزمنة من المغضوب عليهم والدلالة على الثبوت. أما الفعل فيدل على التجدد والحدوث فوصفه أنهم مغضوب عليهم وضالون دليل على الثبوت والدوام.
إذن فلماذا لم يقل المنعم عليهم للدلالة على الثبوت؟

لو قال صراط المنعم عليهم بالاسم لم يتبين المعنى أي من الذي أنعم إنما بين المنعِم (بكسر العين) في قوله ( أنعمت عليهم ) لأن معرفة المنعِم مهمة فالنعم تقدر بمقدار المنعِم (بكسر العين) لذا أراد سبحانه وتعالى أن يبين المنعم ليبين قدرة النعمة وعظيمها ومن عادة القرآن أن ينسب الخير إلى الله تعالى وكذلك النعم والتفضل وينزه نسبة السوء إليه سبحانه (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) (الجن آية 10) والله سبحانه لا ينسب السوء لنفسه فقد يقول (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون) (النمل آية 4) لكن لا يقول زينا لهم سوء أعمالهم (زين لهم سوء أعمالهم) (التوبة آية 37) (زين للناس حب الشهوات ) (آل عمران آية 14) (وزين لفرعون سوء عمله). (غافر آية 37) (أفمن زين له سوء عمله) (فاطر آية 8) (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) (الأنفال آية 48) أما النعمة فينسبها الله تعالى إلى نفسه لأن النعمة كلها خير (ربي بما أنعمت علي) (القصص آية 17) (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه) (الزخرف آية 59) (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا) (الإسراء آية 83) ولم ينسب سبحانه النعمة لغيره إلا في آية واحدة (وإذ تقول للذي انعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك) (الأحزاب آية 37) فهي نعمة خاصة بعد نعمة الله تعالى عليه.
لماذا قال " المغضوب عليهم " ولم يقل أغضبت عليهم؟ جاء باسم المفعول وأسنده للمجهول ولذا ليعم الغضب عليهم من الله والملائكة وكل الناس حتى أصدقاؤهم يتبرأ بعضهم من بعض حتى جلودهم تتبرأ منهم ولذا جاءت المغضوب عليهم لتشمل غضب الله وغضب الغاضبين.

غير المغضوب عليهم ولا الضالين: لم كرر لا؟ وقال غير المغضوب عليهم والضالين؟ إذا حذفت (لا) يمكن أن يُفهم أن المباينة والابتعاد هو فقط للذين جمعوا الغضب والضلالة فقط ، أما من لم يجمعها (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فلا يدخل في الاستثناء ، فإذا قلنا مثلا : لا تشرب الحليب واللبن الرائب (أي لا تجمعهما) أما إذا قلنا : لا تشرب الحليب ولا تشرب اللبن الرائب كان النهي عن كليهما إن اجتمعا أو انفردا.
فلماذا قدم إذن المغضوب عليهم على الضالين؟ المغضوب عليهم : الذين عرفوا ربهم ثم انحرفوا عن الحق وهم اشد بعدا لان ليس من علم كمن جهل لذا بدأ بالمغضوب عليهم وفي الحديث الصحيح أن المغضوب عليهم هم اليهود وأما النصارى فهم الضالون. واليهود أسبق من النصارى ولذا بدأ بهم واقتضى التقديم.
وصفة المغضوب عليهم هي أول معصية ظهرت في الوجود وهي صفة إبليس عندما أُمر بالسجود لآدم عليه السلام وهو يعرف الحق ومع ذلك عصى الله تعالى وهي أول معصية ظهرت على الأرض أيضاً عندما قتل ابن آدم أخاه فهي إذن أول معصية في الملأ الأعلى وعلى الأرض (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه) (النساء آية 93) ولذا بدأ بها.
أما جعل المغضوب عليهم بجانب المنعم عليهم فلأن المغضوب عليهم مناقض للمنعم عليهم والغضب مناقض للنعم.
خاتمة سورة الفاتحة هي مناسبة لكل ما ورد في السورة من أولها إلى آخرها فمن لم يحمد الله تعالى فهو مغضوب عليه وضال ومن لم يؤمن بيوم الدين وأن الله سبحانه وتعالى مالك يوم الدين وملكه ومن لم يخص الله تعالى بالعبادة والاستعانة ومن لم يهتد إلى الصراط المستقيم فهم جميعاً مغضوب عليهم وضالون.

ولقد تضمنت السورة الإيمان والعمل الصالح، الإيمان بالله (الحمد لله رب العالمين) واليوم الآخر (مالك يوم الدين) والملائكة والرسل والكتب (اهدنا الصراط المستقيم) لما تقتضيه من إرسال الرسل والكتب. وقد جمعت هذه السورة توحيد الربوبية (رب العالمين) وتوحيد الإلوهية (إياك نعبد وإياك نستعين) ولذا فهي حقاً أم الكتاب.


www.alro7.net