سورة
اية:

أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

تفسير بن كثير

لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه ومدحها وأثنى عليها وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الإتباع، وذكر الإنجيل ومدحه وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه كما تقدم بيانه، شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، فقال تعالى: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند اللّه { مصدقا لما بين يديه من الكتاب} أي من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند اللّه على عبده ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم، فكان نزوله كما أخبرت به مما زادها صدقاً عند حامليها من ذوي البصائر، الذين انقادوا لأمر اللّه واتبعوا شرائع اللّه، وصدقوا رسل اللّه، كما قال تعالى: { إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً} أي إن كان ما وعدنا اللّه على ألسنة رسله المتقدمة من مجيء محمد عليه السلام لمفعولاً أي لكائناً لا محالة ولا بد. وقوله تعالى: { ومهيمنا عليه} قال ابن عباس: أي مؤتمناً عليه، وعنه أيضاً المهيمن: الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله. وقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل. وعن الوالبي عن ابن عباس { ومهيمناً} أي شهيداً، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي، وقال العوفي عن ابن عباس { ومهيمناً} أي حاكماً على ما قبله من الكتب. وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو: أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله، جعل اللّه هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها أشملها وأعظمها وأكملها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهداً وأميناً وحاكماً عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} . وقوله تعالى: { فاحكم بينهم بما أنزل الله} أي فاحكم يا محمد بين الناس بما أنزل اللّه إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك، { وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه ولا تتبع أهواءهم} فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا، وقوله: { ولا تتبع أهواءهم} أي آراءهم التي اصطلحوا عليها وتركوا بسببها ما أنزل اللّه على رسله، ولهذا قال تعالى: { ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} أي لا تنصرف عن الحق الذي أمرك اللّه به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء. وقوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} عن ابن عباس: { شرعة} قال: سبيلاً، { ومنهاجاً} قال: وسنة، وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد { شرعة ومنهاجاً} : أي سنة وسبيلاً والأول أنسب، فإن الشرعة وهي الشريعة أيضاً هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال شرع في كذا: أي ابتدأ فيه، وكذا الشريعة وهي ما يشرع فيها إلى الماء؛ أما المنهاج فهو الطريق الواضح السهل، والسنن الطرائق. فتفسير قوله: { شرعة ومنهاجاً} بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس، والله أعلم ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث اللّه به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (نحن معاشر الأنبياء أخوة لعلات ديننا واحد)، يعني بذلك التوحيد الذي بعث اللّه به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله كماقال تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} . وقال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت} الآية، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراماً، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفاً فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، قال قتادة قوله: { شرعة ومنهاجاً} يقول: سبيلاً وسنة، والسنن مختلفة هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة وفي الفرقان شريعة، يحل اللّه فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل اللّه غيره التوحيد والإخلاص للّه الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} هذا خطاب لجميع الأمم وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرّع لكل رسول شريعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمداً صلى اللّه عليه وسلم الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا قال تعالى: { ولكن ليبلوكم فيما آتاكم} أي أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة ليختبر عباده فيما شرع لهم ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله { فيما آتاكم} يعني من الكتاب، ثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها فقال: { فاستبقوا الخيرات} وهي طاعة اللّه واتباع شرعه الذي جعله ناسخاً لما قبله والتصديق بكتابة القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، ثم قال تعالى: { إلى اللّه مرجعكم} أي معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} أي فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق العادلين عنه بلا دليل ولا برهان. وقوله تعالى: { وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه ولا تتبع أهوءاهم} تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والنهي عن خلافه. ثم قال: { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل اللّه إليك} أي واحذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم فإنهم كذبة كفرة خونة، { فإن تولوا} أي عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع اللّه { فاعلم أنما يريد اللّه أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} ، أي فاعلم أن ذلك كائن عن قدرة اللّه وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم، { وإن كثيراً من الناس لفاسقون} أي إن أكثر الناس لخارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق ناكبون عنه، كما قال تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} وقال تعالى: { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل اللّه} الآية. وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وعبد اللّه بن صوريا، وشاس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنّا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك فأبى ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ فيهم: { أن احكم بينهم بما أنزل اللّه لا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل اللّه إليك} إلى قوله { لقوم يوقنون} رواه ابن جرير وقوله تعالى: { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من اللّه حكماً لقوم يوقنون} ينكر تعالى على من خرج عن حكم اللّه المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة اللّه، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم اللّه ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. قال تعالى: { أفحكم الجاهلية يبغون} أي يبتغون ويريدون، وعن حكم اللّه يعدلون { ومن أحسن من اللّه حكماً لقوم يوقنون} أي ومن أعدل من اللّه في حكمه، لمن عقل عن اللّه شرعه وآمن به وأيقن، وعلم أن اللّه أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، عن الحسن قال: من حكم بغير حكم اللّه فحكم الجاهلية، وكان طاووس إذا سأله رجل: أفضّل بين ولدي في النحل؟ قرأ: { أفحكم الجاهلية يبغون} الآية، وقال الحافظ الطبراني عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أبغض الناس إلى اللّه عزَّ وجلَّ من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرىء بغير حق ليريق دمه) وروى البخاري بإسناده نحوه بزيادة.

تفسير الجلالين

{ أفحكم الجاهلية يبغون } بالياء والتاء يطلبون من المداهنة والميل إذا تولَّوا إستفهام إنكاري { ومن } أي لا أحد { أحسن من الله حُكما لقوم } عند قوم { يوقنون } به خصوا بالذكر لأنهم الذين يتدبرون.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَحُكْم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَن مِنْ اللَّه حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَيَبْغِي هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ اِحْتَكَمُوا إِلَيْك فَلَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِك , وَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِالْقِسْطِ حُكْم الْجَاهِلِيَّة , يَعْنِي أَحْكَام عَبَدَة الْأَوْثَان مِنْ أَهْل الشِّرْك , وَعِنْدهمْ كِتَاب اللَّه فِيهِ بَيَان حَقِيقَة الْحُكْم الَّذِي حَكَمْت بِهِ فِيهِمْ , وَإِنَّهُ الْحَقّ الَّذِي لَا يَجُوز خِلَافه . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْره مُوَبِّخًا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَبَوْا قَبُول حُكْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ مِنْ الْيَهُود , وَمُسْتَجْهِلًا فِعْلهمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ : وَمَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ أَحْسَن حُكْمًا أَيّهَا الْيَهُود مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عِنْد مَنْ كَانَ يُوقِن بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه وَيُقِرّ بِرُبُوبِيَّتِهِ , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَيُّ حُكْم أَحْسَن مِنْ حُكْم اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أَنَّ لَكُمْ رَبًّا وَكُنْتُمْ أَهْل تَوْحِيد وَإِقْرَار بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد . 9478 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ } قَالَ : يَهُود . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَفَحُكْم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ } يَهُود . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا شَيْخ , عَنْ مُجَاهِد : { أَفَحُكْم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ } قَالَ : يَهُود . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَحُكْم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَن مِنْ اللَّه حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَيَبْغِي هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ اِحْتَكَمُوا إِلَيْك فَلَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِك , وَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِالْقِسْطِ حُكْم الْجَاهِلِيَّة , يَعْنِي أَحْكَام عَبَدَة الْأَوْثَان مِنْ أَهْل الشِّرْك , وَعِنْدهمْ كِتَاب اللَّه فِيهِ بَيَان حَقِيقَة الْحُكْم الَّذِي حَكَمْت بِهِ فِيهِمْ , وَإِنَّهُ الْحَقّ الَّذِي لَا يَجُوز خِلَافه . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْره مُوَبِّخًا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَبَوْا قَبُول حُكْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ مِنْ الْيَهُود , وَمُسْتَجْهِلًا فِعْلهمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ : وَمَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ أَحْسَن حُكْمًا أَيّهَا الْيَهُود مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عِنْد مَنْ كَانَ يُوقِن بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه وَيُقِرّ بِرُبُوبِيَّتِهِ , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَيُّ حُكْم أَحْسَن مِنْ حُكْم اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أَنَّ لَكُمْ رَبًّا وَكُنْتُمْ أَهْل تَوْحِيد وَإِقْرَار بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد . 9478 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ } قَالَ : يَهُود . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَفَحُكْم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ } يَهُود . * - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا شَيْخ , عَنْ مُجَاهِد : { أَفَحُكْم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ } قَالَ : يَهُود .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { أفحكم الجاهلية يبغون} { أفحكم} نصب بـ { يبغون} والمعنى : أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع؛ كما تقدم في غير موضع، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء؛ فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل. الثانية: روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال : كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية { أفحكم الجاهلية يبغون} فكان طاوس يقول : ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ وفسخ؛ وبه قال أهل الظاهر. وروي عن أحمد بن حنبل مثله، وكرهه الثوري وابن المبارك وإسحاق؛ فإن فعل ذلك أحد نفذ ولم يرد، وأجاز ذلك مالك والثوري والليث والشافعي وأصحاب الرأي؛ واستدلوا بفعل الصديق في نحله عائشة دون سائر ولده، وبقول عليه السلام : (فارجعه) وقوله : (فأشهد على هذا غيري). واحتج الأولون بقوله عليه السلام لبشير : (ألك ولد سوى هذا) قال نعم، فقال : (أكلهم وهبت له مثل هذا) فقال لا، قال : (فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور) في رواية (وإني لا أشهد إلا على حق). قالوا : وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز. وقول : (أشهد على هذا غيري) ليس إذنا في الشهادة وإنما هو زجر عنها؛ لأنه عليه السلام قد سماه جورا وامتنع من الشهادة فيه؛ فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه. وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله قد كان نحل أولاده نحلا يعادل ذلك. فإن قيل : الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقا، قيل له : الأصل الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص. وفي الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص، ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وذلك محرم، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم). قال النعمان : فرجع أبي فرد تلك الصدقة، والصدقة لا يعتصرها الأب بالإنفاق وقوله : (فارجعه) محمول على معنى فاردده، والرد ظاهر في الفسخ؛ كما قال عليه السلام (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود مفسوخ. وهذا كله ظاهر قوي، وترجيح جلي في المنع. الثالثة: قرأ ابن وثاب والنخعي { أفحكم} بالرفع على معنى يبغونه؛ فحذف الهاء كما حذفها أبو النجم في قوله : قد أصبحت أم الخيار تدعي ** علي ذنبا كله لم أصنع فيمن روى { كله} بالرفع. ويجوز أن يكون التقدير : أفحكم الجاهلية حكم يبغونه، فحذف الموصوف. وقرأ الحسن وقتادة والأعرج والأعمش { أفحكم} بنصب الحاء والكاف وفتح الميم؛ وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة إذ ليس المراد نفس الحكم، وإنما المراد الحكم؛ فكأنه قال : أفحكم حَكَم الجاهلية يبغون. وقد يكون الحكم والحاكم في اللغة واحدا وكأنهم يريدون الكاهن وما أشبهه من حكام الجاهلية؛ فيكون المراد بالحكم الشيوع والجنس، إذ لا يراد به حاكم بعينه؛ وجاز وقوع المضاف جنسا كما جاز في قولهم : منعت مصر إردبها، وشبهه. وقرأ ابن عامر { تبغون} بالتاء، الباقون بالياء. قوله تعالى { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} هذا استفهام على جهة الإنكار بمعنى : لا أحد أحسن؛ فهذا ابتداء وخبر. و { حكما} نصب على البيان. لقوله { لقوم يوقنون} أي عند قوم يوقنون.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 48 - 51

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والجاهلية هي نسبة إلى جاهل. ولو كانت نسبة مأخوذة من الجهل لجاء القول " جهلية " ، لكن الحق يقول هنا: " جاهلية " نسبة إلى جاهل. وحتى نعرف معنى الجاهل بالتحديد لا بد لنا أن نتذكر ونستعيد تقسيم النسب الذي قلناه قديماً، ونعرف أن كل لفظ نتكلم به له معنى، وساعة نسمع اللفظ فالمعنى يأتي إلى الذهن إفرادياً. مثلما نسمع كلمة " جبل " فيقفز إلى الذهن صورة الجبل، لكن لا توجد حالة واضحة للجبل؛ لأن الكلمة لم تكن مصحوبة بحكم.

إذن فهناك معنى للفظ، ولكن هذا المعنى لا يستقل بفائدة. ولكن إن قلنا إن القاهرة مكتظة بالسكان، أو أن مرافقها متعبة، هناك نكون قد أتينا بحكم يوضح لنا ماذا نقصد بقولنا القاهرة.

إن هناك فرقا بين اللفظ حين يؤدي إلى معنى مفرد لا حكم له، وبين لفظ له حكم، ولذلك نجد العربي القديم حين يأتيه لفظ بلا حكم لم يكن لقبله. وها هوذا رجل عربي قال: أشهد أن محمداً رسولَ الله - بفتح اللام في كلمة " رسول " - وبهذا القول تكون " رسول الله " صفة لمحمد وليس فيها الخبر المطلوب. لذلك قال عربي آخر: وماذا يصنع محمدا؟ ليفلت القائل إلى أنه لم يتلق الخبر. إذن كل لفظ له معنى، وهذا المعنى مفرد ولا بد له من نسبة.

مثلما نقول لصديق: " محمد " ، ويعرف هذا الصديق محمدا، فيسألك: " وما لمحمد "؟ وبقوله هذا إنما يطلب الخبر ليعرف ماذا حدث له أو منه، فتقول: " محمد زارني أمس ". وهكذا تكتمل الفائدة.

إذن فكل لفظ من الألفاظ المفردة له معنى حين يفرد. فإذا ما جاء الحكم تنشأ عنه النسبة. وإن كانت النسبة واقعة وبعتقدها قائلها؛ ويستطيع إقامة الدليل عليها فهذه نسبة علم؛ لأن العلم نسبة مجزوم بها وواقعة ونستطيع إقامة الدليل عليها تماما مثلما نقول: (الأرض كروية) حيث توحي الكلمة أولاً بصورة الأرض وأضفنا إليها نسبة هي " كروية " لأننا نعتقد أنها كروية والواقع يؤكد ذلك، فإذا ما جئنا بالدليل عليها فهذه نسبة علم. إذن فالعلم نسبة مُعتقَدة وواقعة وعليها دليل.

أما إذا كانت النسبة واقعة ومعتقدة ولا نستطيع التدليل عليها فذلك هو التقليد مثلما يكرر الطفل عن والده بعضاً من الحقائق ولكنه لا يستطيع إقامة الدليل عليها، إنه يقلد من يثق به، إذن فالمرحلة الأقل من العلم هي التقليد. أما إذا كان الإنسان يعتقد أن النسبة قد حدثت ولكن الواقع غير ذلك، فهذا هو الجهل، فالجهل ليس معناه أنك لا تعرف، ولكن أن تعرف قضية مناقضة للواقع.والجاهل يختلف عن الأمي، فالأمي هو الذي لا يعرف، أما الجاهل فهو الذي يعرف قضية مخالفة للواقع ومتشبث بها.

{ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } والحق هنا يتساءل: هل يرغبون في الاستمرار بالاعتقاد الخاطئ الجاهل؟ والأمر مع الأمي - كما عرفنا - يختلف عن الأمر مع الجاهل؛ لأنه يكفيك أن تقول للأمي العلم الذي تريد تعليمه إياه ويقبله منك، أما الجاهل فلا بد للتعامل معه من عملين.. الأول أن تجعله يحذف ويستبعد من باله القضية الخاطئة، والثاني أن تجعله يقتنع بالقضية الصحيحة. والذي يرهق الدعاة إلى الدين هم الجهلة هؤلاء الذين يعتقدون اعتقاداً خاطئاً يتضمن قضايا باطلة.

لكن ماذا إن كانت النسبة مجالاً للنفي ومجالأً للإثبات؟ إن كان النفي مساوياً للإثبات فهي نسبة شك. وإن غلب الإثبات فهذا ظن. وإن كان النفي راجحاً فذلك هو الوهم. وهكذا يتضح لنا أن قضية الجهل قضية صعبة، والذي يسبب التعب في هذه الدنيا هم الجهلة؛ لأنهم يعتقدون في قضايا خاطئة. فإذا كان هناك حكم من الله. فلماذا لا يرتضون إذن؟ أيريدون حكم الجاهلية؟ وكان أهل الكتاب أنفسهم يسفهون حكم الجاهلية.

ولنلحظ أن هذا التسفيه كان في زمن المواجهة بين الجاهلية وبين أهل الكتاب. وكانوا يستفتحون عن أهل المدينة ومكة. وكثيراً ما قالوا: لقد أظلّنا عهد نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. ولكن ما إن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قالوا العكس، ماذا قالوا للجاهلين؟ هاهوذا الحق يخبرنا بما قالوا:
{  أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً }
[النساء: 51]

وقد ذهب بعض من أحبار اليهود إلى قريش، وسألهم بعض من سادة قريش: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم القديم فأخبرونا عنا وعن محمد. فقال الأحبار: ما أنتم وما محمد؟ فقال سادة قريش: نحن ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونفك العاني ونصل الأرحام ونسقي الحجيج وديننا القديم ودين محمد الحديث. فقال الأحبار: أنتم خير منه وأهدى سبيلا. وبذلك زوروا القول.

وينقل الرواة قصة أخرى في هذا الموضع، أن واحداً من أحبار اليهود قال لأبي سفيان: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه. وقال الأحبار ذلك حسداً لرسول الله.

إذن فهل يرتضي أهل الكتاب حكم الجاهلية؟ لا. ولكنه التناقض والتضارب. وماداموا قد تناقضوا مع أنفسهم صار من السهل أن يتناقضوا مع الكتاب الذي نزل إليهم. ولذلك يتساءل الحق:

{ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } ثم يأتي من بعد ذلك بالمقابل وهو قوله: { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً }. وسبحانه لم يقل: إن الأحسن في الحكم هم المسلمون لجواز أن يكون من المسلمين من ينحرف، لذلك رد الأمر إلى ما لا يتغير أبداً وهو حكم الله.وحين يقرر سبحانه ذلك فإنه - اولا - يعلم أنه سيأتي قوم مسلمون وينحرفون عن المنهج.

ونحن نرى في بعض الأحيان سلوكاً منحرفاً من مسلم، فهل نلصق هذا السلوك بالإسلام؟ لا. بل ننظر إلى حكم الله في كتابه. وعندما نرى أن حكم الله يجرم فعلاً وله عقوبة، فالعقوبة تقع على المسلم المنحرف أيضاً. والمثال قوله الحق:
{  وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا }
[المائدة: 38]

وهذا الحكم يطبق على المسلم وغير المسلم، إذن فلا نقول هذا حكم المسلمين وذلك حكم الجاهلية. ولكننا نقول: إنه حكم صاحب المنهج وهو الله.

ونلحظ أن هناك استفهاماً في قوله الحق: { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً }. والاستفهام هو نقل صورة الشيء في الذهن، لا نقل حقيقة الشيء. وساعة يطلب المتكلم من المخاطب أن ينقل إليه الفهم، هنا نقول: هل كان المتكلم لا يعلم الحكم؟ قد يصح ذلك في الحياة العادية. وقد نراه حين يقول إنسان لآخر:

من زارك أمس؟ فنكون أمام حالة استفهام عن الذي زاره، تلك هي حقيقة الاستفهام، لكن ما بالنا إذا كان الذي يتكلم ويستفسر لا تخفى عليه خافية، إنه - سبحانه - يطلب - منا أن نجيب على سؤاله: { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً }. وتلك عظمة الأداء.

وأضرب مثالاً آخر - ولله المثل الأعلى - عندما يأتيك إنسان ويدعي أنك لم تحسن إليه لأنه كان سجيناً مثلاً وأنت الذي أخرجته من السجن. فتقول له: من الذي ذهب ودفع عنك الكفالة وأخرجك من الحبس؟

إنك أنت الذي فعلت ولا تريد أن تقول له: لقد فعلت من أجلك كذا وكذا، ولكنك تريده هو أن ينطق بما فعلته له، ولا تقول ذلك إلا وأنت واثق أنه لن يجد جواباً إلا الاعتراف بأنك أنت الذي صنعت له كذا وكذا، وبذلك تصبح المسألة إقراراً وليس إخباراً.

{ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } فالحق عالم أنهم حين يديرون رءوسهم في الجواب، لن يجدوا إلا أن يقولوا: يارب أنت أحسن حكماً. وهذا إقرار منهم وإخبار أيضاً. أما عند المؤمن فالأمر يختلف تماماً؛ لأن المؤمن بعترف ويقر بفضل الله عليه.

{ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } فالذي يفهم أن حكم الله هو الأفضل هم القوم الذين دخلوا إلى مرحلة اليقين. ونعلم أن مراحل اليقين تتفاوت فيما بينها، فعندما يخبرك إنسان صادق في قضية ما فأنت تعلم هذه القضية. كأن يقول لك: لقد ذهبت إلى نيويورك. وهذه المدينة تقع على عدد من الجزر وبها عمارات شاهقة والعنف منتشر فيها. والناس تبدو وكأنها ممسوسة من فرط الهوس على الثروة. وحين تسمع هذا الصادق فأنت تأخذه على محمل الجد وتعتبر كلامه يقيناً وهذا هو علم اليقين، أي أنه إخبار من إنسان تثق فيه لأنه صادق.

وبعد ذلك يأتي هذا الإنسان ليوجه لك الدعوة، فتركب معه الطائرة، وتطير الطائرة على ارتفاع يساوي أربعين ألف قدم، وبعد إحدى عشرة ساعة تهبط الطائرة قليلاً؛ لترى أضواء مدينة صاخبة، ويقول لك صاحبك: هذه هي نيويورك، وتلك هي ناطحات السحاب.هكذا صار علم اليقين عين يقين.

وعندما تنزلان معاً إلى شوارع نيويورك فأنتما تسيران إلى جزيرة مانهاتن. وتصعد إلى برج التجارة أعلى ناطحات السحاب في نيويورك، وهذا هو حق اليقين.

إذن: فمراحل اليقين ثلاث: علم يقين: إذا أخبرك صادق بخبر ما، وعين يقين: إذا رأيت أنت هذا الخبر، وحق يقين: إذا دخلت وانغمست في مضمون وتفاصيل هذاالخبر. وقديماً قلت لتلاميذي مثالاً محدداً لأوضح الفارق بين ألوان اليقين، قلت لهم: لقد رأيت في أندونيسيا ثمرة من ثمار الموز يبلغ طول الثمرة الواحدة نصف المتر. وبالطبع صدقني التلاميذ؛ لأنهم يصدفون قولي. وقد نقلت لهم صورة علمية. وصار لديهم علم يقين. وبعد ذلك أدخل إلى غرفة وأفتح حقيبة وأخرج منها ثمرة الموز التي يبلغ طولها نصف المتر. وبذلك يصير علم اليقين عين يقين. وبعد ذلك أمسكت بسكين وقمت بتقشير ثمرة الموز ووزعت على كل واحد منهم قطعة. وهكذا صار لديهم حق يقين. وحين يطلق الحق " اليقين " فهو يشمل الذي علم والذي تحقق.

فأهل الأدلة، علموا علم اليقين، وأهل المرائي والمشاهدات علموا عين اليقين، وأهل الفيوضات والتجليات وصلوا إلى حق اليقين. والمؤمنون بالله يقول الواحد منهم: أنا بمجرد علم اليقين موقن تماماً ولا انتظر حق اليقين لأني لا أجرؤ على التكذيب؛ لذلك نجد أن سيدنا الإمام عليا - كرم الله وجهه - يقول: لو انكشف عني الحجاب ما ازددت يقيناً.
{  أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ }
[التكاثر: 1-7]

والبداية تكون علم اليقين، ثم نرى الجحيم ونحن نسير على الصراط فتصير عين اليقين، ومن لطف الله أنه جعلنا - نحن المسلمين - لا نراها حق اليقين. وهو القائل:
{  وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }
[مريم: 71]

هو يعطينا صورة الجحيم. لكن حينما أراد الحق أن يعطينا صورة حق اليقين، فقد جاء بها في قوله الحق:
{  فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ * أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ }
[الواقعة: 75-82]

كل ذلك مقدمة ليقول الحق:
{  إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ }
[الواقعة: 95]

وما يذكره الحق هنا عن منزلة المصدق المؤمن إن هذه المنزلة هي الجنة ويرى ذلك عين اليقين. أما منزلة المكذب الكافر، فله مكانه في النار؛ لذلك سيرى كل الناس النار كعين اليقين. أما من يدخله الحق النار - والعياذ بالله - فسيعاني منها حق اليقين، وسينعم المؤمنون بالجنة حق اليقين.

ومن بعد ذلك يقول الحق: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ... }


www.alro7.net