سورة
اية:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا

تفسير بن كثير

يخبر اللّه تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي الحديث: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) ""رواه أحمد وأصحاب السنن""وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق اللّه عزّ وجلَّ على عباده من الصلاة والزكاة والصيام والكفارات النذور وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، كالودائع وغير ذلك مما يأتمون به من غير اطلاع بينة على ذلك فأمر اللّه عزَّ وجلَّ بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء)، وقال ابن أبي حاتم عن عبد اللّه بن مسعود قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة وإن كان قد قتل في سبيل اللّه فيقال: أد أمانتك، فيقول: فأنَّى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها فيحملها على عاتقه فتنزل عن عاتقه فيهوي على أثرها أبد الآبدين ""أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود موقوفاً""قال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه. وروى ابن أبي حاتم عن مسروق قال، قال أُبيّ بن كعب : من الأمانات أن المرأة ائتمنت على فرجها، وقال الربيع بن أنس: هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس. وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه، وقال محمد بن إسحاق: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس خرج حتى جاء إلى البيت فطاف به سبعاً على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكن له الناس في المسجد فقال:(لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدميَّ هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج) وذكر بقيِّة الحديث في خطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم يومئذ إلى أن قال: ثم جلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول اللّه اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى اللّه عليك، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أين عثمان بن طلحة) ؟ فدعي له، فقال له: (هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر). قال ابن جرير: نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مفتاح الكعبة فدخل في البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية { إن اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} الآية، فدعا عثمان إليه فدفع إليه المفتاح، وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الآية { إن اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فداه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك. وهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت في ذلك أو لا فحكمها عام، ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي للبر والفاجر، أي هي أمر لكل أحد، وقوله: { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، ولهذا قال زيد بن أسلم: إن هذه الآية: إنما نزلت في الأمراء يعني الحكام بين الناس، وفي الحديث: (إن اللّه مع الحاكم ما لم يجر، فإذا جار وكله إلى نفسه)، وفي الأثر: (عدل يوم كعبادة أربعين سنة)، وقوله: { إن اللّه نعمَّا يعظكم به} أي يأمركم به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة، وقوله تعالى: { إن اللّه كان سميعاً بصيراً} سميعاً لأقوالكم، بصيراً بأفعالكم.

تفسير الجلالين

{ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات } أي ما اؤتمن عليه من الحقوق { إلى أهلها } نزلت لما أخذ عليّ رضي الله عنه مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة الحجبي سادنها قسرا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح ومنعه وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برده إليه وقال هاك خالدة تالدة فعجب من ذلك فقرأ له عليُّ الآية ، فأسلم وأعطاه عند موته لأخيه شيبة فبقي في ولده والآيةُ وإن وردت على سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع { وإذا حكمتم بين الناس } يأمركم { أن تحكموا بالعدل إن الله نعمَّا } فيه إدغام ميم نعم في ما النكرة الموصولة أي نعم شيئا { يعظكم به } تأدية الأمانة والحكم بالعدل { إن الله كان سميعا } لما يقال { بصيرا } بما يفعل .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا : وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7776 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي مَكِين , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } فِي وُلَاة الْأَمْر . 7777 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثنا لَيْث , عَنْ شَهْر , قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْأُمَرَاء خَاصَّة { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } 7778 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , قَالَ : قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : كَلِمَات أَصَابَ فِيهِنَّ حَقّ عَلَى الْإِمَام أَنْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَأَنْ يُؤَدِّي الْأَمَانَة , وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقّ عَلَى النَّاس أَنْ يَسْمَعُوا وَأَنْ يُطِيعُوا وَأَنْ يُجِيبُوا إِذَا دُعُوا . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , عَنْ عَلِيّ بِنَحْوِهِ . 7779 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن عُمَيْر , عَنْ مَكْحُول , فِي قَوْل اللَّه : { وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } قَالَ : هُمْ أَهْل الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . 7780 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن زَيْد , قَالَ : قَالَ أَبِي : هُمْ الْوُلَاة , أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : أَمَرَ السُّلْطَان بِذَلِكَ أَنْ يُعْطُوا النَّاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7781 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } قَالَ : يَعْنِي : السُّلْطَان يُعْطُونَ النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ : الَّذِي خُوطِبَ بِذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَفَاتِيح الْكَعْبَة أُمِرَ بِرَدِّهَا عَلَى عُثْمَان بْن طَلْحَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7782 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } قَالَ : نَزَلَتْ فِي عُثْمَان بْن طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة , قَبَضَ مِنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَفَاتِيح الْكَعْبَة , وَدَخَلَ بِهَا الْبَيْت يَوْم الْفَتْح , فَخَرَجَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة , فَدَعَا عُثْمَان فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمِفْتَاح . قَالَ : وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب لَمَّا خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة : فِدَاؤُهُ أَبِي وَأُمِّي ! مَا سَمِعْته يَتْلُوهَا قَبْل ذَلِكَ . 7783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا الزِّنْجِيّ بْن خَالِد , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : أَعِينُوهُ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : هُوَ خِطَاب مِنْ اللَّه وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ وُلُّوا فِي فَيْئِهِمْ وَحُقُوقهمْ , وَمَا اؤْتُمِنُوا عَلَيْهِ مِنْ أُمُورهمْ بِالْعَدْلِ بَيْنهمْ فِي الْقَضِيَّة . وَالْقَسْم بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَعَظَ بِهِ الرَّعِيَّة فِي : { أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } فَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِمْ , وَأَوْصَى الرَّاعِيَ بِالرَّعِيَّةِ , وَأَوْصَى الرَّعِيَّة بِالطَّاعَةِ . كَمَا : 7784 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } قَالَ : قَالَ أَبِي : هُمْ السَّلَاطِين . وَقَرَأَ اِبْن زَيْد : { تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء وَتَنْزِع الْمُلْك مِمَّنْ تَشَاء } 3 26 أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَ فَقَالَ : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } ؟ وَالْأَمَانَات : هِيَ الْفَيْء الَّذِي اِسْتَأْمَنَهُمْ عَلَى جَمْعه وَقَسْمه , وَالصَّدَقَات الَّتِي اِسْتَأْمَنَهُمْ عَلَى جَمْعهَا وَقَسْمهَا . { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } . .. الْآيَة كُلّهَا فَأَمَرَ بِهَذَا الْوُلَاة , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا نَحْنُ , فَقَالَ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } وَأَمَّا الَّذِي قَالَ اِبْن جُرَيْج مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي عُثْمَان بْن طَلْحَة فَإِنَّهُ جَائِز أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِيهِ , وَأُرِيدَ بِهِ كُلّ مُؤْتَمَن عَلَى أَمَانَة فَدَخَلَ فِيهِ وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ وَكُلّ مُؤْتَمَن عَلَى أَمَانَة فِي دِين أَوْ دُنْيَا , وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ : عَنَى بِهِ قَضَاء الدَّيْن وَرَدّ حُقُوق النَّاس . كَاَلَّذِي : 7785 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } فَإِنَّهُ لَمْ يُرَخِّص لِمُوسِرٍ وَلَا مُعْسِر أَنْ يُمْسِكهَا . 7786 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } عَنْ الْحَسَن : أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك , وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك " . فَتَأْوِيل الْآيَة إِذًا , إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا : إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ يَا مَعْشَر وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ أَنْ تُؤَدُّوا مَا اِئْتَمَنَتْكُمْ عَلَيْهِ رَعِيَّتكُمْ مِنْ فَيْئِهِمْ وَحُقُوقهمْ وَأَمْوَالهمْ وَصَدَقَاتهمْ إِلَيْهِمْ عَلَى مَا أَمَرَكُمْ اللَّه , بِأَدَاءِ كُلّ شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَنْ هُوَ لَهُ بَعْد أَنْ تَصِير فِي أَيْدِيكُمْ , لَا تَظْلِمُوهَا أَهْلهَا وَلَا تَسْتَأْثِرُوا بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا تَضَعُوا شَيْئًا مِنْهَا فِي غَيْر مَوْضِعه , وَلَا تَأْخُذُوهَا إِلَّا مِمَّنْ أَذِنَ اللَّه لَكُمْ بِأَخْذِهَا مِنْهُ قَبْل أَنْ تَصِير فِي أَيْدِيكُمْ ; وَيَأْمُركُمْ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن رَعِيَّتكُمْ أَنْ تَحْكُمُوا بَيْنهمْ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف , وَذَلِكَ حُكْم اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه وَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَان رَسُوله , لَا تَعْدُوا ذَلِكَ فَتَجُورُوا عَلَيْهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا : وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7776 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي مَكِين , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } فِي وُلَاة الْأَمْر . 7777 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثنا لَيْث , عَنْ شَهْر , قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْأُمَرَاء خَاصَّة { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } 7778 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , قَالَ : قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : كَلِمَات أَصَابَ فِيهِنَّ حَقّ عَلَى الْإِمَام أَنْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَأَنْ يُؤَدِّي الْأَمَانَة , وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقّ عَلَى النَّاس أَنْ يَسْمَعُوا وَأَنْ يُطِيعُوا وَأَنْ يُجِيبُوا إِذَا دُعُوا . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , عَنْ عَلِيّ بِنَحْوِهِ . 7779 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن عُمَيْر , عَنْ مَكْحُول , فِي قَوْل اللَّه : { وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } قَالَ : هُمْ أَهْل الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . 7780 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن زَيْد , قَالَ : قَالَ أَبِي : هُمْ الْوُلَاة , أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : أَمَرَ السُّلْطَان بِذَلِكَ أَنْ يُعْطُوا النَّاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7781 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } قَالَ : يَعْنِي : السُّلْطَان يُعْطُونَ النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ : الَّذِي خُوطِبَ بِذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَفَاتِيح الْكَعْبَة أُمِرَ بِرَدِّهَا عَلَى عُثْمَان بْن طَلْحَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7782 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } قَالَ : نَزَلَتْ فِي عُثْمَان بْن طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة , قَبَضَ مِنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَفَاتِيح الْكَعْبَة , وَدَخَلَ بِهَا الْبَيْت يَوْم الْفَتْح , فَخَرَجَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة , فَدَعَا عُثْمَان فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمِفْتَاح . قَالَ : وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب لَمَّا خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة : فِدَاؤُهُ أَبِي وَأُمِّي ! مَا سَمِعْته يَتْلُوهَا قَبْل ذَلِكَ . 7783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا الزِّنْجِيّ بْن خَالِد , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : أَعِينُوهُ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : هُوَ خِطَاب مِنْ اللَّه وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ وُلُّوا فِي فَيْئِهِمْ وَحُقُوقهمْ , وَمَا اؤْتُمِنُوا عَلَيْهِ مِنْ أُمُورهمْ بِالْعَدْلِ بَيْنهمْ فِي الْقَضِيَّة . وَالْقَسْم بَيْنهمْ بِالسَّوِيَّةِ , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَعَظَ بِهِ الرَّعِيَّة فِي : { أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } فَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِمْ , وَأَوْصَى الرَّاعِيَ بِالرَّعِيَّةِ , وَأَوْصَى الرَّعِيَّة بِالطَّاعَةِ . كَمَا : 7784 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } قَالَ : قَالَ أَبِي : هُمْ السَّلَاطِين . وَقَرَأَ اِبْن زَيْد : { تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ تَشَاء وَتَنْزِع الْمُلْك مِمَّنْ تَشَاء } 3 26 أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَ فَقَالَ : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } ؟ وَالْأَمَانَات : هِيَ الْفَيْء الَّذِي اِسْتَأْمَنَهُمْ عَلَى جَمْعه وَقَسْمه , وَالصَّدَقَات الَّتِي اِسْتَأْمَنَهُمْ عَلَى جَمْعهَا وَقَسْمهَا . { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } . .. الْآيَة كُلّهَا فَأَمَرَ بِهَذَا الْوُلَاة , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا نَحْنُ , فَقَالَ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْر مِنْكُمْ } وَأَمَّا الَّذِي قَالَ اِبْن جُرَيْج مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي عُثْمَان بْن طَلْحَة فَإِنَّهُ جَائِز أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِيهِ , وَأُرِيدَ بِهِ كُلّ مُؤْتَمَن عَلَى أَمَانَة فَدَخَلَ فِيهِ وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ وَكُلّ مُؤْتَمَن عَلَى أَمَانَة فِي دِين أَوْ دُنْيَا , وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ : عَنَى بِهِ قَضَاء الدَّيْن وَرَدّ حُقُوق النَّاس . كَاَلَّذِي : 7785 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } فَإِنَّهُ لَمْ يُرَخِّص لِمُوسِرٍ وَلَا مُعْسِر أَنْ يُمْسِكهَا . 7786 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا } عَنْ الْحَسَن : أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك , وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك " . فَتَأْوِيل الْآيَة إِذًا , إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا : إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ يَا مَعْشَر وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ أَنْ تُؤَدُّوا مَا اِئْتَمَنَتْكُمْ عَلَيْهِ رَعِيَّتكُمْ مِنْ فَيْئِهِمْ وَحُقُوقهمْ وَأَمْوَالهمْ وَصَدَقَاتهمْ إِلَيْهِمْ عَلَى مَا أَمَرَكُمْ اللَّه , بِأَدَاءِ كُلّ شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَنْ هُوَ لَهُ بَعْد أَنْ تَصِير فِي أَيْدِيكُمْ , لَا تَظْلِمُوهَا أَهْلهَا وَلَا تَسْتَأْثِرُوا بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا تَضَعُوا شَيْئًا مِنْهَا فِي غَيْر مَوْضِعه , وَلَا تَأْخُذُوهَا إِلَّا مِمَّنْ أَذِنَ اللَّه لَكُمْ بِأَخْذِهَا مِنْهُ قَبْل أَنْ تَصِير فِي أَيْدِيكُمْ ; وَيَأْمُركُمْ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن رَعِيَّتكُمْ أَنْ تَحْكُمُوا بَيْنهمْ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف , وَذَلِكَ حُكْم اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه وَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَان رَسُوله , لَا تَعْدُوا ذَلِكَ فَتَجُورُوا عَلَيْهِمْ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه نِعِمَّا يَعِظكُمْ بِهِ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا مَعْشَر وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ إِنَّ اللَّه نِعْمَ الشَّيْء يَعِظكُمْ بِهِ , وَنِعْمَتْ الْعِظَة يَعِظكُمْ بِهَا فِي أَمْره إِيَّاكُمْ , أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا , وَأَنْ تَحْكُمُوا بَيْن النَّاس بِالْعَدْلِ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه نِعِمَّا يَعِظكُمْ بِهِ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَا مَعْشَر وُلَاة أُمُور الْمُسْلِمِينَ إِنَّ اللَّه نِعْمَ الشَّيْء يَعِظكُمْ بِهِ , وَنِعْمَتْ الْعِظَة يَعِظكُمْ بِهَا فِي أَمْره إِيَّاكُمْ , أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا , وَأَنْ تَحْكُمُوا بَيْن النَّاس بِالْعَدْلِ' { إِنَّ اللَّه كَانَ سَمِيعًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ سَمِيعًا بِمَا تَقُولُونَ وَتَنْطِقُونَ , وَهُوَ سَمِيع لِذَلِكَ مِنْكُمْ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس وَلَمْ تُحَاوِرُوهُمْ بِهِ , { بَصِيرًا } بِمَا تَفْعَلُونَ فِيمَا اِئْتَمَنْتُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوق رَعِيَّتكُمْ وَأَمْوَالهمْ , وَمَا تَقْضُونَ بِهِ بَيْنهمْ مِنْ أَحْكَامكُمْ بِعَدْلٍ تَحْكُمُونَ أَوْ جَوْر , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , حَافِظ ذَلِكَ كُلّه , حَتَّى يُجَازِيَ مُحْسِنكُمْ بِإِحْسَانِهِ وَمُسِيئَكُمْ بِإِسَاءَتِهِ , أَوْ يَعْفُو بِفَضْلِهِ . { إِنَّ اللَّه كَانَ سَمِيعًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ سَمِيعًا بِمَا تَقُولُونَ وَتَنْطِقُونَ , وَهُوَ سَمِيع لِذَلِكَ مِنْكُمْ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْن النَّاس وَلَمْ تُحَاوِرُوهُمْ بِهِ , { بَصِيرًا } بِمَا تَفْعَلُونَ فِيمَا اِئْتَمَنْتُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوق رَعِيَّتكُمْ وَأَمْوَالهمْ , وَمَا تَقْضُونَ بِهِ بَيْنهمْ مِنْ أَحْكَامكُمْ بِعَدْلٍ تَحْكُمُونَ أَوْ جَوْر , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , حَافِظ ذَلِكَ كُلّه , حَتَّى يُجَازِيَ مُحْسِنكُمْ بِإِحْسَانِهِ وَمُسِيئَكُمْ بِإِسَاءَتِهِ , أَوْ يَعْفُو بِفَضْلِهِ .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات} هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الدين والشرع. وقد اختلف من المخاطب بها؛ فقال علي بن أبى طالب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب وابن زيد : هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة، فهي للنبي صلى الله عليه وسلم وأمرائه، ثم تتناول من بعدهم. وقال ابن جريج وغيره : ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن أبي طلحة الحجبي العبدري من بني عبدالدار ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وكانا كافرين وقت فتح مكة، فطلبه العباس بن عبدالمطلب لتنضاف له السدانة إلى السقاية؛ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان، وأخرج مقام إبراهيم ونزل عليه جبريل بهذه الآية. قال عمر بن الخطاب : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية، وما كنت سمعتها قبل منه، فدعا عثمان وشيبة فقال : (خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ). وحكى مكي : أن شيبة أراد ألا يدفع المفتاح، ثم دفعه، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : خذه بأمانة الله. وقال ابن عباس : الآية في الولاة خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ويردوهن إلى الأزواج. والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات. وهذا اختيار الطبري. وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه؛ والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى. وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها ) أو قال : (كل شيء إلا الأمانة - والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع ). ذكره أبو نعيم الحافظ في الحلية. وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب قالوا : الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، وقال ابن عباس : لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة. قلت : وهذا إجماع. وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار؛ قاله ابن المنذر. والأمانة مصدر بمعنى المفعول فلذلك جمع. ووجه النظم بما تقدم أنه تعالى أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقولهم : إن المشركين أهدى سبيلا، فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات؛ فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة وهي أعداد كثيرة كما ذكرنا. وأمهاتها في الأحكام : الوديعة واللقطة والرهن والعارية. وروى أبي بن كعب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ). أخرجه الدارقطني. ورواه أنس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في [البقرة ]معناه. وروى أبو أمامة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع : (العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم ). صحيح أخرجه الترمذي وغيره. وزاد الدارقطني : فقال رجل : فعهد الله ؟ قال : (عهد الله أحق ما أدي ). وقال بمقتضى هذه الآية والحديث في رد الوديعة وأنها مضمونة على كل حال كانت مما يغاب عليها أو لا يغاب تعدي فيها أو لم يتعد - عطاء والشافعي وأحمد وأشهب. وروي أن ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما ضمنا الوديعة. وروى ابن القاسم عن مالك أن من استعار حيوانا أو غيره مما لا يغاب عليه فتلف عنده فهو مصدق في تلفه ولا يضمنه إلا بالتعدي. وهذا قول الحسن البصري والنخعي، وهو قول الكوفيين والأوزاعي قالوا : ومعنى قول عليه السلام : (العارية مؤداة) هو كمعنى قوله تعالى { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} . فإذا تلفت الأمانة لم يلزم المؤتمن غرمها لأنه مصدق فكذلك العارية إذا تلفت من غير تعد؛ لأنه لم يأخذها على الضمان، فإذا تلفت بتعديه عليها لزمه قيمتها لجنايته عليها. وروي عن علي وعمر وابن مسعود أنه لا ضمان في العارية. وروى الدارقطني عن، عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا ضمان على مؤتمن ). واحتج الشافعي فيما استدل به بقول صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم لما استعار منه الأدراع : أعارية مضمونة أو عارية مؤداة ؟ فقال : (بل عارية مؤداة ). الثانية: قوله تعالى { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} قال الضحاك : بالبينة على المدعي واليمين على من أنكر. وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات. قال صلى الله عليه وسلم : (إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ). وقال : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع على أهله وهو مسؤول عنهم والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ). فجعل في هذه الأحاديث الصحيحة كل هؤلاء رعاة : وحكاما على مراتبهم، وكذلك العالم الحاكم؛ لأنه إذا أفتى حكم وقضى وفصل بين الحلال والحرام، والفرض والندب، والصحة والفساد، فجميع ذلك أمانة تؤدى وحكم يرضى. وقد تقدم في [البقرة] القول في { نعما} . قوله تعالى { إن الله كان سميعا بصيرا} وصف الله تعالى نفسه بأنه سميع بصير يسمع ويرى؛ كما قال تعالى { إنني معكما أسمع وأرى} [طه : 46] فهذا طريق السمع. والعقل يدل على ذلك؛ فإن انتفاء السمع والبصر يدل على نقيضهما من العمى والصمم، إذ المحل القابل للضدين لا يخلو من أحدهما، وهو تعالى مقدس عن النقائص ويستحيل صدور الأفعال الكاملة من المتصف، بالنقائص؛ كخلق السمع والبصر ممن ليس له سمع ولا بصر. وأجمعت الأمة على تنزيهه تعالى عن النقائص وهو أيضا دليل سمعي يكتفى به مع نص القرآن في مناظرة من تجمعهم كلمة الإسلام. جل الرب تبارك وتعالى عما يتوهمه المتوهمون ويختلقه المفترون الكاذبون { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } [الصافات : 180].

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 56 - 58


سورة النساء الايات 58 - 59

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقوله سبحانه: { أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا } ، أوجز الله فيها كل تكاليف السماء لأهل الأرض، لأن الأمانات هي: الأمانة العليا وهي الإيمان بالله، والأمانة التي تتعلق ببني الجنس، والأمانة التي على النفس لكل الأجناس.

ومعنى الأمانة هو: ما يكون لغيرك عندك من حقوق وأنت أمين عليها، إن شئت فعلتها، وإن شئت لم تفعلها، أنت تقول: أنا أودعت عند فلان أمانة، هذه الأمانة لو كانت بإيصال لما كانت أمانة؛ لأن هناك دليلاً، ولو كان ما أودعته عند ذلك الإنسان عليه شهود لا تكون أمانة. فالأمانة: أن تودع عنده شيئاً، وضميره هو الحكم، إن شاء أقر بما عنده لك حين تطلبه، وإن شاء لم يقر به، قال الحق:
{  إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }
[الأحزاب: 72].

فما هي الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبت أن تحملها ثم حملها الإنسان، وعلة تحمله لها أنه كان ظلوماً جهولاً؟ إن الكون كما نعلم فيه أجناس، أدناها الجماد، وأوسطها النبات، وأعلى من الأوسط الحيوان ثم الإنسان، والإنسان هو سيد هذه الأجناس، لأنها تخدمه جميعها، لكن الجماد والنبات والحيوان لا اختيار لأي منها في أن يفعل أو لا يفعل، وإنما كل جنس منها قد خلق لشيء ليؤديه، ولا اختيار له في أن يمتنع عن الأداء.

الأرض والسماوات والجبال لم تقبل أن تكون مختاره أو أن تحمل أمانة وتكون المسألة فيها راجعة إلى اختيارها إن شاءت فعلت وإن شاءت لم تفعل. وأشفقت الأرض والسماوات والجبال من حمل الأمانة لعدم الثقة بحالة النفس وقت أداء الأمانة. فيجوز أن يعقد الكائن العزم عند تحمل الأمانة أن يؤديها، ولكن عند أدائها لا يملك نفسه، فربما خانته نفسه وجعلته لا يقر بها. لقد احتاطت السماوات والأرض والجبال وقالوا: لا نريد هذه الأمانة ولا نريد أن نكون مختارين بين أن نفعل أو نترك، نطيع أو نعصي، وإنما يا رب نريد أن نكون مسخرين لما تحب دون اختيار لنا. فسلمت الأرض والسماوات والجبال، لكن الإنسان بما فيه من فكر يرجع الاختيار بين البديلات قال: أنا أقبلها وإن فكري سيخطط لأدائها. ولم يلتفت الإنسان ساعة تحمله الأمانة إلى حالة أدائه لها.

ومثال ذلك: من الجائز أن يعرض عليك إنسان مبلغاً من المال كأمانة عندك، فأخذته وأنت واثق أنك ستؤديه حين يطلبه منك، ولكنك ساعة الأداء قد لا تملك نفسك، فقد تمر بك ظروف فتصرف شيئاً من المال، أو أن تكون - والعياذ بالله - قد خربت ذمتك.

إذن فالإنسان لا يملك نفسه وقت الأداء وإن ملك نفسه وقت الأخذ، فالذين يحتاطون يقولون: أبعد عنا تحمل الأمانة، فلا نريد أن نحمل لك شيئاً ولكن الإنسان قبل تحمل الأمانة؛ لأنه " كان ظلوما جهولا " ظلم نفسه وجهل بحالته وقت الأداء، إذن فالأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان هي أمانة الاختيار التي يترتب عليها التكليف من الله.؟

إن التكليف محصور في " افعل " و " لا تفعل " ، فإن شئت فعلت في " افعل " ، وإن شئت لم تفعل في " لا تفعل ". وإن شئت العكس، ومعنى ذلك أن الأمانة في هذا المعنى مقصورة على ما طلبه الله من الإنسان وقت العرض. لكنها لم تتعرض للأمانات التي توجد بيننا، والأمانة كذلك هي ما يتعلق بذمتك بحق غيرك؛ لذلك فحين يعطي إنسان إنساناً شيئاً يصير الآخذ مؤتمناً فإن شاء أدى وإن شاء لم يؤد.

لكن هناك أمانات أخرى لم يعطها إنسان لإنسان، وإنما أعطاها رب الإنسان لكل إنسان، فالعلم الذي أعطاه الله للناس أمانة. فهل الذي علمك علماً وأعطاه لك وبعد ذلك قال لك: أدّه لي، كمثل من يكون مأموناً على مال؟ نقول للعالم: العلم ليس من عندك حتى تعطيه لغيرك وبعد ذلك يرده لك ولكن الله يجازيك عليه ثواباً وكذلك في الحلم والشجاعة، ولا تتضح هذه المسائل بين العبد والعبد إلا في المال، لكن في بقية الأشياء؛ نقول لك: أنت أمين عليها أمام خالقك، وقد أمنك ربنا على هذه الأشياء كي تؤديها إلا من لا يعلم، فأمنك على قدرةٍ وأمرك: أعطها لمن لا يقدر، وأمنك على علم وأوضح لك: أعطه لمن لا علم له..

إذن فمن الذي أعطاك هذه الأمانة؟ الله. فليس ضرورياً أن تكون الأمانة من صاحبها الذي أعطاها لك لتردها إليه، فالأمانة: ما تصير مأموناً عليه مِمن خَلَقَ أو من مخلوق، فأدها، والأمانة بهذا المعنى أمرها واسع، فاستحقاق الله للتوحيد أمانة عندك، أهليتك للتكليف من الله حين كلفك أمانة عندك، وأهليتك في المواهب المختلفة أمانة عندك، فكل إنسان عنده موهبة هو أمين عليها ولا بد أن يؤديها وينقل آثارها لم لا توجد عنده هذه الموهبة. فربنا أعطى هذا الإنسان قوة عضل، وأعطى ذلك قوة فكر، وأعطى ثالثاً قوة حلم، وأعطى رابعاً علماً. كل هذه الأشياء أمانات أودعها الله في خلقه ليتكامل الخلق، فحين يؤدي كل إنسان أمانته لكل إنسان يصبح كل إنسان عنده مواهب كل الآخرين.

والحق سبحانه وتعالى حينما يقول: { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا } نتذكر على الفور قمة الأمانة أن تعبده ولا تشرك به أحداً، والأمانة في التكاليف التي كلفك الله بها؛ لأنها أمانة لغيرك عندك، وأمانة عندك لغيرك. فحين يكلفك الله بألا تسرق، يكون قد كلف الناس كلهم ألا يسرقوك.إن كل أمانة عند غيرك تقابلها أمانة عندك، فإن أديت مطلوبات الأمانة عندك أدى المجتمع الذي يحيط بك الأمانة التي عنده، وهكذا تكون الأمانة هي: أداء حق في ذمتك لغيرك.

وقوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا } قيل نزلت في عثمان ابن طلحة ابن أبي طلحة وكان سادن - خادم - الكعبة وحين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - يده وأخذه منه وفتح ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجتمع له السقاية والسِّدانة فنزلت هذه الآية فأمر أن يرده إلى عثمان - رضي الله عنه - ويعتذر له فقال عثمان لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال لقد أنزل الله فيك قرآنا وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان وهبط جبريل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السِّدانة في أولاد عثمان أبداً.

وهذا يقابل الأمانة شيء بعد ذلك اسمه العدل، فلو أدى كل واحد ما لغيره عنده من حق لما احتجنا إلى عدل، فالعدل إنما ينشأ من خصومة وتقاضٍ، والتقاضي معناه: أن واحداً أنكر حق غيره. فلو أدى كل واحد منا ما في ذمته من حق لغيره لما وجد تقاضٍ، ولما وجدت خصومة فلا ضرورة إلى العدل حينئذٍ.

ولكن الحق الذي خلق الخلق وعلم الأغيار فيهم قدر أن بعض الناس يغفل عن هذه القضية وينشأ منها أن الإنسان قد لا يعطي الحق الذي في ذمته لغيره، فقضي سبحانه بشيء آخر اسمه " العدل ". ولو أن المسألة الأولى انتهت لما احتجنا للعدل.

إذن فالعدل هو علاج للغفلة التي تصيب البشر من الأغيار التي تطرأ على نفوسهم، فشاء الله أن يقول: { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ } ، في الأولى لم يقل: إذا أئمنتم فأدوا، لا. بل قال: { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ }. فإذا حدثت منكم غفلة عن هذه فما الذي يحمي هذه المسألة؟ هنا يأتي العدل وهو أن تقضي بحق في ذمة غيرك لغيره، أي ليس في ذمتك أنت؛ لأنك تحكم كي ترجح مسألة وتضع الأمر في نصابه.

وبذلك نعرف أن مطلوبات أداء الأمانة تكون في شيء عندك تؤدية لغيرك، لكن مطلوبات العدل: تكون في أشياء في ذمة غيرك لغيرك. ولذلك قال الحق: { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ } ، وكما أن آية أداء الأمانة عامة، كان لا بد أن تكون آية العدل عامة أيضاً.إن قوله تعالى: { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ } ليست خاصة للحاكم فقط، بل إنّ كل إنسان مطالب بالعدل، فلو كنت مُحَكَّماً من طرف قوم ورضوا بك أن تحكم فاحكم بالعدل حتى ولو كان الحكم في الأمور التي يتعلق بها التكريم والشرف والموهبة؛ فليس ضرورياً أن يكون الحكم بالعدل في أمر له قيمة مادية، مثلاً: سيدنا الإمام علي - رضوان الله عليه وكرم الله وجهه - يرى غلامين يتحاكمان إلى ابنه الحسن؛ ليحكم بينهما أي الخطين أجمل من الآخر، وهذه المسألة قد ينظر لها الناس على أنها مسألة تافهة لكنها ما دامت شغلت الطفلين وأراد كل واحد منهما أن يكون خطه أجمل، فلا بد أن يكون الحكم بالعدل. فقال الإمام على لابنه الحسن: يا بني انظر كيف تقضي، فإن هذا حكم والله سائلك عنه يوم القيامة.

إن هذا يعطينا صورة في دقة العدل حتى ولو كان الأمر صغيراً. وفي مباريات كرة القدم تجد الحكم الذي يقول هذه اللعبة تحتسب هدفاً أو لا تحتسب، هذا الحكم يحتاج إلى مهارة لأنه سيترتب عليها فوز فريق أو هزيمته، بدليل أنك حتى وأنت تراقب الكرة ثم وجدت الحكم لم يحتسب خطأ تثور عليه.

وهنا أتساءل: لماذا طبقتم قانون الجد في اللعب، ثم تركتم الجد بدون قانون؟ وهذا ما يحدث. نحن ننقل قوانين الجد إلى اللعب، ونترك الجد في بعض الأحيان بدون قانون، ولو اعتنينا بهذه كما اعتنينا بتلك. لتساوت الأمور، فالعدل إذن هو حق في ذمة غير لغير حتى ولو كانت مباراة في اللعب، وما دام الأمر قد شغل طرفين، وجعل بينهما نزاعاً وخلافا وتسابقاً فعليك أن تنهي هذا الخلاف بالعدل.

ويتابع الحق: { إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ } و " نعما " يعني نعم ما يعظكم به الله، أي لا يوجد أفضل من هذه العظة التي هي: أداء الأمانة والحكم بالعدل، فبهذا تستقيم حركة الحياة. فإذا أدى الناس الأمانة فلا نزاع ولا خلاف، وإذا أدوا عدالة الحكم فإن كان هناك خلاف ينتهي. وقال العلماء: إذا علم المجتمع أن عدلا يحرس حقوق الناس عند الناس فلن يجرّيء ذلك ظالماً على أن يظلم بعد ذلك، فيقول الظالم: فلان ظلم ولم يحاكم، فيغري ذلك الظالم أن يزيد في ظلمه، لكن ساعة يرى الناس أحداً يأخذ حق غيره ثم جاء الحاكم فردعه، ورد الحق لصاحبه فلن يظلم أحد أحداً.

وسبحانه في أمره هذا لا حاجة له في أن تفعلوا أو لا تفعلوا، فهي أشياء لا تؤثر عنده في شيء، إنما هي في مصالحكم أنتم بعضكم مع بعض، وأحسن ألوان الأمر هو ما لا يعود على الآمر بفائدة، لأن الأمر إذا ما كان فيه عود بالفائدة على الآمر قد يشكك في الأمر.لكن أن تأمر بأمر ليس لك فيه فائدة فهذا قمة العدل. وقد يوجد إنسان يأمر بما لا فائدة له فيه، لكنه قد لا يكون واسع العلم ولا واسع الحكمة، والأمر هنا يختلف لأن الله سبحانه وتعالى ليس له مصلحة في الأمر، هذه واحدة، وأيضاً فهو - سبحانه - واسع العلم والحكمة؛ لذلك كانت هذه العظة مقبولة جداً، وهي نعمة من الله وأما ما عداها فبئست العظة؛ لأن الله لا ينتفع بأمره هذا وهو مأمون على العباد جميعاً، والثانية: أنه قد يوجد غير لا ينتفع بالأمر ولكنه قاصر العلم وقاصر الحكمة فلا نعمت العظة منه، فقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا } يعني: نعم ما يعظكم به الله أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بالعدل.

ونلحظ الأداء البياني في القرآن في قوله: " تؤدوا " هذه للجماعة، وهذا يعني أن كل واحد مطالب بهذا الحكم أولا، { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ } ، فيكون كل واحد مطالباً بالحكم أيضاً، كأن مهمتكم الأمانية ليست مقصورة على أن تصونوا حقوقكم بينكم وبين أنفسكم، لا، فأنتم مكلفون بأن تصونوا الحقوق بين الناس والناس ولو لم يكونوا مؤمنين.

إن قوله: { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ }. يُفهم منها أيضاً حماية حقوق من آمن بالإسلام ومن لم يؤمن بدين الإسلام؛ لأن الحق جل وعلا يريد منا أن نؤدي الأمانة إلى " أهلها " ، ولم يقل " أهلها " المؤمنين أو الكافرين.

إن كلمة " الناس " هذه تدل على عدالة الأمر من إله هو رب للجميع، فسبحانه هو الذي استدعى الإنسان للدنيا، والإنسن منه مؤمن ومنه كافر. لكن أحداً لا يخرج عن نطاق الربوبية لله، فربنا يُربُّ ويرعى كل إنسان - مؤمناً كان أو كافراً - هو يرزق الجميع ولذلك أمر الكون: يا كون أعط من فَعَلَ الأسبابَ الغاية من المسببات إن كان مؤمناً أو كافراً. وهذا هو عطاء الربوبية، إنه - سبحانه - رزق الإنسان وسخر الأشياء له، فهو لم يسخر الكون للمؤمن فقط وإنما سخره للمؤمن وللكافر، فكذلك طلب منا أن نؤدي الأمانة للمؤن والكافر، وطلب منا أن نعدل بين المؤمن والكافر.

ولنا في الرسول صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فقد حدث أن " طعمة ابن أُبيرق " أحد بني ظُفر سرق درعا من جارٍ له اسمه " قتادة بن النعمان " ، في جراب دقيق والاثنان مسلمان، إلا أن منافذ الحق لمرتكب الجريمة ضيقة مهما ظن اتساعها، مثلما نقول: " الجريمة لا تفيد " ، فوضع الدرع المسروقة في جراب كان فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب وهو يسير من بيت قتادة بن النعمان وخبأ الدرع عند يهودي اسمه " زيد بن السمين " ، فلما فطن قتادة بن النعمان لضياع الدرع قال: سرق الدرع.سرق الدرع. فتتبعوا الأثر فوجدوه إلى بيت طعمة ابن أبيرق، فحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه. فتتبعوا الأثر ثانية فوجدوا الدرع عند اليهودي " زيد بن السمين " فقال اليهودي دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود، ورفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء بنو ظفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبريء اليهودي فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي فأنزل الله عليه حكمه الفصل:
{  إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً * وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً }
[النساء: 105-107].

أي لا تكن يا محمد مدافعاً عن الخائنين واستغفر الله إن كان هذا الخاطر قد جال برأسك بأن ترفع رأس مسلم على يهودي؛ لأن الحق أولى من المسلم؛ فما دام هو قبل أن يخون فلا تجادل عنه، ولماذا طلب بنو ظفر التغاضي عن جريمة مسلم وإلصاقها بيهودي؟ أيستخفون من الناس ولا يستخفون من الله؟ وافرض أن هذه برأتهم عند الناس. أتبرئهم عند الله؟ ويقول في آية أخرى:
{  هَا أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ }
[النساء: 109].

إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ } لا بد أن نأخذه على أنه مطلب تكليفي من الله للمسلمين حتى يشيع في كل الناس ولا يخص المؤمنين يتعاملون به فيما بينهم، وإنما يشمل أيضا ما بين المؤمنين والكافرين، وما بين الكافرين بعضهم مع بعض إن ارتضوا حكم رسول الله.

{ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً } وحين ترون تذييل آية بصفتين من صفات الحق أو باسمين من أسماء الحق، فلا بد أن تعلموا أن بين الصفتين أو بين الاسمين وبين متعلق الآية علاقة، وهنا يعلمنا الحق أنه سميع وبصير. بعد أداء الأمانة، والحكم بالعدل بين الناس، لأن الرسول شرح ذلك حين أمر من يقضي بين الناس أن يسوي بين الخصمين في لحظى ولفظه أي لا ينظر لواحد دون الثاني، ولا يكرم واحداً دون الآخر، فيسوي بين الاثنين وما دام سيسوي بين الاثنين، فلا بدْ أن تكون النظرة واحدة، والألفاظ واحدة.

روى أن يهوديا خاصم سيدنا عليا بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنادى أمير المؤمنين عليا فقال: " قف يا أبا الحسن " فبدا الغضب على عليّ رضي الله عنه، فقال له عمر: " أكرهت أن نسوي بينك وبين خصمك في مجلس القضاء؟ فقال علي رضي الله عنه: " لا.لكني كرهتُ منك أن عظمتني في الخطاب فناديتني بكنيتي ولم تصنع مع خصمي اليهودي ما صنعت معي ".

إذن فحين يقول عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري: " آسِ بين الناس في مجلسك ووجهك ".

فلا بد أن يقوم بتلك التسوية كل حاكم أو محكم بين خصمين فلا يميز ولا يرفع خصما على خصمه.

و " اللحظ " عمل العين. وهذا يحتاج إلى بصير، واللفظ يحتاج إلى أذن تسمع، أي إلى سميع، فقال: { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً }. لماذا قدم سبحانه هنا سميعاً على بصير؟ لأن ما يُسمع فيه تعبير واضح. أما النظرة فلا يعرفها إلا من يلاحظ أنه ينظر بحنان وإكبار، وهل وجدت له سبحانه صفة السمع بعد أن وجد ما يسمعه، وهل وجدت له صفة البصر بعد أن وجد ما يبصره؟ أو أن صفة السمع أزلية قديمة قبل أن يخلق خلقاً يسمع منه، وأن صفة البصر أزلية قديمة قبل أن يخلق خلقاً ليبصر أفعالهم؟ إنه سبحانه قديم أزلاً، موجود قبل كل موجود. وصفاته قديمة بقدمه.

إذن ففيه فرق بين أن تقول: سميع وبصير، وسامع ومبصر، فأنت تكون سامعاً إذا وجد بالفعل من يٌسْمع، إذن فما معنى كلمة " سميع "؟ أن يكون المدرِك على صفة يجب أن تدرك المسموع إن وجد المسموع وإن لم يوجد المسموع فهو ليس سامعاً فقط، إنما هو سميع، وكذلك بصير.

وأضرب المثل - ولله المثل الأعلى، وهو منزه عن كل تشبيه - الشاعر الذي يقول القصيدة، إنه قبلما يقول القصيدة كان شاعراً في ذاته وقال القصيدة بوجود ملكه الشعر في ذاته. والحق سبحانه وتعالى " غفَّار " قبل أن يخلق الخلق، أي أنه على صفة تدرك الأمر إن وجد.. وهو غفار قبل أن يوجد الخلق ويرتكبوا ما يغفره، وهو " سميع بصير " أزلاً. أي قبل أن يخلق الخلق الذين سينشأ منهم ما يٌُبْصر وينشأ منهم ما يُسْمع.

ويقول الحق بعد ذلك: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} . [58].
نزلت في عثمان بن طَلْحَةَ الحَجَبِيّ، من بني عبد الدار، كان سَادِن الكعبة، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح، فقيل إنه مع عثمان، فطلب منه فأبى وقال: لو علمت أنه رسول الله لما منعته المفتاح، فلوى عليّ بن أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أنه يعطيه المفتاح ليجمع له بين السقاية والسِّدَانة فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك عليّ، فقال له عثمان: يا علي أَكْرهْتَ وآذيت ثم جئت ترفق! فقال: لقد أنزل الله تعالى في شأنك، وقرأ عليه هذه الآية فقال عثمان: أشهد أن محمداً رسول الله؛ وأسلم، فجاء جبريل عليه السلام وقال: ما دام هذا البيت فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان. وهو اليوم في أيديهم.
أخبرنا أبو حسان المُزَكّي، قال: أخبرنا هارون بن محمد الإسْتَرابَاذِي، قال: حدَّثنا أبو محمد الخُزاعي، قال: حدَّثنا أبو الوليد الأزْرَقي، قال: حدَّثنا جدي، عن سفيان، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن مجاهد في قول الله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} قال:
نزلت في [عثمان] بن طَلْحَة، قبض النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة، فدخل الكعبة يوم الفتح فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح، وقال: خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله، لا ينزعها منكم إلا ظالم.
أخبرنا أبو نصر المِهْرَجَاني، قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد الزاهد، قال: أخبرنا أبو القاسم المُقْرِي، قال: حدَّثني أحمد بن زهير، قال: أخبرنا مُصْعَب، قال: حدَّثنا شَيْبَةُ بن عثمان بن أبي طَلْحَةَ، قال:
دفع النبي صلى الله عليه وسلم المفتاح إليَّ وإلى عثمان، وقال: خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تَالِدَة، لا يأخذها منكم إلا ظالم. فبنو أبي طلحة - الذين يَلُونَ سِدَانَةَ الكعبة - من بني عبد الدَّار.


www.alro7.net