سورة
اية:

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض لا يخفى عليه شيء من ذلك، { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، { لا إله إلا هو العزيز الحكيم} أي هو الذي خلق وهو المستحق للإلهية، وحده لا شريك له وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام، وهذه الآية فيها تعريض بل تصريح بأن عيسى بن مريم عبد مخلوق كما خلق اللّه سائر البشر، لأن اللّه صوره في الرحم وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلهاً كما زعمته النصارى عليهم لعائن اللّه!! وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال!؟ كما قال تعالى: { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث} .

تفسير الجلالين

{ هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء } من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك { لا إله إلا هو العزيز } في ملكه { الحكيم } في صنعه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : اللَّه الَّذِي يُصَوِّركُمْ فَيَجْعَلكُمْ صُوَرًا أَشْبَاحًا فِي أَرْحَام أُمَّهَاتكُمْ كَيْفَ شَاءَ وَأَحَبَّ , فَيَجْعَل هَذَا ذَكَرًا وَهَذَا أُنْثَى , وَهَذَا أَسْوَد وَهَذَا أَحْمَر . يُعَرِّف عِبَاده بِذَلِكَ أَنَّ جَمِيع مَنْ اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام النِّسَاء مِمَّنْ صَوَّرَهُ وَخَلَقَهُ كَيْفَ شَاءَ , وَأَنَّ عِيسَى اِبْن مَرْيَم مِمَّنْ صَوَّرَهُ فِي رَحِم أُمّه وَخَلَقَهُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ وَأَحَبَّ , وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِلَهًا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ رَحِم أُمّه , لِأَنَّ خَلَّاق مَا فِي الْأَرْحَام لَا تَكُون الْأَرْحَام عَلَيْهِ مُشْتَمِلَة , وَإِنَّمَا تَشْتَمِل عَلَى الْمَخْلُوقِينَ . كَمَا : 5157 - حَدَّثَنِي اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } قَدْ كَانَ عِيسَى مِمَّنْ صَوَّرَ فِي الْأَرْحَام , لَا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ , وَلَا يُنْكِرُونَهُ , كَمَا صَوَّرَ غَيْره مِنْ بَنِي آدَم , فَكَيْفَ يَكُون إِلَهًا وَقَدْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَنْزِل ؟ 5158 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } أَيْ أَنَّهُ صَوَّرَ عِيسَى فِي الرَّحِم كَيْفَ شَاءَ . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , مَا : 5159 - حَدَّثَنَا بِهِ مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } قَالَ : إِذَا وَقَعَتْ النُّطْفَة فِي الْأَرْحَام , طَارَتْ فِي الْجَسَد أَرْبَعِينَ يَوْمًا , ثُمَّ تَكُون عَلَقَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا , ثُمَّ تَكُون مُضْغَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا , فَإِذَا بَلَغَ أَنْ يُخَلَّق بَعَثَ اللَّه مَلَكًا يُصَوِّرهَا , فَيَأْتِي الْمَلَك بِتُرَابٍ بَيْن أُصْبُعَيْهِ , فَيَخْلِطهُ فِي الْمُضْغَة ثُمَّ يَعْجِنهُ بِهَا ثُمَّ يُصَوِّرهَا كَمَا يُؤْمَر , فَيَقُول : أَذَكَر أَوْ أُنْثَى , أَشَقِيّ أَوْ سَعِيد , وَمَا رِزْقه , وَمَا عُمْره , وَمَا أَثَره , وَمَا مَصَائِبه ؟ فَيَقُول اللَّه , وَيَكْتُب الْمَلَك . فَإِذَا مَاتَ ذَلِكَ الْجَسَد , دُفِنَ حَيْثُ أُخِذَ ذَلِكَ التُّرَاب . 5160 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } قَادِر وَاَللَّه رَبّنَا أَنْ يُصَوِّر عِبَاده فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى , أَوْ أَسْوَد أَوْ أَحْمَر , تَامّ خَلْقه وَغَيْر تَامّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : اللَّه الَّذِي يُصَوِّركُمْ فَيَجْعَلكُمْ صُوَرًا أَشْبَاحًا فِي أَرْحَام أُمَّهَاتكُمْ كَيْفَ شَاءَ وَأَحَبَّ , فَيَجْعَل هَذَا ذَكَرًا وَهَذَا أُنْثَى , وَهَذَا أَسْوَد وَهَذَا أَحْمَر . يُعَرِّف عِبَاده بِذَلِكَ أَنَّ جَمِيع مَنْ اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام النِّسَاء مِمَّنْ صَوَّرَهُ وَخَلَقَهُ كَيْفَ شَاءَ , وَأَنَّ عِيسَى اِبْن مَرْيَم مِمَّنْ صَوَّرَهُ فِي رَحِم أُمّه وَخَلَقَهُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ وَأَحَبَّ , وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِلَهًا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ رَحِم أُمّه , لِأَنَّ خَلَّاق مَا فِي الْأَرْحَام لَا تَكُون الْأَرْحَام عَلَيْهِ مُشْتَمِلَة , وَإِنَّمَا تَشْتَمِل عَلَى الْمَخْلُوقِينَ . كَمَا : 5157 - حَدَّثَنِي اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } قَدْ كَانَ عِيسَى مِمَّنْ صَوَّرَ فِي الْأَرْحَام , لَا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ , وَلَا يُنْكِرُونَهُ , كَمَا صَوَّرَ غَيْره مِنْ بَنِي آدَم , فَكَيْفَ يَكُون إِلَهًا وَقَدْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَنْزِل ؟ 5158 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } أَيْ أَنَّهُ صَوَّرَ عِيسَى فِي الرَّحِم كَيْفَ شَاءَ . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , مَا : 5159 - حَدَّثَنَا بِهِ مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } قَالَ : إِذَا وَقَعَتْ النُّطْفَة فِي الْأَرْحَام , طَارَتْ فِي الْجَسَد أَرْبَعِينَ يَوْمًا , ثُمَّ تَكُون عَلَقَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا , ثُمَّ تَكُون مُضْغَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا , فَإِذَا بَلَغَ أَنْ يُخَلَّق بَعَثَ اللَّه مَلَكًا يُصَوِّرهَا , فَيَأْتِي الْمَلَك بِتُرَابٍ بَيْن أُصْبُعَيْهِ , فَيَخْلِطهُ فِي الْمُضْغَة ثُمَّ يَعْجِنهُ بِهَا ثُمَّ يُصَوِّرهَا كَمَا يُؤْمَر , فَيَقُول : أَذَكَر أَوْ أُنْثَى , أَشَقِيّ أَوْ سَعِيد , وَمَا رِزْقه , وَمَا عُمْره , وَمَا أَثَره , وَمَا مَصَائِبه ؟ فَيَقُول اللَّه , وَيَكْتُب الْمَلَك . فَإِذَا مَاتَ ذَلِكَ الْجَسَد , دُفِنَ حَيْثُ أُخِذَ ذَلِكَ التُّرَاب . 5160 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { هُوَ الَّذِي يُصَوِّركُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء } قَادِر وَاَللَّه رَبّنَا أَنْ يُصَوِّر عِبَاده فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاء مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى , أَوْ أَسْوَد أَوْ أَحْمَر , تَامّ خَلْقه وَغَيْر تَامّ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } وَهَذَا الْقَوْل تَنْزِيه مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَفْسه أَنْ يَكُون لَهُ فِي رُبُوبِيَّته نِدّ أَوْ مِثْل أَوْ أَنْ تَجُوز الْأُلُوهَة لِغَيْرِهِ , وَتَكْذِيب مِنْهُ لِلَّذِينَ قَالُوا فِي عِيسَى مَا قَالُوا مِنْ وَفْد نَجْرَان الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَائِر مَنْ كَانَ عَلَى مِثْل الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلهمْ فِي عِيسَى , وَلِجَمِيعِ مَنْ اِدَّعَى مَعَ اللَّه مَعْبُودًا , أَوْ أَقَرَّ بِرُبُوبِيَّةِ غَيْره . ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقه بِصِفَتِهِ وَعِيدًا مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَ غَيْره أَوْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَته أَحَدًا سِوَاهُ , فَقَالَ : { هُوَ الْعَزِيز } الَّذِي لَا يَنْصُر مَنْ أَرَادَ الِانْتِقَام مِنْهُ أَحَد , وَلَا يُنْجِيه مِنْهُ وَأْل وَلَا لَجَأ , وَذَلِكَ لِعِزَّتِهِ الَّتِي يَذِلّ لَهَا كُلّ مَخْلُوق , وَيَخْضَع لَهَا كُلّ مَوْجُود . ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ الْحَكِيم فِي تَدْبِيره , وَإِعْذَاره إِلَى خَلْقه , وَمُتَابَعَة حُجَجه عَلَيْهِمْ , لِيَهْلِك مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ عَنْ بَيِّنَة , وَيَحْيَا مَنْ حَيِيَ عَنْ بَيِّنَة . كَمَا : 5161 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر , قَالَ : ثُمَّ قَالَ : - يَعْنِي الرَّبّ عَزَّ وَجَلَّ إِنْزَاهًا لِنَفْسِهِ , وَتَوْحِيدًا لَهَا مِمَّا جَعَلُوا مَعَهُ - : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } قَالَ : الْعَزِيز فِي نُصْرَته مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ إِذَا شَاءَ , وَالْحَكِيم فِي عُذْره وَحُجَّته إِلَى عِبَاده . 1625 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } يَقُول : عَزِيز فِي نِقْمَته , حَكِيم فِي أَمْره . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } وَهَذَا الْقَوْل تَنْزِيه مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَفْسه أَنْ يَكُون لَهُ فِي رُبُوبِيَّته نِدّ أَوْ مِثْل أَوْ أَنْ تَجُوز الْأُلُوهَة لِغَيْرِهِ , وَتَكْذِيب مِنْهُ لِلَّذِينَ قَالُوا فِي عِيسَى مَا قَالُوا مِنْ وَفْد نَجْرَان الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَائِر مَنْ كَانَ عَلَى مِثْل الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلهمْ فِي عِيسَى , وَلِجَمِيعِ مَنْ اِدَّعَى مَعَ اللَّه مَعْبُودًا , أَوْ أَقَرَّ بِرُبُوبِيَّةِ غَيْره . ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقه بِصِفَتِهِ وَعِيدًا مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَ غَيْره أَوْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَته أَحَدًا سِوَاهُ , فَقَالَ : { هُوَ الْعَزِيز } الَّذِي لَا يَنْصُر مَنْ أَرَادَ الِانْتِقَام مِنْهُ أَحَد , وَلَا يُنْجِيه مِنْهُ وَأْل وَلَا لَجَأ , وَذَلِكَ لِعِزَّتِهِ الَّتِي يَذِلّ لَهَا كُلّ مَخْلُوق , وَيَخْضَع لَهَا كُلّ مَوْجُود . ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ الْحَكِيم فِي تَدْبِيره , وَإِعْذَاره إِلَى خَلْقه , وَمُتَابَعَة حُجَجه عَلَيْهِمْ , لِيَهْلِك مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ عَنْ بَيِّنَة , وَيَحْيَا مَنْ حَيِيَ عَنْ بَيِّنَة . كَمَا : 5161 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر , قَالَ : ثُمَّ قَالَ : - يَعْنِي الرَّبّ عَزَّ وَجَلَّ إِنْزَاهًا لِنَفْسِهِ , وَتَوْحِيدًا لَهَا مِمَّا جَعَلُوا مَعَهُ - : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } قَالَ : الْعَزِيز فِي نُصْرَته مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ إِذَا شَاءَ , وَالْحَكِيم فِي عُذْره وَحُجَّته إِلَى عِبَاده . 1625 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم } يَقُول : عَزِيز فِي نِقْمَته , حَكِيم فِي أَمْره . '

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: قوله تعالى { هو الذي يصوركم} أخبر تعالى عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات وأصل الرحِم من الرحمة، لأنها مما يتراحم به. واشتقاق الصورة من صاره إلى كذا إذا أماله؛ فالصورة مائلة إلى شَبَه وهيئة. وهذه الآية تعظيم لله تعالى، وفي ضمنها الرد على نصارى نجران، وأن عيسى من المصَوَّرين، وذلك مما لا ينكره عاقل. وأشار تعالى إلى شرح التصوير في سورة "الحج" و"المؤمنون". وكذلك شرحه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود، على ما يأتي هناك بيانه إن شاء الله تعالى وفيها الرد على الطبائعيين أيضا إذ يجعلونها فاعلة مستبدة. وقد مضى الرد عليهم في آية التوحيد وفي مسند ابن سنجر - واسمه محمد بن سَنْجر - حديث (إن الله تعالى يخلق عظام الجنين وغضاريفه من مني الرجل وشحمه ولحمه من مني المرأة). وفي هذا أدل دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة، وهو صريح في قوله تعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} [الحجرات : 13] وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان وفيه : أن اليهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال : (ينفعك إن حدثتك)؟. قال : أسمع بأذني، قال : جئتك أسألك عن الولد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذْكَرا بإذن الله تعالى وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله...) الحديث. وسيأتي بيانه آخر "الشورى" إن شاء الله تعالى. الثانية: قوله تعالى { كيف يشاء} يعني من حسن وقبح وسواد وبياض وطول وقصر وسلامة وعاهة، إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة. وذكر عن إبراهيم بن أدهم أن القراء اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث، فقال لهم : إني مشغول عنكم بأربعة أشياء، فلا أتفرغ لرواية الحديث. فقيل له : وما ذاك الشغل؟ قال : أحدها أني أتفكر في يوم الميثاق حيث قال : (هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي) فلا أدري من أي الفريقين كنت في ذلك الوقت. والثاني حيث صورت في الرحم فقال الملك الذي هو موكل على الأرحام : (يا رب شقي هو أم سعيد) فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت والثالث حين يقبض ملك الموت روحي فيقول : (يا رب مع الكفر أم مع الإيمان) فلا أدري كيف يخرج الجواب. والرابع حيث يقول { وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس : 59] فلا أدري في أي الفريقين أكون. ثم قال تعالى { لا إله إلا هو} أي لا خالق ولا مصور سواه وذلك دليل على وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلها مصورا وهو مصور. { العزيز} الذي لا يغالب. { الحكيم} ذو الحكمة أو المحكم، وهذا أخص بما ذكر من التصوير.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 3 - 7

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والتصوير في الرحم هو إيجاد المادة التي سيوجد منها الإنسان على هيئة خاصة؛ هذه الهيئة تختلف نوعيتها: ذكورة وأنوثة. والذكورة والأنوثة تختلفان أشكالاً؛ بيضاء وسمراء وقمحية وخمرية وقصيرة وطويلة، هذه الأشكال التي يوجد عليها الخلق والتي منها:
{  وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ }
[الروم: 22].

هذا الاختلاف في الألوان والألسنة والأشياء المتعددة يَدُل على أنها ليست من إنتاج مصنع يصنع قالباً ثم يشكل عليه، لا؛ فكل إنسان يولد يصنع بيد قديرة بقدرة ذاتية.

إن الصانع الآن إذا أرادت أن يصنع لك كوباً يصنع قالباً ويكرره، لكن في الخلق البشري كل واحد بقالبه الخاص، وكل واحد بشكله المخصوص، وكل واحد بصوته الذي ثبت أن له بصمة كبصمة اليد، وكل واحد بلون، إذن فهي من الآيات، وهذا دليل على طلاقة القدرة، وفوق كل هذا هو الخلق الذي لا يحتاج إلى عملية علاج، معنى عملية علاج أي يجعل قالباً واحدا ليصب فيه مادته. لا، هو ـ جل شأنه ـ يقول:
{  بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
[البقرة: 117].

إن الأب والأم قد يتحدان في اللون ولكن الابن قد ينشأ بلون مختلف، ويخلق الله معظم الناس خلقاً سويا، ويخلق قلة من الناس خلقاً غير سوي؛ فقد يولد طفل أعمى أو مصاب بعاهة ما أو بإصبع زائدة أو إصبعين.. وهذا الشذوذ أراده الله في الخلق ليلفتنا الحق إلى حسن وجمال خلقه. لأن من يرى ـ وهو السويّ ـ إنساناً آخر معوَّقاً عن الحركة فإنه يحمد الله على كامل خلقه.

وحين يرى إنسان له في كل يد خمس أصابع إنساناً آخر له إصبع زائدة يعوق حركة يده، يعْرف حكمة وجود الأصابع الخمس، فالجمال لا يثبت إلا بوجود القبح، وبضدها تتمايز الأشياء، الإنسان الذي له سبع أصابع في يد واحدة، يضع الطب أمام مهمة يجند نفسه لها؛ حتى يستطيع الطبيب أن يستأصل الزائد عن حاجة الإنسان الطبيعي. ولو خلق الله الإنسان بثلاث أصابع لما استطاع ذلك الإنسان أن يتحكم عند استعماله الأشياء الدقيقة.

إن الإنسان العادي في حركته اليومية لا يدرك جمال استواء خلقه إلا إذا رأى فرداً من أفراد الشذوذ. والحق يلفت الناس الساهين عن نعم الله عليهم لرتابتها فيهم بفقدها في غيرهم. فساعة أن يرى مبصرٌ مكفوفاً يسير بعكاز، يفطن إلى نعمة البصر التي وهبها له الله فيشعر بنعمة الله عليه. إن الشذوذ في الخلق هو نماذج إيضاحية تلفت الناس إلى نعم الله التي أنعم الله عليهم بها.

هذه المُثُل في الكون تلفت الناس إلى نعم الله فيهم، ولذلك تجدها أمامك، وأيضا كي لا تستدرك على خالقك، ولا تقل ما ذنب هذا الإنسان أن يكون مخلوقاً هكذا؟ فهو سبحانه سيعوضه في ناحية أخرى؛ فقد يعطيه عبقرية تفوق إمكانات المبصر.ونضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى ـ عن الذي ساح في الدنيا " تيمور لنك الأعرج " وهو القائد الذي أذهل الدنيا شجاعة، إن الله قد أعطاه موهبة التخطيط والقتال تعويضاً له عن العرج. ونحن نجد العبقريات تتفجر في الشواذ غالباً، لماذا؟ لأن الله يجعل للعاجز عجزاً معيناً همة تحاول أن تعوض ما افتقده في شيء آخر، فيأتي النبوغ. إذن فـ { هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ } وكل تصوير له حكمة. ومادام كل تصوير له حكمة فكل خلق الله جميل.

عليك ألاّ تأخذ الخلق مفصولاً عن حكمة خالقه، بل خُذ كل خلق مع حكمته. إن الذي يجعلك تقول: هذا قبيح، إنك تفصل المخلوق عن حكمته، ومثال ذلك: التلميذ الذي يرسب قد يحزن والده، ولكن لماذا يأخذ الرسوب بعيداً عن حكمته؟ لقد رسب حتى يتعلم معنى الجدية في الاستذكار، فلو نجح مع لعبه ماذا سيحدث؟ كل أقرانه الذين عرفوا أنه لعب ونجح سيلعبون ويقولون: هذا لعب ونجح.. إذن فلا بد أن تأخذ كل عمل ومعه حكمة وجوده.

كذلك لا تأخذ العقوبة منفصلة عن الجريمة، فكل عقوبة علينا أن نأخذها ملتصقة بجريمتها، فساعة ترى واحداً مثلاً سيحكمون عليه بالإعدام تأخذك الرحمة به وتحزن، هنا نقول لك: أنت فصلت إعدامه عن القتل الذي ارتكبه سابقاً، إنما لو استحضرت جريمته لوجدته يُقتَلُ عدالة وقصاصاً فقد قُتُل غيره ظلماً، فلا تبعد هذه عن هذه.

{ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } ومعنى { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أي سيُصوِّر وهو عالم أن ما يصوِّره سيكون على هذه الصورة؛ لأنه لا يوجد إله آخر يقول له: هذه لا تعجبني وسأصور صورة أخرى، لا؛ لأن الذي يفعل ذلك عزيز، أي لا يغلب على أمر، وكل ما يريده يحدث وكل أمر عنده لحكمة، لأنه عندما يقول: { يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ } قد يقول أحد من الناس: إن هناك صوراً شاذة وصوراً غير طبيعية. وهو سبحانه يقول لك: أنا حكيم، وأفعلها لحكمة فلا تفصل الحدث عن حكمته، خذ الحدث بحكمته، وإذا أردت الحدث بحكمته تجده الجمال عينه، وهو سبحانه المصور في الرحم كيف يشاء، هذا من ناحية مادته.

وهو سبحانه يوضح: فلن يترك المادة هكذا بل سيجعل لهذه المادة قيما كي تنسجم حركة الوجود مع بعضها يقول سبحانه: { هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ... }


www.alro7.net