سورة
اية:

مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة، أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل اللّه على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم ليشتروا به ثمناً قليلاً من حطام الدنيا { ويريدون أن تضلوا السبيل} أي يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع { واللّه أعلم بأعدائكم} أي: هو أعلم بهم ويحذركم منهم، { وكفى باللّه وليا وكفى باللّه نصيرا} أي: كفى به ولياً لمن لجأ إليه نصيراً لمن استنصره، ثم قال تعالى: { من الذين هادوا} من في هذا لبيان الجنس كقوله: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان} ، وقوله: { يحرفون الكلم عن مواضعه} أي: يتأولونه على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد اللّه عزَّ وجلَّ قصداً منهم وافتراء، { ويقولون سمعنا} أي: سمعنا ما قلته يا محمد، ولا نطيعك فيه ... هكذا فسره مجاهد وهو المراد، وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم، وأنهم يتولون عن كتاب اللّه بعدما عقلوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة. وقولهم: { واسمع غير مسمع} أي: اسمع ما نقول لا سمعت، رواه ابن عباس، وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك، قال ابن جرير: والأول أصح وهو كما قال، وهذا استهزاء منهم واستهتار، عليهم لعنة اللّه { وراعنا ليَّا بألسنتهم وطعناً في الدين} أي: يوهمون أنهم يقولون راعنا سمعك بقولهم راعنا، وإنما يريدون الرعونة بسبهم النبي، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولا انظرنا} ، ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه: { ليَّا بألسنتهم وطعناً في الدين} يعني: بسبهم النبي صلى اللّه عليه وسلم، ثم قال تعالى: { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم اللّه بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً} أي: قلوبهم مطرودة عن الخير مبعدة منه فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم، وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: { فقليلاً ما يؤمنون} ، والمقصود أنهم لا يؤمنون إيماناً نافعاً.

تفسير الجلالين

{ من الذين هادوا } قوم { يحِّرفون } يغيرون { الكلم } الذي أنزل الله في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم { عن مواضعه } التي وضع عليها { ويقولون } للنبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بشيء { سمعنا } قولك { وعصينا } أمرك { واسمع غير مُسمع } حال بمعنى الدعاء أي لا سمعت { و } يقولون له { راعنا } وقد نهى عن خطابه وهي كلمة سب بلغتهم { ليٌا } تحريفا { بألسنتهم وطعنا } قدحا { في الدين } الإسلام { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا } بذل وعصينا { واسمع } فقط { وانظرنا } انظر إلينا بدل راعنا { لكان خيرا لهم } مما قالوه { وأقوم } أعدل منه { ولكن لعنهم الله } أبعدهم عن رحمته { بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه } وَلِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم } وَجْهَانِ مِنْ التَّأْوِيل : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم . فَيَكُون قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا } مِنْ صِلَة " الَّذِينَ " . وَإِلَى هَذَا الْقَوْل كَانَتْ عَامَّة أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْكُوفَة يُوَجِّهُونَ . قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ } وَالْآخَر مِنْهُمَا : أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : مِنْ الَّذِينَ هَادُوا مَنْ يُحَرِّف الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه . فَتَكُون " مِنْ " مَحْذُوفَة مِنْ الْكَلَام اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا } عَلَيْهَا , وَذَلِكَ أَنَّ " مِنْ " لَوْ ذُكِرَتْ فِي الْكَلَام كَانَتْ بَعْضًا ل " مَنْ " , فَاكْتَفَى بِدَلَالَةِ " مِنْ " عَلَيْهَا , وَالْعَرَب تَقُول : مِنَّا مَنْ يَقُول ذَلِكَ , وَمِنَّا لَا يَقُولهُ , بِمَعْنَى : مِنَّا مَنْ يَقُول ذَاكَ , وَمِنَّا مَنْ لَا يَقُولهُ , فَتَحْذِف " مَنْ " اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ مَنْ عَلَيْهِ , كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّة : فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعه سَابِق لَهُ وَآخَر يُذْرِي دَمْعَة الْعَيْن بِالْمَهْلِ يَعْنِي : وَمِنْهُمْ مَنْ دَمْعه . وَكَمَا قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَام مَعْلُوم } 37 164 وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى كَانَتْ عَامَّة أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يُوَجِّهُونَ تَأْوِيل قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم } غَيْر أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : الْمُضْمَر فِي ذَلِكَ " الْقَوْم " , كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدهمْ : مِنْ الَّذِينَ هَادُوا قَوْم يُحَرِّفُونَ الْكَلِم , وَيَقُولُونَ : نَظِير قَوْل النَّابِغَة : كَأَنَّك مِنْ جَمَال بَنِي أُقَيْش يُقَعْقَع خَلْف رِجْلَيْهِ بِشَنٍّ يَعْنِي : كَأَنَّك جَمَل مِنْ جَمَال أُقَيْش . فَأَمَّا نَحْوِيُّو الْكُوفَة , فَيُنْكِرُونَ أَنْ يَكُون الْمُضْمِر مَعَ " مِنْ " إِلَّا " مَنْ " أَوْ مَا أَشْبَهَهَا . وَالْقَوْل الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا } مِنْ صِلَة الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب , لِأَنَّ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا وَالصِّفَتَيْنِ مِنْ صِفَة نَوْع وَاحِد مِنْ النَّاس , وَهُمْ الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمْ فِي قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب } وَبِذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل , فَلَا حَاجَة بِالْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَكُون فِيهِ مَتْرُوك . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { يُحَرِّفُونَ الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه } فَإِنَّهُ يَقُول : يُبَدِّلُونَ مَعْنَاهَا وَيُغَيِّرُونَهَا عَنْ تَأْوِيله , وَالْكَلِم جِمَاع كَلِمَة . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول : عَنَى بِالْكَلِمِ : التَّوْرَاة . 7664 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { يُحَرِّفُونَ الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه } تَبْدِيل الْيَهُود التَّوْرَاة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَأَمَّا قَوْله : { عَنْ مَوَاضِعه } فَإِنَّهُ يَعْنِي : عَنْ أَمَاكِنه وَوُجُوهه الَّتِي هِيَ وُجُوهه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه } وَلِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم } وَجْهَانِ مِنْ التَّأْوِيل : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم . فَيَكُون قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا } مِنْ صِلَة " الَّذِينَ " . وَإِلَى هَذَا الْقَوْل كَانَتْ عَامَّة أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْكُوفَة يُوَجِّهُونَ . قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ } وَالْآخَر مِنْهُمَا : أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : مِنْ الَّذِينَ هَادُوا مَنْ يُحَرِّف الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه . فَتَكُون " مِنْ " مَحْذُوفَة مِنْ الْكَلَام اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا } عَلَيْهَا , وَذَلِكَ أَنَّ " مِنْ " لَوْ ذُكِرَتْ فِي الْكَلَام كَانَتْ بَعْضًا ل " مَنْ " , فَاكْتَفَى بِدَلَالَةِ " مِنْ " عَلَيْهَا , وَالْعَرَب تَقُول : مِنَّا مَنْ يَقُول ذَلِكَ , وَمِنَّا لَا يَقُولهُ , بِمَعْنَى : مِنَّا مَنْ يَقُول ذَاكَ , وَمِنَّا مَنْ لَا يَقُولهُ , فَتَحْذِف " مَنْ " اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ مَنْ عَلَيْهِ , كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّة : فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعه سَابِق لَهُ وَآخَر يُذْرِي دَمْعَة الْعَيْن بِالْمَهْلِ يَعْنِي : وَمِنْهُمْ مَنْ دَمْعه . وَكَمَا قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَام مَعْلُوم } 37 164 وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى كَانَتْ عَامَّة أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يُوَجِّهُونَ تَأْوِيل قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم } غَيْر أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : الْمُضْمَر فِي ذَلِكَ " الْقَوْم " , كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدهمْ : مِنْ الَّذِينَ هَادُوا قَوْم يُحَرِّفُونَ الْكَلِم , وَيَقُولُونَ : نَظِير قَوْل النَّابِغَة : كَأَنَّك مِنْ جَمَال بَنِي أُقَيْش يُقَعْقَع خَلْف رِجْلَيْهِ بِشَنٍّ يَعْنِي : كَأَنَّك جَمَل مِنْ جَمَال أُقَيْش . فَأَمَّا نَحْوِيُّو الْكُوفَة , فَيُنْكِرُونَ أَنْ يَكُون الْمُضْمِر مَعَ " مِنْ " إِلَّا " مَنْ " أَوْ مَا أَشْبَهَهَا . وَالْقَوْل الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ قَوْله : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا } مِنْ صِلَة الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب , لِأَنَّ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا وَالصِّفَتَيْنِ مِنْ صِفَة نَوْع وَاحِد مِنْ النَّاس , وَهُمْ الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمْ فِي قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب } وَبِذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل , فَلَا حَاجَة بِالْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَكُون فِيهِ مَتْرُوك . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { يُحَرِّفُونَ الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه } فَإِنَّهُ يَقُول : يُبَدِّلُونَ مَعْنَاهَا وَيُغَيِّرُونَهَا عَنْ تَأْوِيله , وَالْكَلِم جِمَاع كَلِمَة . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول : عَنَى بِالْكَلِمِ : التَّوْرَاة . 7664 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { يُحَرِّفُونَ الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه } تَبْدِيل الْيَهُود التَّوْرَاة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَأَمَّا قَوْله : { عَنْ مَوَاضِعه } فَإِنَّهُ يَعْنِي : عَنْ أَمَاكِنه وَوُجُوهه الَّتِي هِيَ وُجُوهه .' وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يَقُولُونَ : سَمِعْنَا يَا مُحَمَّد قَوْلك , وَعَصَيْنَا أَمْرك . كَمَا : 7665 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : سَمِعْنَا مَا تَقُول , وَلَا نُطِيعك . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7666 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } قَالُوا : قَدْ سَمِعْنَا , وَلَكِنْ لَا نُطِيعك . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يَقُولُونَ : سَمِعْنَا يَا مُحَمَّد قَوْلك , وَعَصَيْنَا أَمْرك . كَمَا : 7665 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : سَمِعْنَا مَا تَقُول , وَلَا نُطِيعك . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7666 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } قَالُوا : قَدْ سَمِعْنَا , وَلَكِنْ لَا نُطِيعك . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَصْره , أَنَّهُمْ كَانُوا يَسُبُّونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُؤْذُونَهُ بِالْقَبِيحِ مِنْ الْقَوْل , وَيَقُولُونَ لَهُ : اِسْمَعْ مِنَّا غَيْر مُسْمَع , كَقَوْلِ الْقَائِل لِلرَّجُلِ يَسُبّهُ : اِسْمَعْ لَا أَسْمَعَك اللَّه . كَمَا : 7667 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } قَالَ : هَذَا قَوْل أَهْل الْكِتَاب يَهُود , كَهَيْئَةِ مَا يَقُول الْإِنْسَان : اِسْمَعْ لَا سَمِعْت , أَذًى لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَشَتْمًا لَهُ وَاسْتِهْزَاء . 7668 - حُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } قَالَ : يَقُولُونَ لَك : وَاسْمَعْ لَا سَمِعْت . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَالْحَسَن أَنَّهُمَا كَانَا يَتَأَوَّلَانِ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى : وَاسْمَعْ غَيْر مَقْبُول مِنْك . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ لَقِيلَ : وَاسْمَعْ غَيْر مَسْمُوع , وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ : وَاسْمَعْ لَا تَسْمَع , وَلَكِنْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّين } فَوَصَفَهُمْ بِتَحْرِيفِ الْكَلَام بِأَلْسِنَتِهِمْ وَالطَّعْن فِي الدِّين بِسَبِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْته عَنْ مُجَاهِد : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } يَقُول : غَيْر مَقْبُول مَا تَقُول , فَهُوَ كَمَا : 7669 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } قَالَ : غَيْر مُسْتَمِع . قَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } غَيْر مَقْبُول مَا تَقُول . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7670 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } قَالَ : كَمَا تَقُول : اِسْمَعْ غَيْر مَسْمُوع مِنْك . 7671 - وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَانَ نَاس مِنْهُمْ يَقُولُونَ : { وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع } كَقَوْلِك : اِسْمَعْ غَيْر صَاغٍ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَصْره , أَنَّهُمْ كَانُوا يَسُبُّونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُؤْذُونَهُ بِالْقَبِيحِ مِنْ الْقَوْل , وَيَقُولُونَ لَهُ : اِسْمَعْ مِنَّا غَيْر مُسْمَع , كَقَوْلِ الْقَائِل لِلرَّجُلِ يَسُبّهُ : اِسْمَعْ لَا أَسْمَعَك اللَّه . كَمَا : 7667 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } قَالَ : هَذَا قَوْل أَهْل الْكِتَاب يَهُود , كَهَيْئَةِ مَا يَقُول الْإِنْسَان : اِسْمَعْ لَا سَمِعْت , أَذًى لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَشَتْمًا لَهُ وَاسْتِهْزَاء . 7668 - حُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } قَالَ : يَقُولُونَ لَك : وَاسْمَعْ لَا سَمِعْت . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَالْحَسَن أَنَّهُمَا كَانَا يَتَأَوَّلَانِ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى : وَاسْمَعْ غَيْر مَقْبُول مِنْك . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ لَقِيلَ : وَاسْمَعْ غَيْر مَسْمُوع , وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ : وَاسْمَعْ لَا تَسْمَع , وَلَكِنْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّين } فَوَصَفَهُمْ بِتَحْرِيفِ الْكَلَام بِأَلْسِنَتِهِمْ وَالطَّعْن فِي الدِّين بِسَبِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْته عَنْ مُجَاهِد : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } يَقُول : غَيْر مَقْبُول مَا تَقُول , فَهُوَ كَمَا : 7669 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } قَالَ : غَيْر مُسْتَمِع . قَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } غَيْر مَقْبُول مَا تَقُول . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7670 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع } قَالَ : كَمَا تَقُول : اِسْمَعْ غَيْر مَسْمُوع مِنْك . 7671 - وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَانَ نَاس مِنْهُمْ يَقُولُونَ : { وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع } كَقَوْلِك : اِسْمَعْ غَيْر صَاغٍ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّين } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَرَاعِنَا } أَيْ رَاعِنَا سَمْعك , اِفْهَمْ عَنَّا وَأَفْهِمْنَا . وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيل ذَلِكَ فِي سُورَة الْبَقَرَة بِأَدِلَّتِهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة عَنْ إِعَادَته . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ } يَعْنِي : تَحْرِيكًا مِنْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِتَحْرِيفٍ مِنْهُمْ لِمَعْنَاهُ إِلَى الْمَكْرُوه مِنْ مَعْنَيَيْهِ , وَاسْتِخْفَافًا مِنْهُمْ بِحَقِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَطَعْنًا فِي الدِّين } كَمَا : 7672 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : قَالَ قَتَادَة : كَانَتْ الْيَهُود يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَاعِنَا سَمْعك ! يَسْتَهْزِئُونَ بِذَلِكَ , فَكَانَتْ الْيَهُود قَبِيحَة , فَقَالَ : رَاعِنَا سَمْعك لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ ; وَاللَّيّ : تَحْرِيكهمْ أَلْسِنَتهمْ بِذَلِكَ , { وَطَعْنًا فِي الدِّين } 7673 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { رَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ } كَانَ الرَّجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَقُول : أَرْعِنِي سَمْعك ! يَلْوِي بِذَلِكَ لِسَانه , يَعْنِي : يُحَرِّف مَعْنَاهُ . 7674 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه } . .. إِلَى : { وَطَعْنًا فِي الدِّين } فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ وَيَلْوُونَ أَلْسِنَتهمْ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَطْعَنُونَ فِي الدِّين . 7675 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّين } قَالَ : " رَاعِنَا " طَعْنهمْ فِي الدِّين , وَلَيّهمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ لِيُبْطِلُوهُ وَيُكَذِّبُوهُ . قَالَ : وَالرَّاعِن : الْخَطَأ مِنْ الْكَلَام . 7676 - حُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر , قَالَ : أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ } قَالَ : تَحْرِيفًا بِالْكَذِبِ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّين } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَرَاعِنَا } أَيْ رَاعِنَا سَمْعك , اِفْهَمْ عَنَّا وَأَفْهِمْنَا . وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيل ذَلِكَ فِي سُورَة الْبَقَرَة بِأَدِلَّتِهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة عَنْ إِعَادَته . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ } يَعْنِي : تَحْرِيكًا مِنْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِتَحْرِيفٍ مِنْهُمْ لِمَعْنَاهُ إِلَى الْمَكْرُوه مِنْ مَعْنَيَيْهِ , وَاسْتِخْفَافًا مِنْهُمْ بِحَقِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَطَعْنًا فِي الدِّين } كَمَا : 7672 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : قَالَ قَتَادَة : كَانَتْ الْيَهُود يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَاعِنَا سَمْعك ! يَسْتَهْزِئُونَ بِذَلِكَ , فَكَانَتْ الْيَهُود قَبِيحَة , فَقَالَ : رَاعِنَا سَمْعك لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ ; وَاللَّيّ : تَحْرِيكهمْ أَلْسِنَتهمْ بِذَلِكَ , { وَطَعْنًا فِي الدِّين } 7673 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { رَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ } كَانَ الرَّجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَقُول : أَرْعِنِي سَمْعك ! يَلْوِي بِذَلِكَ لِسَانه , يَعْنِي : يُحَرِّف مَعْنَاهُ . 7674 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه } . .. إِلَى : { وَطَعْنًا فِي الدِّين } فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ وَيَلْوُونَ أَلْسِنَتهمْ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَطْعَنُونَ فِي الدِّين . 7675 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّين } قَالَ : " رَاعِنَا " طَعْنهمْ فِي الدِّين , وَلَيّهمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ لِيُبْطِلُوهُ وَيُكَذِّبُوهُ . قَالَ : وَالرَّاعِن : الْخَطَأ مِنْ الْكَلَام . 7676 - حُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر , قَالَ : أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ } قَالَ : تَحْرِيفًا بِالْكَذِبِ. ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَم } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمْ قَالُوا لِنَبِيِّ اللَّه : سَمِعْنَا يَا مُحَمَّد قَوْلك , وَأَطَعْنَا أَمْرك , وَقَبِلْنَا مَا جِئْتنَا بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَاسْمَعْ مِنَّا , وَانْظُرْنَا مَا نَقُول , وَانْتَظِرْنَا نَفْهَم عَنْك مَا تَقُول لَنَا , { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَم } يَقُول : لَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ عِنْد اللَّه وَأَقْوَم , يَقُول : وَأَعْدَل وَأَصْوَب فِي الْقَوْل . وَهُوَ مِنْ الِاسْتِقَامَة مِنْ قَوْل اللَّه : { وَأَقْوَم قِيلًا } 73 6 بِمَعْنَى : وَأَصْوَب قِيلًا . كَمَا : 7677 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ : اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } قَالَ : يَقُولُونَ : اِسْمَعْ مِنَّا فَإِنَّا قَدْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا . وَانْظُرْنَا فَلَا تَعْجَل عَلَيْنَا . 7678 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد , قَوْله : { وَانْظُرْنَا } قَالَ : اِسْمَعْ مِنَّا . 7679 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَانْظُرْنَا } قَالَ : أَفْهِمْنَا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَانْظُرْنَا } قَالَ : أَفْهِمْنَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة مِنْ تَوْجِيههمَا مَعْنَى : { وَانْظُرْنَا } إِلَى : اِسْمَعْ مِنَّا , وَتَوْجِيه مُجَاهِد ذَلِكَ إِلَى : أَفْهِمْنَا , مَا لَا نَعْرِف فِي كَلَام الْعَرَب , إِلَّا أَنْ يَكُون أَرَادَ بِذَلِكَ مِنْ تَوْجِيهه إِلَى أَفْهِمْنَا : اِنْتَظِرْنَا نَفْهَم مَا تَقُول , أَوْ اِنْتَظِرْنَا نَقُلْ حَتَّى تَسْمَع مِنَّا , فَيَكُون ذَلِكَ مَعْنًى مَفْهُومًا وإِنْ كَانَ غَيْر تَأْوِيل الْكَلِمَة وَلَا تَفْسِير لَهَا , فَلَا نَعْرِف " اُنْظُرْنَا " فِي كَلَام الْعَرَب إِلَّا بِمَعْنَى : اِنْتَظِرْنَا وَانْظُرْ إِلَيْنَا , فَأَمَّا " اُنْظُرْنَا " بِمَعْنَى اِنْتَظِرْنَا , فَمِنْهُ قَوْل الْحُطَيْئَة : وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ لَوْ أَنَّ دِرَّتكُمْ يَوْمًا يَجِيء بِهَا مَسْحِي وَإِبْسَاسِي وَأَمَّا اُنْظُرْنَا بِمَعْنَى : اُنْظُرْ إِلَيْنَا , فَمِنْهُ قَوْل عَبْد اللَّه بْن قَيْس الرُّقَيَّات : ظَاهِرَات الْجَمَال وَالْحُسْن يَنْظُرْ نَ كَمَا يَنْظُر الْأَرَاك الظِّبَاء بِمَعْنَى كَمَا يَنْظُر إِلَى الْأَرَاك الظِّبَاء. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَم } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمْ قَالُوا لِنَبِيِّ اللَّه : سَمِعْنَا يَا مُحَمَّد قَوْلك , وَأَطَعْنَا أَمْرك , وَقَبِلْنَا مَا جِئْتنَا بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَاسْمَعْ مِنَّا , وَانْظُرْنَا مَا نَقُول , وَانْتَظِرْنَا نَفْهَم عَنْك مَا تَقُول لَنَا , { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَم } يَقُول : لَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ عِنْد اللَّه وَأَقْوَم , يَقُول : وَأَعْدَل وَأَصْوَب فِي الْقَوْل . وَهُوَ مِنْ الِاسْتِقَامَة مِنْ قَوْل اللَّه : { وَأَقْوَم قِيلًا } 73 6 بِمَعْنَى : وَأَصْوَب قِيلًا . كَمَا : 7677 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ : اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } قَالَ : يَقُولُونَ : اِسْمَعْ مِنَّا فَإِنَّا قَدْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا . وَانْظُرْنَا فَلَا تَعْجَل عَلَيْنَا . 7678 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد , قَوْله : { وَانْظُرْنَا } قَالَ : اِسْمَعْ مِنَّا . 7679 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَانْظُرْنَا } قَالَ : أَفْهِمْنَا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَانْظُرْنَا } قَالَ : أَفْهِمْنَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة مِنْ تَوْجِيههمَا مَعْنَى : { وَانْظُرْنَا } إِلَى : اِسْمَعْ مِنَّا , وَتَوْجِيه مُجَاهِد ذَلِكَ إِلَى : أَفْهِمْنَا , مَا لَا نَعْرِف فِي كَلَام الْعَرَب , إِلَّا أَنْ يَكُون أَرَادَ بِذَلِكَ مِنْ تَوْجِيهه إِلَى أَفْهِمْنَا : اِنْتَظِرْنَا نَفْهَم مَا تَقُول , أَوْ اِنْتَظِرْنَا نَقُلْ حَتَّى تَسْمَع مِنَّا , فَيَكُون ذَلِكَ مَعْنًى مَفْهُومًا وإِنْ كَانَ غَيْر تَأْوِيل الْكَلِمَة وَلَا تَفْسِير لَهَا , فَلَا نَعْرِف " اُنْظُرْنَا " فِي كَلَام الْعَرَب إِلَّا بِمَعْنَى : اِنْتَظِرْنَا وَانْظُرْ إِلَيْنَا , فَأَمَّا " اُنْظُرْنَا " بِمَعْنَى اِنْتَظِرْنَا , فَمِنْهُ قَوْل الْحُطَيْئَة : وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ لَوْ أَنَّ دِرَّتكُمْ يَوْمًا يَجِيء بِهَا مَسْحِي وَإِبْسَاسِي وَأَمَّا اُنْظُرْنَا بِمَعْنَى : اُنْظُرْ إِلَيْنَا , فَمِنْهُ قَوْل عَبْد اللَّه بْن قَيْس الرُّقَيَّات : ظَاهِرَات الْجَمَال وَالْحُسْن يَنْظُرْ نَ كَمَا يَنْظُر الْأَرَاك الظِّبَاء بِمَعْنَى كَمَا يَنْظُر إِلَى الْأَرَاك الظِّبَاء.' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّه بِكُفْرِهِمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ : وَلَكِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخْزَى هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ فِي هَذِهِ الْآيَة فَأَقْصَاهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ الرُّشْد , وَاتِّبَاع الْحَقّ بِكُفْرِهِمْ , يَعْنِي بِجُحُودِهِمْ نُبُوَّة نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ مِنْ الْهُدَى وَالْبَيِّنَات الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّه بِكُفْرِهِمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ : وَلَكِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخْزَى هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ فِي هَذِهِ الْآيَة فَأَقْصَاهُمْ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ الرُّشْد , وَاتِّبَاع الْحَقّ بِكُفْرِهِمْ , يَعْنِي بِجُحُودِهِمْ نُبُوَّة نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ مِنْ الْهُدَى وَالْبَيِّنَات' { فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا } يَقُول : فَلَا يُصَدِّقُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ , وَلَا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ إِلَّا قَلِيلًا , يَقُول : لَا يُصَدِّقُونَ بِالْحَقِّ الَّذِي جِئْتهمْ بِهِ يَا مُحَمَّد إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا . كَمَا : 7680 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا } قَالَ : لَا يُؤْمِنُونَ هُمْ إِلَّا قَلِيلًا . وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه ذَلِكَ بِعِلَلِهِ فِي سُورَة الْبَقَرَة . { فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا } يَقُول : فَلَا يُصَدِّقُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ , وَلَا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ إِلَّا قَلِيلًا , يَقُول : لَا يُصَدِّقُونَ بِالْحَقِّ الَّذِي جِئْتهمْ بِهِ يَا مُحَمَّد إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا . كَمَا : 7680 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا } قَالَ : لَا يُؤْمِنُونَ هُمْ إِلَّا قَلِيلًا . وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه ذَلِكَ بِعِلَلِهِ فِي سُورَة الْبَقَرَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } إلى قوله تعالى { فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه } الآية. نزلت في يهود المدينة وما والاها. قال ابن إسحاق : وكان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال : أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك؛ ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله عز وجل { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } إلى قوله { قليلا} . ومعنى { يشترون } يستبدلون فهو في موضع نصب على الحال، وفي الكلام حذف تقديره يشترون الضلالة بالهدى؛ كما قال تعالى { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة : 16] قاله القتبي وغيره. { ويريدون أن تضلوا السبيل} عطف عليه، والمعنى تضلوا طريق الحق. وقرأ الحسن { تضلوا } بفتح الضاد أي عن السبيل. قوله تعالى { والله أعلم بأعدائكم} يريد منكم؛ فلا تستصحبوهم فإنهم أعداؤكم. ويجوز أن يكون { أعلم } بمعنى عليم؛ كقوله تعالى { وهو أهون عليه } [الروم : 27] أي هين. { وكفى بالله وليا} الباء زائدة؛ زيدت لأن المعنى اكتفوا بالله فهو يكفيكم أعداءكم. و { وليا } و { نصيرا} نصب على البيان، وإن شئت على الحال. قوله تعالى { من الذين هادوا} قال الزجاج : إن جعلت { من } متعلقة بما قبل فلا يوقف على قول { نصيرا} ، وإن جعلت منقطعة فيجوز الوقف على { نصيرا } والتقدير من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم؛ ثم حذف. وهذا مذهب سيبويه، وأنشد النحويون : لو قلت ما في قومها لم تيثم ** يفضلها في حسب ومبسم قالوا : المعنى لو قلت ما في قومها أحد يفضلها؛ ثم حذف. وقال الفراء : المحذوف { من} المعنى : من الذين هادوا من يحرفون. وهذا كقوله تعالى { وما منا إلا له مقام معلوم} [الصافات : 164] أي من له. وقال ذو الرمة : فظلوا ومنهم دمعه سابق له ** وآخر يذري عبرة العين بالهمل يريد ومنهم من دمعه، فحذف الموصول. وأنكره المبرد والزجاج؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة. { يحرفون} يتأولونه على غير تأويله. وذمهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين. وقيل { عن مواضعه} يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم. { ويقولون سمعنا وعصينا} أي سمعنا قولك وعصينا أمرك. { واسمع غير مسمع} قال ابن عباس : كانوا يقولون النبي صلى الله عليه وسلم : اسمع لا سمعت، هذا مرادهم - لعنهم الله - وهم يظهرون أنهم يريدون اسمع غير مسمع مكروها ولا أذى. وقال الحسن ومجاهد. معناه غير مسمع منك، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول. قال النحاس : ولو كان كذلك لكان غير مسموع منك. وتقدم القول في { راعنا} . ومعنى { ليا بألسنتهم} أي يلوون ألسنتهم عن الحق أي يميلونها إلى ما في قلوبهم. وأصل اللي الفتل، وهو نصب على المصدر، وإن شئت كان مفعولا من أجله. وأصله لويا ثم أدغمت الواو في الياء. { وطعنا} معطوف عليه أي يطعنون في الدين، أي يقولون لأصحابهم لو كان نبيا لدرى أننا نسبه، فأظهر الله تعالى نبيه على ذلك فكان من علامات نبوته، ونهاهم عن هذا القول. ومعنى { أقوم} أصوب لهم في الرأي. { فلا يؤمنون إلا قليلا } أي إلا إيمانا قليلا لا يستحقون به اسم الإيمان. وقيل : معناه لا يؤمنون إلا قليلا منهم؛ وهذا بعيد لأنه عز وجل قد أخبر عنهم أنه لعنهم بكفرهم. قوله تعالى { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا} قال ابن إسحاق : كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبدالله بن صوريا الأعور وكعب بن أسد فقال لهم : (يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق ) قالوا : ما نعرف ذلك يا محمد. وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر؛ فأنزل الله عز وجل فيهم { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها } إلى آخر الآية. قوله تعالى { مصدقا لما معكم} نصب على الحال. { من قبل أن نطمس وجوها} الطمس استئصال أثر الشيء؛ ومنه قوله تعالى { فإذا النجوم طمست } [المرسلات : 8]. ونطمس ونطمس بكسر الميم وضمها في المستقبل لغتان. ويقال في الكلام : طسم يَطْسِم ويَطْسُم بمعنى طمس؛ يقال : طمس الأثر وطسم أي أمحى، كله لغات؛ ومنه قوله تعالى { ربنا اطمس على أموالهم} [يونس : 88] أي أهلكها؛ عن ابن عرفة. ويقال : طمسته فطمس لازم ومتعد. وطمس الله بصره، وهو مطموس البصر إذا ذهب أثر العين؛ ومنه قوله تعالى { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } [يس : 66] يقول أعميناهم. واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية؛ هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين. أو ذلك عبارة عن الضلال في قلوبهم وسلبهم التوفيق ؟ قولان. روي عن أبي بن كعب أنه قال { من قبل أن نطمس } من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده. يذهب إلى أنه تمثيل وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبة. وقال قتادة : معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء. أي يذهب بالأنف والشفاه والأعين والحواجب؛ هذا معناه عند أهل اللغة. وروي عن ابن عباس وعطية العوفي : أن الطمس أن تزال العينان خاصة وترد في القفا؛ فيكون ذلك ردا على الدبر ويمشي القهقرى. وقال مالك رحمه الله : كان أول إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا } فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه وقال : والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي. وكذلك فعل عبدالله بن سلام، لما نزلت هذه الآية وسمعها أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال : يا رسول الله، ما كنت أدرى أن أصل إليك حتى يحول وجهي في قفاي. فإن قيل : كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجه إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بهم؛ فقيل : إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين. وقال المبرد : الوعيد باق منتظر. وقال : لا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة. قوله تعالى { أو نلعنهم} أي أصحاب الوجوه { كما لعنا أصحاب السبت} أي نمسخهم قردة وخنازير؛ عن الحسن وقتادة. وقيل : هو خروج من الخطاب إلى الغيبة { وكان أمر الله مفعولا } أي كائنا موجودا. ويراد بالأمر المأمور فهو مصدر وقع موقع المفعول؛ فالمعنى أنه متى أراده أوجده. وقيل : معناه أن كل أمر أخبر بكونه فهو كائن على ما أخبر به. قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به} روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا { إن الله يغفر الذنوب جميعا } [الزمر : 53] فقال له رجل : يا رسول الله والشرك ! فنزل { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} . وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة. { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه. فقال محمد بن جرير الطبري : قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله تعالى. وقال بعضهم : قد بين الله تعالى ذلك بقول { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } [النساء : 31] فاعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة للتي في آخر [الفرقان]. قال زيد بن ثابت : نزلت سورة [النساء ]بعد [الفرقان] بستة أشهر، والصحيح أن لا نسخ؛ لأن النسخ في الأخبار يستحيل. وسيأتي بيان الجمع بين الآي في هذه السورة وفي [الفرقان ] إن شاء الله تعالى. وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب قال : ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } قال : هذا حديث حسن غريب. قوله تعالى { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} هذا اللفظ عام في ظاهره ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود. واختلفوا في المعنى الذي زكوا به أنفسهم؛ فقال قتادة والحسن : ذلك قولهم { نحن أبناء الله وأحباؤه} ، وقولهم { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } وقال الضحاك والسدي : قولهم لا ذنوب لنا وما فعلناه نهارا غفر لنا ليلا وما فعلناه ليلا غفر لنا نهارا، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب. وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة : تقديمهم الصغار للصلاة؛ لأنهم لا ذنوب عليهم. وهذا يبعد من مقصد الآية. وقال ابن عباس : ذلك قولهم آباؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا. وقال عبدالله بن مسعود : ذلك ثناء بعضهم على بعض. وهذا أحسن ما قيل؛ فإنه الظاهر من معنى الآية، والتزكية : التطهير والتبرية من الذنوب. الثانية: هذه الآية وقوله تعالى { فلا تزكوا أنفسكم} [النجم : 32] يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له. وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي برة؛ فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت برة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم ) فقالوا : بم نسميها ؟ فقال : (سموها زينب ). فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية؛ كزكي الدين ومحي الدين وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا تفيد شيئا. الثالثة: فأما تزكية الغير ومدحه له؛ ففي البخاري من حديث أبي بكرة أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا ) فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكبر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : (ويحك قطعت عنق صاحبك ). وفي الحديث الآخر (قطعتم ظهر الرجل ) حين وصفوه بما ليس فيه. وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : (احثوا التراب في وجوه المداحين ) إن المراد به المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه؛ فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له في أمثاله وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمداح، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النيات { والله يعلم المفسد من المصلح} . وقد مدح في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجوه المداحين التراب، ولا أمر بذلك. كقول أبي طالب : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل وكمدح العباس وحسان له في شعرهما، ومدحه كعب بن زهير، ومدح هو أيضا أصحابه فقال : (إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ). وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث : (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم وقولوا : عبدالله ورسوله ) فمعناه لا تصفوني بما ليس في من الصفات تلتمسون بذلك مدحي، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك وضلوا. وهذا يقتضي أن من رفع أمرا فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعتد آثم؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى { ولا يظلمون فتيلا} الضمير في { يظلمون} عائد على المذكورين ممن زكى نفسه وممن يزكيه الله عز وجل. وغير هذين الصنفين علم أن الله تعالى لا يظلمه من غير هذه الآية. والفتيل الخيط الذي في شق نواة التمرة؛ قال ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقيل : القشرة التي حول النواة بينها وبين البسرة. وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك والسدي : هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما؛ فهو فعيل بمعنى مفعول. وهذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشيء وتصغيره، وأن الله لا يظلمه شيئا. ومثل هذا في التحقير قوله تعالى { ولا يظلمون نقيرا} [النساء : 124] وهو النكتة التي في ظهر النواة، ومنه تنبت النخلة، وسيأتي. قال الشاعر يذم بعض الملوك : تجمع الجيش ذا الألوف وتغزو ** ثم لا ترزأ العدو فتيلا ثم عجب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال { انظر كيف يفترون على الله الكذب} في قولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه. وقيل : تزكيتهم لأنفسهم؛ عن ابن جريج. وروي أنهم قالوا : ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أبنائنا يوم تولد. والافتراء الاختلاق؛ ومنه افترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه. وفريت الشيء قطعته. { وكفى به إثما مبينا} نصب على البيان. والمعنى تعظيم الذنب وذمه. العرب تستعمل مثل ذلك في المدح والذم. قوله تعالى { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} يعني اليهود { يؤمنون بالجبت والطاغوت} اختلف أهل التأويل في تأويل الجبت والطاغوت؛ فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية : الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن. وقال الفاروق عمر رضي الله عنه : الجبت السحر والطاغوت الشيطان. ابن مسعود : الجبت والطاغوت ههنا كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب. عكرمة : الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف؛ دليله قوله تعالى { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } [النساء : 60]. قتادة : الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن. وروى ابن وهب عن مالك بن أنس : الطاغوت ما عبد من دون الله. قال : وسمعت من يقول إن الجبت الشيطان؛ ذكره النحاس. وقيل : هما كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله؛ وهذا حسن. وأصل الجبت الجبس وهو الذي لا خير فيه، فأبدلت التاء من السين؛ قاله قطرب. وقيل : الجبت إبليس والطاغوت أولياؤه. وقول مالك في هذا الباب حسن؛ يدل عليه قوله تعالى { أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [النحل : 36] وقال تعالى { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } [الزمر : 17]. وروى قطن بن المخارق عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الطرق والطيرة والعيافة من الجبت ). الطرق الزجر، والعيافة الخط ؛ خرجه أبو داود في سننه. وقيل : الجبت كل ما حرم الله، الطاغوت كل ما يطغي الإنسان. والله أعلم. قوله تعالى { ويقولون للذين كفروا} أي يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى سبيلا من الذين آمنوا بمحمد. وذلك أن كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش فتعاقدوا وتعاهدوا ليجتمعن على قتال محمد؛ فقال أبو سفيان : إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق. نحن أم محمد ؟ فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد. قوله تعالى { أم لهم نصيب من الملك} أي ألهم ؟ والميم صلة. { نصيب} حظ { من الملك} وهذا على وجه الإنكار؛ يعني ليس لهم من الملك شيء، ولو كان لهم منه شيء لم يعطوا أحدا منه شيئا لبخلهم وحسدهم. وقيل : المعنى بل ألهم نصيب؛ فتكون أم منقطعة ومعناها الإضراب عن الأول والاستئناف للثاني. وقيل : هي عاطفة على محذوف؛ لأنهم أنفوا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. والتقدير : أهم أولى بالنبوة ممن أرسلته أم لهم نصيب من الملك ؟. { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } أي يمنعون الحقوق. خبر الله عز وجل عنهم بما يعلمه منهم. والنقير : النكتة في ظهر النواة؛ عن ابن عباس وقتادة وغيرهما. وعن ابن عباس أيضا : النقير : ما نقر الرجل بأصبعه كما ينقر الأرض. وقال أبو العالية : سألت ابن عباس عن النقير فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم رفعهما وقال : هذا النقير. والنقير : أصل خشبة ينقر وينبذ فيه؛ وفيه جاء النهي ثم نسخ. وفلان كريم النقير أي الأصل. و { إذا } هنا ملغاه غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ولو نصب لجاز. قال سيبويه { إذا } في عوامل الأفعال بمنزلة { أظن } في عوامل الأسماء، أي تلغى إذا لم يكن الكلام معتمدا عليها، فإن كانت في أول الكلام وكان الذي بعدها مستقبلا نصبت؛ كقولك : أنا أزورك فيقول مجيبا لك : إذا أكرمك. قال عبدالله بن عنتمة الضبي : اردد حمارك لا يرتع بروضتنا ** إذن يرد وقيد العير مكروب نصب لأن الذي قبل { إذن } تام فوقعت ابتداء كلام. فإن وقعت متوسطة بين شيئين كقولك. زيد إذا يزورك ألغيت؛ فإن دخل عليها فاء العطف أو واو العطف فيجور فيها الإعمال والإلغاء؛ أما الأعمال فلأن ما بعد الواو يستأنف على طريق عطف الجملة على الجملة، فيجوز في غير القرآن فإذا لا يؤتوا. وفي التنزيل { وإذا لا يلبثون } [الإسراء : 76] وفي مصحف أبي { وإذا لا يلبثوا} . وأما الإلغاء فلأن ما بعد الواو لا يكون إلا بعد كلام يعطف عليه، والناصب للفعل عند سيبويه { إذا} لمضارعتها { أن} ، وعند الخليل أن مضمرة بعد إذا. وزعم الفراء أن إذا تكتب بالألف وأنها منونة. قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول : سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول : أشتهي أن أكوي يد من يكتب إذاً بالألف؛ إنها مثل لن وإن، ولا يدخل التنوين في الحروف.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 44 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

تلك الحق في سورة النساء عن الخلق الأول وأوضح: أنني خلقتكم من نفس واحدة وهي " آدم " وبعد ذلك خلقت منها زوجها، ثم بثثت منهما رجالا كثيراً ونساء، والبث الكثير للرجال والنساء لتستديم الخلافة للإنسان، لكن كيف يأتي ذلك؟ أوضح سبحانه: أريد مجتمعاً قوياً، وإياكم أن يضيع فيه اليتيم. وبعد ذلك ما دمت أريد استدامة هذا الاستخلاف فليأخذ الأيتام نصيباً، وتكلم - سبحانه - عن التركة، ثم تكلم عن السفهاء غير المؤتمنين على مالهم، وبعد ذلك تكلم عن كيفية الزواج.

إذن فكل هذه العملية ليبني لنا نظام حياة متكاملاً؛ لأن الخلافة في الأرض تقتضي دوام هذه الخلافة بالتكاثر، والتكاثر لا يؤدي مراده إلا إذا كان تكاثر أقوياء، أما تكاثر الضعاف فهو لا ينفع. فإن كان فيكم يتيم لا بدأن تلاحظوه، وإن كان فيكم سفيه لا يستطيع أن يدبر ماله فدبروا أنتم له ماله، واجتهدوا لتتركوا من حركة حياتكم للناس الذين سيأتون بعدكم إلى أن تقوى نفوسهم على الحركة. وأوضح سبحانه منهاج الميراث، وأمر سبحانه: أن تزاوجوا، لكن للتزاوج شروطه وقد أوضحها، ثم أعطانا المنهج العام: { وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } ، ووضح هذه الأحكام كلها.

وبعد ذلك ما الحكمة في أنه - سبحانه - يرجع بنا مرة ثانية لليهود؟ الحق سبحانه وتعالى يوفي الأحكام، وإلقاء الأحكام شيء وحمل النفس على مراد الله في الأحكام شيء آخر، فيوضح لنا: أن هناك ناساً ستعلم الحكم لكنها لا تقدر أن تحمل نفسها عليه، فإياكم أن تكونوا كذلك. واعلموا أن هناك أناساً عندهم نصيب من الكتاب أيضاً، ويعلمون مثلكم تماماً، إنما اشتروا الضلالة، إذن فهو شَرَح لنا؛ إنّه الواقع الملموس ولا يأتينا - سبحانه - بكلام خبري أو إنشائي، قد تقول: يحدث أو لا يحدث، إنّه يأتيك بأحداث من واقع الكون، وينبهنا: إياكم أن تكونوا مثلهم، فقال: { مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } والتحريف: أنك تأتي باللفظ الذي يحتمل معنيين: معنى خير، ومعنى شرّ، ولكنك تريد منه الشرّ، مثل الذي يقول: " السام عليكم " - والعياذ بالله - " هي في ظاهرها أنه يقول: السلام عليكم، لكنه يقول: السام. يعني " الموت " ، إذن ففي اللفظ ما يُلحظ مَلحظً الخير، ولكن العدو يميله إلى الشرّ.

ومثل هذا ما قالوه للنبي: " قالوا راعنا " وهي من المراعاة، لكنهم كانوا يأخذونها من الرعونة، فيأتي الأمر: اترك الكلمة التي تحتمل المعنيين. واقطع الطريق على الكلمة التي تحتمل التوجهين؛ لأن المتكلم، قد يريد بها خيراً وقد يريد بها شرّاً، فمعنى تحريف الكلام أي أن الكلام يحتمل كذا ويحتمل كذا.والمثال على ذلك: الرجل الذي ذهب لخياط ليخيط له قَباء - وكان الخياط كريم العين - أي له عين واحدة - فلم يُعجب الرجُل بِخياطة القَباء فقال: والله ما دمتُ أفتضح بهذا الثوب الذي خاطه لي أمام الناس فلا بد أن أقول فيه شعراً يفضحه في الناس، فقال:
خاط لي عمرو قَباء   ليت عينيه سواء
فقوله: ليت عينيه سواء يظهر ماذا؟. هل يا ترى يتمنى له أن تكون عينه المريضة مثل السليمة؟ أو يتمنى أن تكون العين السليمة مثل المريضة؟ إذن فالكلام يحتمل الخير والشر، ومثلما حكوا لنا أن واحداً من الولاة طلب من الخطيب أن يسب سيدنا عليّاً - كرم الله وجهه وآله - وأن يلعنهم على المنبر.

فقال الخطيب: اعفني.

فقال الوالي: لا، عزمت عليك إلاَّ فعلت.

فقال له الخطيب: إن كنت عزمت على إلاّ فعلتُ، فسأصعد المنبر وأقول: طلب مني فلان أن أسب عليّاً فقولوا معي يلعنه الله.

فقال له: لا تقل شيئاً. فقد فهم الوالي مقصد الخطيب وقدرته على استعمال الكلام على معنيين.

والحق يقول: { مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ }. وأريد أن تنتبهوا إلى أن أسلوب القرآن يأتي في بعض المواقع بألفاظ واحدة، ولكنه يعدل عن عبارة إلى عبارة، فيخيل لأصحاب النظر السطحية أن الأمر تكرار، ولكنه ليس كذلك، مثلما يقول مرة: { يشترون الضلالة بالهدى } ومرة لا يأتي بالهدى كثمن للضلالة ويقول: { يَشْتَرُونَ ٱلضَّلاَلَةَ } ، ولم يلتفتوا إلى أن هدى الفطرة مطموس عندهم هنا، ومثال آخر هو قول الحق:
{  يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ }
[المائدة: 41].

وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: { يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } ، فكأن المسألة لها أصل عندهم، فالكلام المنزل من الله وضع - أولا - وضعه الحقيقي ثم أزالوه وبدَّلوه ووضعوا مكانه كلاما غيره مثل تحريفهم الرجم بوضعهم الحد مكانه.

أما قوله: { مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } فتفيد أنهم رفعوا الكلام المقدس من موضعه الحق ووضعوه موضع الباطل، بالتأويل والتحريف حسب أهوائهم بما اقتضته شهواتهم، فكأنه كانت له مواضع. وهو جدير بها، فحين حرفوه تركوه كالغريب المنقطع الذي لا موضع له، فمرة يبدلون كلام الله بكلام من عندهم، ومرة أخرى يحرفون كلام الله بتأويله حسب أهوائهم.

{ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا }. فهم يقولون قولاً مسموعاً " سمعنا " ثم يقولون في أنفسهم " إنّا عصينا ". فقولهم: " سمعنا وعصينا " ففي نيتهم " عصينا " ، إذن فقولهم " سمعنا " يعني سماع أذن فقط. إنما " عصينا " فهي تعني: عصيان التكليف، وهم قالوا بالفعل سمعنا جهرا وقالوا عصينا سِرّاً أو هم قالوا: سمعنا، وهم يضمرون المعصية، " واسمع غير مسمع " ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يُسْمِعُكم، بدليل أنكم قلتم: سمعنا، فماذا تريدون بقولكم: اسمع؟ هل تطلبون أن يسمع منكم لأنه يقول كلاماً لا يعجبكم وستردون عليه، أو أنتم تريدون استخدام كلمة تحتمل وجوهاً فتقلبونها إلى معانٍ لا تليق، مثل قولكم: " غير مُسْمع " ما يسرّك، أو " غير مسمع " أي لا سمعت؛ لأنهم يتمنون له - معاذ الله - الصمم، وقد تكون سباباً من قولهم: أسمع فلان فلاناً إذا سبّه وشتمه، فالكلام محتمل.{ وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } لم يقولوا: " راعنا " من الرعاية بل من الرعونة، فقال: لا. اتركوا هذا اللفظ؛ لأنهم سيأخذون منه كلمة يريدون منها الإساءة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و " اللي ": هو فتل الشيء، والفتل: توجيه شقي الحبل الذي تفتله عن الاستقامة، وهذا الفتل يعطيه القوة، وهم يعملون هذه العمليات لماذا؟ لأنهم يفهمون أنها تعطي قوة لهم.

{ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ } ، وما داموا يلوون الكلام عن الاستقامة فهم يريدون شرّاً، لأن الدين جاء استقامة، فساعة يلويه أحد فماذا يرد؟.. إنه يريد { وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ } ، { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا } ، وبدلاً من إضمار المعصية يقولون: { وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا } بدلاً من " راعنا " ، فـ " انظرنا " لا تحتمل معنى سيئاً.

إذن فمعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبر أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خصومه يأتون بالألفاظ محتملة لذم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك يوضح: احذروا أن تقولوا الألفاظ التي يقولونها؛ لأنهم يريدون فيها جانب الشر وعليكم أن تبتعدوا عن الألفاظ التي يمكن أن تحول إلى شرّ. فلو قالوا سمعنا وأطعنا { وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن } ، وساعة تسمع كلمة " لكن " فلتعلم أن الأمر جاء على خلاف ما يريده المشرع؛ لأنه يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ } ، لكنهم لم يقولوا، إذن فالأمر جاء على خلاف مراد المشرع.

{ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } و " اللعن " هو: الطرد والإبعاد، فهل تجنىَّ الله عليهم في لعنهم وطردهم؟ لا. هو لم يلعنهم إلا بسبب كفرهم، إذن فلا يقولن أحد: لماذا لعنهم الله وطردهم وما ذنبهم؟ نقول: لا. هو سبحانه لعنهم بسبب كفرهم، إذن فالذي سبق هو كفرهم، وجاء اللعن والطرد نتيجة للكفر.

{ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }. وساعة تسمع نفي حدث " لا يؤمنون " ثم يأتي استثناء " إلا " ، فهو يثبت بعض الحدث، تقول مثلاً لا يأكل إلا قليلاً، كلمة " لا يأكل " نفت الأكل، " وإلا قليلاً " أثبتت بعض الأكل، فهو سبحانه يقول: { فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }. والإيمان حدث يقتضي محدثاً هو: من آمن، إذن، فعندي حدث وفاعل الحدث، فساعة تسمع استثناء تقول: هذا الاستثناء صالح أن يكون للحدث، وصالح أن يكون لفاعل الحدث، كلمة { فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } تعني: فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً؛ لأنهم يؤمنون قليلاً بالصلاة، وبأنهم لا يعملون يوم السبت، أما بقية مطلوبات الإيمان فليست في بالهم ولا يؤدونها، أو فلا يؤمنون إلا قليلاً فقد يكون بعض منهم هو الذي يؤمن، وهذا صحيح عندما نقوله؛ لأن بعضا منهم آمن بالفعل، ونجد أيضاً أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فيكون إيمانهم قليلاً بالحدث نفسه.وهناك أناس منهم بعدما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتُلى القرآن ورأوا صورته فوجدوه مثلما وُصف عندهم تماما فآمنوا، ولكن هل آمن كل يهود، أو آمن قليل منهم؟ آمن قليل منهم مثل: عبد الله بن سَلاَم، وكعب الأحبار، إنما عبد الله بن صُورْيَا، وكعب بن أسد، وكعب بن الأشرف وغيرهم من اليهود فلم يؤمنوا.

إذن فإن أردت أن بعضاً " قليلاً منهم " هو الذي آمن فهذا صحيح، ويصح أيضاً أن الكافرين منهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وفي ذلك تعبير من الحق سبحانه وتعالى نسميه " صيانة الاحتمال "؛ لأن القرآن ساعة ينزل بمثل هذا القول فمن الجائز - وهذا ما حدث - أن هناك أناساً من اليهود يفكرون في أنهم يعلنون الإيمان برسول الله، فلو قال: " فلا يؤمنون " فقد لكان من الصعب عليهم أن يعلنون الإيمان - لكن عندما يقول: " إلا قليلاً " فالذي عنده فكرة عن الإيمان يعرف أن الذي يخبر هذا الإخبار عالم بدخائل النفوس، فصان بالاحتمال إعلان هؤلاء القلة للإيمان.

ويقول الحق بعد ذلك: { يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ... }.


www.alro7.net