سورة
اية:

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم...} [47].
أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العدل، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني محمد بن سليمان بن خالد الفحام قال: أخبرنا علي بن هاشم، عن كثير النَّوَّاء، [أنه] قال:
قلت لأبي جعفر: إن فلاناً حدثني عن علي بن الحسين رضي الله عنهما، أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} قال: والله إنها لفيهم أنزلت [وفيمن تنزل إلا فيهم؟] قلت: وأي غل هو؟ قال: غِلّ الجاهلية، إن بني تَيْم وعَدِي وبني هاشم، كان بينهم في الجاهلية [غل]، فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا فأخذتْ أبا بكر الخاصِرةُ، فجعل عليٌّ يسخن يده فيكمد بها خَاصِرَة أبي بكر، فنزلت هذه الآية.

تفسير بن كثير

لما ذكر تعالى حال أهل النار، عطف على ذكر أهل الجنة وأنهم في جنات وعيون. وقوله: { ادخلوها بسلام} أي سالمين من الآفات مسلم عليكم، { آمنين} أي من كل خوف وفزع، ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناء. وقوله: { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} . عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة مؤمن حتى ينزع اللّه ما في صدره من غل حتى ينزع منه مثل السبع الضاري، وهذا موافق لما في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة) وقال ابن جرير: دخل عمران بن طلحة على عليّ رضي اللّه عنه بعد ما فرغ من أصحاب الجمل فرحب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني اللّه وإياك من الذين قال اللّه: { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} . وعن أبي حبيبة مولى لطلحة قال: دخل عمران بن طلحة على عليّ رضي اللّه عنه بعد ما فرغ من أصحاب الجمل فرحب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني اللّه وإياك من الذين قال اللّه: { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} قال: ورجلان جالسان إلى ناحية البساط، فقالا: اللّه أعدل من ذلك تقتلهم بالأمس وتكونون إخواناً، فقال علي رضي اللّه عنه: قُوما أبعد أرض وأسحقها، فمن هم إذاً إن لم أكن أنا وطلحة؟ وفي رواية: فقام رجل من همدان فقال: اللّه أعدل من ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فصاح به علي صيحة، فظننت أن القصر تدهده لها، ثم قال: إذا لم نكن نحن فمن هم؟ وقال سفيان الثوري: جاء ابن جرموز ، قاتل الزبير، يستأذن على علي رضي اللّه عنه فحجبه طويلاً، ثم أذن له، فقال له: أما أهل البلاء فتجفوهم، فقال عليّ: بفيك التراب، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال اللّه: { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} . وقال الحسن البصري، قال عليّ: فينا واللّه أهل بدر نزلت هذه الآية: { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} . وقال الثوري في قوله: { إخوانا على سرر متقابلين} قال، هم عشرة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنهم أجمعين، وقوله: { متقابلين} قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض، وفيه حديث مرفوع. قال ابن أبي حاتم، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتلا هذه الآية: { إخوانا على سرر متقابلين} في اللّه ينظر بعضهم إلى بعض ""في اللباب: أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن الحسن: أن هذه الآية: { ونزعنا ما في صدورهم...} نزلت في أبي بكر، وعمر، قيل: وأي غل؟ قال: غل الجاهلية، إن بني تميم وبني عدي وبني هاشم كانوا أعداء، فلما أسلموا تحابوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل علي يسخن يده فيكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية"". وقوله: { لا يمسهم فيها نصب} يعني المشقة والأذى، كما جاء في الصحيحين: (إن اللّه أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب) وقوله: { وما هم منها بمخرجين} ، كقوله تعالى: { خالدين فيها لا يبغون عنها حولا} ، وقوله: { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} أي أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عذاب أليم، وقد تقدم ذكر نظير هذه الآية الكريمة وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف، وذكر في سبب نزولها ما رواه ابن جرير عن ابن أبي رباح عن رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: طلع علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال: (لا أراكم تضحكون) ثم أدبر، حتى إذا كان عند الحجر رجع علينا القهقرى فقال: (إني لما خرجت جاء جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن اللّه يقول: لم تقنط عبادي؟ { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} ) وقال قتادة: بلغنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لو يعلم العبد قدر عفو اللّه لما تورع من حرام، ولو يعلم العبد قدر عذاب اللّه لبخع نفسه)

تفسير الجلالين

{ ونزعنا ما في صدورهم من غِلِّ } حقد { إخوانا } حال منهم { على سُرر متقابلين } حال أيضا أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدورات الأسرَّة بهم .

تفسير القرطبي

قال ابن عباس : (أول ما يدخل أهل الجنة الجنة تعرض لهم عينان، فيشربون من إحدى العينين فيذهب الله ما في قلوبهم من غل، ثم يدخلون العين الأخرى فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم وتصفو وجههم، وتجري عليهم نضرة النعيم)؛ ونحوه عن علي رضي الله عنه. وقال علي بن الحسين : نزلت في أبي بكر وعمر وعلي والصحابة، يعني ما كان بينهم في الجاهلية من الغل. والقول الأول أظهر، يدل عليه سياق الآية. وقال علي رضي الله عنه : (أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من هؤلاء). والغل : الحقد والعداوة؛ يقال منه : غل يغل. ويقال من الغلول وهو السرقة من المغنم : غل يغل : ويقال من الخيانة : أغل يغل. كما قال : جزى الله عنا حمزة بنة نوفل ** جزاء مغل بالأمانة كاذب وقد مضى هذا في آل عمران. { إخوانا على سرر متقابلين} أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض تواصلا وتحاببا؛ عن مجاهد وغيره. وقيل : الأسرة تدور كيفما شاءوا، فلا يرى أحد قفا أحد. وقيل { متقابلين} قد أقبلت عليهم الأزواج وأقبلوا عليهن بالود. وسرر جمع سرير. مثل جديد وجدد. وقيل : هو من السرور؛ فكأنه مكان رفيع ممهد للسرور. والأول أظهر. قال ابن عباس : (على سرر مكللة بالياقوت والزبرجد والدر)، السرير ما بين صنعاء إلى الجابية وما بين عدن إلى أيلة. { وإخوانا} نصب على الحال من { المتقين} أو من المضمر في { ادخلوها} ، أو من المضمر في { آمنين} ، أو يكون حالا مقدرة من الهاء والميم في { صدورهم} . { لا يمسهم فيها نصب} أي إعياء وتعب. { وما هم منها بمخرجين} دليل على أن نعيم الجنة دائم لا يزول، وأن أهلها فيها باقون. أكلها دائم؛ { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} [ص : 54].

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحجر الايات 39 - 51

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهكذا يُخرِج الحق سبحانه من صدورهم أيَّ حقد وعداوة. ويرون أخلاء الدنيا في المعاصي وهم مُمْتلئون بالغِلّ، بينما هم قد طهَّرهم الحق سبحانه من كل ما كان يكرهه في الآخرة، ويحيا كل منهم مع أزواج مُطهَّرة. ويجمعهم الحق بلا تنافس، ولا يشعر أيٌّ منهم بحسد لغيره.

والغِلُّ كما نعلم هو الحقد الذي يسكُن النفوس، ونعلم أن البعض من المسلمين قد تختلف وُجهات نظرهم في الحياة، ولكنهم على إيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

والمثل أن علياً كرم الله وجهه وأرضاه دخل موقعه الجمل، وكان في المعسكر المقابل طلحةُ والزبير رضي الله عنهما؛ وكلاهما مُبشَّر بالجنة، وكان لكل جانب دليل يُغلّبه.

" ولحظةَ أنْ قامت المعركة جاء وَجْه علي ـ كرَّم الله وجهه ـ في وَجْه الزبير؛ فيقول علي رضي الله عنه: تذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتما تمرَّان عليَّ، سلَّم النبي وقلْتَ أنت: لا يفارق ابنَ أبي طالب زَهْوُه، فنظر إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لك: " إنك تقاتل علياً وأنتَ ظالم له ". فرمى الزبير بالسلاح، وانتهى من الحرب.

ودخل طلحة بن عبيد الله على عليٍّ ـ كرم الله وجهه ـ؛ فقال عليٌّ رضوان الله عليه: يجعل لي الله ولأبيك في هذه الآية نصيباً " فقال أحد الجالسين: إن الله أعدل من أنْ يجمعَ بينك وبين طلحة في الجنة. فقال عليٌّ: وفيما نزل إذنْ قوله الحق:

{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } [الحجر: 47].

وكلمة " نزعنا " تدل على أن تغلغل العمليات الحِقْدية في النفوس يكون عميقاً، وأن خَلْعها في اليوم الآخر يكون خَلْعاً من الجذور، وينظر المؤمن إلى المؤمن مثله؛ والذي عاداه في الدنيا نظرتُه إلى مُحسِن له؛ لأنه بالعداوة والمنافسة جعله يخاف أن يقع عَيْب منه.

ذلك أن المؤمن في الآخرة يذكر مُعْطيات الأشياء، ويجعلهم الحق سبحانه إخواناً؛ فَرُبَّ أخٍ لك لم تَلِدْه أمُّك، والحق سبحانه هو القائل في موقع آخر:
{  وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا }
[آل عمران: 103].

وقد يكون لك أخ لا تكرهه ولا تحقد عليه؛ ولكنك لا تُجالسه ولا تُسامره؛ لأن الأخوة أنواع. وقد تكون أخوة طيبة ممتلئة بالاحترام لكن أياً منكما لا يسعى إلى الآخر، ويجمعكم الحق سبحانه في الآخرة على سُرُر متقابلين.

وسأل سائل: وماذا لو كانت منزلة أحدهما في الجنة أعلى من منزلة الآخر؟ ونقول: إن فَضل الحق المطلق يرفع منزلة الأَدْنى إلى منزلة الأعلى، وهما يتزاوران.

وهكذا يختلف حال الآخرة عن حال الدنيا، فالإنسان في الدنيا يعيش ما قال عنه الحق سبحانه:
{  يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ }
[الانشقاق: 6].

ولكن الحال في الآخرة يختلف، وينطبق عليه قول الحق سبحانه في الآية التالية: { لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا... }.


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contact@alro7.net