سورة
اية:

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ

تفسير بن كثير

يذكرهم تعالى بسالف نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضَّلهم به من إرسال الرسل منهم وإنزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم كما قال تعالى: { ولقد اخترناهم على علم على العالمين} ، وقال تعالى: { وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} قال أبو العالية في قوله تعالى { وإني فضلتكم على العالمين} على عالم مَنْ كان في ذلك الزمان فإن لكل زمان عالماً، ويجب الحمل على هذا، لأن هذه الأمة أفضل منهم لقوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس} ، وقال رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم : (أنتم توفون سبعين أمّة أنتم خيرها وأكرمها على اللّه ""رواه أصحاب السنن عن معاوية بن حيدة القشيري مرفوعاً"")، والأحاديث في هذا كثيرة، وقيل: المراد تفضيلٌ بنوع ما من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقاً، حكاه الرازي وفيه نظر. وقيل: فضّلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم وفيه نظر، لأن العالمين عام يشمل من قبلهم، ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة صلوات اللّه وسلامه عليه.

تفسير الجلالين

{ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } بالشكر عليها بطاعتي { وأني فضَّلتكم } أي آباءكم { على العالمين } عالمي زمانهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا بَنِي إسْرَائِيل اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَة نَظِير تَأْوِيله فِي الَّتِي قَبْلهَا فِي قَوْله : { اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي } وَقَدْ ذَكَرْته هُنَالِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا بَنِي إسْرَائِيل اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَة نَظِير تَأْوِيله فِي الَّتِي قَبْلهَا فِي قَوْله : { اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي } وَقَدْ ذَكَرْته هُنَالِكَ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا ذَكَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ آلَائِه وَنِعَمه عِنْدهمْ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } : أَنِّي فَضَّلْت أَسْلَافكُمْ , فَنَسَبَ نِعَمه عَلَى آبَائِهِمْ وَأَسْلَافهمْ إلَى أَنَّهَا نِعَم مِنْهُ عَلَيْهِمْ , إذْ كَانَتْ مَآثِر الْآبَاء مَآثِر لِلْأَبْنَاءِ , وَالنِّعَم عِنْد الْآبَاء نِعَمًا عِنْد الْأَبْنَاء , لِكَوْنِ الْأَبْنَاء مِنْ الْآبَاء , وَأَخْرَجَ جَلَّ ذِكْره قَوْله : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } مَخْرَج الْعُمُوم , وَهُوَ يُرِيد بِهِ خُصُوصًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى عَالَم مَنْ كُنْتُمْ بَيْن ظَهْرَيْهِ وَفِي زَمَانه . كَاَلَّذِي : 727 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ : فَضَّلَهُمْ عَلَى عَالَم ذَلِكَ الزَّمَان . 728 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ : بِمَا أُعْطُوا مِنْ الْمُلْك وَالرُّسُل وَالْكُتُب عَلَى عَالَم مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَان , فَإِنَّ لِكُلِّ زَمَان عَالَمًا . 729 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ : عَلَى مَنْ هُمْ بَيْن ظَهْرَانَيْهِ . * وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : عَلَى مَنْ هُمْ بَيْن ظَهْرَانَيْهِ . 730 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : سَأَلْت ابْن زَيْد عَنْ قَوْل اللَّه : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ : عَالَم أَهْل ذَلِكَ الزَّمَان . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى الْعَالَمِينَ } 44 32 قَالَ : هَذِهِ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَاتَّبَعَ أَمْره , وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ الْقِرَدَة وَهُمْ أَبْغَض خَلْقه إلَيْهِ , وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّة : { كُنْتُمْ خَيْر أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } 3 110 قَالَ : هَذِهِ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّه وَاتَّبَعَ أَمْره وَاجْتَنَبَ مَحَارِمه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ تَأْوِيل ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوص الَّذِي وَصَفْنَا مَا : 731 - حَدَّثَنِي بِهِ يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن عُلَيَّة , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر جَمِيعًا , عَنْ بَهْز بْن حَكِيم , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " أَلَا إنَّكُمْ وَفَّيْتُمْ سَبْعِينَ أُمَّة " قَالَ يَعْقُوب فِي حَدِيثه : " أَنْتُمْ آخِرهَا " . وَقَالَ الْحَسَن : " أَنْتُمْ خَيْرهَا وَأَكْرَمهَا عَلَى اللَّه " . فَقَدْ أَنْبَأَ هَذَا الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَنِي إسْرَائِيل لَمْ يَكُونُوا مُفَضَّلِينَ عَلَى أُمَّة مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَأَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } وَقَوْله : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } 45 16 عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ تَأْوِيله . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى بَيَان تَأْوِيل قَوْله : { الْعَالَمِينَ } بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا ذَكَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ آلَائِه وَنِعَمه عِنْدهمْ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } : أَنِّي فَضَّلْت أَسْلَافكُمْ , فَنَسَبَ نِعَمه عَلَى آبَائِهِمْ وَأَسْلَافهمْ إلَى أَنَّهَا نِعَم مِنْهُ عَلَيْهِمْ , إذْ كَانَتْ مَآثِر الْآبَاء مَآثِر لِلْأَبْنَاءِ , وَالنِّعَم عِنْد الْآبَاء نِعَمًا عِنْد الْأَبْنَاء , لِكَوْنِ الْأَبْنَاء مِنْ الْآبَاء , وَأَخْرَجَ جَلَّ ذِكْره قَوْله : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } مَخْرَج الْعُمُوم , وَهُوَ يُرِيد بِهِ خُصُوصًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى عَالَم مَنْ كُنْتُمْ بَيْن ظَهْرَيْهِ وَفِي زَمَانه . كَاَلَّذِي : 727 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ : فَضَّلَهُمْ عَلَى عَالَم ذَلِكَ الزَّمَان . 728 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ : بِمَا أُعْطُوا مِنْ الْمُلْك وَالرُّسُل وَالْكُتُب عَلَى عَالَم مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَان , فَإِنَّ لِكُلِّ زَمَان عَالَمًا . 729 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ : عَلَى مَنْ هُمْ بَيْن ظَهْرَانَيْهِ . * وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : عَلَى مَنْ هُمْ بَيْن ظَهْرَانَيْهِ . 730 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : سَأَلْت ابْن زَيْد عَنْ قَوْل اللَّه : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قَالَ : عَالَم أَهْل ذَلِكَ الزَّمَان . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى الْعَالَمِينَ } 44 32 قَالَ : هَذِهِ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَاتَّبَعَ أَمْره , وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ الْقِرَدَة وَهُمْ أَبْغَض خَلْقه إلَيْهِ , وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّة : { كُنْتُمْ خَيْر أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } 3 110 قَالَ : هَذِهِ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّه وَاتَّبَعَ أَمْره وَاجْتَنَبَ مَحَارِمه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ تَأْوِيل ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوص الَّذِي وَصَفْنَا مَا : 731 - حَدَّثَنِي بِهِ يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن عُلَيَّة , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر جَمِيعًا , عَنْ بَهْز بْن حَكِيم , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " أَلَا إنَّكُمْ وَفَّيْتُمْ سَبْعِينَ أُمَّة " قَالَ يَعْقُوب فِي حَدِيثه : " أَنْتُمْ آخِرهَا " . وَقَالَ الْحَسَن : " أَنْتُمْ خَيْرهَا وَأَكْرَمهَا عَلَى اللَّه " . فَقَدْ أَنْبَأَ هَذَا الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَنِي إسْرَائِيل لَمْ يَكُونُوا مُفَضَّلِينَ عَلَى أُمَّة مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَأَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } وَقَوْله : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } 45 16 عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ تَأْوِيله . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى بَيَان تَأْوِيل قَوْله : { الْعَالَمِينَ } بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} تقدم. { وأني فضلتكم على العالمين} يريد على عالمي زمانهم، وأهل كل زمان عالم. وقيل : على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليست لغيرهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 42 - 48

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يدّعي بعض الناس أن هناك تكراراً. للآيات السبع التي سبق فيها تذكير بني إسرائيل. نقول: لا. لم تتكرر هذه الآيات.. وهي قوله تعالى:
{  يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ * وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ * ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }
[البقرة: 40-46]

هذه الآيات السبع كلها تذكر بني إسرائيل. برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والذي جاء وصف صفاته وزمنه في التوراة ولتذكيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هو نعمة إليهم وإلى الناس جميعا. وإذا كان الله قد فضل بني إسرائيل بأن أرسل رسلا. فليس معنى ذلك أن ينكروا نعمة الله عليهم بالرسول الخاتم. وبما أن أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرت في التوراة وطلب منهم أن يؤمنوا به وينصروه فإن عدم إيمانهم به هو كفر بالتوراة. كما أن الإنجيل بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم وطلب منهم أن يؤمنوا به. فعدم إيمانهم به كفر بالإنجيل.

وقوله تعالى: { ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } أي اذكروا أنني جعلت في كتابكم ما يثبت صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته. والمعنى اذكروا نعمتي بأني فضلتكم على العالمين ممن عاصروكم وقت نزول رسالة موسى. وجعلت منكم الأنبياء.

ومادام الحق سبحانه وتعالى.. قد فضلهم على العالمين.. فكيف يمّن عليهم؟ نقول الّمن هنا لشدة النكاية بهم. فالله سبحانه وتعالى. لشدة معصيتهم وكفرهم جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.

واقرأ قوله تعالى:
{  وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ }
[البقرة: 65]

وقوله تعالى:
{  قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ }
[المائدة: 60]

فالله سبحانه وتعالى يبين لنا كيف كفر بنو إسرائيل بأنبيائهم وقتلوهم. رغم أن الله تعالى أعطاهم خيرا كثيرا.. ولكنهم نكثوا العهد.. فاستحقوا العذاب. فهم لم يجعلوا نعمة الله عليهم سببا في إخلاصهم والإيمان به سبحانه وتصديق منهجه. وتصديق الرسول الخاتم الذي ذكر عندهم في التوراة. كان يجب أن يؤمنوا بالله وأن يذكروا نعمه الكثيرة التي تفضل بها عليهم.

والحق يريد أن يلفتنا إلى أنه مادام قد أنعم عليهم.. فلا يظنون أنهم غير مطالبين بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام. إنما كان لابد أن يفهموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليصحح لهم كتابهم. ويوضح لهم الطريق الصحيح.. فكان يجب عليهم أن ينصروه. والنعمة لا يمكن أن تستمر مع الكفر بها. وحتى لا نظن أن الله سبحانه وتعالى قد قسا عليهم بأن جعلهم أمما متفرقة في الأرض كلها. ثم بعد ذلك يجمعون في وطن واحد ليقتلوا.. واقرأ قوله تعالى:
{  وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ }
[الإسراء: 104]

أي أرض تلك التي طلب الله سبحانه وتعالى من بني إسرائيل أن يسكنوها؟ مادام الحق سبحانه وتعالى قال: { ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ } فهي الأرض كل الأرض. وهل تكون الأرض كلها وطنا لليهود. طبعاً لا. ولكن الحق سبحانه كتب عليهم أن يتفرقوا في الأرض. فلا تكون لهم دولة إلا عندما يشاء الله أن يجمعهم في مكان واحد. ثم يسلط عليهم عباده المؤمنين. والحق سبحانه وتعالى يقول:
{  وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً }
[الإسراء: 4-6]

هذه هي المرة الأولى التي انتصر فيها المسلمون على اليهود. يقول الحق سبحانه وتعالى. { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } ومادام الحق سبحانه وتعالى قال عليهم فهي على المسلمين. لأنهم هم الذين انتصروا على اليهود. وقوله تعالى: { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } معناها أنهم ينتصرون على المسلمين وهذا ما هو حادث الآن، وما شاهدناه وما نشاهده في الفترة الأخيرة. أي أن المدد والقوة تأتيهم من الخارج وليس من ذاتهم.

ونحن نرى أن إسرائيل قائمة على جلب المهاجرين اليهود من الدول الأخرى وجلب الأموال والمساعدات من الدول الأخرى أيضا. أي أن كل هذا يأتيهم بمدد من الخارج. وإسرائيل لا تستطيع أن تعيش إلا بالمهاجرين إليها. وبالمعونات التي تأتيها. فالمدد لابد أن يأتي من الخارج. إذا كانت هناك معركة وطلب قائد المدد.. فمعناه أنه يريد رجالا يأتونه من خارج أرض المعركة ليصبحوا مددا وقوة لهذا الجيش. وقوله تعالى: { وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } النفير هو الصوت العالي الذي يجذب الانتباه. ونحن نرى الآن أن إسرائيل تسيطر على وسائل الإعلام والدعاية في العالم. وأن صوتها عال ومسموع.. ويقول الحق سبحانه وتعالى: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ }.. ومعنى هذا أن المسجد الأقصى سيضيع من المسلمين ويصبح تحت حكم اليهود فيأتي المسلمون ويحاربونهم ويدخلون المسجد كما دخلوه أول مرة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ويقول الله تعالى: { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً } واللفيف هو الجمع غير المتجانس.الذي يتنافر مع نفسه ومع من حوله. وبما أن الله سبحانه وتعالى قد قضى أن يحدث قتال بين اليهود وبين المسلمين.. يستعيد فيه المسلمون المسجد الأقصى. فكان لابد أن يجمعهم في مكان واحد. لأنهم لو بقوا كجاليات متفرقة في كل دول العالم ومعزولة عن المجتمعات التي يعيشون فيها لاقتضى ذلك أن يحارب المسلمون العالم كله. ولكن الله سبحانه وتعالى سيأتي بهم من كل دولة إلى المكان الذي فيه بيت المقدس حتى يمكن أن يحاربهم المسلمون، وأن يدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة.

فالحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم. وبمعاصيهم وكفرهم حتى لا يقول أحد إن الله سبحانه كان قاسيا عليهم لأنهم هم الذين كفروا. وهم الذين عصوا وأفسدوا في الأرض. فاستحقوا هذا العقاب من الله سبحانه وتعالى.


www.alro7.net