سورة
اية:

فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين المكذبين المعاندين: أنهم كلما أتتهم من آية أي دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات على وحدانية اللّه وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها، قال اللّه تعالى: { فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوق يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} ، وهذا تهديد لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليجدن غبّه، وليذوقن وباله، ثم قال تعالى واعظاً لهم ومحذراً لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعاً، وأكثر أموالاً وأولاداً واستعلاء في الأرض، وعمارة لها فقال: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لمن نمكن لكم} أي من الأموال والأولاد والأعمار والجاه العريض والسعة والجنود، ولهذا قال: { وأرسلنا السماء عليهم مدراراً} أي شيئاً بعد شيء، { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض أي استدراجاً وإملاء لهم، { فأهلكناهم بذنوبهم} أي بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترحوها، { وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} أي فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث { وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين} أي جيلاً آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم فأهلكوا كإهلاكهم، فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على اللّه منهم والرسول الذي كذبتموه أكرم على اللّه من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم لولا لطفه وإحسانه.

تفسير الجلالين

{ فقد كذٌبوا بالحق } بالقرآن { لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء } عواقب { ما كانوا به يستهزئون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَقَدْ كَذَّبَ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاَللَّهِ الْحَقّ لَمَّا جَاءَهُمْ , وَذَلِكَ الْحَقّ هُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَذَّبُوا بِهِ , وَجَحَدُوا نُبُوَّته لَمَّا جَاءَهُمْ قَالَ اللَّه لَهُمْ مُتَوَعِّدًا عَلَى تَكْذِيبهمْ إِيَّاهُ وَجُحُودهمْ نُبُوَّته : سَوْفَ يَأْتِي الْمُكَذِّبِينَ بِك يَا مُحَمَّد مِنْ قَوْمك وَغَيْرهمْ { أَنْبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } يَقُول : سَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَخْبَار اِسْتِهْزَائِهِمْ بِمَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ مِنْ آيَاتِي وَأَدِلَّتِي الَّتِي آتَيْتهمْ . ثُمَّ وَفَى لَهُمْ بِوَعِيدِهِ لَمَّا تَمَادَوْا فِي غَيّهمْ وَعَتَوْا عَلَى رَبّهمْ , فَقَتَلَهُمْ يَوْم بَدْر بِالسَّيْفِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَقَدْ كَذَّبَ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاَللَّهِ الْحَقّ لَمَّا جَاءَهُمْ , وَذَلِكَ الْحَقّ هُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَذَّبُوا بِهِ , وَجَحَدُوا نُبُوَّته لَمَّا جَاءَهُمْ قَالَ اللَّه لَهُمْ مُتَوَعِّدًا عَلَى تَكْذِيبهمْ إِيَّاهُ وَجُحُودهمْ نُبُوَّته : سَوْفَ يَأْتِي الْمُكَذِّبِينَ بِك يَا مُحَمَّد مِنْ قَوْمك وَغَيْرهمْ { أَنْبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } يَقُول : سَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَخْبَار اِسْتِهْزَائِهِمْ بِمَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ مِنْ آيَاتِي وَأَدِلَّتِي الَّتِي آتَيْتهمْ . ثُمَّ وَفَى لَهُمْ بِوَعِيدِهِ لَمَّا تَمَادَوْا فِي غَيّهمْ وَعَتَوْا عَلَى رَبّهمْ , فَقَتَلَهُمْ يَوْم بَدْر بِالسَّيْفِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وهو الله في السماوات وفي الأرض} يقال : ما عامل الإعراب في الظرف من { في السماوات وفى الأرض} ؟ ففيه أجوبة : أحدها : أي وهو الله المعظم أو المعبود في السماوات وفي الأرض؛ كما تقول : زيد الخليفة في الشرق والغرب أي حكمه ويجوز أن يكون المعنى وهو الله المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض؛ كما تقول : هو في حاجات الناس وفي الصلاة ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر ويكون المعنى : وهو الله في السماوات وهو الله في الأرض. وقيل : المعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض فلا يخفى عليه شيء؛ قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل فيه وقال محمد بن جرير : وهو الله في السماوات ويعلم سركم وجهركم في الأرض فيعلم مقدم في الوجهين والأول أسلم وأبعد من الإشكال وقيل غير هذا والقاعدة تنزيهه جل وعز عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة. { ويعلم ما تكسبون} أي من خير وشر والكسب الفعل لاجتلاب نفع أو دفع ضرر ولهذا لا يقال لفعل الله كسب. قوله تعالى { وما تأتيهم من آية} أي علامة كانشقاق القمر ونحوها. و { من} لاستغراق الجنس؛ تقول : ما في الدار من أحد. { من آيات ربهم} { من} الثانية للتبعيض. و { معرضين} خبر { كانوا} والإعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله جل وعز من خلق السماوات والأرض وما بينهما وأنه يرجع إلى قديم حي غني عن جميع الأشياء قادر لا يعجزه شيء عالم لا يخفى عليه شيء من المعجزات التي أقامها لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ ليستدل بها على صدقه في جميع ما أتى به. قوله تعالى { فقد كذبوا} يعني مشركي مكة. { بالحق} يعني القرآن، وقيل : بمحمد صلى الله عليه وسلم. { فسوف يأتيهم} أي يحل بهم العقاب؛ وأراد بالأنباء وهي الأخبار العذاب؛ كقولك اصبر وسوف يأتيك الخبر أي العذاب؛ والمراد ما نالهم يوم بدر ونحوه. وقيل : يوم القيامة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 1 - 6

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فهذا خروج من الإعراض إلى التكذيب، فالإعراض أمر سلبي، والتكذيب هو الوقوف إيجابياً في موقف الضد والصد عن سبيل الله، ثم ينتقلون إلى المرحلة الثالثة وهي الاستهزاء. إننا إذن أمام ثلاث مراحل: إعراض، تكذيب، استهزاء. وكل ذلك لعلهم يصرفون المتِّبع عن الاتباع. ومثال ذلك ما ضربه الحق لنا في أمر نوح:
{  وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ }
[هود: 37-38].

فقد أوحى سبحانه إلى نوح البلاغ الحق وأمره أن يصنع الفلك تحت عنايته سبحانه وألا يخاطبه في شأن الكافرين الظالمين الذين لم يستجيبوا لدعوة الله ويَشْرَع نوح في إنشاء الفُلْك، ولكن الكافرين يستهزئون به لجهلهم ولعدم الوثوق من الغرض والهدف. ويسخر نوح من كل من يسخر منه.

ومثال آخر وهو انتصار الإسلام بعد أن كان أهل الكفر قوة، ولكن المتكبر الطاغي منهم يأتي بعد صلفه وكبريائه صاغراً. ومنهم من قتل وأسر وذاق مرارة الذل النفسي. وقد كانوا من قبل يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثال على ذلك الوليد بن المغيرة، وهو السيد في قومه، يأتي فيه قول الحق:
{  إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ }
[القلم: 15-16].

وكان الوليد صاحب ثراء من المال ومنعة وقوة من البنين، وأعرض عن القرآن وسخر منه. فجعل الحق منه أمثولة للناس، وطبع على أنفه علامة لازمة افتضح بها، وكانت سُبّةً له وعاراً لا يفارقه كلما ذكر.

وقد نزل هذا القول في القرآن وقت ضعف المسلمين، ثم يأتي خبر ضربه على أنفه الذي هو محل الأنفة والكبرياء والعنجهية، ثم تأتي بدر ليرى المسلمون تحقيق ذلك، إنه كلام إلهي متحدًى به ومتعبد بتلاوته. وهكذا تصدق كل قضية يأتي بها الله.

ويقول الحق بعد ذلك: { أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا... }


www.alro7.net