سورة
اية:

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا

تفسير بن كثير

هذا إنكار من اللّه عزَّ وجلَّ على من يدعي الإيمان بما أنزل اللّه على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب اللّه وسنّة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار، ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنّة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا، ولهذا قال: { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} إلى آخرها، وقوله: { ويصدون عنك صدوداً} أي يعرضون عنك إعراضاً كالمستكبرين عن ذلك كما قال تعالى عن المشركين: { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل اللّه قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} . ثم قال تعالى في ذم المنافقين: { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم} أي فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك؟ { ثم جاؤك يحلفون باللّه إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً} أي يعتذرون إليك ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق أي المداراة والمصانعة لا اعتقاداً منا صحة تلك الحكومة، كما في قوله تعالى: { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم} ، عن ابن عباس قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المشركين فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ { ألم ترى إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك - إلى قوله - إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً} ""رواه الطبراني"". ثم قال تعالى: { أولئك الذين يعلم اللّه ما في قلوبهم} هذا الضرب من الناس هم المنافقون والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم، ولهذا قال له: { فأعرض عنهم} أي لا تعنفهم على ما في قلوبهم، { وعظهم} أي وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر، { وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} أي وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم

تفسير الجلالين

{ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } من النفاق وكذبهم في عذرهم { فأعرض عنهم } بالصفح { وعِظهم } خوِّفهم الله { وقل لهم في } شأن { أنفسهم قولا بليغا } مؤثرا فيهم أي أزجرهم ليرجعوا عن كفرهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَم اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ } هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ وَصَفْت لَك يَا مُحَمَّد صِفَتهمْ , يَعْلَم اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ - فِي اِحْتِكَامهمْ إِلَى الطَّاغُوت , وَتَرْكهمْ الِاحْتِكَام إِلَيْك , وَصُدُودهمْ عَنْك - مِنْ النِّفَاق وَالزَّيْغ , وَإِنْ حَلَفُوا بِاَللَّهِ مَا أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا , الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَم اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ } هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ وَصَفْت لَك يَا مُحَمَّد صِفَتهمْ , يَعْلَم اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ - فِي اِحْتِكَامهمْ إِلَى الطَّاغُوت , وَتَرْكهمْ الِاحْتِكَام إِلَيْك , وَصُدُودهمْ عَنْك - مِنْ النِّفَاق وَالزَّيْغ , وَإِنْ حَلَفُوا بِاَللَّهِ مَا أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ,' يَقُول : فَدَعْهُمْ فَلَا تُعَاقِبهمْ فِي أَبْدَانهمْ وَأَجْسَامهمْ , وَلَكِنْ عِظْهُمْ بِتَخْوِيفِك إِيَّاهُمْ بَأْس اللَّه أَنْ يَحِلّ بِهِمْ , وَعُقُوبَته أَنْ تَنْزِل بِدَارِهِمْ , وَحَذِّرْهُمْ مِنْ مَكْرُوه مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّكّ فِي أَمْر اللَّه وَأَمْر رَسُوله .يَقُول : فَدَعْهُمْ فَلَا تُعَاقِبهمْ فِي أَبْدَانهمْ وَأَجْسَامهمْ , وَلَكِنْ عِظْهُمْ بِتَخْوِيفِك إِيَّاهُمْ بَأْس اللَّه أَنْ يَحِلّ بِهِمْ , وَعُقُوبَته أَنْ تَنْزِل بِدَارِهِمْ , وَحَذِّرْهُمْ مِنْ مَكْرُوه مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّكّ فِي أَمْر اللَّه وَأَمْر رَسُوله .' يَقُول : مُرْهُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّه وَالتَّصْدِيق بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَوَعْده وَوَعِيده.يَقُول : مُرْهُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّه وَالتَّصْدِيق بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَوَعْده وَوَعِيده.'

تفسير القرطبي

أي ‏} ‏فكيف‏} ‏ يكون حالهم، أو ‏} ‏فكيف‏} ‏ يصنعون ‏} ‏إذا أصابتهم مصيبة‏} ‏ أي ترك الاستعانة بهم، وما يلحقهم من الذل في قوله‏ { ‏فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ‏} ‏التوبة‏:‏ 83‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ يريد قتل صاحبهم ‏} ‏بما قدمت أيديهم ‏} ‏وتم الكلام‏.‏ ثم ابتدأ يخبر عن فعلهم؛ وذلك أن عمر لما قتل صاحبهم جاء قومه يطلبون ديته ويحلفون ما نريد بطلب ديته إلا الإحسان وموافقة الحق‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة إلا التوفيق بين الخصوم، والإحسان بالتقريب في الحكم‏.‏ ابن كيسان‏:‏ عدلا وحقا؛ نظيرها ‏} ‏وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى‏} ‏التوبة‏:‏ 107‏]‏‏.‏ فقال الله تعالى مكذبا لهم‏ { ‏أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ‏} ‏قال الزجاج‏:‏ معناه قد علم الله أنهم منافقون‏.‏ والفائدة لنا‏:‏ اعلموا أنهم منافقون‏.‏ ‏} ‏فأعرض عنهم‏} ‏ قيل‏:‏ عن عقابهم‏.‏ وقيل‏:‏ عن قبول اعتذارهم ‏} ‏وعظهم‏} ‏ أي خوفهم‏.‏ قيل في الملأ‏.‏ ‏} ‏وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا‏} ‏ أي ازجرهم بأبلغ الزجر في السر والخلاء‏.‏ الحسن‏:‏ قل لهم إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم‏.‏ وقد بلغ القول بلاغة؛ ورجل بليغ يبلغ بلسانه كنه ما في قلبه‏.‏ والعرب تقول‏:‏ أحمق بلغ وبلغ، أي نهاية في الحماقة‏.‏ وقيل‏:‏ معناه يبلغ ما يريد وإن كان أحمق‏.‏ ويقال‏:‏ إن قوله تعالى‏ { ‏فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ‏} ‏نزل في شأن الذين بنوا مسجد الضرار؛ فلما أظهر الله نفاقهم، وأمرهم بهدم المسجد حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم‏:‏ ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 59 - 65

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وناهيك بعلم الله، ولذلك يقول ربنا:
{  وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ }
[محمد: 30].

يعني: نحن لو شئنا أن نقول لك من هم لقلنا لك ودللناك عليهم حتى تعرفهم بأعيانهم، ولكن الله ستر عليهم إبقاء عليهم لعلهم يتوبون، ولتعرفنهم من فحوى كلامهم وأسلوبهم.

{ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } لقد ذهبوا ليتحاكموا إلى الطاغوت، وقد ذهبوا إلى هناك لعلمهم أنهم ليسوا على حق، ولأنهم إن ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسيحكم بالحق، والحق يضارُّهم ويُضايقهم، فهل كانوا بالفعل يريدون إحساناً وتوفيقاً، أو كانوا لا يريدون الحق؟. لقد أرادوا الحكم المزور.

لذلك يأتي الأمر من الحق لرسوله: { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ }؛ لأنك إن عاقبتهم فقد أخذت منهم حقك، والله يريد أن يبقي حقك ليقتص - سبحانه - لك منهم، وأعرض أيضاً عنهم لأننا نريد أن يُظهر منهم في كل فترة شيئاً لنعلم المجتمع الإيماني اليقظة إلى أن هناك أناساً مدسوسين بينهم، لذلك لا بد من الحذر والتدبر. كما أنك إذا أعرضت عنهم أسقطتهم من حساب دعوتك.

" وعظهم " أي قل لهم: استحوا من أفعالكم. { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } أي قل لهم قولاً يبلغ الغاية من النفس البشرية ويبلغ الغاية من الوعظ، أي يوعدهم الوعيد الذي يخيفهم كي يبلغ من أنفسهم مبلغاً، أو { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } أي أفضح لهم ما يسترون؛ كي يعرفوا أن الله مطلعك على ما في أنفسهم فيستحوا من فعلهم ولا يفعلوه، قل لهم ذلك بدون أن تفضحهم أمام الناس؛ لأن عدم فضحهم أمام الناس يجعل فيهم شيئا من الحياء، وأيضاً لأن العظة تكون ذات أثر طيب إذا كان الواعظ في خلوة مع الموعوظ فيناجيه ولا يفضحه، ففضح الموعوظ أمام الناس ربما أثار فيه غريزة العناد، لكن عندما تعظه في السرّ يعرف أنك لا تزال به رحيماً، ولا تزال تعامله بالرفق والحسنى.

{ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } وإنك لو فعلت ذلك علناً فستعطي الأسوة لغيرك أن يفعل. والله قد أطلعك على ما في قلوب هؤلاء من الكفر أما غيرك فلا يطلعه الله على غيب ولو رمى أحداً بذنب أو كفر فلعله لا يصادف الحق والواقع وتشريعنا يقول لنا: " ادرأوا الحدود بالشبهات ".

والتطبيق لهذا التشريع نجده عندما يتم القبض على سارق، لكن هناك شبهة في الاتهام، هذه الشبهة يجب أن تفسر في صالح المتهم، وندرأ الحد لوجود شبهة؛ فليس من مصلحة المسلمين أن نقول كل يوم: إننا قطعنا يد سارق أو رجمنا زانية. لكن إذا افتضحت الجرائم وليس في ارتكابها شبهة والمسألة واضحة فلا بد أن نضرب على أيدي المجرمين.فنحن ندرأ الحد بالشبهة حتى لا نلحق ضرراً أو ننال من بريء، ونطق الحد حتى يرتدع كل من تسول له نفسه أمراً محرّما حتى لا يرتكب الأمر المحرّم. وعندما يقام الحدّ في أي بيئة، فإنه لا يقام إلا لفترة قليلة وتتراجع بعدها الجرائم، ولا يرى أحد سارقاً أو زانياً.

إذن فقول الله: { وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } يعني: قل لهم ما يهددهم تهديداً يصل إلى أعماق نفوسهم، أو { وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ } بأن تكشف مستورات عيوبهم أو قل لهم في أنفسهم بينك وبينهم؛ لأن هذا أدعي إلى أن يتقبلوه منك ولا يوغر صدورهم ويثير فيهم غريزة العناد.

ويقول الحق بعد ذلك: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ... }.


www.alro7.net