سورة
اية:

وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ....} الآية [51].
نزلت حين أراد الكفار أن يَعينُوا رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم فيُصيبوه بالعَيْن، فنظر إليه قوم من قريش فقالوا: ما رأينا مثله ولا مِثل حُجَجِه، وكانت العَيْنُ في بني أسد حتى إنْ كانت الناقة السمينة والبقرةُ السمينة تمرُّ بأحدهم فيُعايِنُها ثم يقول: يا جاريةُ خذي المِكْتَل والدرهم فأْتينا بلحم من لحم هذه، فما تَبرَحْ حتى تقع بالموت، فَتُنْحَر.
وقال الكلبي:
كان رجل [من العرب] يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثة، ثم يرفعُ جانبَ خبائه فتمرُّ به النَّعَمُ، فيقول: ما رُعِيَ اليومَ إبلٌ ولا غنمٌ أحسنُ من هذه، فما تذهبُ إلا قريباً حتى يسقط منها طائفةٌ وعِدَّة. فسال الكفارُ هذا الرجل أن يصيبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين ويفعل به مثل ذلك، فعصم الله تعالى نبيه، وأنزل هذه الآية.

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { فاصبر} يامحمد على أذى قومك لك وتكذيبهم، فإن اللّه سيحكم لك ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، { ولا تكن كصاحب الحوت} يعني ذا النون وهو يونس بن متى عليه السلام حين ذهب مغاضباً على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر، والتقام الحوت له، وشرود الحوت به في البحار، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير، فحينئذ نادى في الظلمات: { أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ، قال اللّه تعالى: { فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} ، وقال تعالى: { فلولا أنه كان من المسبحين . للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} ، وقال ههنا: { إذ نادى وهو مكظوم} قال ابن عباس ومجاهد: وهو مغموم، وقال عطاء مكروب، وقد قدمنا في الحديث أنه لما قال { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} خرجت الكلمة تحنّ حول العرش، فقالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال اللّه تبارك وتعالى: أما تعرفون هذا؟ قالوا: لا، قال: هذا يونس، قالوا: يا رب عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة، قال: نعم، قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء، فأمر اللّه الحوت فألقاه بالعراء، ولهذا قال تعالى: { فاجتباه ربه فجعله من الصالحين} ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) ""أخرجه الشيخان وأحمد عن أبي هريرة"". وقوله تعالى: { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} قال ابن عباس ومجاهد { ليزلقونك} لينفذونك { بأبصارهم} أي يحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية اللّه لك وحمايته إياك منهم، وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر اللّه عزَّ وجلَّ، كما وردت بذلك الأحاديث المروية، روى أبو داود عن أنَس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم لا يرقأ) ""رواه أبو داود"". وروى ابن ماجة، عن بريدة بن الحصيب قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا رقية إلا من عين أو حمة) ""أخرجه ابن ماجة ورواه البخاري والترمذي عن عمر بن حصين موقوفاً"". وروى مسلم في صحيحه، عن ابن عباس، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين وإذا استغسلتم فاغسلوا) ""أخرجه مسلم"". وعن ابن عباس قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعوّذ الحسن والحسين يقول: (أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة) ويقول: (هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل عليهما السلام) ""أخرجه البخاري وأهل السنن"". وروى الإمام أحمد، عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اشتكى، فأتاه جبريل، فقال: باسم اللّه أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من كل حاسد وعين واللّه يشفيك ""أخرجه الإمام أحمد""، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن العين حق) ""أخرجاه في الصحيحين"". حديث أسماء بنت عميس: قال الإمام أحمد، عن عبيد بن رفاعة الزرقي قال، قالت أسماء: يا رسول اللّه إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: (نعم. فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين) ""أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن صحيح"". حديث عائشة رضي اللّه عنها: روى ابن ماجة، عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمرها أن تسترقي من العين ""أخرجه الشيخان وابن ماجة"". وعن عائشة قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (استعيذوا باللّه فإن النفس حق) ""أخرجه ابن ماجة""، وقال أبو داود عن عائشة قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ ويغسل منه المعين ""رواه أبو داود وأحمد"". حديث سهل ابن حنيف: قال الإمام أحمد، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدّثه: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج وساروا معه نحو مكة، حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن الأحنف، وكان رجلاً أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقيل له: يا رسول اللّه هل لك في سهل؟ واللّه ما يرفع رأسه ولا يفيق، قال: (هل تتهمون فيه من أحد؟) قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عامرا فتغيظ عليه، وقال: (علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك برّكت؟ - ثم قال - اغتسل له) فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبته وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صبَّ ذلك الماء عليه، فصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفأ القدح وراءه ففعل ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس ""أخرجه الإمام أحمد ورواه ابن ماجة بنحوه"". حديث عبد اللّه بن عمرو: قال الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن عمرو قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا حسد والعين حق) ""تفرد به الإمام أحمد"". وقوله تعالى: { ويقولون إنه لمجنون} أي يزدرونه بأعينهم، ويؤذونه بألسنتهم، ويقولون { إنه لمجنون} أي لمجيئه بالقرآن، قال اللّه تعالى: { وما هو إلا ذكر للعالمين} .

تفسير الجلالين

{ وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك } بضم الياء وفتحها { بأبصارهم } ينظرون إليك نظرا شديدا يكاد أن يصرعك ويسقطك من مكانك { لما سمعوا الذكر } القرآن { ويقولون } حسدا { إنه لمجنون } بسبب القرآن الذي جاء به.

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإن يكاد الذين كفروا} { إن} هي المخففة من الثقيلة. { ليزلقونك} أي يعتانونك. { بأبصارهم} أخبر بشدة عداوتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قوم من قريش وقالوا : ما رأينا مثله ولا مثل حججه. وقيل : كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول : يا جارية، خذي المكتل والدرهم فأتينا بلحم هذه الناقة، فما تبرح حتى تقع للموت فتنحر. وقال الكلبي : كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئا يومين أو ثلاثة، ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم فيقول : لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فما تذهب إلا قليلا حتى تسقط منها طائفة هالكة. فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعين فأجابهم؛ فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد : قد كان قومك يحسبونك سيدا ** وإخال أنك سيد معيون فعصم الله نبيه صلي الله عليه وسلم ونزلت { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك} . وذكر نحوه الماوردي. وأن العرب كانت إذا أراد أحدهم أن يصيب أحدا - يعني في نفسه وماله - تجوع ثلاثة أيام، ثم يتعرض لنفسه وماله فيقول : تالله ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكثر منه ولا أحسن؛ فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال القشيري : وفي هذا نظر؛ لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان والإعجاب لا مع الكراهية والبغض؛ ولهذا قال { ويقولون إنه لمجنون} أي ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن. قلت : أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قتله. ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش وأبو وائل ومجاهد { ليزهقونك} أي ليهلكونك. وهذه قراءة على التفسير، من زهقت نفسه وأزهقها. وقرأ أهل المدينة { ليَزِلْقُونَك} بفتح الياء. وضمها الباقون؛ وهما لغتان بمعنى؛ يقال : زلقه يزلِقه وأزلقه يُزلِقه إزلاقا إذا نحاه وأبعده. وزلق رأسه يزلِقه زلقا إذا حلقه. وكذلك أزلقه وزلَّقه تزليقا. ورجل زَلِق وزُمَلِق - مثال هُدَبِد - وزَمَالق وزُمّلِق - بتشديد الميم - وهو الذي ينزل قبل أن يجامع؛ حكاه الجوهري وغيره. فمعنى الكلمة إذا التنحية والإزالة؛ وذلك لا يكون في حق النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهلاكه وموته. قال الهروي : أراد ليعتانونك بعيونهم فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك. وقال ابن عباس : ينفذونك بأبصارهم؛ يقال : زلق السهم وزهق إذا نفذ؛ وهو قول مجاهد. أي ينفذونك من شدة نظرهم. وقال الكلبي : يصرعونك. وعنه أيضا والسدي وسعيد بن جبير : يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة. وقال العوفي : يرمونك. وقال المؤرج : يزيلونك. وقال النضر بن شميل والأخفش : يفتنونك. وقال عبدالعزيز بن يحيى : ينظرون إليك نظرا شزرا بتحديق شديد. وقال ابن زيد : ليمسونك. وقال جعفر الصادق : ليأكلونك. وقال الحسن وابن كيسان : ليقتلونك. وهذا كما يقال : صرعني بطرفه، وقتلني بعينه. قال الشاعر : ترميك مزلقة العيون بطرفها ** وتكل عنك نصال نبل الرامي وقال آخر : يتقارضون إذا التقوا في مجلس ** نظرا يزل مواطئ الأقدام وقيل : المعنى أنهم ينظرون إليك بالعداوة حتى كادوا يسقطونك. وهذا كله راجع إلى ما ذكرنا، وأن المعنى الجامع : يصيبونك بالعين. والله أعلم.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net