سورة
اية:

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن اللّه المتتابعة بأنهم وصفوه بأنه بخيل كما وصفوه بأنه فقير، وهم أغنياء وعبروا عن البخل بأن قالوا: { يد اللّه مغلولة} ، قال ابن عباس { مغلولة} أي بخيلة. لا يعنون بذلك أن يد اللّه موثقة، ولكن يقولون: بخيل، يعني أمسك ما عنده بخلاً، تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً. وقد قال عكرمة إنها نزلت في (فنحاص اليهودي) عليه لعنة اللّه، وقد تقدم أنه الذي قال: { إن اللّه فقير ونحن أغنياء} فضربه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه. وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال، قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس ""أخرج الطبراني: عن ابن عباس، أن قائل ذلك: شاس بن قيس، وأخرج أبو الشيخ أنه فنحاص"": إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل اللّه: { وقالت اليهود يد اللّه مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} وقد رد اللّه عزَّ وجلَّ عليهم ما قالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافترواه وائتفكوه فقال: { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا} ، وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: { أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله} ، وقال تعالى: { ضربت عليهم الذلة} الآية، ثم قال تعالى: { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} أي بل هو الواسع الجزيل العطاء الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، كما قال: { وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} والآيات في هذا كثيرة. وقد قال أبو هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إن يمين اللّه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه - قال - وعرشه على الماء وفي يده الأخرى الفيض - أو القبض - يرفع ويخفض، وقال: يقول اللّه تعالى: (أَنفق أُنفق عليك) أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: { وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً} أي يكون ما آتاك اللّه يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقاً وعملاً صالحاً وعلماً نافعاً، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغياناً وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء { وكفراً} أي تكذيباً كما قال تعالى: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} وقال تعالى: { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولايزيد الظالمين إلا خساراً} وقوله تعالى: { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} يعني أنه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائماً، لأنهم لا يجتمعون على حق وقد خالفوك وكذبوك. وقوله تعالى: { كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها اللّه} أي كلما عقدوا أسباباً يكيدونك بها، وكلما أبرموا أموراً يحاربونك بها أبطلها اللّه ورد كيدهم عليهم وحاق مكرهم السيء بهم { ويسعون في الأرض فساداً واللّه لا يحب المفسدين} أي من سجيتهم أنهم دائماً يسعون في الإفساد في الأرض فساداً، واللّه لا يحب من هذه صفته، ثم قال جلَّ وعلا: { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا} أي لو أنهم آمنوا باللّه ورسوله، واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم { لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم} ، أي لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود، { ولو أنهم أقاموا التوراة والأنجيل وما أنزل إليهم من ربهم} قال ابن عباس: هو القرآن، { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} ، أي لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث اللّه به محمداً صلى اللّه عليه وسلم، فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتماً لا محالة. وقوله تعالى: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء، والنابت لهم من الأرض، وقال ابن عباس: { لأكلوا من فوقهم} يعني لأرسل السماء عليهم مدراراً، { ومن تحت أرجلهم} يعني يخرج من الأرض بركاتها، كما قال تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض} الآية، وقال تعالى: { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} الآية. وقال بعضهم: معناه { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} يعني من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء. وقد ذكر ابن أبي حاتم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (يوشك أن يرفع العلم)، فقال زياد بن لبيد يا رسول اللّه وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا فقال: (ثكلتك أمك يا ابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى فما أغنى عنهم حين تركوا أمر اللّه، ثم قرأ: { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} ، وقوله تعالى: { منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون} كقوله { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله عزَّ وجلَّ: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن اللّه ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها} الآية، والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة.

تفسير الجلالين

{ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } بالعمل بما فيهما ومنه الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم { وما أنزل إليهم } من الكتب { من ربِّهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } بأن يوسع عليهم الرزق ويفيض من كل جهة { منهم أمَّة } جماعة { مقتصدة } تعمل به وهم من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه { وكثير منهم ساء } بئس { ما } شيئا { يعملونـ } ـه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل } وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ } يَقُول : وَعَمِلُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ مِنْ الْفُرْقَان الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ يُقِيمُونَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَعَ اِخْتِلَاف هَذِهِ الْكُتُب وَنَسْخ بَعْضهَا بَعْضًا ؟ قِيلَ : وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ فِي بَعْض أَحْكَامهَا وَشَرَائِعهَا , فَهِيَ مُتَّفِقَة فِي الْأَمْر بِالْإِيمَانِ بِرُسُلِ اللَّه وَالتَّصْدِيق بِمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه ; فَمَعْنَى إِقَامَتهمْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقهمْ بِمَا فِيهَا وَالْعَمَل بِمَا هِيَ مُتَّفِقَة فِيهِ وَكُلّ وَاحِد مِنْهَا فِي الْخَبَر الَّذِي فُرِضَ الْعَمَل بِهِ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : لَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء قَطْرهَا , فَأَنْبَتَتْ لَهُمْ بِهِ الْأَرْض حَبّهَا وَنَبَاتهَا فَأَخْرَجَ ثِمَارهَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : لَأَكَلُوا مِنْ بَرَكَة مَا تَحْت أَقْدَامهمْ مِنْ الْأَرْض , وَذَلِكَ مَا تُخْرِجهُ الْأَرْض مِنْ حَبّهَا وَنَبَاتهَا وَثِمَارهَا , وَسَائِر مَا يُؤْكَل مِمَّا تُخْرِجهُ الْأَرْض . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9564 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ } يَعْنِي : لَأَرْسَلَ السَّمَاء عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا . { وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } تُخْرِج الْأَرْض بَرَكَتهَا . 9565 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : إِذًا لَأَعْطَتْهُمْ السَّمَاء بَرَكَتهَا وَالْأَرْض نَبَاتهَا . 9566 حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : لَوْ عَمِلُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَطَر فَأَنْبَتَ الثَّمَر . 9567 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ } أَمَّا إِقَامَتهمْ التَّوْرَاة : فَالْعَمَل بِهَا , وَأَمَّا مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ : فَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ . يَقُول : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } أَمَّا مِنْ فَوْقهمْ : فَأَرْسَلْت عَلَيْهِمْ مَطَرًا , وَأَمَّا مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ , يَقُول : لَأَنْبَتّ لَهُمْ مِنْ الْأَرْض مِنْ رِزْقِي مَا يُغْنِيهِمْ . 9568 حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } قَالَ : بَرَكَات السَّمَاء وَالْأَرْض . قَالَ اِبْن جُرَيْج : لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ الْمَطَر , وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ مِنْ نَبَات الْأَرْض . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : لَأَكَلُوا مِنْ الرِّزْق الَّذِي يَنْزِل مِنْ السَّمَاء , { وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : مِنْ الْأَرْض . وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : إِنَّمَا أُرِيدَ بِقَوْلِهِ : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } التَّوْسِعَة , كَمَا يَقُول الْقَائِل : هُوَ فِي خَيْر مِنْ فَرْقه إِلَى قَدَمه . وَتَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا , هَذَا الْقَوْل , وَكَفَى بِذَلِكَ شَهِيدًا عَلَى فَسَاده . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل } وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ } يَقُول : وَعَمِلُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ مِنْ الْفُرْقَان الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ يُقِيمُونَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَعَ اِخْتِلَاف هَذِهِ الْكُتُب وَنَسْخ بَعْضهَا بَعْضًا ؟ قِيلَ : وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ فِي بَعْض أَحْكَامهَا وَشَرَائِعهَا , فَهِيَ مُتَّفِقَة فِي الْأَمْر بِالْإِيمَانِ بِرُسُلِ اللَّه وَالتَّصْدِيق بِمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه ; فَمَعْنَى إِقَامَتهمْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقهمْ بِمَا فِيهَا وَالْعَمَل بِمَا هِيَ مُتَّفِقَة فِيهِ وَكُلّ وَاحِد مِنْهَا فِي الْخَبَر الَّذِي فُرِضَ الْعَمَل بِهِ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : لَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء قَطْرهَا , فَأَنْبَتَتْ لَهُمْ بِهِ الْأَرْض حَبّهَا وَنَبَاتهَا فَأَخْرَجَ ثِمَارهَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : لَأَكَلُوا مِنْ بَرَكَة مَا تَحْت أَقْدَامهمْ مِنْ الْأَرْض , وَذَلِكَ مَا تُخْرِجهُ الْأَرْض مِنْ حَبّهَا وَنَبَاتهَا وَثِمَارهَا , وَسَائِر مَا يُؤْكَل مِمَّا تُخْرِجهُ الْأَرْض . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9564 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ } يَعْنِي : لَأَرْسَلَ السَّمَاء عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا . { وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } تُخْرِج الْأَرْض بَرَكَتهَا . 9565 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : إِذًا لَأَعْطَتْهُمْ السَّمَاء بَرَكَتهَا وَالْأَرْض نَبَاتهَا . 9566 حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : لَوْ عَمِلُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَطَر فَأَنْبَتَ الثَّمَر . 9567 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ } أَمَّا إِقَامَتهمْ التَّوْرَاة : فَالْعَمَل بِهَا , وَأَمَّا مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ : فَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ . يَقُول : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } أَمَّا مِنْ فَوْقهمْ : فَأَرْسَلْت عَلَيْهِمْ مَطَرًا , وَأَمَّا مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ , يَقُول : لَأَنْبَتّ لَهُمْ مِنْ الْأَرْض مِنْ رِزْقِي مَا يُغْنِيهِمْ . 9568 حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } قَالَ : بَرَكَات السَّمَاء وَالْأَرْض . قَالَ اِبْن جُرَيْج : لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ الْمَطَر , وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ مِنْ نَبَات الْأَرْض . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : لَأَكَلُوا مِنْ الرِّزْق الَّذِي يَنْزِل مِنْ السَّمَاء , { وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : مِنْ الْأَرْض . وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : إِنَّمَا أُرِيدَ بِقَوْلِهِ : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } التَّوْسِعَة , كَمَا يَقُول الْقَائِل : هُوَ فِي خَيْر مِنْ فَرْقه إِلَى قَدَمه . وَتَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا , هَذَا الْقَوْل , وَكَفَى بِذَلِكَ شَهِيدًا عَلَى فَسَاده .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { مِنْهُمْ أُمَّة } مِنْهُمْ جَمَاعَة . { مُقْتَصِدَة } يَقُول : مُقْتَصِدَة فِي الْقَوْل فِي عِيسَى اِبْن مَرْيَم قَائِلَة فِيهِ الْحَقّ إِنَّهُ رَسُول اللَّه وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ , لَا غَالِيَة قَائِلَة إِنَّهُ اِبْن اللَّه , تَعَالَى عَمَّا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ ! وَلَا مُقَصِّرَة قَائِلَة هُوَ لِغَيْرِ رَشْدَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9569 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة } وَهُمْ مُسْلِمَة أَهْل الْكِتَاب ; { وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } . 9570 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن كَثِير , أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول : تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيل فِرَقًا , فَقَالَتْ فِرْقَة : عِيسَى هُوَ اِبْن اللَّه , وَقَالَتْ فِرْقَة : هُوَ اللَّه , وَقَالَتْ فِرْقَة : هُوَ عَبْد اللَّه وَرُوحه ; وَهِيَ الْمُقْتَصِدَة , وَهِيَ مُسْلِمَة أَهْل الْكِتَاب . 9571 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ اللَّه : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدة } يَقُول : عَلَى كِتَابه وَأَمْره . ثُمَّ ذَمَّ أَكْثَر الْقَوْم , فَقَالَ : { وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } . 9572 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة } يَقُول : مُؤْمِنَة . 9573 حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } قَالَ : الْمُقْتَصِدَة أَهْل طَاعَة اللَّه . قَالَ : وَهَؤُلَاءِ أَهْل الْكِتَاب . 9574 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , فِي قَوْله : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } قَالَ : فَهَذِهِ الْأُمَّة الْمُقْتَصِدَة الَّذِينَ لَا هُمْ فَسَقُوا فِي الدِّين وَلَا هُمْ غَلَوْا . قَالَ . وَالْغُلُوّ : الرَّغْبَة , وَالْفِسْق : التَّقْصِير عَنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { مِنْهُمْ أُمَّة } مِنْهُمْ جَمَاعَة . { مُقْتَصِدَة } يَقُول : مُقْتَصِدَة فِي الْقَوْل فِي عِيسَى اِبْن مَرْيَم قَائِلَة فِيهِ الْحَقّ إِنَّهُ رَسُول اللَّه وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ , لَا غَالِيَة قَائِلَة إِنَّهُ اِبْن اللَّه , تَعَالَى عَمَّا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ ! وَلَا مُقَصِّرَة قَائِلَة هُوَ لِغَيْرِ رَشْدَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9569 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة } وَهُمْ مُسْلِمَة أَهْل الْكِتَاب ; { وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } . 9570 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن كَثِير , أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول : تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيل فِرَقًا , فَقَالَتْ فِرْقَة : عِيسَى هُوَ اِبْن اللَّه , وَقَالَتْ فِرْقَة : هُوَ اللَّه , وَقَالَتْ فِرْقَة : هُوَ عَبْد اللَّه وَرُوحه ; وَهِيَ الْمُقْتَصِدَة , وَهِيَ مُسْلِمَة أَهْل الْكِتَاب . 9571 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ اللَّه : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدة } يَقُول : عَلَى كِتَابه وَأَمْره . ثُمَّ ذَمَّ أَكْثَر الْقَوْم , فَقَالَ : { وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } . 9572 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة } يَقُول : مُؤْمِنَة . 9573 حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } قَالَ : الْمُقْتَصِدَة أَهْل طَاعَة اللَّه . قَالَ : وَهَؤُلَاءِ أَهْل الْكِتَاب . 9574 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , فِي قَوْله : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } قَالَ : فَهَذِهِ الْأُمَّة الْمُقْتَصِدَة الَّذِينَ لَا هُمْ فَسَقُوا فِي الدِّين وَلَا هُمْ غَلَوْا . قَالَ . وَالْغُلُوّ : الرَّغْبَة , وَالْفِسْق : التَّقْصِير عَنْهُ .' يَعْنِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ أَهْل الْكِتَاب , الْيَهُود وَالنَّصَارَى .يَعْنِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ أَهْل الْكِتَاب , الْيَهُود وَالنَّصَارَى .' يَقُول : كَثِير مِنْهُمْ سَيِّئ عَمَلهمْ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ , فَتُكَذِّب النَّصَارَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزْعُم أَنَّ الْمَسِيح اِبْن اللَّه , وَتُكَذِّب الْيَهُود بِعِيسَى وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِمَا , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ ذَامًّا لَهُمْ : { سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } فِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ .يَقُول : كَثِير مِنْهُمْ سَيِّئ عَمَلهمْ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ , فَتُكَذِّب النَّصَارَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزْعُم أَنَّ الْمَسِيح اِبْن اللَّه , وَتُكَذِّب الْيَهُود بِعِيسَى وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِمَا , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ ذَامًّا لَهُمْ : { سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } فِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولو أن أهل الكتاب} (أن) في موضع رفع، وكذا { ولو أنهم أقاموا التوراة} . { آمنوا} صدقوا. { واتقوا} أي الشرك والمعاصي. { لكفرنا عنهم} اللام جواب (لو). وكفرنا غطينا، وقد تقدم. وإقامة التوراة والإنجيل العمل بمقتضاهما وعدم تحريفهما؛ وقد تقدم هذا المعنى في (البقرة) مستوفى. { وما أنزل إليهم من ربهم} أي القرآن. وقيل : كتب أنبيائهم. { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} قال ابن عباس وغيره : يعني المطر والنبات؛ وهذا يدل على أنهم كانوا في جدب. وقيل : المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم ولأكلوا أكلا متواصلا؛ وذكر فوق وتحت للمبالغة فيما يفتح عليهم من الدنيا؛ ونظير هذه الآية { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق : 2] ، { وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءا غدقا} [الجن : 16] { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} [الأعراف : 96] فجعل تعالى التقى من أسباب الرزق كما في هذه الآيات، ووعد بالمزيد لمن شكر فقال { لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم : 7] ، ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصدا - وهم المؤمنون منهم كالنجاشي وسلمان وعبدالله بن سلام - اقتصدوا فلم يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما. وقد : أراد بالاقتصاد قوما لم يؤمنوا، ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين، والله أعلم. والاقتصاد الاعتدال في العمل؛ وهو من القصد، والقصد إتيان الشيء؛ تقول : قصدته وقصدت له وقصدت إليه بمعنى. { ساء ما يعملون} أي بئس شيء عملوه؛ كذبوا الرسل، وحرفوا الكذب وأكلوا السحت.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 64 - 66


سورة المائدة الايات 65 - 67

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي أنهم لو طبقوا التوارة والإنجيل دون تحريف، وآمنوا بالقرآن الكريم لكان خيراً لهم. والتوارة كتاب اليهود. والإنجيل كتاب عيسى عليه السلام، وقد أنزل الله بعد ذلك الكتاب الجامع المانع وهو القرآن الكريم، وأراد لهم الحق بالإيمان بما جاء في التوارة والإنجيل من بشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإيمان بالتوارة والإنجيل - من قبل تحريفهما - إنما يقود إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزله الله إليه. واليهود - كما عرفنا - هم الذين توعدوا العرب بمجيء رسول الله، لكن العرب سبقوهم إلى الإيمان بمحمد بن عبد الله { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ }.

لقد كانوا - أهل الكتاب - يملكون المدخل الطبيعي للإيمان بالقرآن وهو الإيمان بالتوارة الصحيحة والإنجيل الصحيح؛ لأن فيهما نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان سيدنا عبدالله بن سلام وكان من أحبار اليهود يقول: " لقد عرفت محمداً حين رأيته كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد ". وحينما يعد الحق أهل الكتاب إن آمنوا واتقوا بأن يكفر عنهم سيئاتهم ويقيهم من عذاب النار فحسب، ولكن سيمحو هذه السيئات ويدخلهم الجنة. وسبحانه هو الأعلم بهم، ويعلم أن منهم الماديين المرتبطين بالدنيا لذلك جاء لهم بخير الإيمان في الدنيا فقال:

{ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } فسبحانه يمد لهم أيضاً يد الأسباب في الدنيا، والمؤمن هو من يرتقي في الأخذ بالأسباب فيأخذ نعيم الدنيا والآخرة، أما الكافر فيأخذ الأسباب دون أن يشكر الخالق عليها.

لقد أراد الحق لأهل الكتاب أن يحسنوا الإيمان أولاً بصحيح التوارة وبصحيح الإنجيل حتى يكون ذلك هو المدخل الطبيعي للإيمان بالقرآن، فهذا هو السبيل إلى تكفير السيئات بألا يدخلوا النار بل ويدخلون الجنة في الآخرة. وهم بالإيمان لا يأخذون خير الآخرة فقط بل يأخذون خير الدنيا أيضاً؛ لأن الحق لا يضن على مجتهد في الأسباب، وهو القائل:
{  مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ }
[الشورى: 20].

فمن بقي منهم على الكفر يأخذ من أسباب الدنيا ولكنه لا يأخذ أبداً من عطاء الآخرة:
{  وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً }
[الفرقان: 23].

وبذلك يوضح الحق مصير أهل الكفر في الآخرة أولاً، ويوضح من بعد ذلك مصيرهم في عاجل الدنيا، فإن أخذوا بالأسباب أعطاهم الله نتائج الأسباب، وهو سبحانه الذي يحتفظ بطلاقة القدرة، فقد يعطل الأسباب ويسلب الأشياء خواصها، فالمزارع قد يأخذ بكل الأسباب من حرث للأرض وتسميد لها وانتقاء لسلالة البذور، ولكنَّ إعصاراً قد يهب فيقتلع كل شيء أو فيضاناً يغرق الزرع، أو حشرة فتاكة كدودة القطن تأكل المحصول.إذن، فالأسباب وراءها مُسبِّب له طلاقة القدرة، وسبحانه هو الذي وضع القوانين الكونية، وهو - أيضاً - الذي يسلبها خواصها.

فأنت أيها الإنسان سيد الكون بإرادة الله ومقهور في كثير من الأقضية لقهرية الجبار. صحيح أن لك بعض الاختيارات في بعض الأشياء، ولكن هناك قهريات في أمور لا دخل لك فيها، فالمرض قد يقتل، والحادث المفاجئ قد يقتل، وتلك أشياء من قهريات الله التي تخرج الإنسان عن الأسباب.

إن الحق سبحانه يرينا أن بلاداً كانت دائمة المطر ثم أصابها الجفاف، لماذا؟ لأن الناس تغتر من رتابة النعمة، ولذلك يمسك الحق الكون بيده، وهو سبحانه لا يسلمه لأحد أبداً. لذلك يأتي في بعض الأحاديين ويقبض أسبابه حتى لا يفتن الإنسان بالأسباب ورتابتها.

وأمثلة ذلك في حياتنا كثيرة، نرى المزارع الذي يملك عشرات الأفدنة فتهاجمها الدودة فتأتي على الأخضر واليابس، بينما جاره الذي لا يملك إلا قطعة يسيرة وقليلة من الأرض تطرح الخير كله لصاحبها؛ لأنه دفع ما يسميه أهل الريف " غفرة الأرض " أي زكاتها. والدودة في هذه الحالة تكون هي من جنود الحق فتأكل المال الباطل ولا تلمس المال الحلال.
{  وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ }
[المدثر: 31].

ولذلك يقدم الحق أسبابه لمن يسعى فيها، ويزيد للمؤمن. ويقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } والرزق - كما علمنا - قسمان: قسم مباشر وقسم يأتي بالرزق المباشر، والرزق المباشر هو ما ننتفع به على الفور، كطعام نأكله أو ماء نشربه، أما الرزق الآخر فهو المال الذي قد نشتري به الرزق المباشر. وجاء سبحانه بأمور الحياة الواقعية حتى نفهم أن المنهج إنما نزل لينظم حركة الإنسان في هذه الحياة، والآخرة هي الجزاء على حسن العمل في الدنيا.

وبعد أن وعدهم - سبحانه - بالجنة جزاءً للإيمان يمد لهم الأسباب في الدنيا رخاءً وسعة وترفاً وسعادة. ونجد من يسأل: وكيف يأكلون من فوقهم؟ ونقول: إن الأكل هو المظهر الأساسي لحياة الإنسان؛ لأن كل حركة يصنعها الإنسان هي فرع عن وجود حياته. ووجود حياة الإنسان يتوقف على ثلاثة عناصر مهمة هي الأكل والشرب والتنفس. فإذا ما أردنا استبقاء الحياة والتناسل فلا بد من توفير لهذه المصادر الثلاثة.

إننا عندما ننظر إلى ترتيب الثلاثة في الأهمية نجد أن الإنسان قد يصبر على الطعام شهراً. وقد يصبر على الماء مدة تتراوح ما بين ثلاثة أيام وعشرة أيام، أما التنفس فلا يطيق الإنسان ألا يجد الهواء لمدة دقائق.

ومن رأفة الحق بالخلق أن جعل الحيازة لهذه الأنواع المقومة لاستبقاء الحياة تترتب حسب أهميتها.لذلك نرى من يملك على إنسان آخر طعامه ويتحكم فيه، لكن الحق يجعل في جسد الإنسان ما قد يقيته شهراً. ونرى أن الحيازة في الماء أقل من الحيازة في الطعام؛ لذلك لم يُمَلِّكْهَا الحق إلا نادراً؛ ذلك أن الإنسان لا يطيق الصبر على العطش إلا لمدة تتراوح ما بين ثلاثة أيام وعشرة أيام. وأما الهواء فلم يجعله الحق ملكاً لأحد على الإطلاق؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يستغني عنه إلا بمقدار الشهيق والزفير، ولا يستطيع الإنسان أن يدخره في حجم رئتيه؛ لذلك لم يأمن الحق أحداً من الخلق على ملكية الهواء.

وقوله الحق: { لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } مقصود به أن الاستقامة في تطبيق منهج الله تُخْضِعُ الأسباب الكونية لهم، أما إذا ما تمرد الإنسان على منهج الله فقد يعطيه الله زهرة الحياة الدنيا ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، فالنواميس الكونية لم تنعزل عن يد الحق.

لذلك يخاطب - سبحانه - الخلق خطاباً، فإن انفعلوا للخطاب، يسرَّ لهم كل ما سخره لهم في الكون. وإن لم ينفعلوا فهو ممسك الأسباب ويمكنه أن يخرق قوانينها، فلا الأرض ولا الهواء ولا أي شيء خرج عن طاعة الله، فإذا ما تمردت جماعة على نعم الله أو على الله فسبحانه يجعلهم نكالاً لغيرهم ويقبض عنهم الأسباب.

والإنسان سيد هذه الكائنات في هذا الكون، وهو منفعل - أيضاً - بقدرة ربه وقد يمرض، وقد يموت، وقد ينكسر، وقد يغرق، فإذا كان الإنسان وهو المنفعل بـ " كن " من ربع فكيف حال الأشياء الأدنى منه؟ إنها أيضاً منصاعة بـ " كن ". والحق قادر أن يقول للأرض: كوني جدباً، وهو القادر على أن يوقف المطر لأنه هو سبحانه الذي يجعل الأشياء تسير سيراً رتيباً. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في خطابه لكل خلقه عن الأرض: { بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا }. فإذا كان الحق قد أوحى للأرض لتبرز الكنوز أو تحدث الزلازل، فما بالنا بكل شيء آخر؟. إن كل شيء إنما يسير بأمر الله، ذلك أن كل شيء يسبح بحمد الله، ولكن الإنسان لا يفقه لغات غيره من الكائنات: { لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمًْ }.

وخطاب الله لكل خلقه يفهمه المنفعل له من أي جنس من أجناس الوجود، ولو علمك الله هذا الانفعال، لسمعت لغة الكائنات الأخرى. مثال ذلك سيدنا سليمان عليه السلام الذي سمع قول نملة لبقية النمل:
{  ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ }
[النمل: 18].

وماذا قال سليمان بعد ذلك؟.

قال سليمان:
{  رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ }
[النمل: 19].

وهو سبحانه القائل:
{  وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ }
[الأنبياء: 79].

والهدهد قال في القرآن:
{  أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }
[النمل: 25].

إذن فكل كائن في الوجود يعرف قضية الإيمان وقضية التوحيد. وكل من في الوجود ينفعل لربه. وهكذا كل الأشياء التي تحفظ للإنسان حياته أو نوعه. فماذا عن حال من يتمرد على الله؟. إنه سبحانه قد يقول للأسباب: انقبضي عنه. ونرى ذلك في حال بعض البلاد على ألوان مختلفة، فالبلاد التي تقع في منطقة يعرف عنها أنها دائمة المطر، يخرق الله طبيعة البيئة فتصير إلى جفاف، وغيرها التي تستطيع أن تصل إلى الفضاء الخارجي. لا تقدر على مواجهة إعصار، وذلك ليتأكد لنا أن يد المكوّن - سبحانه - فوق أسباب الكون.

لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } أي أن يأتي الخير من كل ناحية. فإذا كان يراد بالأكل المباشر، فالمطر هو الذي ينزل من أعلى يروي الأرض فيخرج الزرع، وكذلك النخل يعلونا ويأتينا بالتمر، وكذلك أشجار الفاكهة من برتقال وتفاح وغير ذلك. أما ما تحت الأقدام فهي الخضراوات، والفواكه التي تنمو دون أن يكون لأي منها ساق على الأرض كالبطيخ والشمام وغير ذلك.

ولنا في سقوط الفاكهة من على أشجارها العالية بعد تمام النضج الحكمة البالغة، فالرزق الذي طاب وإن لم تسع إليه يأت إليك تحت قدمك.

وإن توسعنا في فهم قوله الحق: { لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم }. فلله أسرار فوق الأسرار، وله فيما تحت الأرض أسرار. ألا نأخذ كل شيء يعيننا على الحياة من طبيعة الأرض سواء أكان حديداً أم نحاساً أم بترولاً؟. وهكذا نجد أن كل شيء في الوجود يخدم بقاء نوع الإنسان أو استبقاء حياته هو من عطاء الله.

إذن فلو أن أهل الكتاب أقاموا التوارة والإنجيل والقرآن وساروا على المنهج لوهبهم الله كل خير. ويؤكدالحق هذا المعنى في آية أخرى فيقول: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ }.

ونرى أن الحق قد أفاء على بعض الناس من النعمة الشيء الواسع والكثير ومن بعد ذلك يطغى أهلها بالنعمة فيمهلهم ربنا إلى أن يعلو أمرهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وحياتنا المعاصرة خير شاهد على ذلك؟ فكل بلد أخذت نعمة الله لتحاج بها الله وتكون ضد منهج الله نجدها تبوء بالفساد. ويأتي بأس أهلها فيما بينهم شديداً ويخربون بيوتهم بأيديهم. وكم من بلاد كانت متعة الناس أن يذهبوا إليها للترف أو الانفلات ثم يأتي بأس أهلها بينهم وتخرب بأيدي أبنائها. وفي واقع الكون ما يؤيد صدق ذلك، وكأن الحق يقول لنا: اعتبروا يا أولي الأبصار.

ويقول سبحانه:
{  وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ }
[النحل: 112].

والمراد بالقرية ليس قرية الريف التي نتعارف عليها اليوم؛ لأن القرية في عرف العربي القديم هي المكان الذي يقابل العاصمة. وكانت البيئة العربية قديماً بيئة " التبدّي " أي أنهم يقيمون في البادية وينتقلون من مكان إلى مكان، ولم يكونوا متوطنين في مكان واحد. وكانت عاصمة البدو هي القرية التي تتكون من عدد صغير من البيوت. ولذلك يسمي القرآن الكريم " مكة " بأم القرى. ويضرب الله مثلاً بالقرية الآمنة المطمئنة التي يأتيها رزقها واسعا من كل مكان، أي أن خيرها ليس ذاتياً ولا نابعاً منها ولكن يأتيها من كل مكان. وفي العصر الذي نعيشه نجد أن خير الدنيا يصب في قلب بعض القرى، وما أن يكفر أهل القرية بأنعم الله فما الذي يحدث؟
{  فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ }
[النحل: 112].

وهذا واقع نراه في كثير من البلاد التي أخذت نعمة الله فبدلتها كفراً فأحلوا قومهم دار البوار. ويرينا سبحانه القرى التي يلبسها الحق لباس الجوع والخوف. وعندما ننظر إلى قول الحق: " لباس " نرى أن الجوع له لذعة، واللباس له شمول ويلفهم الجوع كما يلفهم الثوب، وكذلك الخوف فتصير كل جارحة فيهم خائفة: أي أن الحق سلط عليهم الجوع فلا يجدون موادّ الاقتيات. وكذلك الخوف يأتيهم فإما أن يكون الخوف بسبب بأسهم فيما بينهم لأن عداوة بعضهم بعضاً شديدة، وإما أن يكون الخوف من عدو خارج عنهم. وهذا واقع معاصر.

وكيف يكون الكفر بنعم الله؟ الكفر بنعم الله إما أن يكون بمعنى ستر النعمة. واستعمالها في معاصي الله، ومثله مثل الكفر بالله أي ستر وجود الله، وقد يكون الكفر بنعمة الله بالتكاسل عن استنباط النعمة من مظانها. وفساد العالم الآن يأتي من أناس كُسالى عن استنباط نعم الله المطمورة في كونه، وأناس يجدّون في استنباط نعم ويحبسونها لأنفسهم ولا يعطون منها الضعاف، ويستخدمون النعمة في المعاصي.

إذن فقوله الحق:
{  وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }
[الأعراف: 96].

وقوله الحق: { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم }. هم حكم عام؛ فهل وُجِدَ من يؤديه؟. نعم؛ هناك أناس منهم عرفوا ذلك وساروا إلى السبيل المستقيم، وعن هؤلاء يقول سبحانه: { مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ }. أي منهم أمة تسير إلى أغراضها وإلى غايتها على الطريق المستقيم. وهذه إشارة إلى أن بعضاً من أهل الكتاب يفعل ذلك، والبعض الآخر لا يفعل، وهذا القول أشار أيضاً إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يُخلى وجوده وكونه من خلية خير فيه، وقد تكون خلية الخير هذه من أضعف الناس الذين لا شوكة لهم في الدنيا ولا جاه ولا قوة.ولولا هؤلاء الناس لهدَّ الله الأرض ومن عليها. ويوضح الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بقوله: " لولا عباد لله رُّكع، وصبية رضع، وبهائم رُتّع لصُبّ عليكم العذاب صبا ثم رُصَّ رَصّا ".

كأننا مكرمون في هذا العالم من أجل الضعاف فينا. وكأن الحق لا يحجب الخير عن كونه، بل يجعل في الكون ذرات استبقاء للخير. ولذلك نجد من يقول: إذا بالغ الناس في الإلحاد زاد الله في المد. وقد تجد بلداً كلها من الملاحدة، وتجد فيها عبداً واحداً متبتلاً لربه، ويكون هذا الرجل هو الذي يستبقي الله من أجله هواء تلك البلدة وماءها. ولذلك قال سبحانه: { مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ }.

ويقول الحق من بعد ذلك: { يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ... }


www.alro7.net