سورة
اية:

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ

تفسير بن كثير

يقول جلّ وعلا: { إن مثل عيسى عند اللّه} في قدرة اللّه حيث خلقه من غير أب { كمثل آدم} حيث خلقه من غير أب ولا أم، بل { خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} فالذي خلق آدم من غير أب قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقاً من غير أب فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواهم في عيسى أشد بطلاناً وأظهر فساداً، ولكن الرب جلّ جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، خلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: { ولنجعله آية للناس} ، وقال ههنا: { الحق من ربك فلا تكن من الممترين} أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال! ثم قال تعالى آمراً رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان: { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} أي نحضرهم في حال المباهلة { ثم نبتهل} أي نلتعن { فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين} أي منا ومنكم. وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران: أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوَّة والإلهية، فأنزل اللّه صدر هذه السورة رداً عليهم. قال ابن إسحاق في سيرته: وقدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفد نصارى من نجران ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم يئول أمرهم إليهم فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب قال - يقول من رآهم من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ما رأينا بعدهم وفداً مثلهم - وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (دعوهم)، فصلوا إلى المشرق. قال: فكلّم رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والأيهم - وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم - يقولون: هو اللّه، ويقولون: هو ولد اللّه، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً، وكذلك النصرانية فهم يحتجون في قولهم هو اللّه بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص والأسقام ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً، وذلك كله بأمر اللّه. وليجعله اللّه آية للناس، ويحتجون في قولهم بأنه ابن اللّه يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله، ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول اللّه تعالى: فعلنا، وأمرنا وخلقنا، وقضينا، فيقولون لو كان واحداً ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو عيسى ومريم - تعلى اللّه وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيرا - وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن. فلما كلمه الحبران قال لهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أسلما) قال: قد أسلمنا. قال( إنكما لم تسلما فأسلما) قال: بلى، قد أسلمنا قبلك، قال: (كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما للّه ولداً وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير)، قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنهما فلم يجبهما، فأنزل اللّه في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثماني آية منها. ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها إلى أن قال: فلما أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخبر من اللّه والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، ثم انصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: واللّه يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم أبيتم إلا إلف؟؟ دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلدكم. فأتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا فإنكم عندنا رضا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين) فكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجِّراً، فلما صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الظهر سلم، ثم نظر عن يمينه وشماله فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه، فقال: (أخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه)، قال عمر فذهب بها أبو عبيدة رضي اللّه عنه. وقال البخاري، عن حذيفة رضي اللّه عنه قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فواللّه لئن كان نبياً فلاعنَّاه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال: (لأبعثن معكم رجلاً أميناً، حق أمين)، فاستشرف لها أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (قم يا أبا عبيدة بن الجراح) فلما قام قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (هذا أمين هذه الأمة) وفي الحديث عن ابن عباس قال، قال أبو جهل قبّحه اللّه: إن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته. قال، فقال: (لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً) ""رواه أحمد والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح"" والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر} الآية. وقال أبو بكر بن مردويه عن جابر: قدم على النبي صلى اللّه عليه وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، قال، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (والذي بعثني بالحق لو قالا: لا لأمطر عليهم الوادي ناراً) قال جابر: وفيهم نزلت: { ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} ""رواه ابن مردويه والحاكم في المستدرك ورواه الطيالسي عن الشعبي مرسلاً، قال ابن كثير: وهذا أصح. ثم قال تعالى: { إن هذا لهو القصص الحق} أي هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد، { وما من إله إلا اللّه، وإن اللّه لهو العزيز الحكيم فإن تولوا} أي عن هذا إلى غيره، { فإن اللّه عليم بالمفسدين} أي من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد، واللّه عليم به وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر الذي لا يفوته شيء سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمته.

تفسير الجلالين

{ فمن حاجَّك } جادلك من النصارى { فيه من بعد ما جاءك من العلم } بأمره { فقل } لهم { تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم } فنجمعهم { ثم نبتهل } نتضرع في الدعاء { فنجعل لعنة الله على الكاذبين } بأن نقول : اللهم العن الكاذب في شأن عيسى وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران لذلك لما حاجُّوه به فقالوا : حتى ننظر في أمرنا ثم نأتيك فقال ذو رأيهم : لقد عرفتم نبوته وأنه ما بأهل قوم نبيا إلا هلكوا فودعوا الرجل وانصرفوا فأتوا الرسول صلى الله عليه وسلم وقد خرج معه الحسن والحسين وفاطمة وعلي وقال لهم: إذا دعوت فأمِّنوا فأبوا أن يلاعنوا وصالحوه على الجزية رواه أبو نُعَيْم، وعن ابن عباس: قال : لو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا، ورُوي: لو خرجوا لاحترقوا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسنَا وَأَنْفُسكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَل لَعْنَت اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ } فَمَنْ جَادَلَك يَا مُحَمَّد فِي الْمَسِيح عِيسَى اِبْن مَرْيَم . وَالْهَاء فِي قَوْله : { فِيهِ } عَائِدَة عَلَى ذِكْر عِيسَى , وَجَائِز أَنْ تَكُون عَائِدَة عَلَى الْحَقّ الَّذِي قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { الْحَقّ مِنْ رَبّك } وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم } مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم الَّذِي قَدْ بَيَّنْته لَك فِي عِيسَى أَنَّهُ عَبْد اللَّه . { فَقُلْ تَعَالَوْا } هَلُمُّوا فَلْنَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ , وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ , وَأَنْفُسنَا وَأَنْفُسكُمْ , { ثُمَّ نَبْتَهِل } يَقُول : ثُمَّ نَلْتَعِن , يُقَال فِي الْكَلَام : مَا لَهُ بَهَلَهُ اللَّه ! أَيْ لَعَنَهُ اللَّه , وَمَا لَهُ عَلَيْهِ بَهْلَة اللَّه ! يُرِيد اللَّعْن . وَقَالَ لَبِيد , وَذَكَرَ قَوْمًا هَلَكُوا , فَقَالَ : نَظَرَ الدَّهْر إِلَيْهِمْ فَابْتَهَلَ يَعْنِي دَعَا عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ . { فَنَجْعَل لَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ } مِنَّا وَمِنْكُمْ فِي آيَة عِيسَى . كَمَا : 5657 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم } أَيْ فِي عِيسَى أَنَّهُ عَبْد اللَّه وَرَسُوله مِنْ كَلِمَة اللَّه وَرُوحه . { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ } إِلَى قَوْله : { عَلَى الْكَاذِبِينَ } 5658 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم } أَيْ مِنْ بَعْد مَا قَصَصْت عَلَيْك مِنْ خَبَره , وَكَيْفَ كَانَ أَمْره { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ } . . الْآيَة . 5659 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم } يَقُول : مَنْ حَاجَّك فِي عِيسَى مِنْ بَعْد مَا جَاءَك فِيهِ مِنْ الْعِلْم . 5660 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَل لَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ } قَالَ : مِنَّا وَمِنْكُمْ . 5661 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : وثني اِبْن لَهِيعَة , عَنْ سُلَيْمَان بْن زِيَاد الْحَضْرَمِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن جَزْء الزُّبَيْدِيّ , أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْن أَهْل نَجْرَان حِجَابًا فَلَا أَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنِي " مِنْ شِدَّة مَا كَانُوا يُمَارُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسنَا وَأَنْفُسكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَل لَعْنَت اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ } فَمَنْ جَادَلَك يَا مُحَمَّد فِي الْمَسِيح عِيسَى اِبْن مَرْيَم . وَالْهَاء فِي قَوْله : { فِيهِ } عَائِدَة عَلَى ذِكْر عِيسَى , وَجَائِز أَنْ تَكُون عَائِدَة عَلَى الْحَقّ الَّذِي قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { الْحَقّ مِنْ رَبّك } وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم } مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم الَّذِي قَدْ بَيَّنْته لَك فِي عِيسَى أَنَّهُ عَبْد اللَّه . { فَقُلْ تَعَالَوْا } هَلُمُّوا فَلْنَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ , وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ , وَأَنْفُسنَا وَأَنْفُسكُمْ , { ثُمَّ نَبْتَهِل } يَقُول : ثُمَّ نَلْتَعِن , يُقَال فِي الْكَلَام : مَا لَهُ بَهَلَهُ اللَّه ! أَيْ لَعَنَهُ اللَّه , وَمَا لَهُ عَلَيْهِ بَهْلَة اللَّه ! يُرِيد اللَّعْن . وَقَالَ لَبِيد , وَذَكَرَ قَوْمًا هَلَكُوا , فَقَالَ : نَظَرَ الدَّهْر إِلَيْهِمْ فَابْتَهَلَ يَعْنِي دَعَا عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ . { فَنَجْعَل لَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ } مِنَّا وَمِنْكُمْ فِي آيَة عِيسَى . كَمَا : 5657 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم } أَيْ فِي عِيسَى أَنَّهُ عَبْد اللَّه وَرَسُوله مِنْ كَلِمَة اللَّه وَرُوحه . { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ } إِلَى قَوْله : { عَلَى الْكَاذِبِينَ } 5658 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم } أَيْ مِنْ بَعْد مَا قَصَصْت عَلَيْك مِنْ خَبَره , وَكَيْفَ كَانَ أَمْره { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ } . . الْآيَة . 5659 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِنْ بَعْد مَا جَاءَك مِنْ الْعِلْم } يَقُول : مَنْ حَاجَّك فِي عِيسَى مِنْ بَعْد مَا جَاءَك فِيهِ مِنْ الْعِلْم . 5660 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَل لَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ } قَالَ : مِنَّا وَمِنْكُمْ . 5661 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : وثني اِبْن لَهِيعَة , عَنْ سُلَيْمَان بْن زِيَاد الْحَضْرَمِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن جَزْء الزُّبَيْدِيّ , أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْن أَهْل نَجْرَان حِجَابًا فَلَا أَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنِي " مِنْ شِدَّة مَا كَانُوا يُمَارُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . '

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { فمن حاجك فيه} أي جادلك وخاصمك يا محمد { فيه} ، أي في عيسى { من بعد ما جاءك من العلم} بأنه عبد الله ورسوله. { فقل تعالوا} أي أقبلوا. وضع لمن له جلالة ورفعة ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى الإقبال، وسيأتي له مزيد بيان في "الأنعام". { ندع} في موضع جزم. { أبناءنا} دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها وهو يقول لهم : (إن أنا دعوت فأمّنوا). وهو معنى قوله { ثم نبتهل} أي نتضرع في الدعاء؛ عن ابن عباس. أبو عبيدة والكسائي : نلتعن. وأصل الابتهال الاجتهاد في الدعاء باللعن وغيره. قال لبيد : في كهول سادة من قومه ** نظر الدهر إليهم فابتهل أي اجتهد في إهلاكهم. يقال : بهله الله أي لعنه. والبهل : اللعن. والبهل : الماء القليل. وأبهلته إذا خليته وإرادته. وبهلته أيضا. وحكى أبو عبيدة : بهله الله يبهله بهلة أي لعنه. قال ابن عباس : هم أهل نجران : السيد والعاقب وابن الحارث رؤساؤهم. { فنجعل لعنة الله على الكاذبين} . الثانية: هذه الآية من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه دعاهم إلى المباهلة فأبوا منها ورضوا بالجزية بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب أنهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا فإن محمدا نبي مرسل، ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى؛ فتركوا المباهلة وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدوا في كل عام ألف حُلَّة في صَفَر وألف حلة في رجب فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بدلا من الإسلام. الثالثة: قال كثير من العلماء : إن قوله عليه السلام في الحسن والحسين لما باهل { ندع أبناءنا وأبناءكم} وقوله في الحسن : (إن ابني هذا سيد) مخصوص بالحسن والحسين أن يسميا ابنيْ النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرهما؛ لقوله عليه السلام : (كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي) ولهذا قال بعض أصحاب الشافعي فيمن أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن وولد ابنة : إن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة؛ وهو قول الشافعي. وسيأتي لهذا مزيد بيان في "الأنعام والزخرف" إن شاء الله تعالى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 58 - 67

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لقد جاء الحق البيّن والقول الفصل من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فلا مجال للشك أو المراء، ومن يرد أن يحتكم إلى أحدٍ فليقبل الاحتكام إلى الإله العادل الذي لن يحكم بالباطل أبدا، فهو سبحانه الحق، ويجيء هذا القول: { تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ }. إن الطرفين مدعوان ليوجها الدعوة لأبنائهم ونسائهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم مدعو لدعوة أبنائه ونسائه، ومن له الولاية عليهم، وبحضوره هو صلى الله عليه وسلم، وهم مدعون لدعوة أبنائهم ونسائهم وأنفسهم للابتهال.

وقد يسأل سائل: ولماذا تكون الدعوة للأبناء والنساء؟ والإجابة هي: أن الأبناء والنساء هم القرابة القريبة التي تهم كل إنسان، وإن لم يكن رسولا، إنهم بضعة من نفسه وأهله. فكان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يقول لهم: " هاتوا أحبابكم من الأبناء والنساء لأنهم أعزة الأهل وألصقهم بالقلوب وادخلوا معنا في مباهلة " " والمباهلة ": هي التضرع في الدعاء لاستنزال اللعنة على الكاذب، فالبهلة - بضم الباء - هي اللعنة، وعندما يقول الطرفان: " يارب لتنزل لعنتك على الكذاب منا " فهذا دعاء يحمل مطلق العدالة، فالإله الذي يستطيع أن ينزل اللعنة هو الإله الحق. وهو سينزل اللعنة على من يشركون به، ولو كانت اللعنة تنزل من الآلهة المتعددة فسوف تنزل اللعنة على أتباع الإله الواحد.

ولهذا كانت الدعوة إلى المباهلة والبهلة - كما قلنا - وهي ضراعة إلى القوة القاهرة التي تتصرف في الأمر لتنهى الخلاف، ثم صار المراد بالمباهلة هنا مطلق الدعاء، فنحن نقول: " نبتهل إلى الله " ، أي ندعو الله.

إذن فالرسول صلى الله عليه وسلم جاءهم بالأمر المنزل من عند الله الحق بدعوة الأبناء والنساء والأنفس، لكنهم قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: " أَنْظِرْنا إلى غد ونأتي إليك ".

ثم أرسلوا في الصباح واحدا منهم ليرى ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل هو مستعد لهذا الأمر حقيقة، أو هو مجرد قول منه أراد به التهديد فقط؟ ووجد رسولهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه الحسين والحسن وفاطمة وعلي بن أبي طالب، لذلك قالوا: " لا لن نستطيع المباهلة " ، والله ما باهل قوم نبيا إلا أخذوا، وحاولوا ترضية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: " لنظل على ديننا ويظل محمد وأتباعه على دينه " لقد ظنوا ان الدعوة إلى المباهلة هي مجرد تهديد لن ينفذه الرسول، لكن صاحب اليقين الصادق جاء ومعه أهله استعدادا للمباهلة، ولن يُقبل على مثل هذا الموقف الا من عنده عميق الإيمان واليقين، أما الذي لا يملك يقيناً فلن يقبل على المباهلة بل لا بد ان يرجع عنها.وقد رجعوا عن المباهلة، وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: لنتفق معا ألا تغزونا أو تخيفنا على أن نرسل لك الجزية في رجب وفي صفر وهي من الخيل وغير ذلك! لقد فروا من المباهلة لمعرفتهم أنهم في شك من أمرهم، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان على يقين بما أنزل الله عليه وكان العرب إذا خرجوا إلى الحرب يأخذون نساءهم معهم، لذلك حتى يخجل الرجل من الفرار، وحتى لا يترك أولاده ونساءه لكيلا يذلوا من بعد موته، فإن قُتِلَ قُتلوا معه هم أيضا.

إذن إن أردنا نحن الآن أن ننهي الجدل في مسألة عيسى عليه السلام فلنسمع قول الحق سبحانه وتعالى: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ } إنه الحق القادم من الربوبية فلا تكن أيها السامع من الشاكين في هذه المسألة. ومن أراد أن يأتي بحجة مضادة للحجة القادمة من الله فلنا أن نحسمها بأن نقول: { تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ }.

ولن يجرؤ واحد منهم على ذلك. لماذا؟ لأن السابقين عليهم قد فروا من المباهلة ولأن الله - سبحانه - يريد ان يزيد المؤمنين إيمانا واطمئنانا إلى أن ما ينزله على رسوله هو الحق قال - جل شأنه -: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ} الآية. [61].
أخبرنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الزَّمجاري، أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك، حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثنا أبي، حدَّثنا حسين، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن، قال:
جاء راهبا نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلما تَسْلَما، فقالا: قد أسلمنا قبلك، فقال: كذبتما يمنعكما من الإسلام: [ثلاث]: سجودكما للصليب، وقولكما: اتخذ الله ولداً، وشربكما الخمر فقالا: ما تقول في عيسى؟ قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن: { ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ} إلى قوله: { فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ} الآية، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنة، قال وجاء بالحسن والحسين وفاطمة وأهله وولده عليهم السلام. قال: فلما خرجا من عنده قال أحدهما للآخر: أَقْرِرْ بالجِزْية ولا تلاعنه، فأقرَّ بالجزية. قال: فرجعا فقالا: نقرُّ بالجزية ولا نلاعنك. [فأقرا بالجزية].
أخبرني عبد الرحمن بن الحسن الحافظ، فيما أذن في روايته؛ حدَّثنا أبو حفص عمر بن أحمد الواعظ، حدَّثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، حدَّثنا يحيى بن حاتم العسكري، حدَّثنا بشر بن مِهْران، حدَّثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هِنْد، عن الشّعبي، عن جابر بن عبد الله، قال:
قدم وفد أهل نجران على النبي صلى الله عليه وسلم: العاقب، والسيد. فدعاهما إلى الإسلام، فقالا: أسلمنا قبلك، قال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإسلام، فقالا: هات أنبئنا، قال: حب الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير. فدعاهما إلى المُلاَعَنَةِ فوعداه على أن يُغَادِيَاه بالغَدَاة، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيد علي وفاطمة، وبيد الحسن والحسين، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا، فأقرا له بالخراج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي بعثني بالحق لو فعلا لَمُطِرَ الوادي ناراً". قال جابر: فنزلت فيهم هذه الآية: { فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ} قال الشعبي: ابناءنا: الحسن والحسين، ونساءنا: فاطمة، وأنفسنا: علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.


www.alro7.net