سورة
اية:

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن اللّه المتتابعة بأنهم وصفوه بأنه بخيل كما وصفوه بأنه فقير، وهم أغنياء وعبروا عن البخل بأن قالوا: { يد اللّه مغلولة} ، قال ابن عباس { مغلولة} أي بخيلة. لا يعنون بذلك أن يد اللّه موثقة، ولكن يقولون: بخيل، يعني أمسك ما عنده بخلاً، تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً. وقد قال عكرمة إنها نزلت في (فنحاص اليهودي) عليه لعنة اللّه، وقد تقدم أنه الذي قال: { إن اللّه فقير ونحن أغنياء} فضربه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه. وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال، قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس ""أخرج الطبراني: عن ابن عباس، أن قائل ذلك: شاس بن قيس، وأخرج أبو الشيخ أنه فنحاص"": إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل اللّه: { وقالت اليهود يد اللّه مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} وقد رد اللّه عزَّ وجلَّ عليهم ما قالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافترواه وائتفكوه فقال: { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا} ، وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: { أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله} ، وقال تعالى: { ضربت عليهم الذلة} الآية، ثم قال تعالى: { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} أي بل هو الواسع الجزيل العطاء الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، كما قال: { وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} والآيات في هذا كثيرة. وقد قال أبو هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إن يمين اللّه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه - قال - وعرشه على الماء وفي يده الأخرى الفيض - أو القبض - يرفع ويخفض، وقال: يقول اللّه تعالى: (أَنفق أُنفق عليك) أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: { وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً} أي يكون ما آتاك اللّه يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقاً وعملاً صالحاً وعلماً نافعاً، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغياناً وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء { وكفراً} أي تكذيباً كما قال تعالى: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} وقال تعالى: { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولايزيد الظالمين إلا خساراً} وقوله تعالى: { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} يعني أنه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائماً، لأنهم لا يجتمعون على حق وقد خالفوك وكذبوك. وقوله تعالى: { كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها اللّه} أي كلما عقدوا أسباباً يكيدونك بها، وكلما أبرموا أموراً يحاربونك بها أبطلها اللّه ورد كيدهم عليهم وحاق مكرهم السيء بهم { ويسعون في الأرض فساداً واللّه لا يحب المفسدين} أي من سجيتهم أنهم دائماً يسعون في الإفساد في الأرض فساداً، واللّه لا يحب من هذه صفته، ثم قال جلَّ وعلا: { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا} أي لو أنهم آمنوا باللّه ورسوله، واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم { لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم} ، أي لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود، { ولو أنهم أقاموا التوراة والأنجيل وما أنزل إليهم من ربهم} قال ابن عباس: هو القرآن، { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} ، أي لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث اللّه به محمداً صلى اللّه عليه وسلم، فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتماً لا محالة. وقوله تعالى: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء، والنابت لهم من الأرض، وقال ابن عباس: { لأكلوا من فوقهم} يعني لأرسل السماء عليهم مدراراً، { ومن تحت أرجلهم} يعني يخرج من الأرض بركاتها، كما قال تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض} الآية، وقال تعالى: { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} الآية. وقال بعضهم: معناه { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} يعني من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء. وقد ذكر ابن أبي حاتم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (يوشك أن يرفع العلم)، فقال زياد بن لبيد يا رسول اللّه وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا فقال: (ثكلتك أمك يا ابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى فما أغنى عنهم حين تركوا أمر اللّه، ثم قرأ: { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} ، وقوله تعالى: { منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون} كقوله { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله عزَّ وجلَّ: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن اللّه ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها} الآية، والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة.

تفسير الجلالين

{ ولو أن أهل الكتاب آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم { واتقوا } الكفر { لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب آمَنُوا وَاتَّقَوْا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب } وَهُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , { آمَنُوا } بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوا مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ . { وَاتَّقَوْا } مَا نَهَاهُمْ اللَّه عَنْهُ فَاجْتَنَبُوهُ . { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ } وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9563 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب آمَنُوا وَاتَّقَوْا } يَقُول : آمَنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَاتَّقَوْا مَا حَرَّمَ اللَّه . { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب آمَنُوا وَاتَّقَوْا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب } وَهُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , { آمَنُوا } بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوا مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ . { وَاتَّقَوْا } مَا نَهَاهُمْ اللَّه عَنْهُ فَاجْتَنَبُوهُ . { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ } وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9563 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب آمَنُوا وَاتَّقَوْا } يَقُول : آمَنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَاتَّقَوْا مَا حَرَّمَ اللَّه . { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ } .' يَقُول : مَحَوْنَا عَنْهُمْ ذُنُوبهمْ , فَغَطَّيْنَا عَلَيْهَا وَلَمْ نَفْضَحهُمْ بِهَا .يَقُول : مَحَوْنَا عَنْهُمْ ذُنُوبهمْ , فَغَطَّيْنَا عَلَيْهَا وَلَمْ نَفْضَحهُمْ بِهَا .' يَقُول : وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ بَسَاتِين يَنْعَمُونَ فِيهَا فِي الْآخِرَة .يَقُول : وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ بَسَاتِين يَنْعَمُونَ فِيهَا فِي الْآخِرَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولو أن أهل الكتاب} (أن) في موضع رفع، وكذا { ولو أنهم أقاموا التوراة} . { آمنوا} صدقوا. { واتقوا} أي الشرك والمعاصي. { لكفرنا عنهم} اللام جواب (لو). وكفرنا غطينا، وقد تقدم. وإقامة التوراة والإنجيل العمل بمقتضاهما وعدم تحريفهما؛ وقد تقدم هذا المعنى في (البقرة) مستوفى. { وما أنزل إليهم من ربهم} أي القرآن. وقيل : كتب أنبيائهم. { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} قال ابن عباس وغيره : يعني المطر والنبات؛ وهذا يدل على أنهم كانوا في جدب. وقيل : المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم ولأكلوا أكلا متواصلا؛ وذكر فوق وتحت للمبالغة فيما يفتح عليهم من الدنيا؛ ونظير هذه الآية { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق : 2] ، { وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءا غدقا} [الجن : 16] { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} [الأعراف : 96] فجعل تعالى التقى من أسباب الرزق كما في هذه الآيات، ووعد بالمزيد لمن شكر فقال { لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم : 7] ، ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصدا - وهم المؤمنون منهم كالنجاشي وسلمان وعبدالله بن سلام - اقتصدوا فلم يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما. وقد : أراد بالاقتصاد قوما لم يؤمنوا، ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين، والله أعلم. والاقتصاد الاعتدال في العمل؛ وهو من القصد، والقصد إتيان الشيء؛ تقول : قصدته وقصدت له وقصدت إليه بمعنى. { ساء ما يعملون} أي بئس شيء عملوه؛ كذبوا الرسل، وحرفوا الكذب وأكلوا السحت.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 64 - 66


سورة المائدة الايات 65 - 67

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا القول يدل على أن أهل الكتاب جميعاً في غير حظيرة الإيمان، والحق يوضح لهم: إن فسادهم كان سابقاً على ظهور الإسلام، ولهذا جاء الإسلام ليخرج الناس من فسادكم أنتم. لقد كان لكم منهج من الله ولكنكم حرّفتموه، وإن لكم رسلاً أرسلهم الله إليكم ولكنكم أسأتم إليهم، وطقوساً دينية ابتدعتموها. وجاء الإسلام لا ليهدي الملاحدة فقط، ولكن ليهدي أيضاً الذين أضلهم أرباب أهل الكتاب. وكانوا من بعد الإسلام يحاربون الإسلام بالاستشراق، وكانوا يؤلفون الكتب ليطعنوا الإسلام. لكنهم وجدوا أن الناس تنصرف عنهم؛ لذلك جاءوا بمن يمدح الإسلام ويدس في أثناء المديح ما يفسد عقيدة المسلمين.

إننا نجد بعضاً من المؤلفات تتحدث عن عظمة الإسلام تأتي من الغرب، ولكنهم يحاولون الطعن من باب خلفي كأن يقولوا: إن محمداً عبقري نادر في تاريخ البشرية ويبنون كل القول على أساس أن ما جاء به محمد هو من باب العبقرية البشرية، لا من باب الرسالة والنبوة. ونجد مثالاً على ذلك رجلاً أوروبياً يؤلف كتاباً عن مائة عظيم في العالم ويضع محمداً صلى الله عليه وسلم على رأسهم جميعاً. ونقول له: شكراً: ولكن لماذا لم تؤمن أنت برسالة محمد بن عبد الله؟

إن شهادتهم لنا لا تهمنا في كثير أو في قليل. لقد هاجمونا من قبل بشكل علني. ويحاولون الآن الهجوم علينا بشكل مستتر. وهم أخذوا بعضاً من أبناء البلاد الإسلامية ليربوهم في مدارس الغرب وجامعاته من أجل أن يجعلوا من هؤلاء الشباب دعاة لقضاياهم في إفساد المسلمين، ولم ينجحوا إلا مع القليل؛ لذلك نقول لشبابنا: احذروا أن تكونوا المفسدين وتدعوا أنكم المصلحون، فلا تأخذوا المسألة بالطلاء الخارجي ولكن انظروا إلى عمق القضايا، وتذكروا قول الحق:
{  قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }
[الكهف: 103-104].

علينا أن نرقب كل فساد في الكون، وسنجد أن لأصابع أعداء الإسلام أثراً واضحاً. لقد كان من اجتراء الصهيونية إلى حد الوقاحة أن تقول: ليطمئن شعب الله المختار، فثمانون في المائة من وسائل الإعلام في العالم خاضعة لإرادتنا ولا يمكن أن يُعلم فيها إلا ما نحب أن يُعْلَم. والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ آمَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ } [المائدة: 65].

فسبحانه وتعالى بهذه الآية يقدم الفرصة لهؤلاء الناس حتى يدخلوا إلى حظيرة الإيمان ويستغفروا الله عن خطاياهم الماضية وليبدأوا حياة جيدة على نقاء وصفاء بدلاً من التحريف والتضليل. وليعرفوا معرفة حقة قوله تعالى في رسوله: { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }.

هذا القول يجب أن يتهافت إليه غير المسلمين مع المسلمين ليأخذوا من ينبوع الرحمة، وفي ذلك تصفية عقدية شاملة لكل إنسان أن يبدأ طريق إصلاح نفسه.وقوله الحق: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ آمَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ } إنما يدعوهم إلى الإيمان والتقوى. والإيمان محله القلب، أي أن يستقر في القلب الاعتقادُ بوجود إله أعلى، ونؤمن بالبلاغ عن الإله الأعلى بواسطة الرسل، وأن نؤمن بالرسل وبالمناهج التي جاءوا بها، وأن نتبع هذه المناهج، وأن نؤمن بأن المرجع إلى الله، هذا الإيمان ينعكس على الحركة الإيمانية في الأرض، ويحقق الإيمانُ مع التقوى اتجاهَ الإنسان إلى الصالح من العمل. وأن يبتعد عن غير الصالح من العمل اتباعاً لقول الحق:
{  وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ }
[العصر: 1-3].

ولذلك نجد قولاً لأحد العلماء الصالحين من العرب هو: إن الإيمان كالْعُمُد والأعمال كالأطناب. وعرف أن كل بيت له أساس من الأعمدة، وله أوتاد تثبته. والخيمة العربية هي بيت من القماش السميك على عمود من الخشب وتشد الخيمة إلى الأوتاد بحبال، وهذه الحبال هي الأطناب ولا تقوم الخيمة إلا إذا ربطت بأحبال وشدت إلى أوتاد. وكان العربي يفك هذه الخيمة، ويحملها على ظهر بعيره لينصبها في أي مكان. وكان العربي يختار القماش الذي إن نزل عليه المطر، يمتص الماء ويمنع سقوطه داخل الخيمة.

إذن فالإيمان عمود، والأعمال أطناب، وهكذا تكون دعوة الحق لأهل الكتاب حتى يؤمنوا ويتقوا الله حتى يكفر عنهم سئياتهم، والكفر - كما نعرف - هو الستر والتغطية والعفو هو محو الأثر، كأن الحق سيغطي على سيئاتهم ثم يمحو أثرها وذلك بأن يعفو عنها؛ لأن الإسلام إنما جاء رحمة يجب أن تستغل ليكفر الحق عن سيئاتهم التي ضللوا بها شعوبهم.

لقد كان من الواجب عليهم أن يعرفوا أن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فرصة للتراجع عن الكفر والبهتان. وقد جاء صلى الله عليه وسلم ليقيم تصفية عقدية في الكون، فالملحد يجب عليه أن يتعرف على خالق الوجود ويؤمن به، والمبدل لمنهج الله ينبغي أن يعود إلى منهج الله. وتلك هي التصفية العقدية الشاملة.

ويقول الحق بعد ذلك: { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ... }


www.alro7.net