سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله، فقال: { إن الذين كفروا بآياتنا} الآية، أي ندخلهم ناراً دخولاً يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم، ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم فقال: { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب} قال الأعمش عن ابن عمر: إذا احترقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها بيضاً أمثال القراطيس، وعن الحسن قوله: { كلما نضجت جلودهم} الآية قال: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة، ثم قيل لهم: عودوا فعادوا، عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية: { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها} فقال عمر: أعدها عليَّ، فأعادها، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها، تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم "رواه ابن أبي حاتم" وقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، وسنّه سبعون ذراعاً، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلوداً غيرها، وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا، قال الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعاً، وإن ضرسه مثل أحد) وقوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً} ، هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها وأرجائها حيث شاءوا وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبداً لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولاً. وقوله: { لهم فيها أزواج مطهرة} أي من الحيض، والنفاس، والأذى، والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة كما قال ابن عباس: مطهرة من الأقذار والأذى. وقال مجاهد: مطهرة من البول والحيض النخام والبزاق والمني والولد، وقال قتادة: مطهرة من الأذى والمآثم، ولا حيض ولا كلف. وقوله: { وندخلهم ظلاً ظليلاُ} أي ظلاً عميقاً كثيراً غزيراً طيباً أنيقاً، عن أبي هريرة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها - شجرة الخلد) "رواه ابن جرير وأخرجه الشيخان بنحوه"

تفسير الجلالين

{ إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم } ندخلهم { نارا } يحترقون فيها { كلما نضجت } احترقت { جلودهم بدَّلناهم جلودا غيرها } بأن تعاد إلى حالها الأول غير محترقة { ليذوقوا العذاب } ليقاسوا شدته { إن الله كان عزيزا } لا يعجزه شيء { حكيما } في خلقه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا } هَذَا وَعِيد مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلَّذِينَ أَقَامُوا عَلَى تَكْذِيبهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى مُحَمَّد مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل وَغَيْرهمْ مِنْ سَائِر الْكُفَّار بِرَسُولِهِ . يَقُول اللَّه لَهُمْ : إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا مَا أَنْزَلْت عَلَى رَسُولِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آيَاتِي , يَعْنِي مِنْ آيَات تَنْزِيله وَوَحْي كِتَابه , وَهِيَ دَلَالَاته وَحُجَجه عَلَى صِدْق مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل وَغَيْرهمْ مِنْ سَائِر أَهْل الْكُفْر بِهِ ; { سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا } يَقُول : سَوْفَ نُنْضِجهُمْ فِي نَار يَصْلَوْنَ فِيهَا : أَيْ يُشْوَوْنَ فِيهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا } هَذَا وَعِيد مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلَّذِينَ أَقَامُوا عَلَى تَكْذِيبهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى مُحَمَّد مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل وَغَيْرهمْ مِنْ سَائِر الْكُفَّار بِرَسُولِهِ . يَقُول اللَّه لَهُمْ : إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا مَا أَنْزَلْت عَلَى رَسُولِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آيَاتِي , يَعْنِي مِنْ آيَات تَنْزِيله وَوَحْي كِتَابه , وَهِيَ دَلَالَاته وَحُجَجه عَلَى صِدْق مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل وَغَيْرهمْ مِنْ سَائِر أَهْل الْكُفْر بِهِ ; { سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا } يَقُول : سَوْفَ نُنْضِجهُمْ فِي نَار يَصْلَوْنَ فِيهَا : أَيْ يُشْوَوْنَ فِيهَا .' { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ } يَقُول : كُلَّمَا اِنْشَوَتْ بِهَا جُلُودهمْ فَاحْتَرَقَتْ , { بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } يَعْنِي : غَيْر الْجُلُود الَّتِي قَدْ نَضِجَتْ فَانْشَوَتْ . كَمَا : 7772 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ ثُوَيْر , عَنْ اِبْن عُمَر : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } قَالَ : إِذَا اِحْتَرَقَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا بِيضًا أَمْثَال الْقَرَاطِيس . 7773 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } يَقُول : كُلَّمَا اِحْتَرَقَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا . 7774 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ } قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّهُ مَكْتُوب فِي الْكِتَاب الْأَوَّل أَنَّ جِلْد أَحَدهمْ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا , وَسِنّه سَبْعُونَ ذِرَاعًا , وَبَطْنه لَوْ وُضِعَ فِيهِ جَبَل لَوَسِعَهُ , فَإِذَا أَكَلَتْ النَّار جُلُودهمْ بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرهَا . 7775 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ الْحَسَن : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } قَالَ : نُنْضِجهُمْ فِي الْيَوْم سَبْعِينَ أَلْف مَرَّة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو عُبَيْدَة الْحَدَّاد , عَنْ هِشَام بْن حَسَّان , عَنْ الْحَسَن , قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } قَالَ : تُنْضِج النَّار كُلّ يَوْم سَبْعِينَ أَلْف جِلْد , وَغِلَظ جِلْد الْكَافِر أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا , وَاَللَّه أَعْلَم بِأَيِّ ذِرَاع . فَإِنْ سَأَلَ سَائِل , فَقَالَ : وَمَا مَعْنَى قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } ؟ وَهَلْ يَجُوز أَنْ يُبَدَّلُوا جُلُودًا غَيْر جُلُودهمْ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا , فَيُعَذَّبُوا فِيهَا ؟ فَإِنْ جَازَ ذَلِكَ عِنْدك , فَأَجِزْ أَنْ يُبَدَّلُوا أَجْسَامًا وَأَرْوَاحًا غَيْر أَجْسَامهمْ وَأَرْوَاحهمْ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَتُعَذَّب ! وَإِنْ أَجَزْت ذَلِكَ , لَزِمَك أَنْ يَكُون الْمُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَة بِالنَّارِ غَيْر الَّذِينَ أَوْعَدَهُمْ اللَّه الْعِقَاب عَلَى كُفْرهمْ بِهِ وَمَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ , وَأَنْ يَكُون الْكُفَّار قَدْ اِرْتَفَعَ عَنْهُمْ الْعَذَاب ! قِيلَ : إِنَّ النَّاس اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : الْعَذَاب إِنَّمَا يَصِل إِلَى الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ غَيْر الْجِلْد وَاللَّحْم , وَإِنَّمَا يُحْرَق الْجِلْد لِيَصِل إِلَى الْإِنْسَان أَلَم الْعَذَاب , وَأَمَّا الْجِلْد وَاللَّحْم فَلَا يَأْلَمَانِ . قَالُوا : فَسَوَاء أُعِيدَ عَلَى الْكَافِر جِلْده الَّذِي كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا , أَوْ جِلْد غَيْره , إِذْ كَانَتْ الْجُلُود غَيْر آلِمَة وَلَا مُعَذَّبَة , وَإِنَّمَا الْآلِمَة الْمُعَذَّبَة النَّفْس الَّتِي تَحُسّ الْأَلَم , وَيَصِل إِلَيْهَا الْوَجَع . قَالُوا : وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَغَيْر مُسْتَحِيل أَنْ يُخْلَق لِكُلِّ كَافِر فِي النَّار فِي كُلّ لَحْظَة وَسَاعَة مِنْ الْجُلُود مَا لَا يُحْصَى عَدَده , وَيُحْرَق ذَلِكَ عَلَيْهِ , لِيَصِل إِلَى نَفْسه أَلَم الْعَذَاب , إِذْ كَانَتْ الْجُلُود لَا تَأَلَّم . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْجُلُود تَأَلَّم , وَاللَّحْم وَسَائِر أَجْزَاء جِرْم بَنِي آدَم , وَإِذَا أُحْرِقَ جِلْده أَوْ غَيْره مِنْ أَجْزَاء جَسَده , وَصَلَ أَلَم ذَلِكَ إِلَى جَمِيعه . قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْر مُحْتَرِقَة , وَذَلِكَ أَنَّهَا تُعَاد جَدِيدَة , وَالْأُولَى كَانَتْ قَدْ اِحْتَرَقَتْ فَأُعِيدَتْ غَيْر مُحْتَرِقَة , فَلِذَلِكَ قِيلَ غَيْرهَا , لِأَنَّهَا غَيْر الْجُلُود الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا الَّتِي عَصَوْا اللَّه وَهِيَ لَهُمْ . قَالُوا : وَذَلِكَ نَظِير قَوْل الْعَرَب لِلصَّائِغِ إِذَا اسْتَصَاغَتْهُ خَاتَمًا مِنْ خَاتَم مَصُوغ , بِتَحْوِيلِهِ عَنْ صِيَاغَته الَّتِي هُوَ بِهَا إِلَى صِيَاغَة أُخْرَى : صُغْ لِي مِنْ هَذَا الْخَاتَم خَاتَمًا غَيْره ! فَيَكْسِرهُ وَيَصُوغ لَهُ مِنْهُ خَاتَمًا غَيْره وَالْخَاتَم الْمَصُوغ بِالصِّيَاغَةِ الثَّانِيَة هُوَ الْأَوَّل , وَلَكِنَّهُ لَمَّا أُعِيدَ بَعْد كَسْره خَاتَمًا قِيلَ هُوَ غَيْره . قَالُوا : فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } لَمَّا اِحْتَرَقَتْ الْجُلُود ثُمَّ أُعِيدَتْ جَدِيدَة بَعْد الِاحْتِرَاق , قِيلَ هِيَ غَيْرهَا عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ } سَرَابِيلهمْ , بَدَّلْنَاهُمْ سَرَابِيل مِنْ قَطِرَان غَيْرهَا . فَجُعِلَتْ السَّرَابِيل الْقَطِرَان لَهُمْ جُلُودًا , كَمَا يُقَال لِلشَّيْءِ الْخَاصّ بِالْإِنْسَانِ : هُوَ جِلْدَة مَا بَيْن عَيْنَيْهِ وَوَجْهه لِخُصُوصِهِ بِهِ . قَالُوا : فَكَذَلِكَ سَرَابِيل الْقَطِرَان الَّتِي قَالَ اللَّه فِي كِتَابه : { سَرَابِيلهمْ مِنْ قَطِرَان وَتَغْشَى وُجُوههمْ النَّار } لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ لِبَاسًا لَا تُفَارِق أَجْسَامهمْ جُعِلَتْ لَهُمْ جُلُودًا , فَقِيلَ : كُلَّمَا اِشْتَعَلَ الْقَطِرَان فِي أَجْسَامهمْ وَاحْتَرَقَ بُدِّلُوا سَرَابِيل مِنْ قَطِرَان آخَر . قَالُوا : وَأَمَّا جُلُود أَهْل الْكُفْر مِنْ أَهْل النَّار فَإِنَّهَا لَا تُحْرَق , لِأَنَّ فِي اِحْتِرَاقهَا إِلَى حَال إِعَادَتهَا فَنَاءَهَا , وَفِي فَنَائِهَا رَاحَتهَا . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْهَا أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يُخَفَّف عَنْهُمْ مِنْ عَذَابهَا . قَالُوا : وَجُلُود الْكُفَّار أَحَد أَجْزَاء أَجْسَامهمْ , وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْتَرِق مِنْهَا شَيْء فَيَفْنَى ثُمَّ يُعَاد بَعْد الْفَنَاء فِي النَّار , جَازَ ذَلِكَ فِي جَمِيع أَجْزَائِهَا , وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُون جَائِزًا عَلَيْهِمْ الْفَنَاء ثُمَّ الْإِعَادَة وَالْمَوْت ثُمَّ الْإِحْيَاء , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ . قَالُوا : وَفِي خَبَره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ دَلِيل وَاضِح أَنَّهُ لَا يَمُوت شَيْء مِنْ أَجْزَاء أَجْسَامهمْ , وَالْجُلُود أَحَد تِلْكَ الْأَجْزَاء . { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ } يَقُول : كُلَّمَا اِنْشَوَتْ بِهَا جُلُودهمْ فَاحْتَرَقَتْ , { بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } يَعْنِي : غَيْر الْجُلُود الَّتِي قَدْ نَضِجَتْ فَانْشَوَتْ . كَمَا : 7772 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ ثُوَيْر , عَنْ اِبْن عُمَر : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } قَالَ : إِذَا اِحْتَرَقَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا بِيضًا أَمْثَال الْقَرَاطِيس . 7773 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } يَقُول : كُلَّمَا اِحْتَرَقَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا . 7774 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ } قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّهُ مَكْتُوب فِي الْكِتَاب الْأَوَّل أَنَّ جِلْد أَحَدهمْ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا , وَسِنّه سَبْعُونَ ذِرَاعًا , وَبَطْنه لَوْ وُضِعَ فِيهِ جَبَل لَوَسِعَهُ , فَإِذَا أَكَلَتْ النَّار جُلُودهمْ بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرهَا . 7775 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ الْحَسَن : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } قَالَ : نُنْضِجهُمْ فِي الْيَوْم سَبْعِينَ أَلْف مَرَّة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو عُبَيْدَة الْحَدَّاد , عَنْ هِشَام بْن حَسَّان , عَنْ الْحَسَن , قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } قَالَ : تُنْضِج النَّار كُلّ يَوْم سَبْعِينَ أَلْف جِلْد , وَغِلَظ جِلْد الْكَافِر أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا , وَاَللَّه أَعْلَم بِأَيِّ ذِرَاع . فَإِنْ سَأَلَ سَائِل , فَقَالَ : وَمَا مَعْنَى قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } ؟ وَهَلْ يَجُوز أَنْ يُبَدَّلُوا جُلُودًا غَيْر جُلُودهمْ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا , فَيُعَذَّبُوا فِيهَا ؟ فَإِنْ جَازَ ذَلِكَ عِنْدك , فَأَجِزْ أَنْ يُبَدَّلُوا أَجْسَامًا وَأَرْوَاحًا غَيْر أَجْسَامهمْ وَأَرْوَاحهمْ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَتُعَذَّب ! وَإِنْ أَجَزْت ذَلِكَ , لَزِمَك أَنْ يَكُون الْمُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَة بِالنَّارِ غَيْر الَّذِينَ أَوْعَدَهُمْ اللَّه الْعِقَاب عَلَى كُفْرهمْ بِهِ وَمَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ , وَأَنْ يَكُون الْكُفَّار قَدْ اِرْتَفَعَ عَنْهُمْ الْعَذَاب ! قِيلَ : إِنَّ النَّاس اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : الْعَذَاب إِنَّمَا يَصِل إِلَى الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ غَيْر الْجِلْد وَاللَّحْم , وَإِنَّمَا يُحْرَق الْجِلْد لِيَصِل إِلَى الْإِنْسَان أَلَم الْعَذَاب , وَأَمَّا الْجِلْد وَاللَّحْم فَلَا يَأْلَمَانِ . قَالُوا : فَسَوَاء أُعِيدَ عَلَى الْكَافِر جِلْده الَّذِي كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا , أَوْ جِلْد غَيْره , إِذْ كَانَتْ الْجُلُود غَيْر آلِمَة وَلَا مُعَذَّبَة , وَإِنَّمَا الْآلِمَة الْمُعَذَّبَة النَّفْس الَّتِي تَحُسّ الْأَلَم , وَيَصِل إِلَيْهَا الْوَجَع . قَالُوا : وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَغَيْر مُسْتَحِيل أَنْ يُخْلَق لِكُلِّ كَافِر فِي النَّار فِي كُلّ لَحْظَة وَسَاعَة مِنْ الْجُلُود مَا لَا يُحْصَى عَدَده , وَيُحْرَق ذَلِكَ عَلَيْهِ , لِيَصِل إِلَى نَفْسه أَلَم الْعَذَاب , إِذْ كَانَتْ الْجُلُود لَا تَأَلَّم . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْجُلُود تَأَلَّم , وَاللَّحْم وَسَائِر أَجْزَاء جِرْم بَنِي آدَم , وَإِذَا أُحْرِقَ جِلْده أَوْ غَيْره مِنْ أَجْزَاء جَسَده , وَصَلَ أَلَم ذَلِكَ إِلَى جَمِيعه . قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْر مُحْتَرِقَة , وَذَلِكَ أَنَّهَا تُعَاد جَدِيدَة , وَالْأُولَى كَانَتْ قَدْ اِحْتَرَقَتْ فَأُعِيدَتْ غَيْر مُحْتَرِقَة , فَلِذَلِكَ قِيلَ غَيْرهَا , لِأَنَّهَا غَيْر الْجُلُود الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا الَّتِي عَصَوْا اللَّه وَهِيَ لَهُمْ . قَالُوا : وَذَلِكَ نَظِير قَوْل الْعَرَب لِلصَّائِغِ إِذَا اسْتَصَاغَتْهُ خَاتَمًا مِنْ خَاتَم مَصُوغ , بِتَحْوِيلِهِ عَنْ صِيَاغَته الَّتِي هُوَ بِهَا إِلَى صِيَاغَة أُخْرَى : صُغْ لِي مِنْ هَذَا الْخَاتَم خَاتَمًا غَيْره ! فَيَكْسِرهُ وَيَصُوغ لَهُ مِنْهُ خَاتَمًا غَيْره وَالْخَاتَم الْمَصُوغ بِالصِّيَاغَةِ الثَّانِيَة هُوَ الْأَوَّل , وَلَكِنَّهُ لَمَّا أُعِيدَ بَعْد كَسْره خَاتَمًا قِيلَ هُوَ غَيْره . قَالُوا : فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } لَمَّا اِحْتَرَقَتْ الْجُلُود ثُمَّ أُعِيدَتْ جَدِيدَة بَعْد الِاحْتِرَاق , قِيلَ هِيَ غَيْرهَا عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ } سَرَابِيلهمْ , بَدَّلْنَاهُمْ سَرَابِيل مِنْ قَطِرَان غَيْرهَا . فَجُعِلَتْ السَّرَابِيل الْقَطِرَان لَهُمْ جُلُودًا , كَمَا يُقَال لِلشَّيْءِ الْخَاصّ بِالْإِنْسَانِ : هُوَ جِلْدَة مَا بَيْن عَيْنَيْهِ وَوَجْهه لِخُصُوصِهِ بِهِ . قَالُوا : فَكَذَلِكَ سَرَابِيل الْقَطِرَان الَّتِي قَالَ اللَّه فِي كِتَابه : { سَرَابِيلهمْ مِنْ قَطِرَان وَتَغْشَى وُجُوههمْ النَّار } لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ لِبَاسًا لَا تُفَارِق أَجْسَامهمْ جُعِلَتْ لَهُمْ جُلُودًا , فَقِيلَ : كُلَّمَا اِشْتَعَلَ الْقَطِرَان فِي أَجْسَامهمْ وَاحْتَرَقَ بُدِّلُوا سَرَابِيل مِنْ قَطِرَان آخَر . قَالُوا : وَأَمَّا جُلُود أَهْل الْكُفْر مِنْ أَهْل النَّار فَإِنَّهَا لَا تُحْرَق , لِأَنَّ فِي اِحْتِرَاقهَا إِلَى حَال إِعَادَتهَا فَنَاءَهَا , وَفِي فَنَائِهَا رَاحَتهَا . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْهَا أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يُخَفَّف عَنْهُمْ مِنْ عَذَابهَا . قَالُوا : وَجُلُود الْكُفَّار أَحَد أَجْزَاء أَجْسَامهمْ , وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْتَرِق مِنْهَا شَيْء فَيَفْنَى ثُمَّ يُعَاد بَعْد الْفَنَاء فِي النَّار , جَازَ ذَلِكَ فِي جَمِيع أَجْزَائِهَا , وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُون جَائِزًا عَلَيْهِمْ الْفَنَاء ثُمَّ الْإِعَادَة وَالْمَوْت ثُمَّ الْإِحْيَاء , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ . قَالُوا : وَفِي خَبَره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ دَلِيل وَاضِح أَنَّهُ لَا يَمُوت شَيْء مِنْ أَجْزَاء أَجْسَامهمْ , وَالْجُلُود أَحَد تِلْكَ الْأَجْزَاء .' وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { لِيَذُوقُوا الْعَذَاب } فَإِنَّهُ يَقُول : فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ لِيَجِدُوا أَلَم الْعَذَاب وَكَرْبه وَشِدَّته بِمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يُكَذِّبُونَ آيَات اللَّه وَيَجْحَدُونَهَا .وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { لِيَذُوقُوا الْعَذَاب } فَإِنَّهُ يَقُول : فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ لِيَجِدُوا أَلَم الْعَذَاب وَكَرْبه وَشِدَّته بِمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يُكَذِّبُونَ آيَات اللَّه وَيَجْحَدُونَهَا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا فِي اِنْتِقَامه مِمَّنْ اِنْتَقَمَ مِنْهُ مِنْ خَلْقه , لَا يَقْدِر عَلَى الِامْتِنَاع مِنْهُ أَحَد أَرَادَهُ بِضُرٍّ , وَلَا الِانْتِصَار مِنْهُ أَحَد أَحَلَّ بِهِ عُقُوبَة , حَكِيمًا فِي تَدْبِيره وَقَضَائِهِ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا فِي اِنْتِقَامه مِمَّنْ اِنْتَقَمَ مِنْهُ مِنْ خَلْقه , لَا يَقْدِر عَلَى الِامْتِنَاع مِنْهُ أَحَد أَرَادَهُ بِضُرٍّ , وَلَا الِانْتِصَار مِنْهُ أَحَد أَحَلَّ بِهِ عُقُوبَة , حَكِيمًا فِي تَدْبِيره وَقَضَائِهِ.'

تفسير القرطبي

قد تقدم معنى الإصلاء أول السورة. وقرأ حميد بن قيس { نصليهم } بفتح النون أي نشويهم. يقال : شاة مصلية. ونصب { نارا } على هذه القراءة بنزع الخافض تقديره بنار. { كلما نضجت جلودهم} يقال : نضج الشيء نُضْجا ونضَجا، وفلان نضيج الرأي محكمه. والمعنى في الآية : تبدل الجلود جلودا أخر. فإن قال من يطعن في القرآن من الزنادقة : كيف جاز أن يعذب جلدا لم يعصه ؟ قيل له : ليس الجلد بمعذب ولا معاقب، وإنما الألم واقع على النفوس؛ لأنها هي التي تحس وتعرف فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس. يدل عليه قوله تعالى { ليذوقوا العذاب } وقوله تعالى { كلما خبت زدناهم سعيرا } [الإسراء : 97]. فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح. ولو أراد الجلود لقال : ليذقن العذاب. مقاتل : تأكله النار كل يوم سبع مرات. الحسن : سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم : عودوا فعادوا كما كانوا. ابن عمر : إذا احترقوا بدلت لهم جلود بيض كالقراطيس. وقيل : عنى بالجلود السرابيل؛ كما قال تعالى { وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران } [إبراهيم:49 ، 50] سميت جلودا للزومها جلودهم على المجاورة؛ كما يقال للشيء الخاص بالإنسان : هو جلدة ما بين عينيه. وأنشد ابن عمر رضي الله عنه : يلومونني في سالم وألومهم ** وجلدة بين العين والأنف سالم فكلما احترقت السرابيل أعيدت. قال الشاعر : كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها ** فويل لتيم من سرابيلها الخضر فكنى عن الجلود بالسرابيل. وقيل : المعنى أعدنا الجلد الأول جديدا؛ كما تقول للصائغ : صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره؛ فيكسره ويصوغ لك منه خاتما. فالخاتم المصوغ هو الأول إلا أن الصياغة تغيرت والفضة واحدة. وهذا كالنفس إذا صارت ترابا وصارت لا شيء ثم أحياها الله تعالى. وكعهدك بأخ لك صحيح ثم تراه بعد ذلك سقيما مدنفا فتقول له : كيف أنت ؟ فيقول : أنا غير الذي عهدت. فهو هو، ولكن حاله تغيرت. فقول القائل : أنا غير الذي عهدت، وقوله تعالى { غيرها} مجاز. ونظيره قوله تعالى { يوم تبدل الأرض غير الأرض } [إبراهيم : 48] وهي تلك الأرض بعينها إلا أنها تغير آكامها وجبالها وأنهارها وأشجارها، ويزاد في سعتها ويسوى ذلك منها؛ على ما يأتي بيانه في سورة [إبراهيم ]عليه السلام. ومن هذا المعنى قول الشاعر : فما الناس بالناس الذين عهدتهم ** ولا الدار بالدار التي كنت أعرف وقال الشعبي : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : ألا ترى ما صنعت عائشة. ذمت دهرها، وأنشدت بيتي لبيد : ذهب الذين يعاش في أكنافهم ** وبقيت في خلف كجلد الأجرب يتلذذون مجانة ومذلة ** ويعاب قائلهم وإن لم يشغب فقالت : رحم الله لبيدا فكيف لو أدرك زماننا هذا ! فقال ابن عباس : لئن ذمت عائشة دهرها لقد ذمت عاد دهرها؛ لأنه وجد في خزانة عاد بعدما هلكوا بزمن طويل كأطول ما يكون من رماح ذلك الزمن عليه مكتوب : بلاد بها كنا ونحن بأهلها ** إذ الناس ناس والبلاد بلاد البلاد باقية كما هي إلا أن أحوالها وأحوال أهلها تنكرت وتغيرت. { إن الله كان عزيزا} أي لا يعجزه شيء ولا يفوته. { حكيما} في إيعاده عباده. وقوله في صفة أهل الجنة { وندخلهم ظلا ظليلا } يعني كثيفا لا شمس فيه. الحسن : وصف بأنه ظليل؛ لأنه لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك. وقال الضحاك : يعني ظلال الأشجار وظلال قصورها الكلبي { ظلا ظليلا} يعني دائما.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 54 - 56


سورة النساء الايات 56 - 58

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

و " نصليهم " من الاصطلاء، قد يقول قائل: ما دام يصلي النار وكلنا يعرف أن نار الدنيا حين تحرق شيئاً ينتهي إلى عدم، وحين ينتهي إلى عدم إذن فلا يوجد ألم! ونقول: لتنتبه إلى أن الحق سبحانه وتعالى يقول في هذا الأمر { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ }.. إذن فالعذاب ليس كنار الدنيا، لأن نار الدنيا تحرق وتنتهي المسألة، أما نار الآخرة فإنها عذاب سرمدي دائم مكرر { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ }.. فإذا ما حرّقت الجلود فإن جلوداً أخرى ستأتي، أهي عين الأولى أم غيرها؟ وحتى أوضح ذلك: أنت عندما يكون عندك خاتم مثلاً، ثم تقول: أنا صنعت من الخاتم خاتماً آخر، فالمادة واحدة أيضاً، فهل التعذيب للجلود أو للأعضاء؟ إن العذاب دائماً للنفس الواعية، بدليل أن الإنسان قد يصيبه ورم فيه بعض الصديد " دُمّل " يتعبه ولا يقدر على ألمه.. وبعد ذلك يغفل فينام، بمجرد أن ينام فلا ألم. لكن عندما يستيقظ يتألم من جديد.

إن فالألم ليس للعضو بل للنفس الواعية، بدليل أننا عندما ارتقينا في الطب، قلنا إن النفس الواعية نستطيع أن نخدرها بحيث يحدث الألم ولا تشعر به، ويفتح " الدُّمل " بالمشرط ولا يحس صاحبه بأي ألم. وهكذا تجد أن الجلود والأعضاء ليس لها شأن بالعذاب، إنما هي موصلة للمعذب، والمعذَّب هي النفس الواعية.. بدليل أنها ستشهد علينا يوم القيامة.. تشهد الجلود والجوارح، وستكون آلة لتوصيل العذاب.. ومسرورة لأنها توصل لهم العذاب.

إنه نظام إلهي فلا تتعجبوا من القرآن، فإن العلم كلّما تقدم هدانا إلى شيء من آيات الله في الكون. أنتم - الآن - تخدرون النفس الواعية وتشقُّون الجسد بالمشارط كما يحلو لكم فلا يحدث له ألم، وعرفتم أن الألم ليس للعضو، إنما الألم للنفس الواعية، إذن فكل الجوارح هي آلات توصِّل الألم للنفس الواعية، وتكون مسرورة؛ لأن النفس الواعية تعذب، هذه يشبهونها - مثلا - بواحد عنده " حكة " في جلده، فيهرش، والهرش يسيل دمه فيكون مستلذاً.

إذن فقوله: { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } أي أن الجلود تبدل وتنشأ جلود أخرى من نفس مادتها توصل العذاب للنفس الواعية، وهكذا.

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ }. ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى أنزل كتاباً هو القرآن، وجعله معجزة ومنهجا، وهذه هي الميزة التي امتاز بها الإسلام. فمنهج الإسلام هو عين المعجزة، وكل رسول من الرسل كان منهجه شيئاً ومعجزته كانت شيئا آخر.

إن سيدنا موسى منهجه التوارة ومعجزته: العصا، وسيدنا عيسى منهجه: الإنجيل، ومعجزته: إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، لكن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت القرآن؛ لأن دينه سيكون الامتداد النهائي لآخر الدنيا، ولذلك جعل الله منهجه هو عين معجزته، لتكون المعجزة دليلاً على صدق المنهج في أي وقت، ولا يستطيع واحد من أتباع أي نبي سابق على رسول الله أن يقول: إن معجزة الرسول الذي أتبعه هي منهجه؛ لأن معجزات الرسل السابقين على رسول الله كانت عمليات كونية انتهت مثل عود كبريت احترق، فمن رآه رآه وانتهى، لكن المسلم يستطيع أن يقف ويعلن بملء فيه: إنَّ محمداً رسول الله وصادق، وتلك معجزته.فمعجزة محمد صلى الله عليه وسلم باقية بقاءً أبدياً، ومتصلة به أبداً. أما معجزة كل رسول سبق رسول الله فقد آدت مهمتها لمن رآها وانتهت، وانفصلت معجزة كل رسول سابق على رسول الله عن منهجه.

والمنهج القرآني فيه أحكام، والأحكام معناها؛ افعل كذا، ولا تفعل كذا. وهي واضحة كل الوضوح منذ أن أنزل الله القرآن على رسوله وحتى تقوم الساعة. ومن فعل مطلوب الأحكام يثاب، ومن لم يفعله يعاقب. وكل الناس سواسية في مطلوب الأحكام إلى أن تقوم الساعة.

أما الآيات الله الكونية التي لا تتأثر.. فأي فائدة للإنسان إن عرفها أو لم يعرفها: فقد طمرها الله وسترها في القرآن مع إشارة إليها، لأن العقل المعاصر لنزول الكتاب لم يكن قادرا على استيعابها في زمن الرسالة. ولو أن القرآن جاء بآية واضحة تقول: إن الأرض كروية وتدور، بالله ماذا كان المعاصرون لرسول الله يقولون؟ إن بعضاً من البشر الآن يكذبون ذلك، فما بالنا بالبشر المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لو قال لهم رسول الله ذلك لانصرفوا عن اتباع ما جاء به.

لقد كانوا يستفيدون من كروية الأرض، مثلما يستفيد منها الفلاح أو البدوي، ومثلما يستفيد الناس الآن الذين لم يدرسوا الكهرباء برؤية التليفزيون وضوء المصباح الكهربائي وغير ذلك من الاستخدامات، دون معرفة علمية بتفاصيل ذلك، إنّ الشمس تسطع على الدنيا فيتبخر الماء من الأنهار والمحيطات والبحار ليصير سحاباً، ثم ينزل المطر من السحاب. وكل هذه الآيات الكونية لم يعط الله أسرارها إلا بقدر ما تتسع العقول، وترك في كتابه ما يدل على ما يمكن أن تنتهي إليه العقول الطموحة بالبحث العلمي.

وعندما نتعرف نحن - المسلمين - على اكتشاف علمي جديد في الكون، نقول: إن القرآن قد أشار له، لكن قبل ذلك لا يصح أن نقول ذلك حتى لا يكذب الناس هذا الكتاب المعجز، فسبحانه القائل:
{  بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ }
[يونس: 39].

لو أن القرآن قال: إن كل شيء في الوجود يتكاثر، وفيه موجب وفيه سالب، ذكر وأنثى، أكانوا يصدقون ذلك؟.لا؛ لأنهم كانوا لا يعرفون الذكر والأنثى إلا في الرجل والمرأة، ويعرفون ذلك في الحيوانات؛ وأيضاً في بعض النباتات مثل النخل، لكن هناك نباتات كثيرة لا يعرفون حكاية التكاثر فيها، ومثال ذلك القمح الذي نزرعه ونأكله، وكذلك الذرة، لم يكونوا عارفين بأن عنصر الذكورة يوجد في " الشواشي " العليا في كوز الذرة وأن الهواء يضرب تلك الشواشي فتنزل منها حبوب اللقاح فيخرج الحب، ولذلك نجد الزّارع الذكي هو الذي يفتح " كوز الذرة " من أعلاه قليلاً حتى يتيح لحبوب اللقاح أن تصل إلى موقعها. وقد يفتح الفلاح أحد " كيزان الذرة " فيجد حبة ميتة وسط الحبوب المتراصة ويكشف أنها حبة ليس لها خيط أي لم تتصل بحبوب اللقاح وهو ما يقولون عنه في الريف " سنة عجوز ".

إذن فكل تكاثر له ذكورة وأنوثة، ولذلك يقول ربنا:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ }
[يس: 36].

وكنا نعرف الأزواج في الأنفس، ثم عرفناها في النبات، وجاء الحق بـ { وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } لِتُدخل كل شيء، وتكشف الموجب والسالب في الكهرباء، وصرنا نعرف أن كل كائن فيه ذكر وأنثى، وكلما تقدم العلم فهو يشرح الآيات الكونية.

ومن رحمة الحق سبحانه بعقول الأمة المكلَّفة برسالة محمد لم يشأ أن يجعل نواميسه في الكون واضحة صريحة حتى لا تقف العقول فيها وتعجز عن فهمها، وخاصة أن الكتاب واجه أمّة أمّيَّة؛ ليست لها ثقافة. وهب أنه واجه العالم المعاصر، إن هناك قضايا في الكون لا يعلمها العالم المعاصر، فلو أن القرآن تعرض لها بصراحة لكانت سبباً من الأسباب التي تصرف الناس عن الكتاب. والقرآن جاء كتاب منهج، والمعجزة أمر جاء لتأييد المنهج، فلم يشأ أن يجعل من المعجزة ما يعوق عن المنهج، لكنه ترك في الكون طموحات للعقل المخلوق لله والمادة الكونية المخلوقة لله، وكل يوم يكتشف العقل البشري أشياء، وهذا الاكتشاف لا يأتي من فراغ، بل يأتي من أشياء موجودة.

إذن فلو رددت أدق أقضية العلم التي يصل إليها العقل المعاصر، ونسبتها في الكون لرجعت إلى الأمر البديهي. فلا يوجد صاحب عقل ابتكر أو جاء بحاجة جديدة، إنما هو أعمل عقله في موجود فاستنبط من مقدمات الموجود قضية معدومة، ثم أصبحت القضية المعدومة مقدمة معلومة ليستنبط منها من يجيء بعد ذلك. ولذلك فالعلماء عادة قوم يغلبهم طابع التهذيب عندما يقولون: اكتشفنا الأمر الفلاني، يعني كأنه كان موجوداً.

إن الحق سبحانه وتعالى يعطي لنا فكرة تقرب لنا الفهم، فنحن عندما كنا نتعلم الهندسة مثلاً؛ عرفنا أن الهندسة مكونة من نظريات، تبدأ من نظرية " واحد " ، وتنتهي إلى ما لا نهاية، وحين جاء لنا مدرس ليبرهن لنا على نظرية " مائة " ، استخدم في البرهان على ذلك النظرية التسع والتسعين، وعندما كان يبرهن على النظرية " التسع والتسعين " استعمل ما قبلها.إذن فكل برهان على نظرية يستند إلى ما قبلها، والعقل الواعي المفكر المستنبط هو الذي يرتب المقدمات ويستخلص منها النتائج. وكل شيء في الكون يشترك فيه كل الناس. لكن العقل الذي يرتب ويستنبط يخيل إليه وإلى الناس أنه جاء بجديد، وهو لم يأت بجديد. بل ولَّد من الموجود جديداً، مثال ذلك الطفل عندما يولد من أبويه، هل هما جاءا به من عدم؟ لا، بل جاء الولد من تزاوج، وعندما نسلسل الأمر نصل إلى آدم، فمن الذي جاء بآدم؟. إنه الله.

إذن فالبديهيات التي في الكون هي خميرة كل علم تقدمي وهي من صنع الله الذي أتقن كل شيء صنعاً، وكل نظرية مهما كانت معقدة في الكون منشؤها من الأمر البديهي، مثال ذلك البخار؛ عندما اكتشفوه وقبل أن يسيروا به الآلات ماذا حدث؟. كان هناك من يجلس فالتفت فوجد الإناء الذي به الماء يغلي ثم وجد غطاء الإناء يرتفع وينخفض، وعندما تعرف على السرّ، اكتشف أن كل بخار يستطيع أن يعطي. قوة دافعة، وبذلك بدأ عصر البخار. إذن فهو ذكي، وقد أخذ اكتشافه من بديهية موجودة في الكون، فإياك أن تغتر وتقول: إن العقل هو الذي اخترع، ولكن العقل عمل بالجهد في مطمورات الله في الوجود، ورتب ورتب ثم أخرج الاكتشاف.

لذلك فعندما يبتكر العقل البشري شيئاً جديداً نقول له: أنت لم تبتكر، بل اكتشفت فقط، والحق سبحانه وتعالى يترك هذه العملية في الوجود. ويقول:
{  سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ }
[فصلت: 53].

والبشرية عندما تكتشف شيئاً جديداً، نقول لهم: القرآن مسّها وجاء بها، فيقولون: عجباً هل فعل القرآن ذلك منذ أربعة عشر قرناً، على الرغم من أنه نزل ليخاطب أمة أمية، وجاء على لسان رسول أميّ. ونقول: نعم.

والآية التي نحن بصددها فيها هذا:

{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } [النساء: 56].

والجلود والأحاسيس شرحناها من قبل، ونظرية " الحسّ " - كما نعرف - شغلت العلماء الماديين، وأرادوا أن يعرفوا كيف نحسّ؟ منهم من قال: نحن نحسّ بالمخ. نقول لهم: لكن هناك مسائل لا تصل للمخ ونحس بها، بدليل أنه عندما يأتي واحد أمام عيني ويوجه أصبعه ليفتحها ويثقبها يصل أصبعه أغلق عيني أي أن شيئاً لم يصل للمخ حتى أحسّ. وبعض العلماء قال: إن الإحساس يتم عن طريق النخاع الشوكي والحركة العكسية، ثم انتهوا إلى أن الإحساس إنما ينشأ بشعيرات حسية منبطحة مع الجلد؛ بدليل أنك عندما تأخذ حقنة في العضل، فالحقنة فيها إبرة، ويكون الألم مثل لدغة البرغوث يحدث بمجرد ما تنفذ الإبرة من الجلد، وبعد ذلك لا تحس.إذن فمركز الإحساس في الإنسان هو الشعيرات الحسية المنبطحة على الجلد، بدليل أن ربنا أوضح: أنه عندما يحترق الجلد يمتنع الإحساس، فأنا أبدل لهم الجلد ليستمر الإحساس: { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } أي صارت محترقة احتراقاً تاما وتعطلت عن الإحساس بالألم، آتيهم بجلد آخر لأديم عليهم العذاب؛ لأنه هو الذي سيوصل للنفس الواعية فتتألم، إذن فالآية مسّت قضية علمية معملية، لو أن القرآن تعرض لها بصراحة وجاء بصورة في الإحساس تقول: يا بني آدم محلّ الإحساس عندكم الجلد، لما فهموا شيئاً. لكنه تركها لتنضج في العقول على مهل.

{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ }. فتكون علّة التبديل للجلود التي أحرقت بجلود جديدة كي يدوم العذاب ويذيل الحق الآية: { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً } والعزيز: هو الذي لا يُغلب ولا تَقدر أن تحتاط من أنه يهزمك أبداً، فقد يقول كافر: لقد تلذذنا بالمعصية مرة لمدة خمس دقائق، ومرة لمدة ساعتين فيما يضيرني أن يحترق جلدي وتنتهي المسألة!! نقول له: لا إن الذي يعذبك لا يُغلب فسوف يديم عليك العذاب بأن يبدل لك الجلد بجلد آخر، وسبحانه حكيم. فالمسألة ليست مسألة جبروت يستعمله، لا. هو يستعمل جبروته بعدالة.

وبعد أن جاء بالعذاب أو بالجزاء المناسب لمن رفضوا الإيمان، لم ينس المقابل؛ لكي يكون البيان للغايتين: غاية الملتزم وغاية المنحرف. ولذلك يقول الحق بعد ذلك: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }.


www.alro7.net