سورة
اية:

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ

تفسير بن كثير

هذه بشارة من الملائكة لمريم عليها السلام، بأنه سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير، قال اللّه تعالى: { إذ قالت الملائكة يا مريم إن اللّه يبشرك بكلمة منه} أي بولد يكون وجوده بكلمة من اللّه، أي يقول له كن فيكون، وهذا تفسير قوله: { مصدقا بكلمة من اللّه} كما ذكره الجمهور على ما سبق بيانه { اسمه المسيح عيسى ابن مريم} أي يكون مشهوراً في الدنيا يعرفه المؤمنون بذلك، وسمي المسيح - قال بعض السلف - : لكثرة سياحته، وقيل: لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص لهما، وقيل: لأنه كان إذا مسح أحداً من ذوي العاهات برئ بإذن اللّه تعالى. وقوله تعالى: { عيسى ابن مريم} نسبة إلى أمه حيث لا أب له، { وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين} أي له وجاهة ومكانة عند اللّه في الدنيا بما يوحيه اللّه إليه من الشريعة، وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه اللّه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند اللّه فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله: { ويكلم الناس في المهد وكهلاً} أي يدعو إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي اللّه إليه: { ومن الصالحين} أي في قوله وعمله له علم صحيح وعمل صالح. وقال ابن أبي حاتم: عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاث، عيسى وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر) فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن اللّه عزّ وجلّ، قالت في مناجاتها: { أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} ؟ تقول: كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغياً حاش للّه!! فقال لها الملك عن اللّه عزّ وجلّ في جواب ذلك السؤال { كذلك اللّه يخلق ما يشاء} أي هكذا أمرُ اللّه عظيم، لا يعجزه شيء، وصرح ههنا بقوله: { يخلق ما يشاء} ، ولم يقل يفعل كما في قصة زكريا، بل نص ههنا على أنه يخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكد ذلك بقوله: { إذا قضى أمراً فإنما يقول له من فيكون} أي فلا يتأخر شيئاً، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة كقوله: و { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} أي إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعاً كلمح البصر.

تفسير الجلالين

اذكر { إذ قالت الملائكة } أي جبريل { يا مريم أن الله يبشرك بكلمة منه } أي ولد { اسمه المسيح عيسى بن مريم } خاطبها بنسبته إليها تنبيها على أنها تلده بلا أب إذ عادة الرجال نسبتهم إلى آبائهم { وجيها } ذا جاه { في الدنيا } بالنبوة { والآخرة } بالشفاعة والدرجات العُلا { ومن المقرَّبين } عند الله .

تفسير القرطبي

دليل على نبوتها كما تقدم. { وإذ} متعلقة بـ { يختصمون} . ويجوز أن تكون متعلقة بقوله { وما كنت لديهم} . { بكلمة منه} وقرأ أبو السمان { بكلمة منه} ، وقد تقدم. { اسمه المسيح} ولم يقل اسمها لأن معنى كلمة معنى ولد. والمسيح لقب لعيسى ومعناه الصديق؛ قاله إبراهيم النخعي. وهو فيما يقال معرب وأصله الشين وهو مشترك. وقال ابن فارس : والمسيح العرق، والمسيح الصديق، والمسيح الدرهم الأطلس لا نقش فيه والمَسْح الجماع؛ يقال مسحها. والأمسح : المكان الأملس. والمسحاء المرأة الرسحاء التي لا أست لها. وبفلان مسحة من جمال. والمسائح قسي جياد، واحدتها مسيحة. قال : لها مسائح زور في مراكضها ** لين وليس بها وهن ولا رقق واختلف في المسيح ابن مريم مماذا أخذ؛ فقيل : لأنه مسح الأرض، أي ذهب فيها فلم يستكن بكن. وروي عن ابن عباس أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء؛ فكأنه سمي مسيحا لذلك، فهو على هذا فعيل بمعنى فاعل. وقيل : لأنه ممسوح بدهن البركة، كانت الأنبياء تمسح به، طيب الرائحة؛ فإذا مسح به علم أنه نبي. وقيل : لأنه كان ممسوح الأخمصين. وقيل : لأن الجمال مسحه، أي أصابه وظهر عليه. وقيل : إنما سمي بذلك لأنه مسح بالطهر من الذنوب. وقال أبو الهيثم : المسيح ضد المسيخ؛ يقال : مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا مباركا، ومسخه أي خلقه خلقا ملعونا قبيحا. وقال ابن الأعرابي : المسيح الصِّدِّيق، والمسيخ الأعور، وبه سمي الدجال. وقال أبو عبيد : المسيح أصله بالعبرانية مشيحا بالشين فعرب كما عرب موشى بموسى. وأما الدجال فسمي مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين. وقد قيل في الدجال مسيح بكسر الميم وشد السين. وبعضهم يقول كذلك بالخاء المنقوطة. وبعضهم يقول مسيخ بفتح الميم وبالخاء والتخفيف؛ والأول أشهر وعليه الأكثر. سمي به لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس؛ فهو فعيل بمعنى فاعل، فالدجال يمسح الأرض محنة، وابن مريم يمسحها منحة. وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول. وقال الشاعر : إن المسيح يقتل المسيخا ** وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة) الحديث. ووقع في حديث عبدالله بن عمرو (إلا الكعبة وبيت المقدس) ذكره أبو جعفر الطبري. وزاد أبو جعفر الطحاوي (ومسجد الطور)؛ رواه من حديث جنادة بن أبي أمية عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم (وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس). وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم : (فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طَرْفه فيطلبه حتى يدركه بباب لُد فيقتله) الحديث بطوله. وقد قيل : إن المسيح اسم لعيسى غير مشتق سماه الله به. فعلى هذا يكون عيسى بدلا من المسيح من البدل الذي هو هو. وعيسى اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف وإن جعلته عربيا لم ينصرف في معرفة ولا نكرة؛ لأن فيه ألف تأنيث. ويكون مشتقا من عاسه يُعوسه إذا ساسه وقام عليه. { وجيها} أي شريفا ذا جاه وقدر وانتصب على الحال؛ قاله الأخفش. { ومن المقربين} عند الله تعالى وهو معطوف على { وجيها} أي ومقربا؛ قاله الأخفش. وجمع وجيه وجهاء ووجهاء. { ويكلم الناس} عطف على { وجيها} قاله الأخفش أيضا. و { المهد} مضجع الصبي في رضاعه. ومهدت الأمر هيأته ووطأته. وفي التنزيل { فلأنفسهم يمهدون} [الروم : 44]. وامتهد الشيء ارتفع كما يمتهد سنام البعير. { وكهلا} الكهل بين حال الغلومة وحال الشيخوخة. وامرأة كهلة. واكتهلت الروضة إذا عمها النور. يقول : يكلم الناس في المهد آية، ويكلمهم كهلا بالوحي والرسالة. وقال أبو العباس : كلمهم في المهد حين برأ أمه فقال { إني عبد الله} الآية [مريم : 30] . وأما كلامه وهو كهل فإذا أنزله الله تعالى من السماء أنزله على صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم { إني عبد الله} كما قال في المهد. فهاتان آيتان وحجتان. قال المهدوي : وفائدة الآية أنه أعلمهم أن عيسى عليه السلام يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلا، إذ كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش. قال الزجاج { وكهلا} بمعنى ويكلم الناس كهلا. وقال الفراء والأخفش : هو معطوف على { وجيها} . وقيل : المعنى ويكلم الناس صغيرا وكهلا. وروى ابن جريح عن مجاهد قال : الكهل الحليم. قال النحاس : هذا لا يعرف في اللغة، وإنما الكهل عند أهل اللغة من ناهز الأربعين. وقال بعضهم : يقال له حدث إلى ست عشرة سنة. ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين. ثم يكتهل في ثلاث وثلاثين؛ قاله الأخفش. { ومن الصالحين} عطف على { وجيها} أي وهو من العباد الصالحين. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدالله بن إدريس عن حصين عن هلال بن يساف. قال : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى وصاحب يوسف وصاحب جريج، كذا قال "وصاحب يوسف". وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لم يتكلم في المد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وصاحب الجبار وبيْنا صبي يرضع من أمه) وذكر الحديث بطوله. وقد جاء من حديث صهيب في قصة الأخدود (أن امرأة جيء بها لتلقى في النار على إيمانها ومعها صبي). في غير كتاب مسلم (يرضع فتقاعست أن تقع فيها فقال الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق). وقال الضحاك : تكلم في المهد ستة : شاهد يوسف وصبي ماشطة امرأة فرعون وعيسى ويحيى وصاحب جريج وصاحب الجبار. ولم يذكر الأخدود، فأسقط صاحب الأخدود وبه يكون المتكلمون سبعة. ولا معارضة بين هذا وبين قوله عليه السلام : (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة) بالحصر فإنه أخبر بما كان في علمه مما أوحى إليه في تلك الحال، ثم بعد هذا أعلمه الله تعالى بما شاء من ذلك فأخبر به. قلت : أما صاحب يوسف فيأتي الكلام فيه، وأما صاحب جريج وصاحب الجبار وصاحب الأخدود ففي صحيح مسلم. وستأتي قصة الأخدود في سورة "البروج" إن شاء الله تعالى. وأما صبي ماشطة امرأة فرعون، فذكر البيهقي عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لما أسري بي سرت في رائحة طيبة فقلت ما هذه الرائحة قالوا ماشطة ابنة فرعون وأولادها سقط مشطها من يديها فقالت : بسم الله فقالت ابنة فرعون : أبي؟ قالت : ربي وربك ورب أبيك. قالت : أوَلكِ رب غير أبي؟ قالت : نعم ربي وربك ورب أبيك الله - قال - فدعاها فرعون فقال : ألك رب غيري؟ قالت : نعم ربي وربك الله - قال - فأمر بنقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها لتلقى فيها قالت : إن لي إليك حاجة قال : ما هي؟ قالت : تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع واحد قال : ذاك لك لما لك علينا من الحق. فأمر بهم فألقوا واحدا بعد واحد حتى بلغ رضيعا فيهم فقال قعي يا أمه ولا تقاعسي فإنا على الحق - قال - وتكلم أربعة وهم صغار : هذا وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 37 - 46

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لقد كانت المرحلة الأولى بالنسبة لإعداد مريم هي قوله الحق على لسانها: { إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }. وبذاك تعرفت على طلاقة قدرة الله، والمرحلة الثانية هي سماعها لحكاية زكريا ويحيى وتأكيد الحق لها أنه اصطفاها على نساء العالمين، وفي ذلك أمر يتعلق بالنساء، وكان ذلك إيناساً من الحق لها، وتدخل مريم إلى مرحلة جديدة.

{ إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ } [آل عمران: 45].

والبشارة لا تكون إلا بخبر عظيم مفرح، وقد يتساءل البعض؟ ماذا يقصد الحق بقوله: { بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ }؟ والإجابة هي: أن الحق سبحانه وتعالى يزاول سلطانه في ملكه بالكلمة، لا بالعلاج، فالحق سبحانه علمنا ذلك بقوله:
{  ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
[آل عمران: 47].

وهذا القول هو مجرد إيضاح لنا وتقريب لأنه لا يوجد عندنا أقصر في الأمر من كلمة " كن " إن قدرته قادرة بطلاقتها أن تسبق نطقنا بالكاف وهي الحرف الأول من " كن " ، ولكن الحق يوضح لنا بأقصر أمر على طريقة البشر، إن الحق سبحانه وتعالى إذا أراد أمرا فإنه يقول له كن فيكون، وذلك إيضاح أن مجرد الإرادة الإلهية لأمر ما تجعله ينشأ على الفور، و " كن " هي مجرد إظهار الأمر للخلق، هكذا نفهم معنى بشارة الحق لمريم بـ { بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ } ويقول الحق: { ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ }. إنها ثلاثة أسماء، " المسيح " ، " عيسى " ، " ابن مريم ".

ما معنى المسيح؟ قد يكون المسموح من الذنوب، أو أن تكون من آياته أن يمسح على المريض فيبرأ، أو المسيح المبارك.. أما عيسى. فهذا هو الاسم، والمسيح هو اللقب، وابن مريم هي الكنية.. ونحن نعرف أن العََلمَ في اللغة العربية يأتي على ثلاثة أنواع: اسم أو لقب أو كنية. وابن مالك يقول: " واسما أتى وكنية ولقبا " إن العَلَم على الشخص له ثلاث حالات. إما اسم وهو ما يطلق على المسمى أولا. والاسم الثاني الذي أطلقناه عليه. إن كان يشعر برفعة صاحبه أو بضِعَته نسميه لقبا. أما ما كان فيه أب أو أم فيقال له: " كنية " وجاءت الثلاثة في عيسى { ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ }.

" المسيح " هو اللقب، " عيسى " هو الاسم " و " ابن مريم " وهو الكنية. ومجيء عيسى باللقب والاسم والكنية ستكون لها حكمة تظهر لنا من بعد ذلك. ويقول عنه الحق: { وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ }.

ونحن في حياتنا نستعمل كلمة فلان وجيه من وجهاء القوم، والوجيه هو الذي لا يرده مسئول للكرامة في وجهه، ونحن نسمع في حياتنا اليومية.فلان لا يصح أن نسبب له الخجل برفض أي طلب له. وكما يقول العامة: (هو الوجه ده حد يكسفه) إذن فالوجيه هو الذي يأخذ سمة وتميزا بحيث يستحي الناس أن يردوه إذا كان طالبا، وهناك إنسان آخر قد يسألك أو يسأل الناس، فلا يبالي به أحد، إنه يريق ماء وجهه وتنتهي المسألة.

إذن فقوله الحق في وصف عيسى بن مريم: { وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } أي أن أحدا لا يرده إن سأله. لكرم وجهه، فالإنسان يخجل أن يرد صاحب مثل هذه الكرامة، لذلك نجد أن السائل قد يقول: أعطني لوجه الله. أي أنه يقول لك: لا تنظر إلى وجهي، ولكن انظر إلى وجه الله؛ لأن الله هو الذي جاء بي إلى الدنيا وخلقني، وما دام قد جاء بي الخالق إلى الدنيا فهو المتكفل برزقي، فأنت حينما تعين على رزق من استدعاه الله إلى الوجود تكون قد أعطيت لوجه الله، إنه الخالق الذي يرزق كل مخلوق له حتى الكافر.

إذن فعطاء الإنسان للسائل ليس عطاء لوجه السائل، ولكنه عطاء لوجه الله. والحق يقول عن عيسى بن مريم: { وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } وعرفنا كيف يكون الإنسان وجيها في الدنيا، فلماذا نص الحق على وجاهة عيسى في الآخرة؟ وخصوصا أن كل وجوه المؤمنين ستكون ناضرة، لقد نص الحق على وجاهة عيسى في الآخرة لأنه سوف يُسأل سؤالا يتعلق بالقمة الإيمانية:
{  وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ }
[المائدة: 116].

إياك أن تظن أن هذا السؤال هو تقريع من الله لعيسى بن مريم. لا إن الحق يريد أن يقرّع من قالوا هذا الكلام. ولذلك يقول عنه الحق:
{  وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً }
[مريم: 33].

لأن ميلاده كان له ضجة، وبعض بني إسرائيل اتهموا والعياذ بالله أمه مريم البتول، و " يوم الممات " ، كلنا نعرف حكاية الصلب وكان لها ضجة. إنه لم يصلب ولكن صلب من خانه ووشي به فألقى الله شبه عيسى عليه فقتلوه. ويوم البعث حيا يوم يسأله الله:
{  أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ }
[المائدة: 116].

إنه عيسى ابن مريم الذي أنعم الله عليه بالسلام في هذه المواقف الثلاثة. ويتابع الحق فيصف عيسى ابن مريم بقوله: { وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } إن كلمة " من المقربين " تدل على تعالى الحق في عظمته، فحين يفتن بعض البشر في واحد منهم قد يغضب بعضهم من الشخص الذي فتن الآخرون فيه مع أنه ليس له ذنب في ذلك.

والحق سبحانه يعلمنا أن للمغالي جزاءه ولكن المغالَى فيه تنجيه رحمة الغفار.

إن الحق يعلمنا أن فتنة بعض الناس بعيسى ابن مريم عليه السلام لا تؤثر في مكانة عيسى عليه السلام عند الحق، إنه مقرب من الله، ولا تؤثر فتنة الآخرين في مكانته عند الله، ويقول الحق: { وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ... }


www.alro7.net