سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ...} الآية. [62].
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر الحافظ، حدَّثنا أبو يحيى الرازي، حدَّثنا سهل بن عثمان العسكري، حدَّثنا يحيى بن أبي زائدة قال: قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: لما قص سَلْمَان على النبي صلى الله عليه وسلم، قصة أصحاب الدير، قال: هم في النار. قال سلمان: فأظلمت عليّ الأرض، فنزلت: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} إلى قوله: { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قال: فكأنما كشِف عني جبل.
أخبرني محمد بن عبد العزيز المَرْوَزِيّ، أخبرنا محمد بن الحسين الحدّادِي، أخبرنا أبو يزيد، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عمرو، عن أسباط، عن السُّدِّيّ: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ..} الآية، قال: نزلت في أصحاب سلمان الفارسي لما قدم سلمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل يخبر عن عبادتهم واجتهادهم، وقال: يا رسول الله. كانوا يصلون ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك تبعث نبيِّاً. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا سلمان هم من أهل النار، فأنزل الله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} وتلا إلى قوله: { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .
أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر، أخبرنا محمد بن عبد الله بن زكرياء، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدّغولي، أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ...} الآية، نزلت هذه الآية في سلمان الفارسي.
وكان من أهل جُنْدَيْسَابُور من أشرافهم، وما بعد هذه الآية نازلة في اليهود.

تفسير بن كثير

لما بيّن تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدّى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم، وما أحلّ بهم من النكال، نبّه تعالى على أن من أحسن من الأُمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة، كلُّ من اتبع الرسول النبي الأُمّي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه كما قال تعالى: { ألا إن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} عن مجاهد قال: قال سلمان رضي اللّه عنه: سألت النبي صلى اللَه عليه وسلم عن أهل دين كنتُ معهم فذكرت من صَلاتهم وعبادتهم، فنزلت: { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن باللّه واليوم الآخر} إلى آخر الآية. وقال السُّدي: نزلت في أصحاب ""سلمان الفارسي""بينا هو يحدِّث النبي صلى اللَه عليه وسلم إذا ذكر أصحابه فأخبروه خبرهم فقال: كانوا يصلون، ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبياً، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له النبي صلى اللَه عليه وسلم : يا سلمان هم من أهل النار( فاشتد ذلك على سلمان فأنزل اللّه هذه الآية فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنّة موسى عليه السلام حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسُنَّة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكاً، وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمناً مقبولاً منه حتى جاء محمد صلى اللَه عليه وسلم فمن لم يتبع محمداً صلى اللَه عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكاً. قلت وهذا لا ينافي ما روي عن ابن عباس { إن الذين آمنوا والذين هادوا} الآية قال: فأنزل اللّه بعد ذلك: { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقه ولا عملاً إلا ما كان موافقاً لشريعة محمد صلى اللَه عليه وسلم بعد أن بعثه بما بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى عليه السلام الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم، واليهود من الهوادة وهي المودة أو التهود وهي التوبة كقول موسى عليه السلام: { إنا هدنا إليك} أي تبنا فكأنَّهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض، وقيل: لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب، فلما بعث عيسى صلى اللَه عليه وسلم وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم أنصار أيضاً كما قال عيسى عليه السلام: { من أنصاري إلى الله؟ قال الحوارين نحن أنصار الله} وقيل إنهم إنما سموا بذلك من أجل أنّهم نزلوا أرضاً يقال لها ناصرة، قاله قتادة وروي عن ابن عباس أيضاً، واللّه أعلم. فلما بعث اللّه محمداً صلى اللَه عليه وسلم خاتما للنبيين ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً وسمِّيت أُمّة محمد صلى اللَه عليه وسلم مؤمنين لكثرة إيمانهم، وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية. وأما الصابئون فقد اختلف فيهم فقال مجاهد: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين، وقال أبو العالية والضحّاك: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور، ولهذا قال أبو حنيفة وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم، وقال أبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة ويقرءون الزبور ويصلُّون للقبلة، وسئل وهب بن منبه عن الصابئين فقال: الذي يعرف اللّه وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يُحْدث كفراً، وقال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: (لا إله إلا الله) وليس لهم عمل ولا كتابٌ ولا نبيٌّ إلا قول: لا إله إلا اللّه، قال: ولم يمنوا برسول فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي صلى اللَه عليه وسلم وأصحابه: هؤلاء الصابئون يشبِّهونهم بهم يعني في قول: (لا إله إلا اللّه( وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام، قال القرطبي: والذي تحصَّل من مذهبهم فيما ذكره بعض العلماء أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم وأنها فاعلة، ولهذا أفتى أبو سعيد الأصطخري بكفرهم للقادر باللّه حين سأله عنهم واختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن اللّه جعلها قبلة للعباد والدعاء أو بمعنى أن اللّه فوّض تدبير أمر هذا العالم إليها. وأظهرُ الأقوال - واللّه أعلم - قول مجاهد ومتابعيه ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه، ولهذا كان المشركون ينبذون من أسلم بالصابئ، أي أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك، وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ إن الذين آمنوا } بالأنبياء من قبل { والذين هادوا } هم اليهود { والنصارى والصابئين } طائفة من اليهود أو النصارى { من آمن } منهم { بالله واليوم الآخر } في زمن نبينا { وعمل صالحاً } بشريعته { فلهم أجرهم } أي ثواب أعمالهم { عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } رُوعي في ضمير آمن وعمل لفظ من وفيما بعده معناها .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَهُمْ الْمُصَدِّقُونَ رَسُول اللَّه فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِنْ عِنْد اللَّه , وَإِيمَانهمْ بِذَلِكَ : تَصْدِيقهمْ بِهِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا . وَأَمَّا الَّذِينَ هَادُوا , فَهُمْ الْيَهُود , وَمَعْنَى هَادُوا : تَابُوا , يُقَال مِنْهُ : هَادَ الْقَوْم يَهُودُونَ هَوْدًا وَهَادَة . وَقِيلَ : إنَّمَا سُمِّيَتْ الْيَهُود يَهُود مِنْ أَجْل قَوْلهمْ : { إنَّا هُدْنَا إلَيْك } . 7 156 914 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : إنَّمَا سَمَّيْت الْيَهُود مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ قَالُوا : { إنَّا هُدْنَا إلَيْك } . 7 156 الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَهُمْ الْمُصَدِّقُونَ رَسُول اللَّه فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِنْ عِنْد اللَّه , وَإِيمَانهمْ بِذَلِكَ : تَصْدِيقهمْ بِهِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا . وَأَمَّا الَّذِينَ هَادُوا , فَهُمْ الْيَهُود , وَمَعْنَى هَادُوا : تَابُوا , يُقَال مِنْهُ : هَادَ الْقَوْم يَهُودُونَ هَوْدًا وَهَادَة . وَقِيلَ : إنَّمَا سُمِّيَتْ الْيَهُود يَهُود مِنْ أَجْل قَوْلهمْ : { إنَّا هُدْنَا إلَيْك } . 7 156 914 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : إنَّمَا سَمَّيْت الْيَهُود مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ قَالُوا : { إنَّا هُدْنَا إلَيْك } . 7 156 ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالنَّصَارَى } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالنَّصَارَى جَمْع , وَاحِدهمْ نَصْرَان , كَمَا وَاحِد سُكَارَى سَكْرَان , وَوَاحِد النَّشَاوَى نَشْوَان . وَكَذَلِكَ جَمْع كُلّ نَعْت كَانَ وَاحِده عَلَى فِعْلَان , فَإِنَّ جَمَعَهُ عَلَى فَعَالَى ; إلَّا أَنَّ الْمُسْتَفِيض مِنْ كَلَام الْعَرَب فِي وَاحِد النَّصَارَى نَصْرَانِيّ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمْ سَمَاعًا " نَصْرَان " بِطَرْحِ الْيَاء , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : تَرَاهُ إذَا زَارَ الْعَشِيّ مُحَنِّفًا وَيُضْحِي لَدَيْهِ وَهُوَ نَصْرَان شَامِس وَسُمِعَ مِنْهُمْ فِي الْأُنْثَى نَصْرَانَة , قَالَ الشَّاعِر : فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَد رَأَسَهَا كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَة لَمْ تَحَنَّف يُقَال : أَسْجُد : إذَا مَال . وَقَدْ سُمِعَ فِي جَمْعهمْ أَنْصَار بِمَعْنَى النَّصَارَى , قَالَ الشَّاعِر : لَمَا رَأَيْت نَبَطًا أَنْصَارَا شَمَّرْت عَنْ رُكْبَتَيْ الْإِزَارَا كُنْت لَهُمْ مِنْ النَّصَارَى جَارَا وهذه الأبيات الَّتِي ذَكَرْتهَا تَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ سُمُّوا نَصَارَى لِنُصْرَةِ بَعْضهمْ بَعْضًا وَتَنَاصُرهمْ بَيْنهمْ . وَقَدْ قِيلَ إنَّهُمْ سُمُّوا نَصَارَى مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَال لَهَا " نَاصِرَة " . 915 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ : النَّصَارَى إنَّمَا سُمُّوا نَصَارَى مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَال لَهَا نَاصِرَة . وَيَقُول آخَرُونَ : لِقَوْلِهِ : { مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّه } . 61 14 وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ ابْن عَبَّاس مِنْ طَرِيق غَيْر مُرْتَضَى أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إنَّمَا سُمِّيَتْ النَّصَارَى نَصَارَى , لِأَنَّ قَرْيَة عِيسَى ابْن مَرْيَم كَانَتْ تُسَمَّى نَاصِرَة , وَكَانَ أَصْحَابه يُسَمَّوْنَ النَّاصِرِيِّينَ , وَكَانَ يُقَال لِعِيسَى : النَّاصِرِيّ . 916 - حُدِّثْت بِذَلِكَ عَنْ هِشَام بْن مُحَمَّد , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس . 917 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : إنَّمَا سُمُّوا نَصَارَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا بَقَرِيَّة يُقَال لَهَا نَاصِرَة يَنْزِلهَا عِيسَى ابْن مَرْيَم , فَهُوَ اسْم تَسَمَّوْا بِهِ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى } قَالَ : تَسَمَّوْا بَقَرِيَّة يُقَال لَهَا نَاصِرَة , كَانَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَم يَنْزِلهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالنَّصَارَى } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالنَّصَارَى جَمْع , وَاحِدهمْ نَصْرَان , كَمَا وَاحِد سُكَارَى سَكْرَان , وَوَاحِد النَّشَاوَى نَشْوَان . وَكَذَلِكَ جَمْع كُلّ نَعْت كَانَ وَاحِده عَلَى فِعْلَان , فَإِنَّ جَمَعَهُ عَلَى فَعَالَى ; إلَّا أَنَّ الْمُسْتَفِيض مِنْ كَلَام الْعَرَب فِي وَاحِد النَّصَارَى نَصْرَانِيّ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمْ سَمَاعًا " نَصْرَان " بِطَرْحِ الْيَاء , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : تَرَاهُ إذَا زَارَ الْعَشِيّ مُحَنِّفًا وَيُضْحِي لَدَيْهِ وَهُوَ نَصْرَان شَامِس وَسُمِعَ مِنْهُمْ فِي الْأُنْثَى نَصْرَانَة , قَالَ الشَّاعِر : فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَد رَأَسَهَا كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَة لَمْ تَحَنَّف يُقَال : أَسْجُد : إذَا مَال . وَقَدْ سُمِعَ فِي جَمْعهمْ أَنْصَار بِمَعْنَى النَّصَارَى , قَالَ الشَّاعِر : لَمَا رَأَيْت نَبَطًا أَنْصَارَا شَمَّرْت عَنْ رُكْبَتَيْ الْإِزَارَا كُنْت لَهُمْ مِنْ النَّصَارَى جَارَا وهذه الأبيات الَّتِي ذَكَرْتهَا تَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ سُمُّوا نَصَارَى لِنُصْرَةِ بَعْضهمْ بَعْضًا وَتَنَاصُرهمْ بَيْنهمْ . وَقَدْ قِيلَ إنَّهُمْ سُمُّوا نَصَارَى مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَال لَهَا " نَاصِرَة " . 915 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ : النَّصَارَى إنَّمَا سُمُّوا نَصَارَى مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَال لَهَا نَاصِرَة . وَيَقُول آخَرُونَ : لِقَوْلِهِ : { مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّه } . 61 14 وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ ابْن عَبَّاس مِنْ طَرِيق غَيْر مُرْتَضَى أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إنَّمَا سُمِّيَتْ النَّصَارَى نَصَارَى , لِأَنَّ قَرْيَة عِيسَى ابْن مَرْيَم كَانَتْ تُسَمَّى نَاصِرَة , وَكَانَ أَصْحَابه يُسَمَّوْنَ النَّاصِرِيِّينَ , وَكَانَ يُقَال لِعِيسَى : النَّاصِرِيّ . 916 - حُدِّثْت بِذَلِكَ عَنْ هِشَام بْن مُحَمَّد , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس . 917 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : إنَّمَا سُمُّوا نَصَارَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا بَقَرِيَّة يُقَال لَهَا نَاصِرَة يَنْزِلهَا عِيسَى ابْن مَرْيَم , فَهُوَ اسْم تَسَمَّوْا بِهِ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى } قَالَ : تَسَمَّوْا بَقَرِيَّة يُقَال لَهَا نَاصِرَة , كَانَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَم يَنْزِلهَا . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالصَّابِئِينَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّابِئُونَ جَمْع صَابِئ , وَهُوَ الْمُسْتَحْدِث سِوَى دِينه دِينًا , كَالْمُرْتَدِّ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام عَنْ دِينه . وَكُلّ خَارِج مِنْ دِين كَانَ عَلَيْهِ إلَى آخَر غَيْره تُسَمِّيه الْعَرَب صَابِئًا , يُقَال مِنْهُ : صَبَأَ فُلَان يَصْبَأ صَبْأً , وَيُقَال : صَبَأَتْ النُّجُوم : إذَا طَلَعَتْ , وَصَبَأَ عَلَيْنَا فُلَان مَوْضِع كَذَا وَكَذَا , يَعْنِي بِهِ طَلَعَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ يَلْزَمهُ هَذَا الِاسْم مِنْ أَهْل الْمِلَل . فَقَالَ بَعْضهمْ : يَلْزَم ذَلِكَ كُلّ مَنْ خَرَجَ مِنْ دِين إلَى غَيْر دِين . وَقَالُوا : الَّذِينَ عَنَى اللَّه بِهَذَا الِاسْم قَوْم لَا دِين لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 918 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق جَمِيعًا , عَنْ سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { الصَّابِئُونَ } لَيْسُوا بِيَهُودَ وَلَا نَصَارَى وَلَا دِين لَهُمْ . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْحَجَّاج بْن أَرَطْأَة , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بزة , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 919 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حِكَام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الصَّابِئُونَ بَيْن الْمَجُوس وَالْيَهُود لَا تُؤْكَل ذَبَائِحهمْ وَلَا تُنْكَح نِسَاؤُهُمْ . 920 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حِكَام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ حَجَّاج , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ الْحَسَن مِثْل ذَلِكَ . 921 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح : الصَّابِئِينَ بَيْن الْيَهُود وَالْمَجُوس لَا دِين لَهُمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم ; قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِد : الصَّابِئِينَ بَيْن الْمَجُوس وَالْيَهُود , لَا دِين لَهُمْ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : قُلْت لِعَطَاءٍ : " الصَّابِئِينَ " زَعَمُوا أَنَّهَا قَبِيلَة مِنْ نَحْو السَّوَاد لَيْسُوا بِمَجُوسٍ وَلَا يَهُود وَلَا نَصَارَى . قَالَ : قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ , وَقَدْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ : قَدْ صَبَأَ . 922 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { الصَّابِئُونَ } قَالَ : الصَّابِئُونَ : دِين مِنْ الْأَدْيَان , كَانُوا بِجَزِيرَةِ الْمُوصِل يَقُولُونَ : " لَا إلَه إلَّا اللَّه " , وَلَيْسَ لَهُمْ عَمَل وَلَا كِتَاب وَلَا نَبِيّ إلَّا قَوْل لَا إلَه إلَّا اللَّه . قَالَ : وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّه , فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه : هَؤُلَاءِ الصَّابِئُونَ . يُشْبِهُونَهُمْ بِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة , وَيُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 923 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنِي زِيَاد : أَنَّ الصَّابِئِينَ يُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة وَيُصَلُّونَ الْخَمْس . قَالَ : فَأَرَادَ أَنْ يَضَع عَنْهُمْ الْجِزْيَة . قَالَ : فَخَبَر بَعْد أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة . 924 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { وَالصَّابِئِينَ } قَالَ : الصَّابِئُونَ قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة , وَيُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة , وَيَقْرَءُونَ الزَّبُور . 925 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة قَالَ : الصَّابِئُونَ فِرْقَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب يَقْرَءُونَ الزَّبُور . قَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيُّ : وَبَلَغَنِي أَيْضًا أَنَّ الصَّابِئِينَ قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة , وَيَقْرَءُونَ الزَّبُور , وَيُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 926 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ سُفْيَان , قَالَ : سُئِلَ السُّدِّيّ عَنْ الصَّابِئِينَ فَقَالَ : طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالصَّابِئِينَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّابِئُونَ جَمْع صَابِئ , وَهُوَ الْمُسْتَحْدِث سِوَى دِينه دِينًا , كَالْمُرْتَدِّ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام عَنْ دِينه . وَكُلّ خَارِج مِنْ دِين كَانَ عَلَيْهِ إلَى آخَر غَيْره تُسَمِّيه الْعَرَب صَابِئًا , يُقَال مِنْهُ : صَبَأَ فُلَان يَصْبَأ صَبْأً , وَيُقَال : صَبَأَتْ النُّجُوم : إذَا طَلَعَتْ , وَصَبَأَ عَلَيْنَا فُلَان مَوْضِع كَذَا وَكَذَا , يَعْنِي بِهِ طَلَعَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ يَلْزَمهُ هَذَا الِاسْم مِنْ أَهْل الْمِلَل . فَقَالَ بَعْضهمْ : يَلْزَم ذَلِكَ كُلّ مَنْ خَرَجَ مِنْ دِين إلَى غَيْر دِين . وَقَالُوا : الَّذِينَ عَنَى اللَّه بِهَذَا الِاسْم قَوْم لَا دِين لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 918 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق جَمِيعًا , عَنْ سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { الصَّابِئُونَ } لَيْسُوا بِيَهُودَ وَلَا نَصَارَى وَلَا دِين لَهُمْ . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْحَجَّاج بْن أَرَطْأَة , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بزة , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 919 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حِكَام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الصَّابِئُونَ بَيْن الْمَجُوس وَالْيَهُود لَا تُؤْكَل ذَبَائِحهمْ وَلَا تُنْكَح نِسَاؤُهُمْ . 920 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حِكَام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ حَجَّاج , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ الْحَسَن مِثْل ذَلِكَ . 921 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح : الصَّابِئِينَ بَيْن الْيَهُود وَالْمَجُوس لَا دِين لَهُمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم ; قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِد : الصَّابِئِينَ بَيْن الْمَجُوس وَالْيَهُود , لَا دِين لَهُمْ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : قُلْت لِعَطَاءٍ : " الصَّابِئِينَ " زَعَمُوا أَنَّهَا قَبِيلَة مِنْ نَحْو السَّوَاد لَيْسُوا بِمَجُوسٍ وَلَا يَهُود وَلَا نَصَارَى . قَالَ : قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ , وَقَدْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ : قَدْ صَبَأَ . 922 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { الصَّابِئُونَ } قَالَ : الصَّابِئُونَ : دِين مِنْ الْأَدْيَان , كَانُوا بِجَزِيرَةِ الْمُوصِل يَقُولُونَ : " لَا إلَه إلَّا اللَّه " , وَلَيْسَ لَهُمْ عَمَل وَلَا كِتَاب وَلَا نَبِيّ إلَّا قَوْل لَا إلَه إلَّا اللَّه . قَالَ : وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّه , فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه : هَؤُلَاءِ الصَّابِئُونَ . يُشْبِهُونَهُمْ بِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة , وَيُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 923 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنِي زِيَاد : أَنَّ الصَّابِئِينَ يُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة وَيُصَلُّونَ الْخَمْس . قَالَ : فَأَرَادَ أَنْ يَضَع عَنْهُمْ الْجِزْيَة . قَالَ : فَخَبَر بَعْد أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة . 924 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { وَالصَّابِئِينَ } قَالَ : الصَّابِئُونَ قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة , وَيُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة , وَيَقْرَءُونَ الزَّبُور . 925 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة قَالَ : الصَّابِئُونَ فِرْقَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب يَقْرَءُونَ الزَّبُور . قَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيُّ : وَبَلَغَنِي أَيْضًا أَنَّ الصَّابِئِينَ قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة , وَيَقْرَءُونَ الزَّبُور , وَيُصَلُّونَ إلَى الْقِبْلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 926 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ سُفْيَان , قَالَ : سُئِلَ السُّدِّيّ عَنْ الصَّابِئِينَ فَقَالَ : طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَعَمَل صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } مَنْ صَدَّقَ وَأَقَرَّ بِالْبَعْثِ بَعْد الْمَمَات يَوْم الْقِيَامَة وَعَمَل صَالِحًا فَأَطَاعَ اللَّه , فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ , يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ } فَلَهُمْ ثَوَاب عَمَلهمْ الصَّالِح عِنْد رَبّهمْ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَأَيْنَ تَمَام قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ } ؟ قِيلَ : تَمَامه جُمْلَة قَوْله : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } لِأَنَّ مَعْنَاهُ : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَتَرَكَ ذِكْر مِنْهُمْ لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ اسْتِغْنَاء بِمَا ذَكَرَ عَمَّا تَرَكَ ذِكْره . فَإِنْ قَالَ : وَمَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَام ؟ قِيلَ : إنَّ مَعْنَاهُ : إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ . فَإِنْ قَالَ : وَكَيْفَ يُؤْمِن الْمُؤْمِن ؟ قِيلَ : لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْمُؤْمِن الْمَعْنَى الَّذِي ظَنَنْته مِنْ انْتِقَال مِنْ دِين إلَى دِين كَانْتِقَالِ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ إلَى الْإِيمَان , وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ إنَّ الَّذِينَ عَنَوْا بِذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب عَلَى إيمَانه بِعِيسَى , وَبِمَا جَاءَ بِهِ , حَتَّى أَدْرَكَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ , فَقِيلَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِعِيسَى وَبِمَا جَاءَ بِهِ إذْ أَدْرَكُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ , وَلَكِنْ مَعْنَى إيمَان الْمُؤْمِن فِي هَذَا الْمَوْضِع ثَبَاته عَلَى إيمَانه وَتَرْكه تَبْدِيله . وَأَمَّا إيمَان الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ , فَالتَّصْدِيق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ , فَمَنْ يُؤْمِن مِنْهُمْ بِمُحَمَّدٍ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَالْيَوْم الْآخِر , وَيَعْمَل صَالِحًا , فَلَمْ يُبَدِّل وَلَمْ يُغَيِّر , حَتَّى تُوُفِّيَ عَلَى ذَلِكَ , فَلَهُ ثَوَاب عَمَله وَأَجْره عِنْد رَبّه , كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قَالَ : فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ , وَإِنَّمَا لَفْظه مِنْ لَفْظ وَاحِد , وَالْفِعْل مَعَهُ مُوَحَّد ؟ قِيلَ : " مَنْ " وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَلِيه مِنْ الْفِعْل مُوَحَّدًا , فَإِنَّ مَعْنَى الْوَاحِد وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع وَالتَّذْكِير وَالتَّأْنِيث , لِأَنَّهُ فِي كُلّ هَذِهِ الْأَحْوَال عَلَى هَيْئَة وَاحِدَة وَصُورَة وَاحِدَة لَا يَتَغَيَّر , فَالْعَرَب تُوَحِّد مَعَهُ الْفِعْل وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى جَمْع لِلَفْظِهِ , وَتَجْمَع أُخْرَى مَعَهُ الْفِعْل لِمَعْنَاهُ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْك أَفَأَنْت تُسْمِع الصُّمّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُر إلَيْك أَفَأَنْت تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ } 10 42 : 43 فَجَمَعَ مُرَّة مَعَ مَنْ الْفِعْل لِمَعْنَاهُ , وَوَحَّدَ أُخْرَى مَعَهُ الْفِعْل ; لِأَنَّهُ فِي لَفْظ الْوَاحِد , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إنْ عَرَضْتُمَا وَقُولَا لَهَا عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا فَقَالَ : تَخَلَّفُوا , وَجَعَلَ " مَنْ " بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ . وَقَالَ الْفَرَزْدَق : تَعَالَ فَإِنْ عَاهَدْتنِي لَا تَخُوننِي نَكُنْ مِثْل مَنْ يَا ذِئْب يَصْطَحِبَانِ فَثَنَّى يَصْطَحِبَانِ لِمَعْنَى " مَنْ " . فَكَذَلِكَ قَوْله : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ } وَحَّدَ آمَنَ وَعَمَل صَالِحًا لِلَّفْظِ مِنْ , وَجَمَعَ ذِكْرهمْ فِي قَوْله : { فَلَهُمْ أَجْرهمْ } لِمَعْنَاهُ , لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى جَمْع . وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ جَلَّ ذِكْره : وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ فِيمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَهْوَال الْقِيَامَة , وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا وَعَيْشهَا عِنْد مُعَايَنَتهمْ مَا أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ مِنْ الثَّوَاب وَالنَّعِيم الْمُقِيم عِنْده . ذِكْر مَنْ قَالَ عَنَى بِقَوْلِهِ : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ } مُؤْمِنُو أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 927 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ السُّدِّيّ : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا } الْآيَة , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَصْحَاب سَلْمَان الْفَارِسِيّ , وَكَانَ سَلْمَان مِنْ جندسابور , وَكَانَ مِنْ أَشْرَافهمْ , وَكَانَ ابْن الْمَلِك صَدِيقًا لَهُ مُوَاخِيًا , لَا يَقْضِي وَاحِد مِنْهُمْ أَمْرًا دُون صَاحِبه , وَكَانَا يَرْكَبَانِ إلَى الصَّيْد جَمِيعًا . فَبَيْنَمَا هُمَا فِي الصَّيْد إذْ رَفَعَ لَهُمَا بَيْت مِنْ عَبَاء , فَأَتَيَاهُ فَإِذَا هُمَا فِيهِ بِرَجُلٍ بَيْن يَدَيْهِ مُصْحَف يَقْرَأ فِيهِ وَهُوَ يَبْكِي , فَسَأَلَاهُ مَا هَذَا , فَقَالَ : الَّذِي يُرِيد أَنْ يَعْلَم هَذَا لَا يَقِف مَوْقِفكُمَا , فَإِنْ كُنْتُمَا تُرِيدَانِ أَنْ تَعْلَمَا مَا فِيهِ فَانْزِلَا حَتَّى أَعِلْمكُمَا , فَنَزَلَا إلَيْهِ , فَقَالَ لَهُمَا : هَذَا كِتَاب جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه , أَمَرَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ , وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَته , فِيهِ : أَنْ لَا تَزْنِيَ , وَلَا تَسْرِق , وَلَا تَأْخُذ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ . فَقَصَّ عَلَيْهِمَا مَا فِيهِ , وَهُوَ الْإِنْجِيل الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه عَلَى عِيسَى . فَوَقَعَ فِي قُلُوبهمَا وَتَابَعَاهُ فَأَسْلَمَا , وَقَالَ لَهُمَا : إنَّ ذَبِيحَة قَوْمكُمَا عَلَيْكُمَا حَرَام , فَلَمْ يَزَالَا مَعَهُ كَذَلِكَ يَتَعَلَّمَانِ مِنْهُ , حَتَّى كَانَ عِيد لِلْمَلِكِ , فَجَعَلَ طَعَامًا , ثُمَّ جَمَعَ النَّاس وَالْأَشْرَاف , وَأَرْسَلَ إلَى ابْن الْمَلِك فَدَعَاهُ إلَى صَنِيعه لِيَأْكُل مَعَ النَّاس , فَأَبَى الْفَتَى وَقَالَ : إنِّي عَنْك مَشْغُول , فَكُلْ أَنْتَ وَأَصْحَابك , فَلَمَّا أَكْثَر عَلَيْهِ مِنْ الرُّسُل , أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَأْكُل مِنْ طَعَامهمْ , فَبَعَثَ الْمَلِك إلَى ابْنه , فَدَعَاهُ وَقَالَ : مَا أَمَرَك هَذَا ؟ قَالَ : إنَّا لَا نَأْكُل مِنْ ذَبَائِحكُمْ , إنَّكُمْ كُفَّار لَيْسَ تَحِلّ ذَبَائِحكُمْ , فَقَالَ لَهُ الْمَلِك : مَنْ أَمَرَك بِهَذَا ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الرَّاهِب أَمَرَهُ بِذَلِكَ , فَدَعَا الرَّاهِب فَقَالَ : مَاذَا يَقُول ابْنِي ؟ قَالَ : صَدْق ابْنك , قَالَ لَهُ : لَوْلَا أَنَّ الدَّم فِينَا عَظِيم لَقَتَلَتْك , وَلَكِنْ اُخْرُجْ مِنْ أَرْضنَا ! فَأَجَّلَهُ أَجَلًا . فَقَالَ سَلْمَان : فَقُمْنَا نَبْكِي عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُمَا : إنْ كُنْتُمَا صَادِقِينَ , فَإِنَّا فِي بَيْعَة بِالْمَوْصِلِ مَعَ سِتِّينَ رَجُلًا نَعْبُد اللَّه فِيهَا , فَأْتُونَا فِيهَا . فَخَرَجَ الرَّاهِب , وَبَقِيَ سَلْمَان وَابْن الْمَلِك ; فَجَعَلَ يَقُول لَابْن الْمَلِك : انْطَلَقَ بِنَا , وَابْن الْمَلِك يَقُول : نَعَمْ , وَجَعَلَ ابْن الْمَلِك يَبِيع مَتَاعه يُرِيد الْجَهَاز . فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَى سَلْمَان , خَرَجَ سَلْمَان حَتَّى أَتَاهُمْ , فَنَزَلَ عَلَى صَاحِبه وَهُوَ رَبّ الْبَيْعَة , وَكَانَ أَهْل تِلْكَ الْبَيْعَة مِنْ أَفَضْل الرُّهْبَان , فَكَانَ سَلْمَان : مَعَهُمْ يَجْتَهِد فِي الْعِبَادَة , وَيُتْعِب نَفْسه , فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ : إنَّك غُلَام حَدَث تَتَكَلَّف مِنْ الْعِبَادَة مَا لَا تُطِيق , وَأَنَا خَائِف أَنَّ تَفْتُر وَتَعْجِز , فَارْفُقْ بِنَفْسِك وَخَفِّفْ عَلَيْهَا ! فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : أَرَأَيْت الَّذِي تَأْمُرنِي بِهِ أَهُوَ أَفَضْل , أَوْ الَّذِي أَصْنَع ؟ قَالَ : بَلْ الَّذِي تَصْنَع ؟ قَالَ : فَخَلّ عَنِّي . ثُمَّ إنَّ صَاحِب الْبَيْعَة دَعَاهُ فَقَالَ : أَتَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَة لِي , وَأَنَا أَحَقّ النَّاس بِهَا , وَلَوْ شِئْت أَنْ أُخْرِج هَؤُلَاءِ مِنْهَا لَفَعَلْت ؟ وَلَكِنِّي رَجُل أَضْعَف عَنْ عِبَادَة هَؤُلَاءِ , وَأَنَا أُرِيد أَنْ أَتَحُولُ مِنْ هَذِهِ الْبَيْعَة إلَى بَيْعَة أُخْرَى هُمْ أَهْوَن عِبَادَة مِنْ هَؤُلَاءِ , فَإِنْ شِئْت أَنْ تُقِيم هَهُنَا فَأَقِمْ , وَإِنْ شِئْت أَنْ تَنْطَلِق مَعِي فَانْطَلِقْ . قَالَ لَهُ سَلْمَان : أَيْ الْبَيْعَتَيْنِ أَفَضْل أَهْلًا ؟ قَالَ : هَذِهِ . قَالَ سَلْمَان : فَأَنَا أَكُون فِي هَذِهِ . فَأَقَامَ سَلْمَان بِهَا وَأَوْصَى صَاحِب الْبَيْعَة عَالِم الْبَيْعَة بِسَلْمَان , فَكَانَ سَلْمَان يَتَعَبَّد مَعَهُمْ . ثُمَّ إنَّ الشَّيْخ الْعَالِم أَرَادَ أَنْ يَأْتِي بَيْت الْمَقْدِس , فَقَالَ لِسَلْمَان : إنْ أَرَدْت أَنْ تَنْطَلِق مَعِي فَانْطَلِقْ , وَإِنْ شِئْت أَنْ تُقِيم فَأَقِمْ . فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : أَيّهمَا أَفَضْل أَنَطْلِقُ مَعَك أَمْ أُقِيم ؟ قَالَ : لَا بَلْ تَنْطَلِق مَعِي . فَانْطَلَقَ مَعَهُ فَمَرُّوا بِمَقْعَدٍ عَلَى ظَهْر الطَّرِيق مُلْقَى , فَلَمَّا رَآهُمَا نَادَى : يَا سَيِّد الرُّهْبَان ارْحَمْنِي يَرْحَمك اللَّه , فَلَمْ يُكَلِّمهُ , وَلَمْ يَنْظُر إلَيْهِ , وَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا بَيْت الْمَقْدِس , فَقَالَ الشَّيْخ لِسَلْمَان : اُخْرُجْ فَاطْلُبْ الْعِلْم فَإِنَّهُ يَحْضُر هَذَا الْمَسْجِد عُلَمَاء أَهْل الْأَرْض . فَخَرَجَ سَلْمَان يَسْمَع مِنْهُمْ , فَرَجَعَ يَوْمًا حَزِينًا , فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ : مَا لَك يَا سَلْمَان ؟ قَالَ : أَرَى الْخَيْر كُلّه قَدْ ذَهَبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلنَا مِنْ الْأَنْبِيَاء وَأَتْبَاعهمْ , فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ : يَا سَلْمَان لَا تَحْزَن , فَإِنَّهُ قَدْ بَقِيَ نَبِيّ لَيْسَ مِنْ نَبِيّ بِأَفْضَل تَبَعًا مِنْهُ وَهَذَا زَمَانه الَّذِي يَخْرَج فِيهِ , وَلَا أَرَانِي أُدْرِكهُ , وَأَمَّا أَنْتَ فَشَابّ لَعَلَّك أَنْ تُدْرِكهُ , وَهُوَ يَخْرُج فِي أَرْض الْعَرَب , فَإِنْ أَدْرَكْته فَآمِنْ بِهِ وَاتَّبِعْهُ ! فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَلَامَته بِشَيْءٍ . قَالَ : نَعَمْ , هُوَ مَخْتُومٌ فِي ظَهْره بِخَاتَمِ النُّبُوَّة , وَهُوَ يَأْكُل الْهَدِيَّة وَلَا يَأْكُل الصَّدَقَة . ثُمَّ رَجَعَا حَتَّى بَلَغَا مَكَان الْمَقْعَد , فَنَادَاهُمَا فَقَالَ : يَا سَيِّد الرُّهْبَان ارْحَمْنِي يَرْحَمك اللَّه , فَعَطَفَ إلَيْهِ حِمَاره , فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَرَفَعَهُ , فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْض وَدَعَا لَهُ , وَقَالَ : قُمْ بِإِذْنِ اللَّه , فَقَامَ صَحِيحًا يَشْتَدّ , فَجَعَلَ سَلْمَان يَتَعَجَّب وَهُوَ يَنْظُر إلَيْهِ يَشْتَدّ . وَسَارَ الرَّاهِب فَتَغَيَّبَ عَنْ سَلْمَان وَلَا يَعْلَم سَلْمَان . ثُمَّ إنَّ سَلْمَان فَزِعَ فَطَلَبَ الرَّاهِب , فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنْ الْعَرَب مِنْ كَلْب فَسَأَلَهُمَا : هَلْ رَأَيْتُمَا الرَّاهِب ؟ فَأَنَاخَ أَحَدهمَا رَاحِلَته , قَالَ : نَعَمْ رَاعِي الصِّرْمَة هَذَا , فَحَمَلَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ إلَى الْمَدِينَة . قَالَ سَلْمَان : فَأَصَابَنِي مِنْ الْحُزْن شَيْء لَمْ يُصِبْنِي مِثْله قَطّ . فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَة مِنْ جُهَيْنَة فَكَانَ يَرْعَى عَلَيْهَا هُوَ وَغُلَام لَهَا يَتَرَاوَحَانِ الْغَنَم هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا , فَكَانَ سَلْمَان يَجْمَع الدَّرَاهِم يَنْتَظِر خُرُوج مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا يَرْعَى , إذْ أَتَاهُ صَاحِبه الَّذِي يَعْقُبهُ , فَقَالَ : أَشَعَرْت أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ الْيَوْم الْمَدِينَة رَجُل يَزْعُم أَنَّهُ نَبِيّ ؟ فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : أَقِمْ فِي الْغَنَم حَتَّى آتِيك لَهُ . فَهَبَطَ سَلْمَان إلَى الْمَدِينَة , فَنَظَرَ إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَار حَوْله . فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ مَا يُرِيد , فَأَرْسَلَ ثَوْبه . حَتَّى خَرَجَ خَاتَمه , فَلَمَّا رَآهُ أَتَاهُ وَكَلَّمَهُ , ثُمَّ انْطَلَقَ , فَاشْتَرَى بِدِينَارٍ بِبَعْضِهِ شَاة وَبِبَعْضِهِ خُبْزًا , ثُمَّ أَتَاهُ بِهِ , فَقَالَ : " مَا هَذَا " ؟ قَالَ سَلْمَان : هَذِهِ صَدَقَة قَالَ : " لَا حَاجَة لِي بِهَا فَأَخْرَجَهَا فَيَأْكُلهَا الْمُسْلِمُونَ " . ثُمَّ انْطَلَقَ فَاشْتَرَى بِدِينَارٍ آخَر خُبْزًا وَلَحْمًا , فَأَتَى بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " مَا هَذَا " ؟ قَالَ : هَذِهِ هَدِيَّة , قَالَ : " فَاقْعُدْ " , فَقَعَدَ فَأَكَلَا جَمِيعًا مِنْهَا . فَبَيْنَا هُوَ يُحَدِّثهُ إذْ ذَكَرَ أَصْحَابه , فَأَخْبَرَهُ خَبَرهمْ , فَقَالَ : كَانُوا يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيُؤْمِنُونَ بِك , وَيَشْهَدُونَ أَنَّك سَتُبْعَثُ نَبِيًّا ; فَلَمَّا فَرَغَ سَلْمَان مِنْ ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا سَلْمَان هُمْ مِنْ أَهْل النَّار " . فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى سَلْمَان , وَقَدْ كَانَ قَالَ لَهُ سَلْمَان : لَوْ أَدْرَكُوك صَدَّقُوك وَاتَّبَعُوك , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } . فَكَانَ إيمَان الْيَهُود أَنَّهُ مَنْ تَمَسّك بِالتَّوْرَاةِ وَسُنَّة مُوسَى حَتَّى جَاءَ عِيسَى , فَلَمَّا جَاءَ عِيسَى كَانَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَأَخَذَ بِسُنَّةِ مُوسَى فَلَمْ يَدَعهَا وَلَمْ يَتْبَع عِيسَى كَانَ هَالِكًا . وَإِيمَان النَّصَارَى أَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْإِنْجِيلِ مِنْهُمْ وَشَرَائِع عِيسَى كَانَ مُؤْمِنًا مَقْبُولًا مِنْهُ , حَتَّى جَاءَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَنْ لَمْ يَتْبَع مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ وَيَدَع مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّة عِيسَى وَالْإِنْجِيل كَانَ هَالِكًا . 928 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا } الْآيَة . قَالَ سَلْمَان الْفَارِسِيّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُولَئِكَ النَّصَارَى وَمَا رَأَى مِنْ أَعْمَالهمْ , قَالَ : لَمْ يَمُوتُوا عَلَى الْإِسْلَام . قَالَ سَلْمَان : فَأَظْلَمَتْ عَلَيَّ الْأَرْض . وَذَكَر اجْتِهَادهمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , فَدَعَا سَلْمَان فَقَالَ : " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَصْحَابك " . ثُمَّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ عَلَى دِين عِيسَى وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَام قَبْل أَنْ يَسْمَع بِي فَهُوَ عَلَى خَيْر وَمَنْ سَمِعَ بِي الْيَوْم وَلَمْ يُؤْمِن بِي فَقَدْ هَلَكَ " . وَقَالَ ابْن عَبَّاس بِمَا : 929 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ } إلَى قَوْله : { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى بَعْد هَذَا : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة مِنْ الْخَاسِرِينَ } . 3 85 وَهَذَا الْخَبَر يَدُلّ عَلَى أَنَّ ابْن عَبَّاس كَانَ يَرَى أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ كَانَ قَدْ وَعَدَ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ عَلَى عَمَله فِي الْآخِرَة الْجَنَّة , ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ } . 3 85 فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ : إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة , وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , { فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } . وَاَلَّذِي قُلْنَا مِنْ التَّأْوِيل الْأَوَّل أَشَبَه بِظَاهِرِ التَّنْزِيل , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُخَصِّص بِالْأَجْرِ عَلَى الْعَمَل الصَّالِح مَعَ الْإِيمَان بَعْض خَلْقه دُون بَعْض مِنْهُمْ , وَالْخَبَر بِقَوْلِهِ : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } عَنْ جَمِيع مَا ذَكَرَ فِي أَوَّل الْآيَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَعَمَل صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } مَنْ صَدَّقَ وَأَقَرَّ بِالْبَعْثِ بَعْد الْمَمَات يَوْم الْقِيَامَة وَعَمَل صَالِحًا فَأَطَاعَ اللَّه , فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ , يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ } فَلَهُمْ ثَوَاب عَمَلهمْ الصَّالِح عِنْد رَبّهمْ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَأَيْنَ تَمَام قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ } ؟ قِيلَ : تَمَامه جُمْلَة قَوْله : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } لِأَنَّ مَعْنَاهُ : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَتَرَكَ ذِكْر مِنْهُمْ لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ اسْتِغْنَاء بِمَا ذَكَرَ عَمَّا تَرَكَ ذِكْره . فَإِنْ قَالَ : وَمَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَام ؟ قِيلَ : إنَّ مَعْنَاهُ : إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ . فَإِنْ قَالَ : وَكَيْفَ يُؤْمِن الْمُؤْمِن ؟ قِيلَ : لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْمُؤْمِن الْمَعْنَى الَّذِي ظَنَنْته مِنْ انْتِقَال مِنْ دِين إلَى دِين كَانْتِقَالِ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ إلَى الْإِيمَان , وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ إنَّ الَّذِينَ عَنَوْا بِذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب عَلَى إيمَانه بِعِيسَى , وَبِمَا جَاءَ بِهِ , حَتَّى أَدْرَكَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ , فَقِيلَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِعِيسَى وَبِمَا جَاءَ بِهِ إذْ أَدْرَكُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ , وَلَكِنْ مَعْنَى إيمَان الْمُؤْمِن فِي هَذَا الْمَوْضِع ثَبَاته عَلَى إيمَانه وَتَرْكه تَبْدِيله . وَأَمَّا إيمَان الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ , فَالتَّصْدِيق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ , فَمَنْ يُؤْمِن مِنْهُمْ بِمُحَمَّدٍ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَالْيَوْم الْآخِر , وَيَعْمَل صَالِحًا , فَلَمْ يُبَدِّل وَلَمْ يُغَيِّر , حَتَّى تُوُفِّيَ عَلَى ذَلِكَ , فَلَهُ ثَوَاب عَمَله وَأَجْره عِنْد رَبّه , كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قَالَ : فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ , وَإِنَّمَا لَفْظه مِنْ لَفْظ وَاحِد , وَالْفِعْل مَعَهُ مُوَحَّد ؟ قِيلَ : " مَنْ " وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَلِيه مِنْ الْفِعْل مُوَحَّدًا , فَإِنَّ مَعْنَى الْوَاحِد وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع وَالتَّذْكِير وَالتَّأْنِيث , لِأَنَّهُ فِي كُلّ هَذِهِ الْأَحْوَال عَلَى هَيْئَة وَاحِدَة وَصُورَة وَاحِدَة لَا يَتَغَيَّر , فَالْعَرَب تُوَحِّد مَعَهُ الْفِعْل وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى جَمْع لِلَفْظِهِ , وَتَجْمَع أُخْرَى مَعَهُ الْفِعْل لِمَعْنَاهُ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْك أَفَأَنْت تُسْمِع الصُّمّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُر إلَيْك أَفَأَنْت تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ } 10 42 : 43 فَجَمَعَ مُرَّة مَعَ مَنْ الْفِعْل لِمَعْنَاهُ , وَوَحَّدَ أُخْرَى مَعَهُ الْفِعْل ; لِأَنَّهُ فِي لَفْظ الْوَاحِد , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إنْ عَرَضْتُمَا وَقُولَا لَهَا عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا فَقَالَ : تَخَلَّفُوا , وَجَعَلَ " مَنْ " بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ . وَقَالَ الْفَرَزْدَق : تَعَالَ فَإِنْ عَاهَدْتنِي لَا تَخُوننِي نَكُنْ مِثْل مَنْ يَا ذِئْب يَصْطَحِبَانِ فَثَنَّى يَصْطَحِبَانِ لِمَعْنَى " مَنْ " . فَكَذَلِكَ قَوْله : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ } وَحَّدَ آمَنَ وَعَمَل صَالِحًا لِلَّفْظِ مِنْ , وَجَمَعَ ذِكْرهمْ فِي قَوْله : { فَلَهُمْ أَجْرهمْ } لِمَعْنَاهُ , لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى جَمْع . وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ جَلَّ ذِكْره : وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ فِيمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَهْوَال الْقِيَامَة , وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا وَعَيْشهَا عِنْد مُعَايَنَتهمْ مَا أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ مِنْ الثَّوَاب وَالنَّعِيم الْمُقِيم عِنْده . ذِكْر مَنْ قَالَ عَنَى بِقَوْلِهِ : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ } مُؤْمِنُو أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 927 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ السُّدِّيّ : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا } الْآيَة , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَصْحَاب سَلْمَان الْفَارِسِيّ , وَكَانَ سَلْمَان مِنْ جندسابور , وَكَانَ مِنْ أَشْرَافهمْ , وَكَانَ ابْن الْمَلِك صَدِيقًا لَهُ مُوَاخِيًا , لَا يَقْضِي وَاحِد مِنْهُمْ أَمْرًا دُون صَاحِبه , وَكَانَا يَرْكَبَانِ إلَى الصَّيْد جَمِيعًا . فَبَيْنَمَا هُمَا فِي الصَّيْد إذْ رَفَعَ لَهُمَا بَيْت مِنْ عَبَاء , فَأَتَيَاهُ فَإِذَا هُمَا فِيهِ بِرَجُلٍ بَيْن يَدَيْهِ مُصْحَف يَقْرَأ فِيهِ وَهُوَ يَبْكِي , فَسَأَلَاهُ مَا هَذَا , فَقَالَ : الَّذِي يُرِيد أَنْ يَعْلَم هَذَا لَا يَقِف مَوْقِفكُمَا , فَإِنْ كُنْتُمَا تُرِيدَانِ أَنْ تَعْلَمَا مَا فِيهِ فَانْزِلَا حَتَّى أَعِلْمكُمَا , فَنَزَلَا إلَيْهِ , فَقَالَ لَهُمَا : هَذَا كِتَاب جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه , أَمَرَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ , وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَته , فِيهِ : أَنْ لَا تَزْنِيَ , وَلَا تَسْرِق , وَلَا تَأْخُذ أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ . فَقَصَّ عَلَيْهِمَا مَا فِيهِ , وَهُوَ الْإِنْجِيل الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه عَلَى عِيسَى . فَوَقَعَ فِي قُلُوبهمَا وَتَابَعَاهُ فَأَسْلَمَا , وَقَالَ لَهُمَا : إنَّ ذَبِيحَة قَوْمكُمَا عَلَيْكُمَا حَرَام , فَلَمْ يَزَالَا مَعَهُ كَذَلِكَ يَتَعَلَّمَانِ مِنْهُ , حَتَّى كَانَ عِيد لِلْمَلِكِ , فَجَعَلَ طَعَامًا , ثُمَّ جَمَعَ النَّاس وَالْأَشْرَاف , وَأَرْسَلَ إلَى ابْن الْمَلِك فَدَعَاهُ إلَى صَنِيعه لِيَأْكُل مَعَ النَّاس , فَأَبَى الْفَتَى وَقَالَ : إنِّي عَنْك مَشْغُول , فَكُلْ أَنْتَ وَأَصْحَابك , فَلَمَّا أَكْثَر عَلَيْهِ مِنْ الرُّسُل , أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَأْكُل مِنْ طَعَامهمْ , فَبَعَثَ الْمَلِك إلَى ابْنه , فَدَعَاهُ وَقَالَ : مَا أَمَرَك هَذَا ؟ قَالَ : إنَّا لَا نَأْكُل مِنْ ذَبَائِحكُمْ , إنَّكُمْ كُفَّار لَيْسَ تَحِلّ ذَبَائِحكُمْ , فَقَالَ لَهُ الْمَلِك : مَنْ أَمَرَك بِهَذَا ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الرَّاهِب أَمَرَهُ بِذَلِكَ , فَدَعَا الرَّاهِب فَقَالَ : مَاذَا يَقُول ابْنِي ؟ قَالَ : صَدْق ابْنك , قَالَ لَهُ : لَوْلَا أَنَّ الدَّم فِينَا عَظِيم لَقَتَلَتْك , وَلَكِنْ اُخْرُجْ مِنْ أَرْضنَا ! فَأَجَّلَهُ أَجَلًا . فَقَالَ سَلْمَان : فَقُمْنَا نَبْكِي عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُمَا : إنْ كُنْتُمَا صَادِقِينَ , فَإِنَّا فِي بَيْعَة بِالْمَوْصِلِ مَعَ سِتِّينَ رَجُلًا نَعْبُد اللَّه فِيهَا , فَأْتُونَا فِيهَا . فَخَرَجَ الرَّاهِب , وَبَقِيَ سَلْمَان وَابْن الْمَلِك ; فَجَعَلَ يَقُول لَابْن الْمَلِك : انْطَلَقَ بِنَا , وَابْن الْمَلِك يَقُول : نَعَمْ , وَجَعَلَ ابْن الْمَلِك يَبِيع مَتَاعه يُرِيد الْجَهَاز . فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَى سَلْمَان , خَرَجَ سَلْمَان حَتَّى أَتَاهُمْ , فَنَزَلَ عَلَى صَاحِبه وَهُوَ رَبّ الْبَيْعَة , وَكَانَ أَهْل تِلْكَ الْبَيْعَة مِنْ أَفَضْل الرُّهْبَان , فَكَانَ سَلْمَان : مَعَهُمْ يَجْتَهِد فِي الْعِبَادَة , وَيُتْعِب نَفْسه , فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ : إنَّك غُلَام حَدَث تَتَكَلَّف مِنْ الْعِبَادَة مَا لَا تُطِيق , وَأَنَا خَائِف أَنَّ تَفْتُر وَتَعْجِز , فَارْفُقْ بِنَفْسِك وَخَفِّفْ عَلَيْهَا ! فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : أَرَأَيْت الَّذِي تَأْمُرنِي بِهِ أَهُوَ أَفَضْل , أَوْ الَّذِي أَصْنَع ؟ قَالَ : بَلْ الَّذِي تَصْنَع ؟ قَالَ : فَخَلّ عَنِّي . ثُمَّ إنَّ صَاحِب الْبَيْعَة دَعَاهُ فَقَالَ : أَتَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَة لِي , وَأَنَا أَحَقّ النَّاس بِهَا , وَلَوْ شِئْت أَنْ أُخْرِج هَؤُلَاءِ مِنْهَا لَفَعَلْت ؟ وَلَكِنِّي رَجُل أَضْعَف عَنْ عِبَادَة هَؤُلَاءِ , وَأَنَا أُرِيد أَنْ أَتَحُولُ مِنْ هَذِهِ الْبَيْعَة إلَى بَيْعَة أُخْرَى هُمْ أَهْوَن عِبَادَة مِنْ هَؤُلَاءِ , فَإِنْ شِئْت أَنْ تُقِيم هَهُنَا فَأَقِمْ , وَإِنْ شِئْت أَنْ تَنْطَلِق مَعِي فَانْطَلِقْ . قَالَ لَهُ سَلْمَان : أَيْ الْبَيْعَتَيْنِ أَفَضْل أَهْلًا ؟ قَالَ : هَذِهِ . قَالَ سَلْمَان : فَأَنَا أَكُون فِي هَذِهِ . فَأَقَامَ سَلْمَان بِهَا وَأَوْصَى صَاحِب الْبَيْعَة عَالِم الْبَيْعَة بِسَلْمَان , فَكَانَ سَلْمَان يَتَعَبَّد مَعَهُمْ . ثُمَّ إنَّ الشَّيْخ الْعَالِم أَرَادَ أَنْ يَأْتِي بَيْت الْمَقْدِس , فَقَالَ لِسَلْمَان : إنْ أَرَدْت أَنْ تَنْطَلِق مَعِي فَانْطَلِقْ , وَإِنْ شِئْت أَنْ تُقِيم فَأَقِمْ . فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : أَيّهمَا أَفَضْل أَنَطْلِقُ مَعَك أَمْ أُقِيم ؟ قَالَ : لَا بَلْ تَنْطَلِق مَعِي . فَانْطَلَقَ مَعَهُ فَمَرُّوا بِمَقْعَدٍ عَلَى ظَهْر الطَّرِيق مُلْقَى , فَلَمَّا رَآهُمَا نَادَى : يَا سَيِّد الرُّهْبَان ارْحَمْنِي يَرْحَمك اللَّه , فَلَمْ يُكَلِّمهُ , وَلَمْ يَنْظُر إلَيْهِ , وَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا بَيْت الْمَقْدِس , فَقَالَ الشَّيْخ لِسَلْمَان : اُخْرُجْ فَاطْلُبْ الْعِلْم فَإِنَّهُ يَحْضُر هَذَا الْمَسْجِد عُلَمَاء أَهْل الْأَرْض . فَخَرَجَ سَلْمَان يَسْمَع مِنْهُمْ , فَرَجَعَ يَوْمًا حَزِينًا , فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ : مَا لَك يَا سَلْمَان ؟ قَالَ : أَرَى الْخَيْر كُلّه قَدْ ذَهَبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلنَا مِنْ الْأَنْبِيَاء وَأَتْبَاعهمْ , فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ : يَا سَلْمَان لَا تَحْزَن , فَإِنَّهُ قَدْ بَقِيَ نَبِيّ لَيْسَ مِنْ نَبِيّ بِأَفْضَل تَبَعًا مِنْهُ وَهَذَا زَمَانه الَّذِي يَخْرَج فِيهِ , وَلَا أَرَانِي أُدْرِكهُ , وَأَمَّا أَنْتَ فَشَابّ لَعَلَّك أَنْ تُدْرِكهُ , وَهُوَ يَخْرُج فِي أَرْض الْعَرَب , فَإِنْ أَدْرَكْته فَآمِنْ بِهِ وَاتَّبِعْهُ ! فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَلَامَته بِشَيْءٍ . قَالَ : نَعَمْ , هُوَ مَخْتُومٌ فِي ظَهْره بِخَاتَمِ النُّبُوَّة , وَهُوَ يَأْكُل الْهَدِيَّة وَلَا يَأْكُل الصَّدَقَة . ثُمَّ رَجَعَا حَتَّى بَلَغَا مَكَان الْمَقْعَد , فَنَادَاهُمَا فَقَالَ : يَا سَيِّد الرُّهْبَان ارْحَمْنِي يَرْحَمك اللَّه , فَعَطَفَ إلَيْهِ حِمَاره , فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَرَفَعَهُ , فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْض وَدَعَا لَهُ , وَقَالَ : قُمْ بِإِذْنِ اللَّه , فَقَامَ صَحِيحًا يَشْتَدّ , فَجَعَلَ سَلْمَان يَتَعَجَّب وَهُوَ يَنْظُر إلَيْهِ يَشْتَدّ . وَسَارَ الرَّاهِب فَتَغَيَّبَ عَنْ سَلْمَان وَلَا يَعْلَم سَلْمَان . ثُمَّ إنَّ سَلْمَان فَزِعَ فَطَلَبَ الرَّاهِب , فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنْ الْعَرَب مِنْ كَلْب فَسَأَلَهُمَا : هَلْ رَأَيْتُمَا الرَّاهِب ؟ فَأَنَاخَ أَحَدهمَا رَاحِلَته , قَالَ : نَعَمْ رَاعِي الصِّرْمَة هَذَا , فَحَمَلَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ إلَى الْمَدِينَة . قَالَ سَلْمَان : فَأَصَابَنِي مِنْ الْحُزْن شَيْء لَمْ يُصِبْنِي مِثْله قَطّ . فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَة مِنْ جُهَيْنَة فَكَانَ يَرْعَى عَلَيْهَا هُوَ وَغُلَام لَهَا يَتَرَاوَحَانِ الْغَنَم هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا , فَكَانَ سَلْمَان يَجْمَع الدَّرَاهِم يَنْتَظِر خُرُوج مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا يَرْعَى , إذْ أَتَاهُ صَاحِبه الَّذِي يَعْقُبهُ , فَقَالَ : أَشَعَرْت أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ الْيَوْم الْمَدِينَة رَجُل يَزْعُم أَنَّهُ نَبِيّ ؟ فَقَالَ لَهُ سَلْمَان : أَقِمْ فِي الْغَنَم حَتَّى آتِيك لَهُ . فَهَبَطَ سَلْمَان إلَى الْمَدِينَة , فَنَظَرَ إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَار حَوْله . فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ مَا يُرِيد , فَأَرْسَلَ ثَوْبه . حَتَّى خَرَجَ خَاتَمه , فَلَمَّا رَآهُ أَتَاهُ وَكَلَّمَهُ , ثُمَّ انْطَلَقَ , فَاشْتَرَى بِدِينَارٍ بِبَعْضِهِ شَاة وَبِبَعْضِهِ خُبْزًا , ثُمَّ أَتَاهُ بِهِ , فَقَالَ : " مَا هَذَا " ؟ قَالَ سَلْمَان : هَذِهِ صَدَقَة قَالَ : " لَا حَاجَة لِي بِهَا فَأَخْرَجَهَا فَيَأْكُلهَا الْمُسْلِمُونَ " . ثُمَّ انْطَلَقَ فَاشْتَرَى بِدِينَارٍ آخَر خُبْزًا وَلَحْمًا , فَأَتَى بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " مَا هَذَا " ؟ قَالَ : هَذِهِ هَدِيَّة , قَالَ : " فَاقْعُدْ " , فَقَعَدَ فَأَكَلَا جَمِيعًا مِنْهَا . فَبَيْنَا هُوَ يُحَدِّثهُ إذْ ذَكَرَ أَصْحَابه , فَأَخْبَرَهُ خَبَرهمْ , فَقَالَ : كَانُوا يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيُؤْمِنُونَ بِك , وَيَشْهَدُونَ أَنَّك سَتُبْعَثُ نَبِيًّا ; فَلَمَّا فَرَغَ سَلْمَان مِنْ ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا سَلْمَان هُمْ مِنْ أَهْل النَّار " . فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى سَلْمَان , وَقَدْ كَانَ قَالَ لَهُ سَلْمَان : لَوْ أَدْرَكُوك صَدَّقُوك وَاتَّبَعُوك , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } . فَكَانَ إيمَان الْيَهُود أَنَّهُ مَنْ تَمَسّك بِالتَّوْرَاةِ وَسُنَّة مُوسَى حَتَّى جَاءَ عِيسَى , فَلَمَّا جَاءَ عِيسَى كَانَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَأَخَذَ بِسُنَّةِ مُوسَى فَلَمْ يَدَعهَا وَلَمْ يَتْبَع عِيسَى كَانَ هَالِكًا . وَإِيمَان النَّصَارَى أَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْإِنْجِيلِ مِنْهُمْ وَشَرَائِع عِيسَى كَانَ مُؤْمِنًا مَقْبُولًا مِنْهُ , حَتَّى جَاءَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَنْ لَمْ يَتْبَع مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ وَيَدَع مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّة عِيسَى وَالْإِنْجِيل كَانَ هَالِكًا . 928 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا } الْآيَة . قَالَ سَلْمَان الْفَارِسِيّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُولَئِكَ النَّصَارَى وَمَا رَأَى مِنْ أَعْمَالهمْ , قَالَ : لَمْ يَمُوتُوا عَلَى الْإِسْلَام . قَالَ سَلْمَان : فَأَظْلَمَتْ عَلَيَّ الْأَرْض . وَذَكَر اجْتِهَادهمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , فَدَعَا سَلْمَان فَقَالَ : " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَصْحَابك " . ثُمَّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ عَلَى دِين عِيسَى وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَام قَبْل أَنْ يَسْمَع بِي فَهُوَ عَلَى خَيْر وَمَنْ سَمِعَ بِي الْيَوْم وَلَمْ يُؤْمِن بِي فَقَدْ هَلَكَ " . وَقَالَ ابْن عَبَّاس بِمَا : 929 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ } إلَى قَوْله : { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى بَعْد هَذَا : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة مِنْ الْخَاسِرِينَ } . 3 85 وَهَذَا الْخَبَر يَدُلّ عَلَى أَنَّ ابْن عَبَّاس كَانَ يَرَى أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ كَانَ قَدْ وَعَدَ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ عَلَى عَمَله فِي الْآخِرَة الْجَنَّة , ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ } . 3 85 فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ : إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة , وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , { فَلَهُمْ أَجْرهمْ عِنْد رَبّهمْ وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } . وَاَلَّذِي قُلْنَا مِنْ التَّأْوِيل الْأَوَّل أَشَبَه بِظَاهِرِ التَّنْزِيل , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُخَصِّص بِالْأَجْرِ عَلَى الْعَمَل الصَّالِح مَعَ الْإِيمَان بَعْض خَلْقه دُون بَعْض مِنْهُمْ , وَالْخَبَر بِقَوْلِهِ : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } عَنْ جَمِيع مَا ذَكَرَ فِي أَوَّل الْآيَة .'

تفسير القرطبي

فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى : { إن الذين آمنوا} أي صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال سفيان : المراد المنافقون. كأنه قال : الذين أمنوا في ظاهر أمرهم، فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم الثانية: قوله تعالى: { والذين هادوا } معناه صاروا يهودا، نسبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام، فقلبت العرب الذال دالا، لأن الأعجمية إذا عربت غيرت عن لفظها. وقيل : سموا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل. هاد : تاب. والهائد : التائب، قال الشاعر : إني امرؤ من حبه هائد أي تائب. وفي التنزيل { إنا هدنا إليك} [الأعراف :156] أي تبنا. وهاد القوم يهودون هودا وهيادة إذا تابوا. وقال ابن عرفة { هدنا إليك} أي سكنا إلى أمرك. والهوادة السكون والموادعة. قال : ومنه قوله تعالى { إن الذين أمنوا والذين هادوا} . وقرأ أبو السمال { هادوا} بفتح الدال. الثالثة: قوله تعالى { والنصارى } جمع واحده نصراني. وقيل : نصران بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه. والأنثى نصرانة، كندمان وندمانة. وهو نكرة يعرف بالألف واللام، قال الشاعر : صدت كما صد عما لا يحل له ** ساقي نصارى قبيل الفصح صوام فوصفه بالنكرة. وقال الخليل : واحد النصارى نصري، كمهري ومهارى. وأنشد سيبويه شاهدا على قوله : تراه إذا دار العشا متحنفا ** ويضحي لديه وهو نصران شامس وأنشد : فكلتاهما خرت وأسجد رأسها ** كما أسجدت نصرانة لم تحنف يقال : أسجد إذا مال. ولكن لا يستعمل نصران ونصرانة إلا بياءي النسب، لأنهم قالوا : رجل نصراني وامرأة نصرانية. ونصره : جعله نصرانيا. وفي الحديث : (فأبواه يهودانه أو ينصرانه). وقال عليه السلام : (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار). وقد جاءت جموع على غير ما يستعمل واحدها، وقياسه النصرانيون. ثم قيل : سموا بذلك لقرية تسمى { ناصرة} كان ينزلها عيسى عليه السلام فنسب إليها فقيل : عيسى الناصري، فلما نسب أصحابه إليه قيل النصارى، قاله ابن عباس وقتادة. وقال الجوهري : ونصران قرية بالشام ينسب إليها النصارى، ويقال ناصرة. وقيل : سموا بذلك لنصرة بعضهم بعضا، قال الشاعر : لما رأيت نبطا أنصارا ** شمرت عن ركبتي الإزارا كنت لهم من النصارى جارا وقيل : سموا بذلك لقول { من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله} [آل عمران :52]. الرابعة: قوله تعالى { والصابئين} جمع صابئ، وقيل : صاب، ولذلك اختلفوا في همزه، وهمزه الجمهور إلا نافعا. فمن همزه جعله من صبأت النجوم إذا طلعت، وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت. ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال. فالصابئ في اللغة : من خرج ومال من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ. فالصابئون قد خرجوا من دين أهل الكتاب. الخامسة: لا خلاف في أن اليهود والنصارى أهل كتاب ولأجل كتابهم جاز نكاح نسائهم وأكل طعامهم على ما يأتي بيانه في المائدة وضرب الجزية عليهم، على ما يأتي في، سورة { براءة} إن شاء الله. واختلف في الصابئين، فقال السدي : هم فرقة من أهل الكتاب، وقاله إسحاق بن راهويه. قال ابن المنذر وقال إسحاق : لا بأس بذبائح الصابئين لأنهم طائفة من أهل الكتاب. وقال أبو حنيفة : لا بئس بذبائحهم ومناكحة نسائهم. وقال الخليل : هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام. وقال مجاهد والحسن وابن أبي نجيح : هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية، لا تؤكل ذبائحهم. ابن عباس : ولا تنكح نساؤهم. وقال الحسن أيضا وقتادة هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرؤون الزبور ويصلون الخمس، رآهم زياد ابن أبي سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حين عرف أنهم يعبدون الملائكة. والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض علمائنا أنهم موحدون معتقدون تأثير النجوم وأنها فعالة، ولهذا أفتى أبو سعيد الاصطخري القادر بالله بكفرهم حين سأله عنهم. السادسة:قوله تعالى { من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم } أي صدق. و { من} في قوله { من آمن} في موضع نصب بدل من { الذين} . والفاء في قوله { فلهم} داخلة بسبب الإبهام الذي في { من} . و { لهم أجرهم} ابتداء وخبر في موضع خبر إن. ويحسن أن يكون { من} في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط. و { آمن} في موضع جزم بالشرط، والفاء الجواب. و { لهم أجرهم} خبر { من} ، والجملة كلها خبر { إن} ، والعائد على { الذين} محذوف، تقديره من آمن منهم بالله. وفي الإيمان بالله واليوم الآخر اندراج الإيمان بالرسل والكتب والبعث. السابعة: إن قال قائل : لم جمع الضمير في قوله تعالى { لهم أجرهم} و { آمن} لفظ مفرد ليس بجمع، وإنما كان يستقيم لو قال : له أجره. فالجواب أن { من} يقع على الواحد والتثنية والجمع، فجائز أن يرجع الضمير مفردا ومثنى ومجموعا، قال الله تعالى { ومنهم من يستمعون إليك} [يونس :42] على المعنى. وقال { ومنهم من يستمع إليك} على اللفظ. وقال الشاعر : ألما بسلمى عنكما إن عرضتما ** وقولا لها عوجي على من تخلفوا وقال الفرزدق : تعال فإن عاهدتني لا تخونني ** نكن مثل من يا ذئب يصطحبان فحمل على المعنى ولو حمل على اللفظ لقال : يصطحب وتخلف. قال تعالى { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات} فحمل على اللفظ. ثم قال { خالدين} فحمل على المعنى، ولو راعى اللفظ لقال : خالدا فيها. وإذا جرى ما بعد { من} على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد على المعنى كما في هذه الآية. وإذا جرى ما بعدها على المعنى لم يجز أن يخالف به بعد على اللفظ لأن الإلباس يدخل في الكلام. وقد مضى الكلام في قوله تعالى { فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون} . والله أعلم. الثامنة: روي عن ابن عباس أن قوله { إن الذين آمنوا والذين هادوا} [الحج :17] الآية. منسوخ بقوله تعالى { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران :85] الآية. وقال غيره : ليست بمنسوخة. وهى فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي عليه السلام.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 62 - 63

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أن تحدث الحق سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل وكيف كفروا بنعمه.. أراد أن يعرض لنا حساب الأمم التي سبقت أمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ولقد وردت هذه الآية في سورة المائدة ولكن بخلاف يسير من التقديم والتأخير.. ففي سورة المائدة:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ }
[المائدة: 69]

أي أنه في سورة المائدة تقدمت الصابئون على النصارى.. واختلف الإعْراب فبينما في البقرة و " الصابئين ".. وفي المائدة و " الصابئون ".. وردت آية أخرى في سورة الحج:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }
[الحج: 17]

الآيات الثلاث تبدو متشابهة.. إلا أنَّ هناك خلافات كثيرة.. ما هو سبب التكرار الموجود في الآيات.. وتقديم الصابئين مرة وتأخيرها.. ومع تقديمها رفعت وتغير الإعراب.. وفي الآيتين الأوليين (البقرة والمائدة) تأتي: { مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.. أما في الآية التي في سورة الحج فقد زاد فيها: { ٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ }.. واختلف فيها الخبر.. فقال الله سبحانه وتعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ }.

عندما خلق الله وأنزله ليعمر الأرض أنزل معه الهدى.. واقرأ قوله تعالى:
{  فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ }
[طه: 123]

مفروض أن آدم أبلغ المنهج لأولاده.. وهؤلاء أبلغوه لأولادهم وهكذا.. وتشغل الناس الحياة وتطرأ عليهم الغفلة.. ويصيبهم طمع الدنيا وجشعها ويتبعون شهواتهم.. فكان لابد من رحمة الله لخلقه أن يأتي الرسل ليذكروا وينذروا ويبشروا..

الآية الكريمة تقول: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }.. أي إيمان الفطرة الذي نزل مع آدم إلى الأرض.. وبعد ذلك جاءت أديان كفر الناس بها فأبيدوا من على الأرض.. كقوم نوح ولوط وفرعون وغيرهم.. وجاءت أديان لها اتباع حتى الآن كاليهودية والنصرانية والصابئية، والله سبحانه وتعالى يريد أن يجمع كل ما سبق في رسالة محمد عليه الصلاة والسلام.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء لتصفية الوضع الإيماني في الأرض..

إذن الذين آمنوا أولا سواء مع آدم أو مع الرسل.. الذين جاءوا بعده لمعالجة الداءات التي وقعت.. ثم الذين تسموا باليهود والذين تسموا بالنصارى والذين تسموا بالصابئة.. فالله تبارك وتعالى يريد أن يبلغهم لقد انتهى كل هذا.. فمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. فكأن رسالته عليه الصلاة والسلام جاءت لتصفية كل الأديان السابقة.. وكل إنسان في الكون مطالب بأن يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام.. فقد دعى الناس كلهم إلى الإيمان برسالته.. ولو بقي إنسان من عهد آدم أو من عهد إدريس أو من عهد نوح أو إبراهيم أو هود.. وأولئك الذين نسبوا إلى اليهودية وإلى النصرانية وإلى الصابئية.. كل هؤلاء مطالبون بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والتصديق بدين الإسلام.. فالإسلام يمسح العقائد السابقة في الأرض.. ويجعلها مركزة في دين واحد.. الذين آمنوا بهذا الدين: { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.. والذين لم يؤمنوا لهم خوف وعليهم حزن.. وهذا إعلان بوحدة دين جديد.. ينتظم فيه كل من في الأرض إلى أن تقوم الساعة.. أما أولئك الذين ظلوا على ما هم عليه.. ولم يؤمنوا بالدين الجديد.. لا يفصل الله بينهم إلا يوم القيامة.. ولذلك فإن الآية التي تضمنت الحساب والفصل يوم القيامة.. جاء فيها كل من لم يؤمن بدين محمد عليه الصلاة والسلام.. بما فيهم المجوس والذين أشركوا.

والحق تبارك وتعالى أراد أن يرفع الظن.. عمن تبع دينا سبق الإسلام وبقي عليه بعد السلام.. وهو يظن أن هذا الدين نافعه.. نقول له أن الحق سبحانه وتعالى قد حسم هذه القضية في قوله تعالى:
{  وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ }
[آل عمران: 85]

وقوله جل جلاله:
{  إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ }
[آل عمران: 19]

إذن التصفية النهائية لموكب الإيمان والرسالات في الوجود حسمت.. فالذي آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام.. لا يخاف ولا يحزن يوم القيامة.. والذي لم يؤمن يقول الله تبارك وتعالى له { إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ }.. إذن الذين آمنوا هم الذين ورثوا الإيمان من عهد آدم.. والذين هادوا هم أتباع موسى عليه السلام.. وجاء الاسم من قولهم: " إنا هدنا إليك " ـ أي عدنا إليك.. والنصارى جمع نصراني وهم منسوبون إلى الناصرة البلدة التي ولد فيها عيسى عليه السلام.. أو من قول الحواريين نحن أنصار الله في قوله تعالى:
{  فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }
[آل عمران: 52]

أما الصابئة فقد اختلف العلماء فيهم.. قال بعضهم هم أتباع نوح ولكنهم غيروا بعده وعبدوا من دون الله الوسائط في الكون كالشمس والقمر والكواكب.. أو الصابئة هم الذين انتقلوا من الدين الذي كان يعاصرهم إلى الدين الجديد.. أو هم جماعة من العقلاء قالوا ما عليه قومنا لا يقنع العقل.. كيف نعبد هذه الأصنام ونحن نصنعها ونصلحها؟.. فامتنعوا عن عبادة أصنام العرب.. فقالوا عنهم إنهم صبئوا عن دين آبائهم.. أي تركوه وآمنوا بالدين الجديد.. وأيا كان المراد بالصابئين فهم كل من مال عن دينه إلى دين آخر.

أننا نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى.. جاء بالصابئين في سورة البقرة متأخرة ومنصوبة.. وفي سورة المائدة متقدمةً ومرفوعةً.. نقول هذا الكلام يدخل في قواعد النحو.. الآية تقول: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }.. نحن نعرف أَنَّ (إِنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر.. فالذين مبني لأنه إسم موصول في محل نصب إسم لأن: { وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } معطوف على الذين آمنوا يكون منصوباً أيضاً.. والنصارى معطوف أيضا على إسم إن.. والصابئين معطوف أيضا ومنصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم..

نأتي إلى قوله تعالى: { مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }. هذه مستقيمة في سورة البقرة إعرابا وترتيبا.. والصابئين تأخرت عن النصارى لأنهم فرقة قليلة.. لا تمثل جمهرة كثيرة كالنصارى.. ولكن في آية المائدة تقدمت الصابئون وبالرفع في قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ }.. الذين آمنوا إسم إن والذين هادوا معطوف.. و " الصابئون " كان القياس إعرابيا أن يقال والصابئين.. وبعدها النصارى معطوفة.. ولكن كلمة (الصابئون) توسطت بين اليهود وبين النصارى.. وكسر إعرابها بشكل لا يقتضيه الظاهر.. وللعرب إذن مرهفة لغويا.. فمتى سمع الصابئين التي جاءت معطوفة على اسم إن تأتي بالرفع يلتفت لفتة قسرية ليعرف السبب..

حين تولى أبا جعفر المنصور الخلافة.. وقف على المنبر ولحن لحنة أي أخطأ في نطق كلمة.. وكان هناك إعرابي يجلس فآذت أُذنيه.. وأخطأ المنصور للمرة الثانية فحرك الإعرابي أُذنيه باستغراب.. وعندما أخطأ للمرة الثالثة قام الإعرابي وقال.. أشهد أنك وليت هذا الأمر بقضاء وقدر.. أي أنك لا تستحق هذا.. هذا هو اللحن إذا سمعه العربي هز أذنيه.. فإذا جاء لفظ مرفوعا والمفروض أن يكون منصوبا.. فإن ذلك يجعله يتنبه أن الله له حكمة وعلة.. فما هي العلة؟..

الذين آمنوا أمرهم مفهوم والذين هادوا أمرهم مفهوم والنصارى أمرهم مفهوم.. أما الصابئون فهؤلاء لم يكونوا تابعين لدين.. ولكنهم سلكوا طريقا مخالفا.. فجاءت هذه الآية لتلفتنا أن هذه التصفية تشمل الصابئين أيضا.. فقدمتها ورفعتها لتلفت إليها الآذان بقوة.. فالله سبحانه وتعالى يعطف الإيمان على العمل لذلك يقول دائما: { آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً }.. لأن الإيمان إن لم يقترن بعمل فلا فائدة منه.. والله يريد الإيمان أن يسيطر على حركة الحياة بالعمل الصالح.. فيأمر كل مؤمن بصالح العمل وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة.


www.alro7.net