سورة
اية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا

تفسير بن كثير

يأمر اللّه تعالى أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم من الكتاب العظيم، الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهدداً لهم إن لم يفعلوا بقوله: { ومن قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها} قال بعضهم: معناه من قبل أن نطمس وجوهاً، فطمسها هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم، ويحتمل أن يكون المراد من قبل أن نطمس وجوهاً فلا نبقي لها سمعاً ولا بصراً ولا أنفاً، ومع ذلك نردها إلى ناحية الأدبار، وقال ابن عباس: طمسها أن تعمى { فنردها على أدبارها} يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين من قفاه، وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهذا مثل ضربه اللّه لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلالة يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سداً} الآية: أي هذا مثل سوء ضربه اللّه لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى، قال مجاهد: { من قبل أن نطمس وجوهاً} يقول عن صراط الحق { فنردها على أدبارها} أي في الضلال، قال السدي: { فنردها على أدبارها} فنمنعها عن الحق، قال: نرجعها كفاراً ونردهم قردة. وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية. قال ابن جرير عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة فخرج إليه عمر، فقال: يا كعب أسلم فقال: ألستم تقولون في كتابكم: { مثل الذين حملوا التوراة - إلى أسفاراً} ، وأنا قد حملت التوراة، قال: فتركه عمر، ثم خرج حتى انتهى إلى حمص فسمع رجلاً من أهلها حزيناً، وهو يقول: { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها} الآية. قال كعب: يا رب أسلمت مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين. وقوله تعالى: { أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} يعني: اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد وقد مسخوا قردة وخنازير، وقوله: { وكان أمر اللّه مفعولاً} أي: إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف ولا يمانع، ثم أخبر تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ويغفر ما دون ذلك، أي من الذنوب، لمن يشاء: أي من عباده، وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر. الحديث الأول: عن أنس بن مالك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفره اللّه، وظلم يغفره اللّه، وظلم لا يترك اللّه منه شيئاً. فأما الظلم الذي لا يغفره اللّه فالشرك، وقال: { إن الشرك لظلم عظيم} ، وأما الظلم الذي يغفره اللّه فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضاً حتى يدين لبعضهم من بعض) "رواه الشيخان" الحديث الثاني : عن أبي إدريس قال، سمعت معاوية يقول، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (كل ذنب عسى اللّه أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً) الحديث الثالث: عن أبي ذر أن رسول صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما من عبد قال لا إله إلا اللّه ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق - ثلاثا، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر)، قال فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر "رواه الشيخان" وعن أبي ذر قال: كنت أمشي مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في حرة المدينة عشاء ونحن ننظر إلى أُحُد، فقال: (يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول اللّه، قال: ما أحب أن لي أُحُداً ذاك عندي ذهباً أمسي ثالثة وعندي منه دينار إلا ديناراً أرصده، يعني لدين، إلا أن أقول به في عباد اللّه هكذا وهكذا فحثا عن يمينه وعن يساره وبين يديه، قال ثم مشينا فقال: يا أبا ذر إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا ، فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا فقال: يا أبا ذر كما أنت حتى آتيك، قال: فانطلق حتى توارى عني، قال: فسمعت لغطاً، فقلت: لعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عرض له، قال: فهممت أن أتبعه، قال: فذكرت قوله لا تبرح حتى آتيك، فانتظرته حتى جاء، فذكرت له الذي سمعت، فقال: ذاك جبريل أتاني، فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة) قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن سرق) "رواه أحمد والشيخان" الحديث الرابع: عن جابر، قال: جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه ما الموجبتان؟ قال: (من مات لا يشرك باللّه شيئاً وجبت له الجنة ومن مات يشرك باللّه شيئاً وجبت له النار) الحديث الخامس: قال الإمام أحمد، عن ضمضم بن جوش اليمامي قال، قال لي أبو هريرة: يا يمامي! لا تقولن لرجل لا يغفر اللّه لك، أو لا يدخلك الجنة أبداً، فقلت: يا أبا هريرة إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب، قال: لا تقلها فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (كان في بني إسرائيل رجلان أحدهما مجتهد في العبادة، وكان الآخر مسرفاً على نفسه، وكانا متآخيين، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على الذنب فيقول: يا هذا أقصر، فيقول: خلِّني وربي أبعثت عليّ رقيباً؟ إلى أن رآه يوماً على ذنب استعظمه، فقال له: ويحك أقصر، قال: خلِّني وربي، أبعثت عليَّ رقيباً؟ فقال: واللّه لا يغفر اللّه لك ولا يدخلك الجنة أبداً، قال: فبعث اللّه إليهما ملكاً فقبض أرواحهما واجتمعا عنده، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أكنت عالماً ؟! أكنت على ما في يدي قادراً؟ اذهبوا به إلى النار. قال: والذي نفس أبي القاسم بيده إنه لتكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته)

تفسير الجلالين

{ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا } من القرآن { مصدّقا لما معكم } من التوراة { من قبل أن نطمس وجوها } نمحو ما فيها من العين والأنف والحاجب { فنردها على أدبارها } فنجعلها كالأقفاء لوحا واحدا { أو نلعنهم } نمسخهم قردة { كما لعنَّا } مسخنا { أصحاب السبت } منهم { وكان أمر الله } قضاؤه { مفعولا } ولما نزلت أسلم عبد الله بن سلام فقيل كان وعيدا بشرط فلما أسلم به ببعضهم رفع وقيل يكون طمس ومسح قبل قيام الساعة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } الْيَهُود مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ اللَّه لَهُمْ : يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ الْكِتَاب فَأُعْطُوا الْعِلْم بِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } الْيَهُود مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ اللَّه لَهُمْ : يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ الْكِتَاب فَأُعْطُوا الْعِلْم بِهِ .' { آمِنُوا } يَقُول : صَدِّقُوا بِمَا أَنْزَلْنَا إِلَى مُحَمَّد مِنْ الْفُرْقَان . { آمِنُوا } يَقُول : صَدِّقُوا بِمَا أَنْزَلْنَا إِلَى مُحَمَّد مِنْ الْفُرْقَان .' { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } يَعْنِي : مُحَقِّقًا لِلَّذِي مَعَكُمْ مِنْ التَّوْرَاة الَّتِي أَنْزَلْتهَا إِلَى مُوسَى بْن عِمْرَان. { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } يَعْنِي : مُحَقِّقًا لِلَّذِي مَعَكُمْ مِنْ التَّوْرَاة الَّتِي أَنْزَلْتهَا إِلَى مُوسَى بْن عِمْرَان.' اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : طَمْسه إِيَّاهُ : مَحْوهُ آثَارهَا حَتَّى تَصِير كَالْأَقْفَاءِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنْ نَطْمِس أَبْصَارهَا فَنُصَيِّرهَا عَمْيَاء , وَلَكِنَّ الْخَبَر خَرَجَ بِذِكْرِ الْوَجْه , وَالْمُرَاد بِهِ بَصَره . { فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } فَنَجْعَل أَبْصَارهَا مِنْ قِبَل أَقْفَائِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7681 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب آمِنُوا } . .. إِلَى قَوْله : { مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا } وَطَمْسهَا أَنْ تَعْمَى فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا , يَقُول : أَنْ نَجْعَل وُجُوههمْ مِنْ قِبَل أَقْفِيَتهمْ فَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى وَنَجْعَل لِأَحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ فِي قَفَاهُ . 7682 - حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَة إِسْمَاعِيل بْن الْهَيْثَم الْعَبْدِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو قُتَيْبَة , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ فِي قَوْله : { مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } قَالَ : نَجْعَلهَا فِي أَقْفَائِهَا فَتَمْشِي عَلَى أَعْقَابهَا الْقَهْقَرَى . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن مَرْزُوق عَنْ عَطِيَّة بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : طَمْسهَا أَنْ يَرُدّهَا عَلَى أَقْفَائِهَا . 7683 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } قَالَ : نُحَوِّل وُجُوههَا قِبَل ظُهُورهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ قَبْل أَنْ نُعْمِيَ قَوْمًا عَنْ الْحَقّ , فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا فِي الضَّلَالَة وَالْكُفْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7684 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } فَنَرُدّهَا عَنْ الصِّرَاط الْحَقّ , { فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } قَالَ : فِي الضَّلَالَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا } عَنْ صِرَاط الْحَقّ , { فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } فِي الضَّلَالَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك قِرَاءَة عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7685 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ الْحَسَن : { نَطْمِس وُجُوهًا } يَقُول : نَطْمِسهَا عَنْ الْحَقّ , { فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } عَلَى ضَلَالَتهَا . 7686 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } . .. إِلَى قَوْله : { كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } قَالَ : نَزَلَتْ فِي مَالِك بْن الصَّيْف وَرِفَاعَة بْن زَيْد بْن التَّابُوت مِنْ بَنِي قَيْنُقَاع . أَمَّا { أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } يَقُول : فَنُعْمِيهَا عَنْ الْحَقّ , وَنُرْجِعهَا كُفَّارًا . 7687 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } يَعْنِي : أَنْ نَرُدّهُمْ عَنْ الْهُدَى وَالْبَصِيرَة , فَقَدْ رَدَّهُمْ عَلَى أَدْبَارهمْ فَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مِنْ قَبْل أَنْ نَمْحُو آثَارهمْ مِنْ وُجُوههمْ الَّتِي هُمْ بِهَا وَنَاحِيَتهمْ الَّتِي هُمْ بِهَا , فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا مِنْ حَيْثُ جَاءُوا مِنْهُ بَدْءًا مِنْ الشَّام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7688 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } قَالَ : كَانَ أَبِي يَقُول : إِلَى الشَّام . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَمْحُو آثَارَهَا وَنُسَوِّيهَا , فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا بِأَنْ نَجْعَل الْوُجُوه مَنَابِت الشَّعْر , كَمَا وُجُوه الْقِرَدَة مَنَابِت لِلشَّعْرِ , لِأَنَّ شُعُور بَنِي آدَم فِي أَدْبَار وُجُوههمْ , فَقَالُوا : إِذَا أُنْبِتَ الشَّعْر فِي وُجُوههمْ , فَقَدْ رَدَّهَا عَلَى أَدْبَارهَا بِتَصْيِيرِهِ إِيَّاهَا كَالْأَقْفَاءِ وَأَدْبَار الْوُجُوه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى قَوْله : { مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا } مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس أَبْصَارهَا وَنَمْحُو آثَارهَا فَنُسَوِّيهَا كَالْأَقْفَاءِ , فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا , فَنَجْعَل أَبْصَارهَا فِي أَدْبَارهَا , يَعْنِي بِذَلِكَ : فَنَحْمِل الْوُجُوه فِي أَدْبَار الْوُجُوه , فَيَكُون مَعْنَاهُ : فَنُحَوِّل الْوُجُوه أَقْفَاء , وَالْأَقْفَاء وُجُوهًا , فَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى , كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَعَطِيَّة وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ . وإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ بِهَذِهِ الْآيَة الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ بِقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يَشْتَرُونَ الضَّلَالَة } ثُمَّ حَذَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } . .. الْآيَة , بَأْسه وَسَطْوَته , وَتَعْجِيل عِقَابه لَهُمْ إِنْ هُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ , وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ يَوْمئِذٍ كُفَّارًا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَبُيِّنَ فَسَاد قَوْل مَنْ قَالَ : تَأْوِيل ذَلِكَ أَنْ نُعْمِيَهَا عَنْ الْحَقّ فَنَرُدّهَا فِي الضَّلَالَة , فَمَا وَجْه رَدّ مَنْ هُوَ فِي الضَّلَالَة فِيهَا ؟ وَإِنَّمَا يُرَدّ فِي الشَّيْء مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ , فَأَمَّا مَنْ هُوَ فِيهِ فَلَا وَجْه لِأَنْ يُقَال : يَرُدّهُ فِيهِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ صَحِيحًا أَنَّ اللَّه قَدْ تَهَدَّدَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة بِرَدِّهِ وُجُوههمْ عَلَى أَدْبَارهمْ , كَانَ بَيِّنًا فَسَاد تَأْوِيل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ يُهَدِّدهُمْ بِرَدِّهِمْ فِي ضَلَالَتهمْ . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : مَعْنَى ذَلِكَ : مِنْ قَبْل أَنْ نَجْعَل الْوُجُوه مَنَابِت الشَّعْر كَهَيْئَةِ وُجُوه الْقِرَدَة , فَقَوْل لِقَوْلِ أَهْل التَّأْوِيل مُخَالِف , وَكَفَى بِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْل أَهْل الْعِلْم مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْخَالِفِينَ عَلَى خَطَئِهِ شَاهِدًا . وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوههمْ الَّتِي هُمْ فِيهَا فَنَرُدّهُمْ إِلَى الشَّام مِنْ مَسَاكِنهمْ بِالْحِجَازِ وَنَجْد , فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْه كَمَا يَدُلّ عَلَيْهِ ظَاهِر التَّنْزِيل بَعِيد , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ الْوُجُوه فِي كَلَام الْعَرَب الَّتِي هِيَ خِلَاف الْأَقْفَاء , وَكِتَاب اللَّه يُوَجِّه تَأْوِيله إِلَى الْأَغْلَب فِي كَلَام مَنْ نَزَلَ بِلِسَانِهِ حَتَّى يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوه الَّتِي ذُكِرَتْ دَلِيل يَجِب التَّسْلِيم لَهُ . وَأَمَّا الطَّمْس : فَهُوَ الْعَفْو وَالدُّثُور فِي اِسْتِوَاء ; وَمِنْهُ يُقَال : طُمِسَتْ أَعْلَام الطَّرِيق تُطْمَس طُمُوسًا , إِذَا دَثَرَتْ وَتَعَفَّتْ فَانْدَفَنَتْ وَاسْتَوَتْ بِالْأَرْضِ , كَمَا قَالَ كَعْب بْن زُهَيْر : مِنْ كُلّ نَضَّاخَة الذِّفْرَى إِذَا عَرَقَتْ عُرْضَتهَا طَامِس الْأَعْلَام مَجْهُول يَعْنِي بِطَامِسِ الْأَعْلَام : دَاثِر الْأَعْلَام مُنْدَفِنهَا . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْأَعْمَى الَّذِي قَدْ تَعَفَّى غَرّ مَا بَيْن جَفْنَيْ عَيْنَيْهِ فَدَثَرَ : أَعْمَى مَطْمُوس /و طَمِيس , كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنهمْ } 36 66 قَالَ أَبُو جَعْفَر : الْغَرّ : الشَّقّ الَّذِي بَيْن الْجَفْنَيْنِ فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ الْأَمْر كَمَا وَصَفْت مِنْ تَأْوِيل الْآيَة , فَهَلْ كَانَ مَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ ؟ قِيلَ : لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهُ آمَنَ مِنْهُمْ جَمَاعَة . مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَثَعْلَبَة بْن سَعْيَة , وَأَسَد بْن سَعْيَة , وَأَسَد بْن عُبَيْد , وَمُخَيْرِق , وَجَمَاعَة غَيْرهمْ , فَدَفَعَ عَنْهُمْ بِإِيمَانِهِمْ . وَمِمَّا يُبَيِّن عَنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْيَهُود الَّذِينَ ذَكَرْنَا صِفَتهمْ , مَا : 7689 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , وَحَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة جَمِيعًا , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤَسَاء مِنْ أَحْبَار يَهُود , مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن صُورِيَّا وَكَعْب بْن أَسَد فَقَالَ لَهُمْ : " يَا مَعْشَر يَهُود اِتَّقُوا اللَّه وَأَسْلِمُوا ! فَوَاَللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقّ " فَقَالُوا : مَا نَعْرِف ذَلِكَ يَا مُحَمَّد , وَجَحَدُوا مَا عَرَفُوا , وَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْر . فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } . .. الْآيَة 7690 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , عَنْ عِيسَى بْن الْمُغِيرَة , قَالَ : تَذَاكَرْنَا عِنْد إِبْرَاهِيم إِسْلَام كَعْب , فَقَالَ : أَسْلَمَ كَعْب فِي زَمَان عُمَر أَقْبَلَ وَهُوَ يُرِيد بَيْت الْمَقْدِسِ , فَمَرَّ عَلَى الْمَدِينَة , فَخَرَجَ إِلَيْهِ عُمَر , فَقَالَ : يَا كَعْب أَسْلِمْ ! قَالَ : أَلَسْتُمْ تَقْرَءُونَ فِي كِتَابكُمْ : { مَثَل الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَار يَحْمِل أَسْفَارًا } ؟ 62 5 وَأَنَا قَدْ حَمَلْت التَّوْرَاة . قَالَ : فَتَرَكَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى حِمْص , قَالَ : فَسَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْلهَا حَزِينًا , وَهُوَ يَقُول : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } . .. الْآيَة , فَقَالَ كَعْب : يَا رَبّ أَسْلَمْت ! مَخَافَة أَنْ تُصِيبهُ الْآيَة , ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَى أَهْله بِالْيَمَنِ , ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ مُسْلِمِينَ . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : طَمْسه إِيَّاهُ : مَحْوهُ آثَارهَا حَتَّى تَصِير كَالْأَقْفَاءِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنْ نَطْمِس أَبْصَارهَا فَنُصَيِّرهَا عَمْيَاء , وَلَكِنَّ الْخَبَر خَرَجَ بِذِكْرِ الْوَجْه , وَالْمُرَاد بِهِ بَصَره . { فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } فَنَجْعَل أَبْصَارهَا مِنْ قِبَل أَقْفَائِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7681 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب آمِنُوا } . .. إِلَى قَوْله : { مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا } وَطَمْسهَا أَنْ تَعْمَى فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا , يَقُول : أَنْ نَجْعَل وُجُوههمْ مِنْ قِبَل أَقْفِيَتهمْ فَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى وَنَجْعَل لِأَحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ فِي قَفَاهُ . 7682 - حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَة إِسْمَاعِيل بْن الْهَيْثَم الْعَبْدِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو قُتَيْبَة , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ فِي قَوْله : { مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } قَالَ : نَجْعَلهَا فِي أَقْفَائِهَا فَتَمْشِي عَلَى أَعْقَابهَا الْقَهْقَرَى . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن مَرْزُوق عَنْ عَطِيَّة بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : طَمْسهَا أَنْ يَرُدّهَا عَلَى أَقْفَائِهَا . 7683 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } قَالَ : نُحَوِّل وُجُوههَا قِبَل ظُهُورهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ قَبْل أَنْ نُعْمِيَ قَوْمًا عَنْ الْحَقّ , فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا فِي الضَّلَالَة وَالْكُفْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7684 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } فَنَرُدّهَا عَنْ الصِّرَاط الْحَقّ , { فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } قَالَ : فِي الضَّلَالَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا } عَنْ صِرَاط الْحَقّ , { فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } فِي الضَّلَالَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك قِرَاءَة عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7685 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ الْحَسَن : { نَطْمِس وُجُوهًا } يَقُول : نَطْمِسهَا عَنْ الْحَقّ , { فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } عَلَى ضَلَالَتهَا . 7686 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } . .. إِلَى قَوْله : { كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } قَالَ : نَزَلَتْ فِي مَالِك بْن الصَّيْف وَرِفَاعَة بْن زَيْد بْن التَّابُوت مِنْ بَنِي قَيْنُقَاع . أَمَّا { أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } يَقُول : فَنُعْمِيهَا عَنْ الْحَقّ , وَنُرْجِعهَا كُفَّارًا . 7687 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } يَعْنِي : أَنْ نَرُدّهُمْ عَنْ الْهُدَى وَالْبَصِيرَة , فَقَدْ رَدَّهُمْ عَلَى أَدْبَارهمْ فَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مِنْ قَبْل أَنْ نَمْحُو آثَارهمْ مِنْ وُجُوههمْ الَّتِي هُمْ بِهَا وَنَاحِيَتهمْ الَّتِي هُمْ بِهَا , فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا مِنْ حَيْثُ جَاءُوا مِنْهُ بَدْءًا مِنْ الشَّام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7688 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } قَالَ : كَانَ أَبِي يَقُول : إِلَى الشَّام . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَمْحُو آثَارَهَا وَنُسَوِّيهَا , فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا بِأَنْ نَجْعَل الْوُجُوه مَنَابِت الشَّعْر , كَمَا وُجُوه الْقِرَدَة مَنَابِت لِلشَّعْرِ , لِأَنَّ شُعُور بَنِي آدَم فِي أَدْبَار وُجُوههمْ , فَقَالُوا : إِذَا أُنْبِتَ الشَّعْر فِي وُجُوههمْ , فَقَدْ رَدَّهَا عَلَى أَدْبَارهَا بِتَصْيِيرِهِ إِيَّاهَا كَالْأَقْفَاءِ وَأَدْبَار الْوُجُوه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى قَوْله : { مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا } مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس أَبْصَارهَا وَنَمْحُو آثَارهَا فَنُسَوِّيهَا كَالْأَقْفَاءِ , فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا , فَنَجْعَل أَبْصَارهَا فِي أَدْبَارهَا , يَعْنِي بِذَلِكَ : فَنَحْمِل الْوُجُوه فِي أَدْبَار الْوُجُوه , فَيَكُون مَعْنَاهُ : فَنُحَوِّل الْوُجُوه أَقْفَاء , وَالْأَقْفَاء وُجُوهًا , فَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى , كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَعَطِيَّة وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ . وإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ بِهَذِهِ الْآيَة الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ بِقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يَشْتَرُونَ الضَّلَالَة } ثُمَّ حَذَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } . .. الْآيَة , بَأْسه وَسَطْوَته , وَتَعْجِيل عِقَابه لَهُمْ إِنْ هُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ , وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ يَوْمئِذٍ كُفَّارًا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَبُيِّنَ فَسَاد قَوْل مَنْ قَالَ : تَأْوِيل ذَلِكَ أَنْ نُعْمِيَهَا عَنْ الْحَقّ فَنَرُدّهَا فِي الضَّلَالَة , فَمَا وَجْه رَدّ مَنْ هُوَ فِي الضَّلَالَة فِيهَا ؟ وَإِنَّمَا يُرَدّ فِي الشَّيْء مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ , فَأَمَّا مَنْ هُوَ فِيهِ فَلَا وَجْه لِأَنْ يُقَال : يَرُدّهُ فِيهِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ صَحِيحًا أَنَّ اللَّه قَدْ تَهَدَّدَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة بِرَدِّهِ وُجُوههمْ عَلَى أَدْبَارهمْ , كَانَ بَيِّنًا فَسَاد تَأْوِيل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ يُهَدِّدهُمْ بِرَدِّهِمْ فِي ضَلَالَتهمْ . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : مَعْنَى ذَلِكَ : مِنْ قَبْل أَنْ نَجْعَل الْوُجُوه مَنَابِت الشَّعْر كَهَيْئَةِ وُجُوه الْقِرَدَة , فَقَوْل لِقَوْلِ أَهْل التَّأْوِيل مُخَالِف , وَكَفَى بِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْل أَهْل الْعِلْم مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْخَالِفِينَ عَلَى خَطَئِهِ شَاهِدًا . وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوههمْ الَّتِي هُمْ فِيهَا فَنَرُدّهُمْ إِلَى الشَّام مِنْ مَسَاكِنهمْ بِالْحِجَازِ وَنَجْد , فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْه كَمَا يَدُلّ عَلَيْهِ ظَاهِر التَّنْزِيل بَعِيد , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ الْوُجُوه فِي كَلَام الْعَرَب الَّتِي هِيَ خِلَاف الْأَقْفَاء , وَكِتَاب اللَّه يُوَجِّه تَأْوِيله إِلَى الْأَغْلَب فِي كَلَام مَنْ نَزَلَ بِلِسَانِهِ حَتَّى يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوه الَّتِي ذُكِرَتْ دَلِيل يَجِب التَّسْلِيم لَهُ . وَأَمَّا الطَّمْس : فَهُوَ الْعَفْو وَالدُّثُور فِي اِسْتِوَاء ; وَمِنْهُ يُقَال : طُمِسَتْ أَعْلَام الطَّرِيق تُطْمَس طُمُوسًا , إِذَا دَثَرَتْ وَتَعَفَّتْ فَانْدَفَنَتْ وَاسْتَوَتْ بِالْأَرْضِ , كَمَا قَالَ كَعْب بْن زُهَيْر : مِنْ كُلّ نَضَّاخَة الذِّفْرَى إِذَا عَرَقَتْ عُرْضَتهَا طَامِس الْأَعْلَام مَجْهُول يَعْنِي بِطَامِسِ الْأَعْلَام : دَاثِر الْأَعْلَام مُنْدَفِنهَا . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْأَعْمَى الَّذِي قَدْ تَعَفَّى غَرّ مَا بَيْن جَفْنَيْ عَيْنَيْهِ فَدَثَرَ : أَعْمَى مَطْمُوس /و طَمِيس , كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنهمْ } 36 66 قَالَ أَبُو جَعْفَر : الْغَرّ : الشَّقّ الَّذِي بَيْن الْجَفْنَيْنِ فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ الْأَمْر كَمَا وَصَفْت مِنْ تَأْوِيل الْآيَة , فَهَلْ كَانَ مَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ ؟ قِيلَ : لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهُ آمَنَ مِنْهُمْ جَمَاعَة . مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام , وَثَعْلَبَة بْن سَعْيَة , وَأَسَد بْن سَعْيَة , وَأَسَد بْن عُبَيْد , وَمُخَيْرِق , وَجَمَاعَة غَيْرهمْ , فَدَفَعَ عَنْهُمْ بِإِيمَانِهِمْ . وَمِمَّا يُبَيِّن عَنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْيَهُود الَّذِينَ ذَكَرْنَا صِفَتهمْ , مَا : 7689 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , وَحَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة جَمِيعًا , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : ثني سَعِيد بْن جُبَيْر , أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤَسَاء مِنْ أَحْبَار يَهُود , مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن صُورِيَّا وَكَعْب بْن أَسَد فَقَالَ لَهُمْ : " يَا مَعْشَر يَهُود اِتَّقُوا اللَّه وَأَسْلِمُوا ! فَوَاَللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقّ " فَقَالُوا : مَا نَعْرِف ذَلِكَ يَا مُحَمَّد , وَجَحَدُوا مَا عَرَفُوا , وَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْر . فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } . .. الْآيَة 7690 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , عَنْ عِيسَى بْن الْمُغِيرَة , قَالَ : تَذَاكَرْنَا عِنْد إِبْرَاهِيم إِسْلَام كَعْب , فَقَالَ : أَسْلَمَ كَعْب فِي زَمَان عُمَر أَقْبَلَ وَهُوَ يُرِيد بَيْت الْمَقْدِسِ , فَمَرَّ عَلَى الْمَدِينَة , فَخَرَجَ إِلَيْهِ عُمَر , فَقَالَ : يَا كَعْب أَسْلِمْ ! قَالَ : أَلَسْتُمْ تَقْرَءُونَ فِي كِتَابكُمْ : { مَثَل الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَار يَحْمِل أَسْفَارًا } ؟ 62 5 وَأَنَا قَدْ حَمَلْت التَّوْرَاة . قَالَ : فَتَرَكَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى حِمْص , قَالَ : فَسَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْلهَا حَزِينًا , وَهُوَ يَقُول : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا } . .. الْآيَة , فَقَالَ كَعْب : يَا رَبّ أَسْلَمْت ! مَخَافَة أَنْ تُصِيبهُ الْآيَة , ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَى أَهْله بِالْيَمَنِ , ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ مُسْلِمِينَ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوْ نَلْعَنهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَوْ نَلْعَنهُمْ } أَوْ نَلْعَنكُمْ , فَنُخْزِيكُمْ , وَنَجْعَلكُمْ قِرَدَة , { كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } يَقُول : كَمَا أَخْزَيْنَا الَّذِينَ اِعْتَدَوْا فِي السَّبْت مِنْ أَسْلَافكُمْ , قِيلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْه الْخِطَاب فِي قَوْله : { آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } كَمَا قَالَ : { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا } 10 22 وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا أَوْ نَلْعَن أَصْحَاب الْوُجُوه , فَجَعَلَ الْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : { أَوْ نَلْعَنهُمْ } مِنْ ذِكْر أَصْحَاب الْوُجُوه , إِذْ كَانَ فِي الْكَلَام دَلَالَة عَلَى ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7691 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } . .. إِلَى قَوْله : { أَوْ نَلْعَنهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } أَيْ نُحَوِّلهُمْ قِرَدَة . 7692 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن : { أَوْ نَلْعَنهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } يَقُول : أَوْ نَجْعَلهُمْ قِرَدَة . 7693 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَوْ نَلْعَنهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } أَوْ نَجْعَلهُمْ قِرَدَة . 7694 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { أَوْ نَلْعَنهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } قَالَ : هُمْ يَهُود جَمِيعًا , نَلْعَن هَؤُلَاءِ كَمَا لَعَنَّا الَّذِينَ لَعَنَّا مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَاب السَّبْت . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوْ نَلْعَنهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَوْ نَلْعَنهُمْ } أَوْ نَلْعَنكُمْ , فَنُخْزِيكُمْ , وَنَجْعَلكُمْ قِرَدَة , { كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } يَقُول : كَمَا أَخْزَيْنَا الَّذِينَ اِعْتَدَوْا فِي السَّبْت مِنْ أَسْلَافكُمْ , قِيلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْه الْخِطَاب فِي قَوْله : { آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } كَمَا قَالَ : { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا } 10 22 وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : مِنْ قَبْل أَنْ نَطْمِس وُجُوهًا فَنَرُدّهَا عَلَى أَدْبَارهَا أَوْ نَلْعَن أَصْحَاب الْوُجُوه , فَجَعَلَ الْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : { أَوْ نَلْعَنهُمْ } مِنْ ذِكْر أَصْحَاب الْوُجُوه , إِذْ كَانَ فِي الْكَلَام دَلَالَة عَلَى ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7691 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } . .. إِلَى قَوْله : { أَوْ نَلْعَنهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } أَيْ نُحَوِّلهُمْ قِرَدَة . 7692 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن : { أَوْ نَلْعَنهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } يَقُول : أَوْ نَجْعَلهُمْ قِرَدَة . 7693 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَوْ نَلْعَنهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } أَوْ نَجْعَلهُمْ قِرَدَة . 7694 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { أَوْ نَلْعَنهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَاب السَّبْت } قَالَ : هُمْ يَهُود جَمِيعًا , نَلْعَن هَؤُلَاءِ كَمَا لَعَنَّا الَّذِينَ لَعَنَّا مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَاب السَّبْت . ' وَأَمَّا قَوْله : { وَكَانَ أَمْر اللَّه مَفْعُولًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَكَانَ جَمِيع مَا أَمَرَ اللَّه أَنْ يَكُون كَائِنًا مَخْلُوقًا مَوْجُودًا , لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ خَلْق شَيْء شَاءَ خَلْقَهُ . وَالْأَمْر فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْمَأْمُور , سُمِّيَ أَمْر اللَّه لِأَنَّهُ عَنْ أَمْره كَانَ وَبِأَمْرِهِ , وَالْمَعْنَى : وَكَانَ مَا أَمَرَ اللَّه مَفْعُولًا .وَأَمَّا قَوْله : { وَكَانَ أَمْر اللَّه مَفْعُولًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَكَانَ جَمِيع مَا أَمَرَ اللَّه أَنْ يَكُون كَائِنًا مَخْلُوقًا مَوْجُودًا , لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ خَلْق شَيْء شَاءَ خَلْقَهُ . وَالْأَمْر فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْمَأْمُور , سُمِّيَ أَمْر اللَّه لِأَنَّهُ عَنْ أَمْره كَانَ وَبِأَمْرِهِ , وَالْمَعْنَى : وَكَانَ مَا أَمَرَ اللَّه مَفْعُولًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } إلى قوله تعالى { فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه } الآية. نزلت في يهود المدينة وما والاها. قال ابن إسحاق : وكان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال : أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك؛ ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله عز وجل { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } إلى قوله { قليلا} . ومعنى { يشترون } يستبدلون فهو في موضع نصب على الحال، وفي الكلام حذف تقديره يشترون الضلالة بالهدى؛ كما قال تعالى { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة : 16] قاله القتبي وغيره. { ويريدون أن تضلوا السبيل} عطف عليه، والمعنى تضلوا طريق الحق. وقرأ الحسن { تضلوا } بفتح الضاد أي عن السبيل. قوله تعالى { والله أعلم بأعدائكم} يريد منكم؛ فلا تستصحبوهم فإنهم أعداؤكم. ويجوز أن يكون { أعلم } بمعنى عليم؛ كقوله تعالى { وهو أهون عليه } [الروم : 27] أي هين. { وكفى بالله وليا} الباء زائدة؛ زيدت لأن المعنى اكتفوا بالله فهو يكفيكم أعداءكم. و { وليا } و { نصيرا} نصب على البيان، وإن شئت على الحال. قوله تعالى { من الذين هادوا} قال الزجاج : إن جعلت { من } متعلقة بما قبل فلا يوقف على قول { نصيرا} ، وإن جعلت منقطعة فيجوز الوقف على { نصيرا } والتقدير من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم؛ ثم حذف. وهذا مذهب سيبويه، وأنشد النحويون : لو قلت ما في قومها لم تيثم ** يفضلها في حسب ومبسم قالوا : المعنى لو قلت ما في قومها أحد يفضلها؛ ثم حذف. وقال الفراء : المحذوف { من} المعنى : من الذين هادوا من يحرفون. وهذا كقوله تعالى { وما منا إلا له مقام معلوم} [الصافات : 164] أي من له. وقال ذو الرمة : فظلوا ومنهم دمعه سابق له ** وآخر يذري عبرة العين بالهمل يريد ومنهم من دمعه، فحذف الموصول. وأنكره المبرد والزجاج؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة. { يحرفون} يتأولونه على غير تأويله. وذمهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين. وقيل { عن مواضعه} يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم. { ويقولون سمعنا وعصينا} أي سمعنا قولك وعصينا أمرك. { واسمع غير مسمع} قال ابن عباس : كانوا يقولون النبي صلى الله عليه وسلم : اسمع لا سمعت، هذا مرادهم - لعنهم الله - وهم يظهرون أنهم يريدون اسمع غير مسمع مكروها ولا أذى. وقال الحسن ومجاهد. معناه غير مسمع منك، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول. قال النحاس : ولو كان كذلك لكان غير مسموع منك. وتقدم القول في { راعنا} . ومعنى { ليا بألسنتهم} أي يلوون ألسنتهم عن الحق أي يميلونها إلى ما في قلوبهم. وأصل اللي الفتل، وهو نصب على المصدر، وإن شئت كان مفعولا من أجله. وأصله لويا ثم أدغمت الواو في الياء. { وطعنا} معطوف عليه أي يطعنون في الدين، أي يقولون لأصحابهم لو كان نبيا لدرى أننا نسبه، فأظهر الله تعالى نبيه على ذلك فكان من علامات نبوته، ونهاهم عن هذا القول. ومعنى { أقوم} أصوب لهم في الرأي. { فلا يؤمنون إلا قليلا } أي إلا إيمانا قليلا لا يستحقون به اسم الإيمان. وقيل : معناه لا يؤمنون إلا قليلا منهم؛ وهذا بعيد لأنه عز وجل قد أخبر عنهم أنه لعنهم بكفرهم. قوله تعالى { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا} قال ابن إسحاق : كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبدالله بن صوريا الأعور وكعب بن أسد فقال لهم : (يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق ) قالوا : ما نعرف ذلك يا محمد. وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر؛ فأنزل الله عز وجل فيهم { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها } إلى آخر الآية. قوله تعالى { مصدقا لما معكم} نصب على الحال. { من قبل أن نطمس وجوها} الطمس استئصال أثر الشيء؛ ومنه قوله تعالى { فإذا النجوم طمست } [المرسلات : 8]. ونطمس ونطمس بكسر الميم وضمها في المستقبل لغتان. ويقال في الكلام : طسم يَطْسِم ويَطْسُم بمعنى طمس؛ يقال : طمس الأثر وطسم أي أمحى، كله لغات؛ ومنه قوله تعالى { ربنا اطمس على أموالهم} [يونس : 88] أي أهلكها؛ عن ابن عرفة. ويقال : طمسته فطمس لازم ومتعد. وطمس الله بصره، وهو مطموس البصر إذا ذهب أثر العين؛ ومنه قوله تعالى { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } [يس : 66] يقول أعميناهم. واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية؛ هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين. أو ذلك عبارة عن الضلال في قلوبهم وسلبهم التوفيق ؟ قولان. روي عن أبي بن كعب أنه قال { من قبل أن نطمس } من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده. يذهب إلى أنه تمثيل وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبة. وقال قتادة : معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء. أي يذهب بالأنف والشفاه والأعين والحواجب؛ هذا معناه عند أهل اللغة. وروي عن ابن عباس وعطية العوفي : أن الطمس أن تزال العينان خاصة وترد في القفا؛ فيكون ذلك ردا على الدبر ويمشي القهقرى. وقال مالك رحمه الله : كان أول إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا } فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه وقال : والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي. وكذلك فعل عبدالله بن سلام، لما نزلت هذه الآية وسمعها أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال : يا رسول الله، ما كنت أدرى أن أصل إليك حتى يحول وجهي في قفاي. فإن قيل : كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجه إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بهم؛ فقيل : إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين. وقال المبرد : الوعيد باق منتظر. وقال : لا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة. قوله تعالى { أو نلعنهم} أي أصحاب الوجوه { كما لعنا أصحاب السبت} أي نمسخهم قردة وخنازير؛ عن الحسن وقتادة. وقيل : هو خروج من الخطاب إلى الغيبة { وكان أمر الله مفعولا } أي كائنا موجودا. ويراد بالأمر المأمور فهو مصدر وقع موقع المفعول؛ فالمعنى أنه متى أراده أوجده. وقيل : معناه أن كل أمر أخبر بكونه فهو كائن على ما أخبر به. قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به} روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا { إن الله يغفر الذنوب جميعا } [الزمر : 53] فقال له رجل : يا رسول الله والشرك ! فنزل { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} . وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة. { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه. فقال محمد بن جرير الطبري : قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله تعالى. وقال بعضهم : قد بين الله تعالى ذلك بقول { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } [النساء : 31] فاعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة للتي في آخر [الفرقان]. قال زيد بن ثابت : نزلت سورة [النساء ]بعد [الفرقان] بستة أشهر، والصحيح أن لا نسخ؛ لأن النسخ في الأخبار يستحيل. وسيأتي بيان الجمع بين الآي في هذه السورة وفي [الفرقان ] إن شاء الله تعالى. وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب قال : ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } قال : هذا حديث حسن غريب. قوله تعالى { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} هذا اللفظ عام في ظاهره ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود. واختلفوا في المعنى الذي زكوا به أنفسهم؛ فقال قتادة والحسن : ذلك قولهم { نحن أبناء الله وأحباؤه} ، وقولهم { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } وقال الضحاك والسدي : قولهم لا ذنوب لنا وما فعلناه نهارا غفر لنا ليلا وما فعلناه ليلا غفر لنا نهارا، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب. وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة : تقديمهم الصغار للصلاة؛ لأنهم لا ذنوب عليهم. وهذا يبعد من مقصد الآية. وقال ابن عباس : ذلك قولهم آباؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا. وقال عبدالله بن مسعود : ذلك ثناء بعضهم على بعض. وهذا أحسن ما قيل؛ فإنه الظاهر من معنى الآية، والتزكية : التطهير والتبرية من الذنوب. الثانية: هذه الآية وقوله تعالى { فلا تزكوا أنفسكم} [النجم : 32] يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له. وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي برة؛ فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت برة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم ) فقالوا : بم نسميها ؟ فقال : (سموها زينب ). فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية؛ كزكي الدين ومحي الدين وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا تفيد شيئا. الثالثة: فأما تزكية الغير ومدحه له؛ ففي البخاري من حديث أبي بكرة أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا ) فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكبر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : (ويحك قطعت عنق صاحبك ). وفي الحديث الآخر (قطعتم ظهر الرجل ) حين وصفوه بما ليس فيه. وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : (احثوا التراب في وجوه المداحين ) إن المراد به المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه؛ فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له في أمثاله وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمداح، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النيات { والله يعلم المفسد من المصلح} . وقد مدح في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجوه المداحين التراب، ولا أمر بذلك. كقول أبي طالب : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل وكمدح العباس وحسان له في شعرهما، ومدحه كعب بن زهير، ومدح هو أيضا أصحابه فقال : (إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ). وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث : (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم وقولوا : عبدالله ورسوله ) فمعناه لا تصفوني بما ليس في من الصفات تلتمسون بذلك مدحي، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك وضلوا. وهذا يقتضي أن من رفع أمرا فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعتد آثم؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى { ولا يظلمون فتيلا} الضمير في { يظلمون} عائد على المذكورين ممن زكى نفسه وممن يزكيه الله عز وجل. وغير هذين الصنفين علم أن الله تعالى لا يظلمه من غير هذه الآية. والفتيل الخيط الذي في شق نواة التمرة؛ قال ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقيل : القشرة التي حول النواة بينها وبين البسرة. وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك والسدي : هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما؛ فهو فعيل بمعنى مفعول. وهذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشيء وتصغيره، وأن الله لا يظلمه شيئا. ومثل هذا في التحقير قوله تعالى { ولا يظلمون نقيرا} [النساء : 124] وهو النكتة التي في ظهر النواة، ومنه تنبت النخلة، وسيأتي. قال الشاعر يذم بعض الملوك : تجمع الجيش ذا الألوف وتغزو ** ثم لا ترزأ العدو فتيلا ثم عجب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال { انظر كيف يفترون على الله الكذب} في قولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه. وقيل : تزكيتهم لأنفسهم؛ عن ابن جريج. وروي أنهم قالوا : ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أبنائنا يوم تولد. والافتراء الاختلاق؛ ومنه افترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه. وفريت الشيء قطعته. { وكفى به إثما مبينا} نصب على البيان. والمعنى تعظيم الذنب وذمه. العرب تستعمل مثل ذلك في المدح والذم. قوله تعالى { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} يعني اليهود { يؤمنون بالجبت والطاغوت} اختلف أهل التأويل في تأويل الجبت والطاغوت؛ فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية : الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن. وقال الفاروق عمر رضي الله عنه : الجبت السحر والطاغوت الشيطان. ابن مسعود : الجبت والطاغوت ههنا كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب. عكرمة : الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف؛ دليله قوله تعالى { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } [النساء : 60]. قتادة : الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن. وروى ابن وهب عن مالك بن أنس : الطاغوت ما عبد من دون الله. قال : وسمعت من يقول إن الجبت الشيطان؛ ذكره النحاس. وقيل : هما كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله؛ وهذا حسن. وأصل الجبت الجبس وهو الذي لا خير فيه، فأبدلت التاء من السين؛ قاله قطرب. وقيل : الجبت إبليس والطاغوت أولياؤه. وقول مالك في هذا الباب حسن؛ يدل عليه قوله تعالى { أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [النحل : 36] وقال تعالى { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } [الزمر : 17]. وروى قطن بن المخارق عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الطرق والطيرة والعيافة من الجبت ). الطرق الزجر، والعيافة الخط ؛ خرجه أبو داود في سننه. وقيل : الجبت كل ما حرم الله، الطاغوت كل ما يطغي الإنسان. والله أعلم. قوله تعالى { ويقولون للذين كفروا} أي يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى سبيلا من الذين آمنوا بمحمد. وذلك أن كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش فتعاقدوا وتعاهدوا ليجتمعن على قتال محمد؛ فقال أبو سفيان : إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق. نحن أم محمد ؟ فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد. قوله تعالى { أم لهم نصيب من الملك} أي ألهم ؟ والميم صلة. { نصيب} حظ { من الملك} وهذا على وجه الإنكار؛ يعني ليس لهم من الملك شيء، ولو كان لهم منه شيء لم يعطوا أحدا منه شيئا لبخلهم وحسدهم. وقيل : المعنى بل ألهم نصيب؛ فتكون أم منقطعة ومعناها الإضراب عن الأول والاستئناف للثاني. وقيل : هي عاطفة على محذوف؛ لأنهم أنفوا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. والتقدير : أهم أولى بالنبوة ممن أرسلته أم لهم نصيب من الملك ؟. { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } أي يمنعون الحقوق. خبر الله عز وجل عنهم بما يعلمه منهم. والنقير : النكتة في ظهر النواة؛ عن ابن عباس وقتادة وغيرهما. وعن ابن عباس أيضا : النقير : ما نقر الرجل بأصبعه كما ينقر الأرض. وقال أبو العالية : سألت ابن عباس عن النقير فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم رفعهما وقال : هذا النقير. والنقير : أصل خشبة ينقر وينبذ فيه؛ وفيه جاء النهي ثم نسخ. وفلان كريم النقير أي الأصل. و { إذا } هنا ملغاه غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ولو نصب لجاز. قال سيبويه { إذا } في عوامل الأفعال بمنزلة { أظن } في عوامل الأسماء، أي تلغى إذا لم يكن الكلام معتمدا عليها، فإن كانت في أول الكلام وكان الذي بعدها مستقبلا نصبت؛ كقولك : أنا أزورك فيقول مجيبا لك : إذا أكرمك. قال عبدالله بن عنتمة الضبي : اردد حمارك لا يرتع بروضتنا ** إذن يرد وقيد العير مكروب نصب لأن الذي قبل { إذن } تام فوقعت ابتداء كلام. فإن وقعت متوسطة بين شيئين كقولك. زيد إذا يزورك ألغيت؛ فإن دخل عليها فاء العطف أو واو العطف فيجور فيها الإعمال والإلغاء؛ أما الأعمال فلأن ما بعد الواو يستأنف على طريق عطف الجملة على الجملة، فيجوز في غير القرآن فإذا لا يؤتوا. وفي التنزيل { وإذا لا يلبثون } [الإسراء : 76] وفي مصحف أبي { وإذا لا يلبثوا} . وأما الإلغاء فلأن ما بعد الواو لا يكون إلا بعد كلام يعطف عليه، والناصب للفعل عند سيبويه { إذا} لمضارعتها { أن} ، وعند الخليل أن مضمرة بعد إذا. وزعم الفراء أن إذا تكتب بالألف وأنها منونة. قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول : سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول : أشتهي أن أكوي يد من يكتب إذاً بالألف؛ إنها مثل لن وإن، ولا يدخل التنوين في الحروف.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 44 - 47


سورة النساء الايات 47 - 48

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نعلم أن كل التشريعات التي جاءت من السماء لا يوجد فيها تضارب؛ فالمشرع واحد. ولن يشرع اليوم شريعة ثم يأتي رسول آخر يشرع شريعة أخرى جديدة. فأصول الاديان كلها التي جاء بها ركب الرسالات واحدة، ولا تختلف إلا في بعض الأحكام التي تتطلبها ظروف العصور، وفي التشريع الواحد تتطور الأحكام وخصوصاً ما يتعلق بالعادات. وما كان الله سبحانه وتعالى الرحيم بعباده يأتي المسألة من المسائل تعرض الناس فيها لعادة فتمكنت منهم تلك العادة، وأصبحت تقودهم أن يفعلوها ثم يأتي لينهيها بكلمة. لم تأت الكلمة الفصل إلا في العقيدة. لكن المسائل التي تحتاج لينهيها بكلمة. لم تأت الكلمة الفصل إلا في العقيدة. لكن المسائل التي تحتاج إلى التعود فالحق يتلطف في أن يخرجها خروجاً ميسوراً، بمعنى أنه يجعلها مرحليات كي لا توجد فجوة الانتقال.

ويمكننا أن نشبه فجوة الانتقال: مثلما يكون هناك من يدخن السجائر، ويصل معدل تدخينه في اليوم مائة سيجارة، فإذا قلنا له: اجعله خمسين سيجارة، ثم ثلاثين، وهكذا، وبذلك نكون قد وزعنا عادته على بعض الزمن، وبدلاً من أن تكون المسافة بين السيجارة والسيجارة عشر دقائق أو نصف ساعة فلنجعلها ساعة فنكون قد كسرنا جزءاً من الاعتياد، وكذلك مرحليات الأمور الاجتماعية التي تنشأ من رتابة التعود.

إن الحق سبحانه وتعالى يقول: { يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ }. فالحق يوضح: لم نأت بحاجة جديدة، بل كلها مما عندكم. قد يقول قائل: ما دامت مما عندهم فما الداعي لها؟. نقول: لأن هناك جديداً في أقضية العصر التي لم تكن موجودة عندهم، والذي زاد هو معالجة تلك الأقضية الجديدة، ولكن أصل الإيمان موجود بالقرآن المعجز الذي ينزل من السماء؛ بالمعجزة بالتوحيد، والقضايا العقدية، كل هذه لا يوجد فيها خلاف.

{ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ } إلزام لهم بالحجة، وتعني: نحن لا نكلمكم بكلام لا تعرفونه؛ لأنه يقول: { مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ } إنّهم يعلمون ما معهم جيداً، فكان من الواجب أن يقارنوا ويوازنوا ما جاء لهم من جديد على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عندهم، فإن وجدوه مصدقاً لما عندهم فقد انتهت المسألة.

ثم انظر إلى التهديد { مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } سبحانه يناديهم: بادروا، كما نقول مثلاً: " الحق نفسك وآمن " ويقول الحق: { مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ }. والطمس هو: المحو. فالشيء الذي طمس هو الذي مُحي بعدما كان شيئاً مميزاً، وكلمة " وجوه " وردت في القرآن بمعانٍ متعدددة، فتطلق مرة في البدن على ما يواجه وهو " الوجه " كما في قوله:
{  يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ }
[آل عمران: 106].

ونطلق الكلمة مرة على القصد والنية والوجهة، قال تعالى:
{  بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ }
[البقرة: 112].

و " أسلم وجهه " تعني قصده ووجهته ونيته.

إذن فمرة يطلق الوجه على الوجه الذي به المواجهة، ومرة يطلق على القصد، وما العلاقة بين القصد، والنية، والوجه؟. لأن الإنسان إذا قصد شيئاً اتجه إليه بوجهه، وسار له. إذن فالوجه يطلق على هذه الجارحة " الوجه " ، ويطلق على القصد والنية. وما دام يطلق بإطلاقين فيطلق على الوجه المعروف فينا، ويطلق على القصد والنية التي توجهنا فالاثنان يصحان.

وقوله: { نَّطْمِسَ وُجُوهاً } لأنه سبحانه أوضح: أنا مكرمكم وجعلت لكم سمات تميزكم، بشكلها: حواجب، وعينين، وأنفاً جميلاً، وفَماً، بحيث إنك لو أردت أن تخلق هذه الخلقة، لما استطعت، وسبحانه يعلن: أنا أقدر أن أطمس هذه الوجوه التي تميزكم، بحيث أردها على الأدبار، فيكون الوجه مثل القفا، وتصبح كقطعة اللحم، هذا إن أردنا بقوله: " وجوهاً " ، الوجه الذي في البدن.

وإن أردنا بالوجه " القصد " نقول: الذين يشترون الضلالة، والذين يريدون ان تضلوا السبيل، والذين يحرفون الكلام عن مواضعه، والذين يقولون: " راعنا " ، والذين يقولون: " اسمع غير مسمع ". أليس لهم وجهة؟ وما وجهتهم في هذا الموقف وما قصدهم؟

إن قصدهم هو صرف أنفسهم وصرف الناس عن اتباع محمد، فكأنه يقول لهم: بادروا وآمنوا قبل أن نطمس ونمحو قصدكم فلا يصل إلى منتهاه مِنْ صدكم عن الإيمان برسول الله، الحقوا أنفسكم قبل أن يحدث ذلك ونلعنكم ونطردكم من رحمتنا، ولذلك نجد سيدنا عبد الله بن سلام عندما سمع الآية، ذهب إلى رسول الله ويده على وجهه وقال: والله لقد خفت قبل أن أسلم أن يُطْمس وجهي.

وهذا دليل على أنه آمن بأن الذي قال هذا الكلام قادر على الإنفاذ. وفي عهد سيدنا عمر - رضي الله عنه - نجد كعب الأحبار يذهب له، ولم تكن الآية قد بلغته، فلما بلغته ذهب إلى سيدنا عمر وهو واضع يده على وجهه خائفاً أن يُطمس وجهه قبل أن يعلن إسلامه. وذلك دليل على يقينه من أن الذي قال هذا الكلام قادر على الإنفاذ.

وقد يقول قائل: ولكنْ منهم أناس لم يؤمنوا ولم يحدث لهم هذا الطمس. نقول: أهو قال سنطمس الوجوه فقط؟ لا، بل قال أيضاً: { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ } ويكفي أن هناك أناساً اعتقدوا أن الطمس قد يجيء وهم من وجوه أهل الكتاب ومن أحبارهم، فالذين آمنوا برسول الله من هؤلاء كانوا يعلمون كيد اليهود، فسيدنا عبد الله بن سلام قبل أن يسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أحب أن أسلم، ولكني أخشى إن أسلمت أن يقول اليهود فيَّ شرّاً فقبل أن أُسلم أسألهم عني، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبار اليهود: ماذا تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وحبرنا ومجدوه، فلما سمع ابن سلام منهم هذا الكلام قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فقالوا: هو ابن كذا وابن كذا وسبوه، فقال ابن سلام: يا رسول الله ألم أقل لك: إنهم قوم بهت.فقد روى " أن عبد الله بن سلام لما سمع بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فنظر إلى وجهه الكريم فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر، فقال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول شرائط الساعة؟ وما أول طعام ياكله أهل الجنة؟ والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال عليه السلام: " أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإن سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته " فقال: أشهد أنك رسول الله حقا فقام ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر " قال سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ }.

{ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ } فإن أردنا طمس الوجه حقيقة، فهو الأمر الذي خاف منه عبد الله بن سَلام وكعب الأحبار، هذا ذهب إلى رسول الله وذاك ذهب إلى عمر، وكل منهما كان يمسك وجهه خشية أن يطمس، إذن فقوله: { نَّطْمِسَ وُجُوهاً } أي نجعلها مثل " القفا " مجرد قطعة لحم من غير تمييز، أو نحول بينهم وبين قصدهم أي لا نمكنهم من الوصول إلى ما يريدون من صدهم الناس عن الإيمان برسول الله.. { مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ } أو أن نطردهم من رحمتنا ومن ساحة إيماننا، فيقول الحق:
{  خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ }
[البقرة: 7].

ما داموا هم قد كفروا نقول لكل منهم: ألم تكن تريد أن تكفر؟ والله سيزيد لك الختم على قلبك وسنعينك على هذه الحكاية أيضاً قال تعالى:
{  فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً }
[البقرة: 10].

فإذا كنت أنت تريد هذه فسنعطيك ما في نفسك { فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ } وسبحانه يخاطب اليهود، واليهود يعرفون قصة السبت ويعرفون أنها واقعة حدثت، وطردهم الله وأهلكهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً عظيماً. إذن فهو لا يأتيهم بمسألة وعيد بدون رصيد، لا، فهذا وعيد يسبقه رصيد.. أنتم - يا معشر يهود - تؤمنون به وتذكرونه وله تاريخ عندكم { كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ } ، وقصة أصحاب السبت معروفة وإن كانت ستأتي في سورة أخرى، و " السْبت " وهو السكون والراحة، ومنه السُّبات أي النوم، فسبت يسبت يعني سكن واستقر وارتاح.

{ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ } ، واللعن قالوا فيه: إنه الطرد والإهانة، وقالوا في معناه: إنه الإهلاك. والذين يحاولون أن يشككوا في مفهومات آيات القرآن يقولون: أنتم لا تقفون عند معنى واحد للكلمة، إما أن يراد كذا، وإما أن يراد كذا. نقول لهم: أنتم ليست لكم ملكة في اللغة حتى وإن تعلمتم اللغة فتعلمكم للغة تعلم صنعة لا تعلم ملكة. وتعلم الصنعة يعطيك القاعدة ولكن لا يعطيك قدرة وضع اللفظ في معناه الحقيقي ولا بيان المراد منه - واللعن - إذا كان معناه الطرد - كان يجب أن تفهموا أن الطرد يقتضي طارداً، ويقتضي مطروداً ويقتضي مطروداً منه.

ومن الذي يَطْرد؟.

ومن الذي يُطرد؟

وعن أي شيء يُطرد؟.

حين تأخذون المعنى على هذا الوضع لا تجدون غضاضة في أن تتعدد معاني الطرد. فهب أنك تجلس للأكل ثم جاءك كلبك الذي تعتز به للحراسة ليحوم حول مائدتك، ماذا تصنع له؟. تطرده عن المائدة، ذلك طرد. وهب أنّ ابنك مثلاً صنع شيئاً وعندك ضيوف فأردت أن تخرجه من المجلس وقلت له: اذهب عند أمك، هذا طرد.

وإذا كان ذنب الابن كبيراً ولك سيطرة فأنت قد تخرجه من البيت فلا يجلس فيه، وهذا طرد. وإذا كان ذنب الابن لا يُحتمل فأنت تخرجه من الحياة كلها فتكون قد أبعدته من الحياة كلها. إذن فكل ذلك طرد. فإن أردنا الخزي والهوان يتأتى اللعن، وإن أردنا الإهلاك فقد هلك منهم الكثير في المعارك ونالوا الخزي؛ لأننا سبينا نساءهم وبناتهم، وقهرناهم، وأهلكناهم، وأخرجناهم من ديارهم إلى بلاد الشام وإلى أذرعات، وأهلكهم الله بالموت. إذن فكل معاني الطرد تتأتى. فقد جاء يمس كل الذي حدث لهم، ولكنه يختلف باختلاف الطارد، وباختلاف المطرود، وباختلاف المطرود منه.وحين يقول الحق: { كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ } فهذا يدل على أن اللعن له أشياء مختلفة، أنا سآخذ منها لعن أصحاب السبت، والسبت يوم من أيام الأسبوع، أي وحدة زمنية في الأسبوع، ونلحظ أن بقية أيام الأسبوع السبعة فيها إشارات إلى العدد، يوم الأحد يعني واحداً ويوم الاثنين تعني اثنين. وهكذا في الثلاثاء والأربعاء والخميس، ففيه خمسة أيام بأعداد موجودة إلا يومين اثنين لم يؤثر فيهما العدد: يوم " الجمعة ويوم " السبت " ، وهذان اللفظان أخذا معاني غير العددية، ولكنهما يأخذان معنى العددية بالبعدية أو القبلية.

يعني عندما نقول مثلاً " الخميس " فيكون يوم الجمعة يعني " ستة، إنما لم يقل " ستة " وقال " الجمعة " ويوم " السبت " يكون سبعة، إذن فأنت تستطيع أن تصنع العدد البعدي بعد الأعداد: واحد. اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، لكننا نجد أن لهما اسمين مختلفين؛ لأن في كل واحد منهما حدثاً غلب العددية. فـ " الجمعة " للاجتماع، فتركنا كلمة " ستة " وأخذنا بدلا منها " الجمعة " ، و " السبت " للسكون؛ لأن مادتها في اللغة: سبت يسبت، أي سكن وهداً ولم يتحرك، مثل قول الحق:
{  وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً }
[النبأ: 9].

أي سكوناً وهدوءاً.

والحق سبحانه وتعالى حين يريد ابتلاء بعض خلقه ليعْلَم منازلهم منازلهم من الإيمان واليقين والانصياع لأوامر الحق، يأتي فيحرم حدثاً في زمن وهو مباح في غير ذلك الزمن، فقد يحرم الصيد في أحد الأيام وكان مسموحاً بأن يصطادوا في كل يوم. وكانوا يأتون بالسمك كرزق من البحر، فجاء في هذا اليوم خصوصاً وقال لهم: لا تصطادوا في هذا اليوم، أي أن يسكنوا عن الحركة، هذا هو " السبت " بمعنى السكون، و " أصحاب السبت " هم الجماعة الذين اجتمعوا على حادثة تتعلق بالسبت أو تتعلق بالسكون، أي تتعلق بعدم العمل وبعدم الحركة، وقضية أصحاب السبت شرحها الحق وتكلم عنها إجمالياً في سورة البقرة:
{  وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ }
[البقرة: 65].

وقوله هنا: { كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ } ، لكن القصة بالتفصيل ذكرها الحق سبحانه وتعالى وقال مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله الآمر، والرسول هو الذي سأله الله أن يسأل، والمسئولون هم أصحاب الحكاية وهم اليهود، وحين يطلب الحق خبراً مؤكداً من الأخبار، قد يلقيه خبراً فيصدقه أهل اليقين الذين يثقون في الله ويصدقونه، وقد لا يتركه خبراً، بل يأتي به في صيغة الاستفهام؛ لأنه واثق أن المستفهم منه لا يجد جواباً إلا الحق الذي يريده سبحانه وتعالى، وعندما يقول ربنا لنبيه:
{  وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }
[الأعراف: 163].

ذلك حدث لا يستطيعون إنكاره، وكان من الممكن أن يقص الله الحدث من عنده، ولكنه يريد أن يوثق الحدث توثيقاً لا يحتمل إنكار منكر ولا مكابرة مكابر، فأوضح: أنا لا أقول عن الحدث، ولكن يا محمد اسألهم أنت عن هذه الحادثة فسيكون جوابهم جواباً مطابقاً لما حدث؛ لأنها مسألة واضحة لا تنكر.

{ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ }. والقِرَى هو أن تكرم واحداً مقبلاً عليك كضيف مثلاً. ولكن ليس عندك ما يعطيه " قرى كاملاً " أي ما يقيم حياته لأيام أو شهور، بل عندك " قَرْيَة واحدة " أي أكلة واحدة تكفيه لوجبة واحدة، فما دام قد مر عليك فأنت تعطيه قرية واحدة - وجبة واحدة - فإن كانت البلد " أم القرى ": فيكون فيها حاجات كثيرة؛ أو لأنها أعظم القرى شأناً والقَرْية التي جاء ذكرها في سورة الأعراف يتم تعريفها بأنها: " حاضرة البحر " والحاضر هو القريب. فيقال: حضر فلان أي أصبح على مقربة مني، و " الحاضرة " أيضاً هي: التي إن طلبت فيها شيئاً وجدته، كما قال شوقي - رحمة الله عليه:

ليلي بجانبي كل شيء إذن حضر.

فكذلك " الحضر " معناه: أن كل حاجة فيها موجودة، أما البادية فحاجاتها تكون على قدر أهلها فقط، ولذلك فـ " حضر " ضد " بادية " وأخذوا منها " الحواضر " مثل العواصم الآن، إذن فقوله " حاضرة البحر " تأخذها بمعنى قريبة من البحر، أو أنها هي البلد المتحضر على البحر، أو الجامعة لأنواع الخير على البحر، وهي التي كانت بين " مدين " و " الطور " واسمها " أيلة ".

وقصتهم: أن الله أراد أن يبتليهم بشيء وهو: تحريم الصيد في ذلك اليوم، وما دامت " حاضرة البحر " ، فرزقهم على الصيد، فقال: لا تصطادوا في هذا اليوم، ولكن الله حين يريد أن يحكم الابتلاء ليعلمَ علم إبراز لخلقه مدى تنفيذهم للابتلاء، وإلا فهو عالم ماذا سيفعلون. فقال: لا تصطادوا في هذا اليوم. قد يقول قائل: لماذا حرم هذا الحدث في ذلك الزمن؟. نقول له: أنت تريد أن تعلم من الله أن كل تحريم له مضارة، نقول لك: لا، فقد يكون تحريم ابتلاء واختبار، ولذلك قال تعالى:
{  فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ }
[النساء: 160].

" الطيبات " هي الحلال، لكنهم هم فعلوا ما يستحقون عليه العقاب، فقلنا لهم: ما دمتم تجاوزتم حدودكم وأخذتم ما ليس حلاً، فجعلتموه حلاً فلا بد أن أجعل من الحل الذي هو لكم حراماً عليكم، هذه مقابل تلك، فلماذا اجترأت على محرم فأحللته؟ وما دمت قد فعلت ذلك ولم ترتض تحليلي وتحريمي فأنا سآخذ شيئاً من الذي كان حلاً لك وأحرمك منه.إذن فلا يتطلب من كل تحريم أن يكون فيه مضارة، إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يكون الإيمان له أصول ثابتة، ولذلك يقول:
{  وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ }
[الحج: 11].

إذن فالحق لا يريد من الناس أن يعبدوه على حرف.. أي على طرف من الدين بل في وسطه وقلبه.. أي أنهم على قلق واضطرابات في دينهم لا على سكون وطمأنينة، كالذي على طرف العسكر والجيش.. فإن أحسٍّ بظفر ونصر وغنيمة سكن واطمأن، وإلاِّ فرّ وطار على وجهه. هو يريد منك إيماناً حقاً، ولذلك فبعض الناس يقول: سأزكي لأزيد من مالي. نقول له: اخرج من بالك ظنك أن مالك سيزيد، بل أنت تزكي لأن الله طلب منك أن تزكي. أما أن يزيد مالك فهذا شيء آخر، فلعل الله يبتلي إيمانك ويريد أن يرى: أأنت مقبلٍ على الحكم لأن الله قاله، أم لأنه سيعطيك ربحاً زائداً؟ وسبحانه حين يعطي ربحاً زائداً ستزكيه أيضاً، لكن هو يريد من يقبل على الحكم لأنه سبحانه قد قاله.

وقد حرم الحق سبحانه وتعالى عليهم الصيد يوم السبت بظلم منهم، وكان من الجائز جداً ألاَّ يكون هناك مغريات على المخالفة، ولكنه أراد أن يبلوهم بلاءً حقاً فيأتي في اليوم المحرم فيه الصيد ويُكْثِر من السمك، ترى السمكة ظاهرة مثل شراع المركب، وهذا معناه إغراء بالمخالفة، فلو لم يظهر السمك في هذا اليوم لكانت المسألة عادية، لكنهم حين ينظرون السمك وقد " شرع " مثل المراكب سابحاً في الماء، { إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ }.

إذن فالابتلاء جاء من أكثر من زاوية: يوم سبتهم تأتي الحيتان شُرَّعاً، وفي غير يوم السبت لا تأتي، وهذا الأمر يجعلهم في حالة قلق. فلو كانوا على اليقين والإيمان لالتزموا بالأمر.

والله سبحانه وتعالى يريد أن يمحصهم التمحيص الدقيق، فماذا هم فاعلون؟ هم يريدون أن ينفذوا الأمر، إنما طمعهم المادي يصعب عليهم ألا يصطادوا هاذا السمك الذي يأتيهم يوم السبت، ولو أنهم وثقوا بعطاء الله في المنع لنجحوا في الاختبار. ذلك أن الحق قد يجعل في المنع عطاء، لكن مَن الذي يتنبه لذلك؟

لم يقولوا: ما عند الله خير من هذا السمك الشُّرع الذي يأتينا ويلفتنا. لكنهم احتالوا حيلاً، مثلاً: صنعوا من الإسلاك والحبال " مصايد " و " جُبًى ".و " ملاقف " يحجزون بها هذا السمك الشُّرع في الماء ثم يأتون في اليوم التالي فيجدونه محبوساً، وظنوا أنهم بذلك احتالوا على الله ولم يتفهموا معنى الصيد، فالصيد هو جعل السمك في حيازتك، وما دمت قد عملت بحيث تتمكن من حيازة السمك في أي وقت تكون قد اصطدت.إذن فهم يحتالون على الله؛ ولذلك قال سبحانه:
{  وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }
[الأعراف: 164].

وهذا دليل على وجود عناصر خير فيما بينهم، وقالت عناصر الخير: اتقوا الله. فقال لهم آخرون: لِمَ تعظون قوماً لله مهلكهم، إذن فهناك ثلاث جماعات: جماعة خالفوا، وجماعة أرادوا أن يعظوهم كي لا يقعوا في المخالفة، وجماعة لاموا من يعظونهم وقالوا: دعوهم ليهلكهم الله أو يعذبهم.. " الله مهلهكم أو معذبهم عذاباً شديداً " ، فقالت الجماعة التي تعظ: نحن نريد بالوعظ أن يكون لنا عذر أمام الله بأننا لم نسكت على المنكر ونحن نعمل لأنفسنا. " قالوا معذرة إلى ربكم " وأيضا فلعلهم يتقون ربّهم بترك ماهم فيه من المعصية والفسق. فماذا حدث؟.. يقول الحق:
{  فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }
[الأعراف: 165].

وما دام قد قال: " أنجينا " ، فهناك مقابلها وهو " أهلكنا " ، إذن فجاء هنا " اللعن " بمعنى الهلاك.

ويختم الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } نعم لأن الحق سبحانه وتعالى بقدرته الشاملة وصفات جلاله الكاملة، لا يتخلف شيء في وجوده عن أمره، فإذا وعد بشيء فلا بد أن يحدث، فأمر الله غير أوامر البشر، فأوامر البشر هي التي تتخلف أحياناً سواء أكانت وعداً أم وعيداً، لأنك قد تعد إنساناً بخير، ولكنك ساعة آداء الخير لا تستطيعه، فتكون قدرتك هي التي تحتاج إلى أداء الخير. أو توعد إنساناً وتهدده بشرّ، وستعمل فيه كذا غداً، وقد يأتيك غداً مرض يقعدك فلا تستطيع إنفاذ وعيدك.

إذن فأنت قد لا تستطيع إنفاذ شيء من وعدك ولا شيء من وعيدك؛ لأن قدرتك من الأغيار، وما دامت قدرتكم من الأغيار فقد توجد أو لا توجد. لكن الحق سبحانه وتعالى إذا قال بوعد أو قال بوعيد أيوجد شيء يغير هذا؟ لا. إذن فساعة يقول ربنا بوعد أو وعيد فاعرف أن هذا سيحدث في الوعد، أما في الوعيد فإن الله قد يتجاوز عنه كرما وفضلا ما عدا الشرك بالله.

ونعرف أن الحق سبحانه وتعالى يوزع الأحداث على الزمن، فلا زمن يقيده؛ لأنه يملك كل الزمن، أما أنت كواحد من البشر فتتكلم عن الحدث حسب زمانه. فإن كان هناك حدث قد حصل قل أن تتكلم أنت عنه، فتقول: فعل " ماض ". أي أن الحدث قد وقع في زمن قبل زمن تكلمك، وإن كان الحدث يقع في وقت تكلمك، كان الفعل " مضارعا " ، والمضارع صالح للحال وللاستقبال، تقول: فلان يأكل.وذلك يعني أنه يأكل الآن. وإن قلت: " سيأكل " - أي أنه سيأكل بعد قليل، فإذا قلت عن أمر مستقبل إن هذا الأمر سيحدث، أتملك أنت أن يحدث؟ لا. إذن فالكلام منك على الاستقبال قد يكذب وقد يصدق، لكن إذا قال الحق وأخبر عن أمر مستقبل وعبّر عنه بالفعل الماضي فمعنى ذلك أنه حادث لا محالة؛ ولذلك فالزمن عند ربنا مُلغى.

وعندما نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
{  أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ }
[النحل: 1].

" وأتى " هذه فعل ماض، وقوله: " أتى " يدل على أنه أمر قد حدث قبل أن يتكلم، وقوله: { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } دلّ على أنه لم يحدث، فالذي يشكك في القرآن يقول: ما هذا الذي يقوله القرآن.؟ يقول: " أتى " وهو لم يأت؟.. نقول له: هذا الكلام عندك أنت. لكن إذا قال الله: إنه " أتى " فهو آتٍ لا محالة، فاحكم على الحدث المستقبل من الله على أنه أمر كائن كما يكون كائناً ماضياً، ما دام قال فلا رادّ لأمره. { أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } فهي تعني سيأتي. ولا توجد قدرة في خلقه تصرف مراده أو تعجزه عن أن يفعل.

وقوله سبحانه: { وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } جاء لأنه قال من قبل " أو نلعنهم " هذه مستقبل. وقد يقول قائل: أن " نلعنهم " تعني أن اللعنة لم تأت وقد لا تحدث، ونقول: لا؛ لأن أمر الله كان مفعولاً، فإياك أن تأخذ " نلعن " هذه التي للمستقبل كي تطبقها عند ربنا، لأن الحق سبحانه وتعالى يوضح لك: أنت الذي عندك المستقبل، والمستقبل قد يقع منك أو لا يقع؛ لأنك لا تملك أسباب نفسك، تقول: سأعمل الشيء الفلاني غداً. وقد يأتي غداً وتكون أنت غير موجود هذه واحدة، أو تقول: سأقابل فلانا. وفلان هذا قد لا يكون موجوداً فقد يموت، أو قد يتغير رأيك ويأتيك الشيء الذي كنت تطلبه قبل أن تتكلم مع ذلك الإنسان، أو قد تقول: أنا سأنتقم من فلان، وعندما يأتي وقت الانتقام يهدأ قلبك.

إذن فأنت لا تملك شيئاً من هذا، فلا يصح أن تجادل؛ ولذلك يعلمنا الله الأدب مع الأحداث ومع الكون ومع المكون، ويخرجنا عن أن نكون كذابين فيقول لرسوله:
{  وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ }
[الكهف: 23-24].

يعلمك الحق ذلك حتى لا تكون كذاباً، فإن قلت: أنا فاعل ذلك غداً ثم لا تفعله، وما دمت لا تفعله فتكون كذاباً مجترئاً؛ لأنك افترضت في نفسك القدرة على الوجود.

وكل حدث من الأحداث مثلما قلنا: يحتاج إلى " فاعل " ، ويحتاج إلى " مفعول " يقع عليه، ويحتاج إلى " زمن " ويحتاج إلى " سبب " ، ويحتاج إلى " قدرة " تبرزه في المستقبل، قل لي بالله عليك: ماذا تملكه من عناصر الفعل؟

أنت لا تملك وجود نفسك ولا تملك وجود المفعول ولا تملك السبب، ولا تملك القدرة، ولا تملك شيئاً، فأدباً منك عليك أن تقول: " إن شاء الله " فإن لم يحدث تقول: أنا قلت إن شاء الله وهو لم يشأ، فتكون قد خرجت من التبعة، ولم تكن كذاباً.إذن فقول الحق: { وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } لأنه قال: { أَوْ نَلْعَنَهُمْ }.و " نلعن " هذا فعل مضارع ويأتي من بعد ذلك، فواحد قد يقول: إنه سبحانه قال: سيلعن، فهل ستحقق اللعنة؟ نقول له: نعم؛ لأنه قال: { وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً }. وكذلك ساعة تقرأ أو تقول: { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }. فعليك أن تضيف: ولا يزال غفوراً رحيماً، لأن صفة الرحمة لم توجد له ساعة وجد المرحوم، لا. بل معنى " رحيم " أنه سبحانه يرحم غيره والذي وُجد ليتلقى رحمته سبحانه إنما جاء بعد أزليَّة رحمة الله ومغفرته. فسبحانه أزليّ قديم. والصفة أزلية وقديمة بقدمه - سبحانه قبل أن يوجد من يرحمه، وهو لا تأتيه أغيار. وما دام سبحانه رحيماً قبل أن يُوجِدَ مرحوماً له فإذا أوجد مرحوماً له، أتنحلّ الصفة أم تبقى؟ إنها باقية دائماً فكان الله ولا يزال غفوراً رحيماً، { وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } نعم، لأنه قد يفعله بأسبابه وقد يفعله بدون أسباب فالأمر متروك لمشيئته فإما أن يوجد الشيء من غير سبب أو يوجده بسبب، والشيء الموجود بالسبب مخلوق بالمسبب فسبحانه خلق الأسباب.

وبعد ذلك ينتقل الحق سبحانه إلى قضية عقدية أساسية في صلة الإنسان بالحق سبحانه وتعالى. يقول: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ... }.


www.alro7.net