سورة
اية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً} . [57].
قال ابن عباس: كان رفَاعَة بن زيد وسُوَيد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يُوَادُّنَهُما، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

تفسير بن كثير

هذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام الذين يتخذون شرائع الإسلام المطهرة المحكمة، المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها هزواً ويستهزئون بها، ولعباً يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد، وقوله تعالى: { من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار} (من ) ههنا لبيان الجنس كقوله: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان} ، والمراد بالكفار ههنا { المشركون} ، { واتقوا اللّه إن كنتم مؤمنين} أي اتقوا اللّه أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء، إن كنتم مؤمنين بشرع اللّه الذي اتخذه هؤلاء هزواً ولعباً، كما قال تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} وقوله: { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً} أي وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب { اتخذوها} أيضاً { هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} معاني عبادة اللّه وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي إذا سمع الأذان أدبر، فإذا قضى التأذين أقبل، فإذا ثوَّب للصلاة أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، ما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل السلام. كما هو في الصحيحين، وقال الزهري: قد ذكر اللّه التأذين في كتابه فقال: { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} . وقال السدي في قوله: { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً} قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمداً رسول اللّه، قال: حرق الكذاب، فدخلت خادمة ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام فسقطت شرارة، فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وذكر محمد بن إسحاق في السيرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم اللّه أسيداً أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان لا أقول شيئاً لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: (قد علمت الذي قلتم)، ثم ذكر ذلك لهم فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول، ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك. وقال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن محيريز وكان يتيماً في حجر أبي محذورة قال: قلت لأبي محذورة يا عم إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال له: نعم، خرجت في نفر وكنا في بعض طريق حنين، مقفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حنين، فلقينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزىء به، فسمع رسول اللّه فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع)؟ فأشار القوم كلهم إلي، وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال: (قم فأذن) فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فألقى عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم التأذين هو بنفسه، قال: (قل: اللّه أكبر، الله أكبر أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن محمداً رسول اللّه أشهد أن محمداً رسول اللّه، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي علي الفلاح اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه)، ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمَرَّها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده حتى بلغت يد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سرة أبي محذورة ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :(بارك اللّه فيك وبارك عليك) فقلت: يا رسول اللّه مرني بالتأذين بمكة، فقال: (قد أمرتك به)، وذهب كل شيء كان لرسول الله صلي الله عليه وسلم من الكراهة،وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذروة على نحو ما أخبرني عبد اللّه بن محيريز. هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة.

تفسير الجلالين

{ يا أيها الذين آمنوا لا تتَّخذوا الذين اتَّخذوا دينكم هزوا } مهزوءا به { ولعبا من } للبيان { الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار } المشركين بالجر والنصب { أولياء واتقوا الله } بترك موالاتهم { إن كنتم مؤمنين } صادقين في إيمانكم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } أَيْ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله , { لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ } يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذِينَ جَاءَتْهُمْ الرُّسُل وَالْأَنْبِيَاء , وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ الْكُتُب مِنْ قَبْل بَعْث نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ قَبْل نُزُول كِتَابنَا أَوْلِيَاء . يَقُول : لَا تَتَّخِذُوهُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْصَارًا وَإِخْوَانًا وَحُلَفَاء , فَإِنَّهُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَإِنْ أَظْهَرُوا لَكُمْ مَوَدَّة وَصَدَاقَة . وَكَانَ اِتِّخَاذ هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ اِتَّخَذُوا دِينهمْ هُزُوًا وَلَعِبًا الدِّين عَلَى مَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَبّنَا تَعَالَى ذِكْره , أَنَّ أَحَدهمْ كَانَ يُظْهِر لِلْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَان وَهُوَ عَلَى كُفْره مُقِيم , ثُمَّ يُرَاجِع الْكُفْر بَعْد يَسِير مِنْ الْمُدَّة بِإِظْهَارِ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ قَوْلًا بَعْد أَنْ كَانَ يُبْدِي بِلِسَانِهِ الْإِيمَان قَوْلًا وَهُوَ لِلْكُفْرِ مُسْتَبْطِن , تَلَعُّبًا بِالدِّينِ وَاسْتِهْزَاء بِهِ , كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عَنْ فِعْل بَعْضهمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينهمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَ الْخَبَر عَنْ اِبْن عَبَّاس . 9526 حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ وَأَبُو كُرَيْب , قَالَا : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثني اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ رِفَاعَة بْن زَيْد بْن التَّابُوت وَسُوَيْد بْن الْحَارِث قَدْ أَظْهَرَا الْإِسْلَام , ثُمَّ نَافَقَا , وَكَانَ رِجَال مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُوَادُّونَهُمَا , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمَا : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَالْكُفَّار أَوْلِيَاء } إِلَى قَوْله : { وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ } . فَقَدْ أَبَانَ هَذَا الْخَبَر عَنْ صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ اِتِّخَاذ مَنْ اِتَّخَذَ دِين اللَّه هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة , إِنَّمَا كَانَ بِالنِّفَاقِ مِنْهُمْ وَإِظْهَارهمْ لِلْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَان وَاسْتِبْطَانهمْ الْكُفْر وَقِيلهمْ لِشَيَاطِينِهِمْ مِنْ الْيَهُود إِذَا خَلَوْا بِهِمْ : إِنَّا مَعَكُمْ . فَنَهَى اللَّه عَنْ مُوَادَّتهمْ وَمُحَالَفَتهمْ , وَالتَّمَسُّك بِحِلْفِهِمْ وَالِاعْتِدَاد بِهِمْ أَوْلِيَاء , وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَأْلُونَهُمْ خَبَالًا , وَفِي دِينهمْ طَعْنًا وَعَلَيْهِ إِزْرَاء . وَأَمَّا الْكُفَّار الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَالْكُفَّار أَوْلِيَاء } فَإِنَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان نَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَمِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان وَسَائِر أَهْل الْكُفْر أَوْلِيَاء دُون الْمُؤْمِنِينَ . وَكَانَ اِبْن مَسْعُود فِيمَا : 9527 حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسِم بْن سَلَّام , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ هَارُون , عَنْ اِبْن مَسْعُود , يَقْرَأ : " مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا " . فَفِي هَذَا بَيَان صِحَّة التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِي ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْحِجَاز وَالْبَصْرَة وَالْكُوفَة : " وَالْكُفَّار أَوْلِيَاء " بِخَفْضِ " الْكُفَّار " , بِمَعْنَى : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ , وَمِنْ الْكُفَّار أَوْلِيَاء . وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب فِيمَا بَلَغَنَا : " مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَمِنْ الْكُفَّار أَوْلِيَاء " . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة : { وَالْكُفَّار أَوْلِيَاء } بِالنَّصْبِ , بِمَعْنَى : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا وَالْكُفَّار , عَطْفًا بِالْكُفَّارِ عَلَى الَّذِينَ اِتَّخَذُوا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى صَحِيحَتَا الْمَخْرَج , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنْ الْقُرَّاء , فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَقَدْ أَصَابَ ; لِأَنَّ النَّهْي عَنْ اِتِّخَاذ وَلِيّ مِنْ الْكُفَّار نَهْي عَنْ اِتِّخَاذ جَمِيعهمْ أَوْلِيَاء , وَالنَّهْي عَنْ اِتِّخَاذ جَمِيعهمْ أَوْلِيَاء نَهْي عَنْ اِتِّخَاذ بَعْضهمْ وَلِيًّا . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْر مُشْكِل عَلَى أَحَد مِنْ أَهْل الْإِسْلَام أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إِذَا حَرَّمَ اِتِّخَاذ وَلِيّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ لَهُمْ اِتِّخَاذ جَمِيعهمْ أَوْلِيَاء , وَلَا إِذَا حَرَّمَ اِتِّخَاذ جَمِيعهمْ أَوْلِيَاء أَنَّهُ لَمْ يُخَصِّص إِبَاحَة اِتِّخَاذ بَعْضهمْ وَلِيًّا , فَيَجِب مِنْ أَجْل إِشْكَال ذَلِكَ عَلَيْهِمْ طَلَب الدَّلِيل عَلَى أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَسَوَاءٌ قَرَأَ الْقَارِئ بِالْخَفْضِ أَوْ بِالنَّصْبِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَّة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } أَيْ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله , { لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ } يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذِينَ جَاءَتْهُمْ الرُّسُل وَالْأَنْبِيَاء , وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ الْكُتُب مِنْ قَبْل بَعْث نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ قَبْل نُزُول كِتَابنَا أَوْلِيَاء . يَقُول : لَا تَتَّخِذُوهُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْصَارًا وَإِخْوَانًا وَحُلَفَاء , فَإِنَّهُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَإِنْ أَظْهَرُوا لَكُمْ مَوَدَّة وَصَدَاقَة . وَكَانَ اِتِّخَاذ هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ اِتَّخَذُوا دِينهمْ هُزُوًا وَلَعِبًا الدِّين عَلَى مَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَبّنَا تَعَالَى ذِكْره , أَنَّ أَحَدهمْ كَانَ يُظْهِر لِلْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَان وَهُوَ عَلَى كُفْره مُقِيم , ثُمَّ يُرَاجِع الْكُفْر بَعْد يَسِير مِنْ الْمُدَّة بِإِظْهَارِ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ قَوْلًا بَعْد أَنْ كَانَ يُبْدِي بِلِسَانِهِ الْإِيمَان قَوْلًا وَهُوَ لِلْكُفْرِ مُسْتَبْطِن , تَلَعُّبًا بِالدِّينِ وَاسْتِهْزَاء بِهِ , كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عَنْ فِعْل بَعْضهمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينهمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَ الْخَبَر عَنْ اِبْن عَبَّاس . 9526 حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ وَأَبُو كُرَيْب , قَالَا : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثني اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ رِفَاعَة بْن زَيْد بْن التَّابُوت وَسُوَيْد بْن الْحَارِث قَدْ أَظْهَرَا الْإِسْلَام , ثُمَّ نَافَقَا , وَكَانَ رِجَال مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُوَادُّونَهُمَا , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمَا : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَالْكُفَّار أَوْلِيَاء } إِلَى قَوْله : { وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ } . فَقَدْ أَبَانَ هَذَا الْخَبَر عَنْ صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ اِتِّخَاذ مَنْ اِتَّخَذَ دِين اللَّه هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة , إِنَّمَا كَانَ بِالنِّفَاقِ مِنْهُمْ وَإِظْهَارهمْ لِلْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَان وَاسْتِبْطَانهمْ الْكُفْر وَقِيلهمْ لِشَيَاطِينِهِمْ مِنْ الْيَهُود إِذَا خَلَوْا بِهِمْ : إِنَّا مَعَكُمْ . فَنَهَى اللَّه عَنْ مُوَادَّتهمْ وَمُحَالَفَتهمْ , وَالتَّمَسُّك بِحِلْفِهِمْ وَالِاعْتِدَاد بِهِمْ أَوْلِيَاء , وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَأْلُونَهُمْ خَبَالًا , وَفِي دِينهمْ طَعْنًا وَعَلَيْهِ إِزْرَاء . وَأَمَّا الْكُفَّار الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَالْكُفَّار أَوْلِيَاء } فَإِنَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان نَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَمِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان وَسَائِر أَهْل الْكُفْر أَوْلِيَاء دُون الْمُؤْمِنِينَ . وَكَانَ اِبْن مَسْعُود فِيمَا : 9527 حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسِم بْن سَلَّام , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ هَارُون , عَنْ اِبْن مَسْعُود , يَقْرَأ : " مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا " . فَفِي هَذَا بَيَان صِحَّة التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِي ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْحِجَاز وَالْبَصْرَة وَالْكُوفَة : " وَالْكُفَّار أَوْلِيَاء " بِخَفْضِ " الْكُفَّار " , بِمَعْنَى : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ , وَمِنْ الْكُفَّار أَوْلِيَاء . وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب فِيمَا بَلَغَنَا : " مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَمِنْ الْكُفَّار أَوْلِيَاء " . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفَة : { وَالْكُفَّار أَوْلِيَاء } بِالنَّصْبِ , بِمَعْنَى : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا وَالْكُفَّار , عَطْفًا بِالْكُفَّارِ عَلَى الَّذِينَ اِتَّخَذُوا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى صَحِيحَتَا الْمَخْرَج , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنْ الْقُرَّاء , فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَقَدْ أَصَابَ ; لِأَنَّ النَّهْي عَنْ اِتِّخَاذ وَلِيّ مِنْ الْكُفَّار نَهْي عَنْ اِتِّخَاذ جَمِيعهمْ أَوْلِيَاء , وَالنَّهْي عَنْ اِتِّخَاذ جَمِيعهمْ أَوْلِيَاء نَهْي عَنْ اِتِّخَاذ بَعْضهمْ وَلِيًّا . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْر مُشْكِل عَلَى أَحَد مِنْ أَهْل الْإِسْلَام أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إِذَا حَرَّمَ اِتِّخَاذ وَلِيّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ لَهُمْ اِتِّخَاذ جَمِيعهمْ أَوْلِيَاء , وَلَا إِذَا حَرَّمَ اِتِّخَاذ جَمِيعهمْ أَوْلِيَاء أَنَّهُ لَمْ يُخَصِّص إِبَاحَة اِتِّخَاذ بَعْضهمْ وَلِيًّا , فَيَجِب مِنْ أَجْل إِشْكَال ذَلِكَ عَلَيْهِمْ طَلَب الدَّلِيل عَلَى أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَسَوَاءٌ قَرَأَ الْقَارِئ بِالْخَفْضِ أَوْ بِالنَّصْبِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَّة .' وَأَمَّا قَوْله : { وَاتَّقُوا اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَخَافُوا اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَمِنْ الْكُفَّار أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَنُصَرَاء , وَارْهَبُوا عُقُوبَته فِي فِعْل ذَلِكَ إِنْ فَعَلْتُمُوهُ بَعْد تَقَدُّمه إِلَيْكُمْ بِالنَّهْيِ عَنْهُ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَتُصَدِّقُونَهُ عَلَى وَعِيده عَلَى مَعْصِيَته .وَأَمَّا قَوْله : { وَاتَّقُوا اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَخَافُوا اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَمِنْ الْكُفَّار أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَنُصَرَاء , وَارْهَبُوا عُقُوبَته فِي فِعْل ذَلِكَ إِنْ فَعَلْتُمُوهُ بَعْد تَقَدُّمه إِلَيْكُمْ بِالنَّهْيِ عَنْهُ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَتُصَدِّقُونَهُ عَلَى وَعِيده عَلَى مَعْصِيَته .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوما من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا إلى آخر الآيات. وتقدم معنى الهزء في [البقرة]. { من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء} قرأه أبو عمرو والكسائي بالخفض بمعنى ومن الكفار. قال الكسائي : وفي حرف أبي رحمه الله { ومن الكفار} ، و { من} ههنا لبيان الجنس؛ والنصب أوضح وأبين. قاله النحاس. وقيل : هو معطوف على أقرب العاملين منه وهو قوله { من الذين أوتوا الكتاب} فنهاهم الله أن يتخذوا اليهود والمشركين أولياء، وأعلمهم أن الفريقين اتخذوا دين المؤمنين هزوا ولعبا. ومن نصب عطف على { الذين} الأول في قوله { لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا - والكفار أولياء} أي لا تتخذوا هؤلاء وهؤلاء أولياء؛ فالموصوف بالهزؤ واللعب في هذه القراءة اليهود لا غير. والمنهي عن اتخاذهم أولياء اليهود والمشركون، وكلاهما في القراءة بالخفض موصوف بالهزؤ واللعب. قال مكي : ولولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض، لقوته في الإعراب وفي المعنى والتفسير والقرب من المعطوف عليه. وقيل : المعنى لا تتخذوا المشركين والمنافقين أولياء؛ بدليل قولهم { إنما نحن مستهزئون} [البقرة : 14] والمشركون كل كفار، لكن يطلق في الغالب لفظ الكفار على المشركين؛ فلهذا فصل ذكر أهل الكتاب من الكافرين. الثانية: قال ابن خويزمنداد : هذه الآية مثل قوله تعالى { لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} [المائدة : 51] ، و { لا تتخذوا بطانة من دونكم} [آل عمران : 118] تضمنت المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك. وروى جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى أحد جاءه قوم من اليهود فقالوا : نسير معك؛ فقال عليه الصلاة والسلام : (إنا لا نستعين على أمرنا بالمشركين) وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي. وأبو حنيفة جوز الانتصار بهم على المشركين للمسلمين؛ وكتاب الله تعالى يدل على خلاف ما قالوه مع ما جاء من السنة ذلك. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 56 - 60

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والهُزُوُ هو السُّخرية والتَّنكيت. وهُزْء أهل الكتاب من أهل الحق لون من الانفعال العكسى. فساعة يرى بعض أهل الباطل واحداً ملتزماً يُصلّي ولا يُحملق في النساء قد يصفونه بصفات غير لائقة؛ لأنهم لا يستقبلون التزامه إلا بلونٍ من السخرية، وحتى لا يفهم أنه خيرٌ منهم، وقد يضلونه فيتبعهم.

ولنفرض أن ثلاثة من الشباب جمعت بينهم الصداقة ثم انحرف منهم اثنان والْتزم واحد منهم. وكان لأحد المنحرفين أُخت فيطلب زميله المنحرف يد هذه الأخت، ويأتي له الصاحب الذي لم ينحرف ليطلب الأخت نفسها، هنا نجد الأخ لا يوافق على زواج أخته بالمنحرف، بل يوافق على زواجها من الذي لم ينحرف؛ لأنه لن يخدع نفسه. وعندما يعاتبه المنحرف فهو يرد عليه: وهل أستأمنك على أختي؟ أنا أعرفك حق المعرفة.

وهكذا نرى أن القيم هي القيم. وعندما يكون هناك إنسان على حق ويلتقي بأناس على باطل نجدهم لا يتركونه وشأنه، ولأنهم لن يستطيعوا أن يكونوا مثله فلا أقل من أن يهزأوا منه حتى يحتفظوا لأنفسهم بفسادهم. وعندما ننظر إلى العادات الضَّارة التي تنتشر، مثل شمّ الهيروين أو تدخين المخدرات نجد أن الذي وقع في مصيدة هذه المصائب يريد أن يجر غيره إلى مثل هذا المستنقع. ونجد في القرآن ما يقوله لنا خالق الطباع والعليم بها:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ }
[المطففين: 29-30].

مثل قول أهل الباطل للمؤمن: احملنا إلى الجنة على جناحك. أو: أتريد أن تكون وليّاً.
{  وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ }
[المطففين: 31].

ويرجع الواحد منهم إلى أهله فيحكي بسرور: لقد قابلنا إنساناً غارقاً في الإيمان وسخرنا منه:
{  وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ }
[المطففين: 32-33].

بل قد نجد أن أهل الإضلال يتهمون المؤمن بأنه على ضلال، فماذا يكون العقاب يوم الحشر؟
{  فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }
[المطففين: 34-36].

وكأن الحق يسأل المؤمنين: ألم آخذ لكم حقكم؟ إذن فالذين يتخذون الدين هُزُواً ولعباً. وادعوا الإيمان نفاقاً. إياكم أن تأمنوا لهم.

ولقد حذرنا الحق بداية:
{  لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ }
[المائدة: 51].

وهنا أمر بعدم اتخاذ الذين يتخذون الدين مادة للهزء أولياء، وعلى المؤمنين اليقظة والحذر؛ لأن الحق يقول: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فإن كنتم مؤمنين حقاً فعليكم الأخذ بيقظة الإيمان، عليكم ألا توالوا اليهود والنصارى وكذلك من يتمسح في الإيمان نفاقاً ويريد الانتفاع بمزايا الإسلام ليأخذ حقوقه الظاهرية وقلبه مع غير المؤمنين. وتقوى الله تبدأ من أن ينفذ المؤمن المنهج، ويحاول أن يستبقي للمنهج مناعة اقتداره أمام خصومه بألا يُدخل المؤمنُ في حماية المنهج من لا يؤمن من اليهود والنصارى والكافرين والمنافقين.

ويقول الحق من بعد ذلك: { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا.... }


www.alro7.net