سورة
اية:

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ

تفسير بن كثير

اختلف المفسرون في قوله تعالى: { إني متوفيك ورافعك إلي} ، فقال قتادة: هذا من المقدم والمؤخر تقديره إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني بعد ذلك. وقال ابن عباس: إني متوفيك أي مميتك، وقال وهب بن منبه: توفاه اللّه ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه إليه، قال مطر الوراق: إني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت، وكذا قال ابن جرير: توفيه هو رفعه. وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا النوم، كما قال تعالى: { وهو الذي يتوفاكم بالليل} الآية، وقال تعالى: { اللّه يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} الآية، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول إذا قام من النوم: (الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا) الحديث. وعن الحسن أنه قال في قوله تعالى: { إني متوفيك} يعني وفاة المنام: رفعه اللّه في منامه. وقوله تعالى: { ومطهرك من الذين كفروا} أي برفعي إياك إلى السماء، { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} وهكذا وقع فإن المسيح عليه السلام لما رفعه اللّه إلى السماء، تفرقت أصحابه شيعاً بعده، فمنهم من آمن بما بعثه اللّه به على أنه عبد اللّه ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن اللّه، وآخرون قالوا: هو اللّه، وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة وقد حكى اللّه مقالتهم في القرآن وردّ على كل فريق، فاستمروا على ذلك قريباً من ثلثمائة سنة. ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين فدخل في دين النصرانية قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفاً، وقيل: جهلاً منه، إلا أنه بدَّل لهم دين المسيح وحرَّفه وزاد فيه نقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثنتي عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه طائفة الملكية منهم، وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيده اللّه عليهم لأنه أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفاراً عليهم لعائن اللّه، فلما بعث اللّه محمداً فكان من آمن به يؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، فكانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ قد صدقوا النبي الأمي العربي خاتم الرسل وسيد ولد آدم على الإطلاق، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته مما قد حرفوا وبدلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك لكان قد نسخ اللّه شريعة جميع الرسل بما بعث اللّه به محمداً صلى الله عليه وسلم من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائماً منصوراً ظاهراً على كل دين، فلهذا فتح اللّه لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول وكسروا كسرى وقصروا قيصر، وسلبوهما كنوزهما وأنفقت في سبيل اللّه، كما أخبرهم بذلك نبيّهم عن ربهم عزّ وجلّ في قوله: { وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً} الآية. فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقاً سلبوا النصارى بلاد الشام وألجئوهم إلى الروم فلجئوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق المصدوق صلى اللّه عليه وسلم أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية ويستفيئون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جداً لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءاً مفرداً، ولهذا قال تعالى: { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين} ، وكذلك فعل بمن كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه أو أطراه من النصارى، عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق { وما لهم من اللّه من واق} ، { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم} أي في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات { واللّه لا يحب الظالمين} ثم قال تعالى: { ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} أي هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، هو مما قاله تعالى وأوحاه إليك، ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم: { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان للّه أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} وههنا قال تعالى:

تفسير الجلالين

{ ذلك } المذكور من أمر عيسى { نتلوه } نقصه { عليك } يا محمد { من الآيات } حال من الهاء في نتلوه وعامله ما في ذلك من معنى الإشارة { والذكر الحكيم } المحكم أي القرآن .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنْ الْآيَات وَالذِّكْر الْحَكِيم } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ذَلِكَ هَذِهِ الْأَنْبَاء الَّتِي أَنْبَأَ بِهَا نَبِيّه عَنْ عِيسَى وَأُمّه مَرْيَم , وَأُمّهَا حَنَّة , وَزَكَرِيَّا وَابْنه يَحْيَى , وَمَا قَصَّ مِنْ أَمْر الْحَوَارِيِّينَ , وَالْيَهُود مِنْ بَنَى إِسْرَائِيل ; نَتْلُوهَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد , يَقُول : نَقْرَؤُهَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد , عَلَى لِسَان جِبْرِيل , بِوَحْيِنَاهَا إِلَيْك { مِنْ الْآيَات } يَقُول : مِنْ الْعِبَر وَالْحُجَج , عَلَى مَنْ حَاجَّك مِنْ وَفْد نَصَارَى نَجْرَان وَيَهُود بَنِي إِسْرَائِيل , الَّذِينَ كَذَّبُوك , وَكَذَّبُوا مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِنْ عِنْدِي . { وَالذِّكْر } يَعْنِي : وَالْقُرْآن { الْحَكِيم } يَعْنِي : ذِي الْحِكْمَة الْفَاصِلَة بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل , وَبَيْنك وَبَيْن نَاسِبِي الْمَسِيح إِلَى غَيْر نَسَبه . كَمَا : 5643 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنْ الْآيَات وَالذِّكْر الْحَكِيم } الْقَاطِع الْفَاصِل الْحَقّ , الَّذِي لَمْ يَخْلِطهُ الْبَاطِل مِنْ الْخَبَر عَنْ عِيسَى , وَعَمَّا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْره , فَلَا تَقْبَلَنَّ خَبَرًا غَيْره . 5644 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنْ الْآيَات وَالذِّكْر الْحَكِيم } قَالَ : الْقُرْآن . 5645 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَالذِّكْر } يَقُول : الْقُرْآن الْحَكِيم الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنْ الْآيَات وَالذِّكْر الْحَكِيم } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ذَلِكَ هَذِهِ الْأَنْبَاء الَّتِي أَنْبَأَ بِهَا نَبِيّه عَنْ عِيسَى وَأُمّه مَرْيَم , وَأُمّهَا حَنَّة , وَزَكَرِيَّا وَابْنه يَحْيَى , وَمَا قَصَّ مِنْ أَمْر الْحَوَارِيِّينَ , وَالْيَهُود مِنْ بَنَى إِسْرَائِيل ; نَتْلُوهَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد , يَقُول : نَقْرَؤُهَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد , عَلَى لِسَان جِبْرِيل , بِوَحْيِنَاهَا إِلَيْك { مِنْ الْآيَات } يَقُول : مِنْ الْعِبَر وَالْحُجَج , عَلَى مَنْ حَاجَّك مِنْ وَفْد نَصَارَى نَجْرَان وَيَهُود بَنِي إِسْرَائِيل , الَّذِينَ كَذَّبُوك , وَكَذَّبُوا مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِنْ عِنْدِي . { وَالذِّكْر } يَعْنِي : وَالْقُرْآن { الْحَكِيم } يَعْنِي : ذِي الْحِكْمَة الْفَاصِلَة بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل , وَبَيْنك وَبَيْن نَاسِبِي الْمَسِيح إِلَى غَيْر نَسَبه . كَمَا : 5643 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنْ الْآيَات وَالذِّكْر الْحَكِيم } الْقَاطِع الْفَاصِل الْحَقّ , الَّذِي لَمْ يَخْلِطهُ الْبَاطِل مِنْ الْخَبَر عَنْ عِيسَى , وَعَمَّا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْره , فَلَا تَقْبَلَنَّ خَبَرًا غَيْره . 5644 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنْ الْآيَات وَالذِّكْر الْحَكِيم } قَالَ : الْقُرْآن . 5645 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَالذِّكْر } يَقُول : الْقُرْآن الْحَكِيم الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَته . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة} يعني بالقتل والصلب والسبي والجزية، وفي الآخرة بالنار. { ذلك نتلوه عليك} { ذلك} في موضع رفع بالابتداء وخبره { نتلوه} . ويجوز : الأمر ذلك، على إضمار المبتدأ.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 58 - 67

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يقول الحق تبارك وتعالى:

{ ذٰلِكَ } إشارة لما سبق من الأحداث، في شأن امرأة عمران، ومريم، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكان لكل واحد من هؤلاء قضية عجيبة يخرق فيها ناموس الكون، وكلها آيات، أي عجائب. وقد نقلت إلينا هذه العجائب من واقع ما رآه الذين عاصروا تلك الأحداث، وجاء الخبر اليقين بتلك العجائب في قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الكتاب الحق الموصوف من الله بأنه { ٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ } فاطمئنوا - أيها المؤمنين - إلى أن ما وصلكم عن طريق القرآن، إنما حكى واقعا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فما جاء به من أخبار عن تلك الآيات هو ما يطابق الواقع الذي عاصره الناس وحكوه.

وبعد ذلك يعرض الحق لنا سبحانه قضية سيدنا عيسى عليه السلام، وهي قضية يجب أن نتنبه إليها تنبها جديدا فنعرض وجهة نظر الذين يضعونه في غير الموضع الذي أراده الله، كما نعرض وجهة نظر الذين يضعونه في الموضع الذي يريده الله، فالمسألة ليست انتصارا منا في الدنيا على فريق يقول: كذا، لأنها مسألة لها عاقبة تأتي في الآخرة ويحاسبنا عليها الحق تعالى، لذلك كان من المهم جدا أن نصفيها تصفية يتضح فيها الحق، حتى لا يظلم أحد نفسه.

لقد جاء عيسى عليه السلام على دين اليهودية، أي طرأ على دين اليهودية ونحن نعلم أن دين اليهودية قد تم تحريفه من اليهود تحريفا جعله ينحاز إلى الأمور المادية الصرفة، دون أدنى اعتبار للأمور الروحية والإيمان بالغيب، فهم ماديون، وتتمثل ماديتهم في أنهم قالوا لموسى عليه السلام ما حكاه القرآن الكريم:
{  وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ }
[البقرة: 55].

إنهم لم يلتفتوا إلى أن بعضا من كمال وجلال الله غيبٌ؛ لأنه لو كان مشهودا محسا، لحدد - بضم الحاء وكسر الدال - وحُيِّزَ، وما دام قد حُدِدَ وحُيِّزَ في تصورهم فذلك يعني أنه سبحانه قد يوجد في مكان ولا يوجد في مكان آخر، والحق سبحانه منزه عن مثل ذلك لأنه موجود في كل الوجود، ولا نراه بالعين، لكن نرى آثار أعماله وجميل صنعه في كل الكون.

إذن فكون الله غيبا هو من تمام الجلال والكمال فيه.

لكن اليهود قد صوروا الأشياء كلها على أنها حسية، حتى أمور اقتيات حياتهم وهي الطعام، لقد أرادها الله لهم غيبا حتى يريحهم في التيه، فأرسل عليهم المنّ والسلوى، كرزق من الغيب الذي يأتي إليهم، لم يستنبتوه. ولم يستوردوه، ولم يعرفوا كنهه، ولم يجتهدوا في استخراجه، إنه رزق من الغيب، ومع ذلك تمردوا على هذا الرزق القادم لهم من الغيب وقالوا كما أخبر الله عنهم:
{  وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }
[البقرة: 61].

إنهم يريدون أن يكون طعامهم كما ألفوا، وأن يروا هذا الطعام كأمر مادي من أمور الحياة؛ لذلك تشككوا في رزق الغيب، وهو المن والسلوى، وقالوا: " من يدرينا أن المن قد لا يأتي، وأن السلوى قد لا تنزل علينا " فلم تكن لهم ثقة في رزق وُهب لهم من الغيب؛ لأنهم تناولوا كل أمورهم بمادية صرفة. وما دامت كل أمورهم مادية فهم في حاجة إلى هزة عنيفة تهز أوصال ماديتهم هذه؛ لتُخرجهم إلى معنى يؤمنون فيه بالغيب.

ونحن نعلم أن الفكر المادي لا يرى الحياة إلا أسبابا ومسببات، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يخلع منهم ذلك الفكر المادي، لذلك جاء بعيسى عليه السلام على غير طريق الناموس الذي يأتي عليه البشر، فجعله من امرأة دون أب، حتى يزلزل قواعد المادية عند اليهود. لكن الفتنة جاءت في قومه، فقالوا ببنوته للإله، وسبحانه منزه عن أن يكون له ولد.

ولنا أن نسأل ما الشبهة التي جعلتهم يقولون بهذه البنوة؟

قالوا: إن الأمومة موجودة والذكورة ممتنعة، والشبهة إنما جاءت من أن الله نفخ فيه الروح، فالله هو الأب.

نقول لهم: لو أن الأمر كذلك لوجب أن تفتنوا في آدم أولى من أن تفتنوا في عيسى؛ لأن عيسى عليه السلام كان في خلقه أمومة، أما آدم فلا أمومة ولا أبوة، فتكون الفتنة في آدم عليه السلام أكبر، وإن قلتم: " إن الحق قال: إنه نفخ فيه من روحه " ، فلكم أن تعرفوا قول الله في آدم عليه السلام:
{  وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }
[الحجر:28-29].

إذن فالنفخ هنا في آدم موجود، فلماذا سكتم عن هذه الحكاية منذ آدم وحتى مجيء عيسى عليه السلام، وهكذا يتم دحض تلك الحجة ونهايتها، وبعد ذلك نأتي إلى قضية أخرى، وهي توفيه أو وفاته، إلى القضيتين معا - توفيه ووفاته - حتى نُبَيِّن الرأيين معا: وهنا نتساءل: لماذا فتنتم في ذلك؟ يقولون: لقد أحيا عيسى الموتى، ونقول لهم: ألم تأخذوا تاريخ إبراهيم عليه السلام حينما قال الله له:
{  وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
[البقرة: 260].

إذن فمجال الفتنة في إبراهيم عليه السلام كبير، وكذلك، ألم يجيء موسى عليه السلام بآية هي العصا؟ إنه لم يجيء ميتا كانت فيه حياة، إنما أجرى الله على يديه خلق الحياة فيما لم تثبت له حياة، فأصبحت العصا - وهي جماد - حية تسعى لماذا إذن لم تفتنوا في عصا موسى عليه السلام؟

وهكذا نعرف انه لا يصح أن يفتن أحد في المعجزة التي جاءت بعيسى عليه السلام، أو في إحيائه الموتى بإذن الله، وأتباع عيسى عليه السلام يتفقون معنا أن الله سبحانه وتعالى غيب، ولكنهم يختلفون معنا فيقولون: إن الله أراد أن يؤنس البشر بصورة يتجلى لهم فيها بشرا فجاء بعيسى عليه السلام ليتحقق لهم ذلك الأنس.

ونقول لهم: سنبحث هذه المسألة بدون حساسية، وبدون عصبية، بل بالعقل، ونسأل " هل خلق الله عيسى ليعطي صورة للإله؟ إن عيسى كان طفلا، ثم كبر من بعد ذلك، فأي صورة من صورة المرحلية كانت تمثل الله؟

إن كانت صورة طفل فهل هي صورة الله؟ وإن كانت صورة كهل فهل هي صورة الله؟ إن لله صورة واحدة لا نراها ولا نعرف كنهها فهو سبحانه " ليس كمثله شيء " ، فأية صورة من الصور التي تقولون: إنها صورة الله؟

وإن كان الله على كل هذه الصور فمعنى ذلك أن لله أغيارا, وهو سبحانه منزه عن ذلك، ولو كان على صورة واحدة لقلنا: إنه الثبات والأمر كذلك فهو - سبحانه - الحق الذي لا يتغير إنهم يقولون: إن الله أراد أن يجعل صورته في بشر ليؤنس الناس بالإله، فتمثل في عيسى.

ولنا أن نسأل: كم استغرق وجود عيسى على الأرض؟ والإجابة: ثلاثين عاما أو يزيد قليلا. وهكذا تكون فترة معرفة الناس بالصورة الإلهية محدودة بهذه السنوات الثلاثين طبقا لتصوركم. ولا بد ان نسأل " ما عمر الخلق البشرى كله؟ " إن عمر البشرية هو ملايين السنين. فهل ترك الله خلقه السابقين الأولين بدون أن يبدي لهم صورته، ثم ترك خلقه الآخرين الذين قدموا إلى الحياة بعد وفاة عيسى - أي تمام مهمته - ورفعه، بدون أن يعطيهم صورة له؟ إن هذا تصور لإله ظالم، وسبحانه وتعالى منزه عن الشرك والظلم. فلا يعقل أن يضن بصورته فلا يبقيها إلا ثلاثين عاما؟ إن هذا القول لا يقبله عقل يثق في عدالة الله المطلقة.

ثم إنهم يقولون: إن عيسى عليه السلام قد صلب، وهم معذورون والحق سبحانه وتعالى قد عذرهم في ذلك فأورد التأريخ الحق العادل، حين يقول:
{  وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }
[النساء: 157].

لقد جعل الله لهم عذرا في أن يقولوا: إنه قتل أو صلب؛ لأنه شبه لهم وكان من المعقول أن يلتمسوا من الإسلام حلا لهذه المشكلة، لأن الإسلام جاء ليقول: " لا، لقد شبه لكم، فما قتلوه وما صلبوه؛ لأن هذا الفعل - القتل أو الصلب - ينقض فكرتهم عن أنه إله أو ابن إله. لأن المصلوب لو كان إلها أو ابن إله، لكانت لديه القدرة التي تغلب الصالب، فكيف يعقل الإنسان أن ينقلب الإله - أو ابن الإله - مقدورا عليه من مخلوق؟ والإسلام عندما يقول: إن عيسى ابن مريم لم يصلب فقد كرمه الله. وهكذا ترى أن الإسلام قد جاء ليصفى العقائد كلها من عيوب التحريف التي قام بها المتبعون لتلك الأديان.

وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليعرض علينا قضية جدلية حدثت في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يخرج الناس - مسلمين ونصارى ويهودا - من هذه البلبلة، وأن يتم ذلك في مودة، لأنهم كلهم مؤمنون بالعبودية لمعبود واحد. فقد جاء وفد من نصارى نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، والتقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لهؤلاء القوم جدل مع اليهود، ولهم جدل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان لليهود والنصارى معا جدل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والجدل بين اليهود والنصارى مصدره أن لليهود والنصارى قولا متضاربا في بعضهم بعضا يرويه لنا الحق:
{  وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }
[البقرة: 113].

فاليهود يقولون: " كان إبراهيم يهوديا " والنصارى يقولون لا، كان " إبراهيم نصرانيا " وأما الجدل بين النصارى وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسببه أنهم قد أرادوا ان يتكلموا في مسألة عيسى, وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يصفى القضية تصفية نهائية حتى لا تظل معلقة تلوكها الألسنة وتجعلها مثارا للفتن. فلما اجتمع نصارى نجران تحت لواء رؤسائهم، ومن هؤلاء الرؤساء من اسمه السيد، ومنهم من يسمى العاقب صاحب المشورة، ومعهم قسيس، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ماذا تقولون في عيسى؟ قالوا: إنه ابن الله. وقال لهم الرسول: إن عيسى عليه السلام قال: " إني عبد الله " وهو عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، فغضبوا وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ إن كنت قد رأيت مثل ذلك فأخبرنا به.

وهنا نزلت الآية الكريمة: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ... }


www.alro7.net