سورة
اية:

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...} الآيات. [41-47].
حدَّثنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحِيرِيّ إملاء، قال: أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسي، قال: حدَّثنا محمد بن حماد الأَبيورْدِي، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن البَرَاء بن عَازب، قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيهودي مُحَمَّماً مجلوداً، فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم. قالوا: نعم، قال: فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أَنْشُدُكَ الله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتَني لم أخبرك، نجد حدّ الزاني في كتابنا الرّجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إِذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع؛ فاجتمعنا على التَّحْمِيمِ والجلد، مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فرجم. فأنزل الله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} إلى قوله: { إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} . يقولون: ائتوا محمداً، فإن أفتاكم بالتَّحْمِيمِ والجلد فخذوا به، وإِن أفتاكم بالرجم فاحْذروا. إلى قوله تعالى: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} قال: في اليهود. إلى قوله: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} قال: في النصارى. إلى قوله: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} . قال: في الكفار كُلُّهَا.
رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية.
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق، قال: أخبرنا أبو الهيثم أحمد بن محمد بن غَوْث الكندي، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحَضْرَمِيّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَة، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعْمَش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن البَرَاء بن عَازِب، عن النبي صلى لله عليه وسلم:
أنه رجم يهودياً ويهودية ثم قال: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} ، { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} ، { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} ، قال نزلت كلها في الكفار.
رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة.


{ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ }


قوله تعالى: { إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ...} . [44].
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الفارسي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرّزاق، قال: حدَّثنا مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، قال: حدَّثني رجل من مُزَيْنَةَ، ونحن عند سعيد بن المُسَيِّب، عن أبي هريرة، قال:
زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي مبعوث للتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فُتْيا نبي من أنبيائك! فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد مع أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة زنيا؟ فلم يكلمهم حتى أتى بيت مِدْرَاسِهِمْ فقام على الباب فقال: أنشدُكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تَجِدُونَ في التوراة على مَنْ زنى إذا أُحْصِن؟ قالوا يُحَمَّمُ [وجهه] ويُجبَّهُ ويجلد - والتَّجْبِيهُ: أن يحمل الزانيان على حمار وتقَابَلَ أقفيتهما ويطاف بهما - قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت، أَلَظَّ به في النِّشْدَة، فقال: اللهم إذ أنْشَدْتَنا، فإنا نَجِدُ في التوراة الرَّجْم. فقال النبي عليه السلام. فما أول ما أرخصتم أمر الله عز وجل؟ قال: زنى رجل ذو قرابة مِنْ ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في أسْرَةٍ من الناس، فأراد رجمه فحال قومه دونه فقالوا: لا ترجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرجما.
قال الزُّهْرِي: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: { إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} . فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم.
قال مَعْمَر: أخبرني الزُّهْرِي، عن سالم، عن ابن عمر، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر برجمهما، فلما رُجِما رأيته يَجْنَأُ بيده عنها ليقيها الحجارة.

تفسير بن كثير

نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة اللّه ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع اللّه عزَّ وجلَّ { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} ، أي أظهروا بألسنتهم وقلوبهم خراب خاوية منه وهؤلاء هم المنافقون، { ومن الذين هادوا} أعداء الإسلام وأهله وهؤلاء كلهم { سماعون للكذب} أي مستجيبون له منفعلون عنه، { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} أي يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد، وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام وينهونه إلى قوم آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك، { يحرفون الكلم من بعد مواضعه} أي يتأولونه على غير تأويله ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} قيل: نزلت في قوم من اليهود قتلوا قتيلاً، وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن حكم بالدية فاقبلوه، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه. والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب اللّه الذي بأيديهم، من الأمر برجم من أحصن منهم، فحرفوه، واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم التحميم: صبغ الوجه بالسواد والإركاب على حمار مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم، فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين اللّه، يكون نبي من أنبياء اللّه قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك. وقد وردت الأحاديث بذلك، فقال مالك عن نافع عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما: أن اليهود جاءوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً منهم وأمرأة زنيا، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم: فقالو: نفضحهم ويجلدون، قال عبد اللّه بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد اللّه بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة. أخرجاه، وهذا لفظ البخاري، وعند مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى جاء يهود فقال: (ما تجدون في التوراة على من زنى؟) قالوا: نسود وجوههما ونحممها ونحملهما، ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما قال: { فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} قال فجاءوا بها فقرأوها، حتى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها. فقال له عبد اللّه بن سلام وهو مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مره فليرفع يده فرفع يده فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرجما. قال عبد اللّه بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه. عن البراء بن عازب قال: مر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يهودي محمّم مجلود، فدعاهم، فقال: (أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) فقالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: (أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) فقال: لا واللّه، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا: الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه)، قال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} إلى قوله { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه} أي يقولون: ائتوا محمداً فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذورا إلى قوله { ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال في اليهود، إلى قوله { ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظالمون} قال في اليهود، { ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} قال: في الكفار كلها، انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري. فهذه الأحاديث دالة على أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من اللّه عزَّ وجّل إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطئوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة. فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه، بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول صلى اللّه عليه وسلم، إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم لا لإعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا: { إن أوتيتم هذا} أي الجلد والتحميم فخذوه أي اقبلوه { وإن لم تؤتوه فاحذروا} أي من قبوله واتباعه. قال اللّه تعالى: { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب} أي الباطل { أكالون للسحت} أي الحرام وهو الرشوة كما قاله ابن مسعود وغير واحد، أي ومن كانت هذه صفته كيف يطهر اللّه قلبه وأنى يستجيب له؟ ثم قال لنبيه: { فإن جاؤوك} أي يتحاكمون إليك { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا} أي فلا عليك أن لا تحكم بينهم، لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغير واحد هي منسوخة بقوله: { وأن احكم بينهم بما أنزل اللّه} ، { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} أي بالحق والعدل، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل { إن الله يحب المقسطين} . ثم قال تعالى منكراً عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبداً، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم، فقال: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم اللّه ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال: { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلمو للذين هادوا} أي لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها، { والربانيون والأحبار} أي وكذلك الربانيون منهم وهم العلماء والعبّاد، والأحبار وهم العلماء { بما استحفظوا من كتاب اللّه} أي بما استودعوا من كتاب اللّه الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به { وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشوني} أي لا تخافوا منهم وخافوا مني { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} فيه قولان سيأت بيانهما. سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات قال أبو جعفر بن جرير، عن عكرمة عن ابن عباس: إن الآيات التي في المائدة قوله: { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم - إلى المقسطين} إنما أنزلت في الدية في بني النضير و بني قريظة وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف تؤدي الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يؤدى لهم نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه ذلك فيهم، فحملهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء، واللّه أعلم أي ذلك كان، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي، ثم قال ابن جرير، عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير، وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل القريظي رجلاً من النضير قتل به، وإذا قتل النضيري رجلاً من قريظة ودي بمائة وسق من تمر، فلما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة فقالوا: ادفعوه إليه فقالوا: بيننا وبينكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فنزلت: { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} ورواه أبو داود والنسائي، وابن حبان، والحاكم في المستدرك. وقد روى العوفي عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، كما تقدمت الأحاديث بذلك. وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد فنزلت هذه الآيات، في ذلك كله، واللّه أعلم. ولهذا قال بعد ذلك: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين} إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص، واللّه سبحانه وتعالى أعلم. وقوله تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال البراء عازب، وابن عباس، والحسن البصري، وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب. زاد الحسن البصري: وهي علينا واجبة، وقال عبد الرزاق عن إبراهيم، قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي اللّه لهذه الأمة بها، وقال السدي { ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} يقول: من لم يحكم بما أنزلت فتركه عمداً، أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين. وقال ابن عباس قوله { ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: من جحد ما أنزل اللّه فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. رواه ابن جرير، ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم اللّه المنزل في الكتاب. وقال ابن جرير عن الشعبي { ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: هذا في المسلمين، { ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظالمون} قال: هذا في اليهود { ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون} قال: هذا في النصارى، وقال الثوري عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق وقال وكيع عن طاووس { ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون} قال: ليس بكفر ينقل عن الملة.

تفسير الجلالين

{ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى } من الضلالة { ونورٌ } بيان للأحكام { يحكم بها النبيون } من بني إسرائيل { الذين أسلموا } انقادوا لله { للذين هادوا والربانيون } العلماء منهم { والأحبار } الفقهاء { بما } أي بسبب الذي { استحفظوا } استودعوه أي استحفظهم الله إياه { من كتاب الله } أن يبدلوه { وكانوا عليه شهداء } أنه حق { فلا تخشوا الناس } أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والرجم وغيرها { واخشوْن } في كتمانه { ولا تشتروا } تستبدلوا { بآياتي ثمنا قليلا } من الدنيا تأخذونه على كتمانها { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } به .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدًى وَنُور يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا بَيَان مَا سَأَلَك هَؤُلَاءِ الْيَهُود عَنْهُ مِنْ حُكْم الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ , { وَنُور } يَقُول : وَفِيهَا جَلَاء مَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ وَضِيَاء مَا اِلْتَبَسَ مِنْ الْحُكْم . { يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } يَقُول : يَحْكُم بِحُكْمِ التَّوْرَاة فِي ذَلِكَ : أَيْ فِيمَا اِحْتَكَمُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ مِنْ أَمْر الزَّانِيَيْنِ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا , وَهُمْ الَّذِينَ أَذْعَنُوا لِحُكْمِ اللَّه وَأَقَرُّوا بِهِ . وَإِنَّمَا عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ نَبِيّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُكْمه عَلَى الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ مِنْ الْيَهُود بِالرَّجْمِ , وَفِي تَسْوِيَته بَيْن دَم قَتْلَى النَّضِير وَقُرَيْظَة فِي الْقِصَاص وَالدِّيَة , وَمَنْ قَبْل مُحَمَّد مِنْ الْأَنْبِيَاء يَحْكُم بِمَا فِيهَا مِنْ حُكْم اللَّه . كَمَا : 9385 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدًى وَنُور يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9386 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة : " نَحْنُ نَحْكُم عَلَى الْيَهُود وَعَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْل الْأَدْيَان " . 9387 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : ثنا رَجُل مِنْ مُزَيْنَة وَنَحْنُ عِنْد سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : زَنَى رَجُل مِنْ الْيَهُود بِامْرَأَةٍ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : اِذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيّ فَإِنَّهُ نَبِيّ بُعِثَ بِتَخْفِيفٍ , فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُون الرَّجْم قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْد اللَّه وَقُلْنَا : فُتْيَا نَبِيّ مِنْ أَنْبِيَائِك ! قَالَ : فَأَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِس فِي الْمَسْجِد فِي أَصْحَابه , فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِم مَا تَقُول فِي رَجُل وَامْرَأَة مِنْهُمْ زَنَيَا ؟ فَلَمْ يُكَلِّمهُمْ كَلِمَة , حَتَّى أَتَى بَيْت الْمِدْرَاس , فَقَامَ عَلَى الْبَاب , فَقَالَ : " أَنْشُدكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة عَلَى مُوسَى ! مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ؟ " قَالُوا : يُحَمَّم وَيُجَبَّه وَيُجْلَد - وَالتَّجْبِيه : أَنْ يُحْمَل الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَار تُقَابَل أَقْفِيَتهمَا , وَيُطَاف بِهِمَا - وَسَكَتَ شَابّ , فَلَمَّا رَآهُ سَكَتَ أَلَظَّ بِهِ النِّشْدَة , فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنَا , فَإِنَّا نَجِد فِي التَّوْرَاة الرَّجْم . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَمَا أَوَّل مَا اِرْتَخَصَ أَمْر اللَّه ؟ " قَالَ : زَنَى رَجُل ذُو قَرَابَة مِنْ مَلِك مِنْ مُلُوكنَا فَأَخَّرَ عَنْهُ الرَّجْم , ثُمَّ زَنَى رَجُل فِي أُسْرَة مِنْ النَّاس , فَأَرَادَ رَجْمه , فَحَالَ قَوْمه دُونه , وَقَالُوا : لَا تَرْجُم صَاحِبنَا حَتَّى تَجِيء بِصَاحِبِك فَتَرْجُمهُ , فَاصْطَلَحُوا عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَة بَيْنهمْ . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِنِّي أَحْكُم بِمَا فِي التَّوْرَاة " . فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا . قَالَ الزُّهْرِيّ : فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِيهِمْ { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدًى وَنُور يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ . 9388 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ قَبْله مِنْ الْأَنْبِيَاء يَحْكُمُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْحَقّ . 9389 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . { لِلَّذِينَ هَادُوا } يَعْنِي الْيَهُود , فَاحْكُمْ بَيْنهمْ وَلَا تَخْشَهُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدًى وَنُور يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا بَيَان مَا سَأَلَك هَؤُلَاءِ الْيَهُود عَنْهُ مِنْ حُكْم الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ , { وَنُور } يَقُول : وَفِيهَا جَلَاء مَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ وَضِيَاء مَا اِلْتَبَسَ مِنْ الْحُكْم . { يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } يَقُول : يَحْكُم بِحُكْمِ التَّوْرَاة فِي ذَلِكَ : أَيْ فِيمَا اِحْتَكَمُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ مِنْ أَمْر الزَّانِيَيْنِ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا , وَهُمْ الَّذِينَ أَذْعَنُوا لِحُكْمِ اللَّه وَأَقَرُّوا بِهِ . وَإِنَّمَا عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ نَبِيّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُكْمه عَلَى الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ مِنْ الْيَهُود بِالرَّجْمِ , وَفِي تَسْوِيَته بَيْن دَم قَتْلَى النَّضِير وَقُرَيْظَة فِي الْقِصَاص وَالدِّيَة , وَمَنْ قَبْل مُحَمَّد مِنْ الْأَنْبِيَاء يَحْكُم بِمَا فِيهَا مِنْ حُكْم اللَّه . كَمَا : 9385 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدًى وَنُور يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 9386 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة : " نَحْنُ نَحْكُم عَلَى الْيَهُود وَعَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْل الْأَدْيَان " . 9387 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : ثنا رَجُل مِنْ مُزَيْنَة وَنَحْنُ عِنْد سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : زَنَى رَجُل مِنْ الْيَهُود بِامْرَأَةٍ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : اِذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيّ فَإِنَّهُ نَبِيّ بُعِثَ بِتَخْفِيفٍ , فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُون الرَّجْم قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْد اللَّه وَقُلْنَا : فُتْيَا نَبِيّ مِنْ أَنْبِيَائِك ! قَالَ : فَأَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِس فِي الْمَسْجِد فِي أَصْحَابه , فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِم مَا تَقُول فِي رَجُل وَامْرَأَة مِنْهُمْ زَنَيَا ؟ فَلَمْ يُكَلِّمهُمْ كَلِمَة , حَتَّى أَتَى بَيْت الْمِدْرَاس , فَقَامَ عَلَى الْبَاب , فَقَالَ : " أَنْشُدكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة عَلَى مُوسَى ! مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ؟ " قَالُوا : يُحَمَّم وَيُجَبَّه وَيُجْلَد - وَالتَّجْبِيه : أَنْ يُحْمَل الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَار تُقَابَل أَقْفِيَتهمَا , وَيُطَاف بِهِمَا - وَسَكَتَ شَابّ , فَلَمَّا رَآهُ سَكَتَ أَلَظَّ بِهِ النِّشْدَة , فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنَا , فَإِنَّا نَجِد فِي التَّوْرَاة الرَّجْم . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَمَا أَوَّل مَا اِرْتَخَصَ أَمْر اللَّه ؟ " قَالَ : زَنَى رَجُل ذُو قَرَابَة مِنْ مَلِك مِنْ مُلُوكنَا فَأَخَّرَ عَنْهُ الرَّجْم , ثُمَّ زَنَى رَجُل فِي أُسْرَة مِنْ النَّاس , فَأَرَادَ رَجْمه , فَحَالَ قَوْمه دُونه , وَقَالُوا : لَا تَرْجُم صَاحِبنَا حَتَّى تَجِيء بِصَاحِبِك فَتَرْجُمهُ , فَاصْطَلَحُوا عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَة بَيْنهمْ . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِنِّي أَحْكُم بِمَا فِي التَّوْرَاة " . فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا . قَالَ الزُّهْرِيّ : فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِيهِمْ { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدًى وَنُور يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ . 9388 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ قَبْله مِنْ الْأَنْبِيَاء يَحْكُمُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْحَقّ . 9389 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . { لِلَّذِينَ هَادُوا } يَعْنِي الْيَهُود , فَاحْكُمْ بَيْنهمْ وَلَا تَخْشَهُمْ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَاب اللَّه وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيْحكُمْ بِالتَّوْرَاةِ وَأَحْكَامهَا الَّتِي أَنْزَلَ اللَّه فِيهَا فِي كُلّ زَمَان عَلَى مَا أَمَرَ بِالْحُكْمِ بِهِ فِيهَا مَعَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا , الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار . وَالرَّبَّانِيُّونَ : جَمْع رَبَّانِيّ , وَهُمْ الْعُلَمَاء الْحُكَمَاء , الْبُصَرَاء بِسِيَاسَةِ النَّاس وَتَدْبِير أُمُورهمْ وَالْقِيَام بِمَصَالِحِهِمْ . وَالْأَحْبَار : هُمْ الْعُلَمَاء . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّبَّانِيِّينَ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ , وَأَقْوَال أَهْل التَّأْوِيل فِيهِ . وَأَمَّا الْأَحْبَار : فَإِنَّهُمْ جَمْع حَبْر , وَهُوَ الْعَالِم الْمُحْكِم لِلشَّيْءِ , وَمِنْهُ قِيلَ لِكَعْبٍ : كَعْب الْأَحْبَار . وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : أَكْثَر مَا سَمِعْت الْعَرَب تَقُول فِي وَاحِد الْأَحْبَار : حِبْر بِكَسْرِ الْحَاء . وَكَانَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل يَقُول : عُنِيَ بِالرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَار فِي هَذَا الْمَوْضِع : اِبْنَا صُورِيَّا اللَّذَانِ أَقَرَّا لِرَسُولِ اللَّه بِحُكْمِ اللَّه تَعَالَى فِي التَّوْرَاة عَلَى الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9390 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَانَ رَجُلَانِ مِنْ الْيَهُود أَخَوَانِ يُقَال لَهُمَا اِبْنَا صُورِيَّا , وَقَدْ اِتَّبَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسْلِمَا , وَأَعْطَيَاهُ عَهْدًا أَنْ لَا يَسْأَلهُمَا عَنْ شَيْء فِي التَّوْرَاة إِلَّا أَخْبَرَاهُ بِهِ . وَكَانَ أَحَدهمَا رِبِّيًّا , وَالْآخَر حَبْرًا , وَإِنَّمَا اِتَّبَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَلَّمَانِ مِنْهُ . فَدَعَاهُمَا فَسَأَلَهُمَا , فَأَخْبَرَاهُ الْأَمْر كَيْفَ كَانَ حِين زَنَى الشَّرِيف وَزَنَى الْمِسْكِين , وَكَيْفَ غَيَّرُوهُ . فَأَنْزَلَ اللَّه : { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدًى وَنُور يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا } يَعْنِي : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار : هُمَا اِبْنَا صُورِيَّا . { لِلَّذِينَ هَادُوا } . ثُمَّ ذَكَرَ اِبْنَيْ صُورِيَّا , فَقَالَ : { وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَاب اللَّه وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء } . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي , أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَخْبَرَ أَنَّ التَّوْرَاة يَحْكُم بِهَا مُسْلِمُو الْأَنْبِيَاء لِلْيَهُودِ وَالرَّبَّانِيُّونَ مِنْ خَلْقه وَالْأَحْبَار . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون عُنِيَ بِذَلِكَ اِبْنَا صُورِيَّا وَغَيْرهمَا , غَيْر أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي ظَاهِر التَّنْزِيل مُسْلِمُو الْأَنْبِيَاء وَكُلّ رَبَّانِيّ وَحَبْر , وَلَا دَلَالَة فِي ظَاهِر التَّنْزِيل عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ خَاصّ مِنْ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَار , وَلَا قَامَتْ بِذَلِكَ حُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا , فَكُلّ رَبَّانِيّ وَحَبْر دَاخِل فِي الْآيَة بِظَاهِرِ التَّنْزِيل . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل الْأَحْبَار قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9391 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَة , عَنْ الضَّحَّاك : الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار : قُرَّاؤُهُمْ وَفُقَهَاؤُهُمْ . 9392 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حَفْص , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار : الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء . 9393 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : . الرَّبَّانِيُّونَ الْعُلَمَاء الْفُقَهَاء , وَهُمْ فَوْق الْأَحْبَار . 9394 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : الرَّبَّانِيُّونَ : فُقَهَاء الْيَهُود , وَالْأَحْبَار : عُلَمَاؤُهُمْ . 9395 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا سُنَيْد بْن دَاوُد , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة : { وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار } كُلّهمْ يَحْكُم بِمَا فِيهَا مِنْ الْحَقّ . 9396 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : الرَّبَّانِيُّونَ : . الْوُلَاة , وَالْأَحْبَار : الْعُلَمَاء . وَأَمَّا قَوْله : { بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَاب اللَّه } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : يَحْكُم النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بِحُكْمِ التَّوْرَاة , وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار - يَعْنِي الْعُلَمَاء - بِمَا اُسْتُوْدِعُوا عِلْمهُ مِنْ كِتَاب اللَّه الَّذِي هُوَ التَّوْرَاة . وَالْبَاء فِي قَوْله : { بِمَا اُسْتُحْفِظُوا } مِنْ صِلَة الْأَحْبَار . وَأَمَّا قَوْله : { وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء } فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَار بِمَا اسْتُودِعُوا مِنْ كِتَاب اللَّه يَحْكُمُونَ بِالتَّوْرَاةِ مَعَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا , وَكَانُوا عَلَى حُكْم النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا شُهَدَاء أَنَّهُمْ قَضَوْا عَلَيْهِمْ بِكِتَابِ اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيّه مُوسَى وَقَضَائِهِ عَلَيْهِمْ . كَمَا : 9397 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء } يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَار هُمْ الشُّهَدَاء لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ أَنَّهُ حَقّ جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه , فَهُوَ نَبِيّ اللَّه مُحَمَّد , أَتَتْهُ الْيَهُود فَقَضَى بَيْنهمْ بِالْحَقِّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَاب اللَّه وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيْحكُمْ بِالتَّوْرَاةِ وَأَحْكَامهَا الَّتِي أَنْزَلَ اللَّه فِيهَا فِي كُلّ زَمَان عَلَى مَا أَمَرَ بِالْحُكْمِ بِهِ فِيهَا مَعَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا , الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار . وَالرَّبَّانِيُّونَ : جَمْع رَبَّانِيّ , وَهُمْ الْعُلَمَاء الْحُكَمَاء , الْبُصَرَاء بِسِيَاسَةِ النَّاس وَتَدْبِير أُمُورهمْ وَالْقِيَام بِمَصَالِحِهِمْ . وَالْأَحْبَار : هُمْ الْعُلَمَاء . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّبَّانِيِّينَ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ , وَأَقْوَال أَهْل التَّأْوِيل فِيهِ . وَأَمَّا الْأَحْبَار : فَإِنَّهُمْ جَمْع حَبْر , وَهُوَ الْعَالِم الْمُحْكِم لِلشَّيْءِ , وَمِنْهُ قِيلَ لِكَعْبٍ : كَعْب الْأَحْبَار . وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : أَكْثَر مَا سَمِعْت الْعَرَب تَقُول فِي وَاحِد الْأَحْبَار : حِبْر بِكَسْرِ الْحَاء . وَكَانَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل يَقُول : عُنِيَ بِالرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَار فِي هَذَا الْمَوْضِع : اِبْنَا صُورِيَّا اللَّذَانِ أَقَرَّا لِرَسُولِ اللَّه بِحُكْمِ اللَّه تَعَالَى فِي التَّوْرَاة عَلَى الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9390 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَانَ رَجُلَانِ مِنْ الْيَهُود أَخَوَانِ يُقَال لَهُمَا اِبْنَا صُورِيَّا , وَقَدْ اِتَّبَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسْلِمَا , وَأَعْطَيَاهُ عَهْدًا أَنْ لَا يَسْأَلهُمَا عَنْ شَيْء فِي التَّوْرَاة إِلَّا أَخْبَرَاهُ بِهِ . وَكَانَ أَحَدهمَا رِبِّيًّا , وَالْآخَر حَبْرًا , وَإِنَّمَا اِتَّبَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَلَّمَانِ مِنْهُ . فَدَعَاهُمَا فَسَأَلَهُمَا , فَأَخْبَرَاهُ الْأَمْر كَيْفَ كَانَ حِين زَنَى الشَّرِيف وَزَنَى الْمِسْكِين , وَكَيْفَ غَيَّرُوهُ . فَأَنْزَلَ اللَّه : { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدًى وَنُور يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا } يَعْنِي : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار : هُمَا اِبْنَا صُورِيَّا . { لِلَّذِينَ هَادُوا } . ثُمَّ ذَكَرَ اِبْنَيْ صُورِيَّا , فَقَالَ : { وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَاب اللَّه وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء } . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي , أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَخْبَرَ أَنَّ التَّوْرَاة يَحْكُم بِهَا مُسْلِمُو الْأَنْبِيَاء لِلْيَهُودِ وَالرَّبَّانِيُّونَ مِنْ خَلْقه وَالْأَحْبَار . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون عُنِيَ بِذَلِكَ اِبْنَا صُورِيَّا وَغَيْرهمَا , غَيْر أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي ظَاهِر التَّنْزِيل مُسْلِمُو الْأَنْبِيَاء وَكُلّ رَبَّانِيّ وَحَبْر , وَلَا دَلَالَة فِي ظَاهِر التَّنْزِيل عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ خَاصّ مِنْ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَار , وَلَا قَامَتْ بِذَلِكَ حُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا , فَكُلّ رَبَّانِيّ وَحَبْر دَاخِل فِي الْآيَة بِظَاهِرِ التَّنْزِيل . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل الْأَحْبَار قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9391 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَة , عَنْ الضَّحَّاك : الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار : قُرَّاؤُهُمْ وَفُقَهَاؤُهُمْ . 9392 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حَفْص , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار : الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء . 9393 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : . الرَّبَّانِيُّونَ الْعُلَمَاء الْفُقَهَاء , وَهُمْ فَوْق الْأَحْبَار . 9394 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : الرَّبَّانِيُّونَ : فُقَهَاء الْيَهُود , وَالْأَحْبَار : عُلَمَاؤُهُمْ . 9395 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا سُنَيْد بْن دَاوُد , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة : { وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار } كُلّهمْ يَحْكُم بِمَا فِيهَا مِنْ الْحَقّ . 9396 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : الرَّبَّانِيُّونَ : . الْوُلَاة , وَالْأَحْبَار : الْعُلَمَاء . وَأَمَّا قَوْله : { بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَاب اللَّه } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : يَحْكُم النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بِحُكْمِ التَّوْرَاة , وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار - يَعْنِي الْعُلَمَاء - بِمَا اُسْتُوْدِعُوا عِلْمهُ مِنْ كِتَاب اللَّه الَّذِي هُوَ التَّوْرَاة . وَالْبَاء فِي قَوْله : { بِمَا اُسْتُحْفِظُوا } مِنْ صِلَة الْأَحْبَار . وَأَمَّا قَوْله : { وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء } فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَار بِمَا اسْتُودِعُوا مِنْ كِتَاب اللَّه يَحْكُمُونَ بِالتَّوْرَاةِ مَعَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا , وَكَانُوا عَلَى حُكْم النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا شُهَدَاء أَنَّهُمْ قَضَوْا عَلَيْهِمْ بِكِتَابِ اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيّه مُوسَى وَقَضَائِهِ عَلَيْهِمْ . كَمَا : 9397 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء } يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَار هُمْ الشُّهَدَاء لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ أَنَّهُ حَقّ جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه , فَهُوَ نَبِيّ اللَّه مُحَمَّد , أَتَتْهُ الْيَهُود فَقَضَى بَيْنهمْ بِالْحَقِّ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَخْشَوْا النَّاس وَاخْشَوْنِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِعُلَمَاء الْيَهُود وَأَحْبَارهمْ : لَا تَخْشَوْا النَّاس فِي تَنْفِيذ حُكْمِي الَّذِي حَكَمْت بِهِ عَلَى عِبَادِي وَإِمْضَائِهِ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا أَمَرْت , فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ لَكُمْ عَلَى ضُرّ وَلَا نَفْع إِلَّا بِإِذْنِي , وَلَا تَكْتُمُوا الرَّجْم الَّذِي جَعَلْته حُكْمًا فِي التَّوْرَاة عَلَى الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ , وَلَكِنْ اِخْشَوْنِي دُون كُلّ أَحَد مِنْ خَلْقِي , فَإِنَّ النَّفْع وَالضُّرّ بِيَدِي , وَخَافُوا عِقَابِي فِي كِتْمَانكُمْ مَا اُسْتُحْفِظْتُمْ مِنْ كِتَابِي . كَمَا : 9398 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَلَا تَخْشَوْا النَّاس وَاخْشَوْنِ } يَقُول : لَا تَخْشَوْا النَّاس فَتَكْتُمُوا مَا أَنْزَلْت . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَخْشَوْا النَّاس وَاخْشَوْنِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِعُلَمَاء الْيَهُود وَأَحْبَارهمْ : لَا تَخْشَوْا النَّاس فِي تَنْفِيذ حُكْمِي الَّذِي حَكَمْت بِهِ عَلَى عِبَادِي وَإِمْضَائِهِ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا أَمَرْت , فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ لَكُمْ عَلَى ضُرّ وَلَا نَفْع إِلَّا بِإِذْنِي , وَلَا تَكْتُمُوا الرَّجْم الَّذِي جَعَلْته حُكْمًا فِي التَّوْرَاة عَلَى الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ , وَلَكِنْ اِخْشَوْنِي دُون كُلّ أَحَد مِنْ خَلْقِي , فَإِنَّ النَّفْع وَالضُّرّ بِيَدِي , وَخَافُوا عِقَابِي فِي كِتْمَانكُمْ مَا اُسْتُحْفِظْتُمْ مِنْ كِتَابِي . كَمَا : 9398 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَلَا تَخْشَوْا النَّاس وَاخْشَوْنِ } يَقُول : لَا تَخْشَوْا النَّاس فَتَكْتُمُوا مَا أَنْزَلْت .' وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } يَقُول : وَلَا تَأْخُذُوا بِتَرْكِ الْحُكْم بِآيَاتِ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْته عَلَى مُوسَى أَيّهَا الْأَحْبَار عِوَضًا خَسِيسًا , وَذَلِكَ هُوَ الثَّمَن الْقَلِيل . وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعَالَى ذِكْره نَهْيهمْ عَنْ أَكْل السُّحْت عَلَى تَحْرِيفهمْ كِتَاب اللَّه وَتَغْيِيرهمْ حُكْمه عَمَّا حَكَمَ بِهِ فِي الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام الَّتِي بَدَّلُوهَا , طَلَبًا مِنْهُمْ لِلرُّشَا ; كَمَا : . 9399 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } قَالَ : لَا تَأْكُلُوا السُّحْت عَلَى كِتَابِي . وَقَالَ مَرَّة أُخْرَى , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا } قَالَ : لَا تَأْخُذُوا بِهِ رَشْوَة . 9400 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } وَلَا تَأْخُذُوا طُعْمًا قَلِيلًا عَلَى أَنْ تَكْتُمُوا مَا أَنْزَلْت .وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } يَقُول : وَلَا تَأْخُذُوا بِتَرْكِ الْحُكْم بِآيَاتِ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْته عَلَى مُوسَى أَيّهَا الْأَحْبَار عِوَضًا خَسِيسًا , وَذَلِكَ هُوَ الثَّمَن الْقَلِيل . وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعَالَى ذِكْره نَهْيهمْ عَنْ أَكْل السُّحْت عَلَى تَحْرِيفهمْ كِتَاب اللَّه وَتَغْيِيرهمْ حُكْمه عَمَّا حَكَمَ بِهِ فِي الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَام الَّتِي بَدَّلُوهَا , طَلَبًا مِنْهُمْ لِلرُّشَا ; كَمَا : . 9399 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } قَالَ : لَا تَأْكُلُوا السُّحْت عَلَى كِتَابِي . وَقَالَ مَرَّة أُخْرَى , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا } قَالَ : لَا تَأْخُذُوا بِهِ رَشْوَة . 9400 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } وَلَا تَأْخُذُوا طُعْمًا قَلِيلًا عَلَى أَنْ تَكْتُمُوا مَا أَنْزَلْت .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ كَتَمَ حُكْم اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه , وَجَعَلَهُ حُكْمًا بَيْنَ عِبَاده فَأَخْفَاهُ , وَحَكَمَ بِغَيْرِهِ , كَحُكْمِ الْيَهُود فِي الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ بِالتَّجْبِيهِ وَالتَّحْمِيم , وَكِتْمَانهمْ الرَّجْم , وَكَقَضَائِهِمْ فِي بَعْض قَتْلَاهُمْ بِدِيَةٍ كَامِلَة وَفِي بَعْض بِنِصْفِ الدِّيَة , وَفِي الْأَشْرَاف بِالْقِصَاصِ وَفِي الْأَدْنِيَاء بِالدِّيَةِ , وَقَدْ سَوَّى اللَّه بَيْن جَمِيعهمْ فِي الْحُكْم عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة ; { فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } يَقُول : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه , وَلَكِنْ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا حُكْمه وَكَتَمُوا الْحَقّ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه . { هُمْ الْكَافِرُونَ } يَقُول : هُمْ الَّذِينَ سَتَرُوا الْحَقّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ كَشْفه وَتَبْيِينه وَغَطَّوْهُ عَنْ النَّاس وَأَظْهَرُوا لَهُمْ غَيْره وَقَضَوْا بِهِ لِسُحْتٍ أَخَذُوهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل الْكُفْر فِي هَذَا الْمَوْضِع . فَقَالَ بَعْضهمْ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْيَهُود الَّذِينَ حَرَّفُوا كِتَاب اللَّه وَبَدَّلُوا حُكْمه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9401 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } , { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } فِي الْكَافِرِينَ كُلّهَا . 9402 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم , قَالَ : ثنا أَبُو حَيَّان , عَنْ أَبِي صَالِح , قَالَ : الثَّلَاث الْآيَات الَّتِي فِي الْمَائِدَة : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } لَيْسَ فِي أَهْل الْإِسْلَام مِنْهَا شَيْء , هِيَ فِي الْكُفَّار . 9403 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ الضَّحَّاك : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } و { الظَّالِمُونَ } و { الْفَاسِقُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَات فِي أَهْل الْكِتَاب . 9404 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت عِمْرَان بْن حُدَيْر , قَالَ : أَتَى أَبَا مِجْلَز نَاس مِنْ بَنِي عَمْرو بْن سَدُوس , فَقَالُوا : يَا أَبَا مِجْلَز , أَرَأَيْت قَوْل اللَّه : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } أَحَقّ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } أَحَقّ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } أَحَقّ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَقَالُوا : يَا أَبَا مِجْلَز , فَيَحْكُم هَؤُلَاءِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه ؟ قَالَ : هُوَ دِينهمْ الَّذِي يَدِينُونَ بِهِ , وَبِهِ يَقُولُونَ , وَإِلَيْهِ يَدْعُونَ , فَإِنْ هُمْ تَرَكُوا شَيْئًا مِنْهُ عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَصَابُوا ذَنْبًا . فَقَالُوا : لَا وَاَللَّه , وَلَكِنَّك تَفْرَقُ . قَالَ : أَنْتُمْ أَوْلَى بِهَذَا مِنِّي لَا أَرَى وَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ هَذَا وَلَا تَحَرَّجُونَ , وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأَهْل الشِّرْك . أَوْ نَحْوًا مِنْ هَذَا . 9405 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ عِمْرَان بْن حُدَيْر , قَالَ : قَعَدَ إِلَى أَبِي مِجْلَز نَفَر مِنْ الْإِبَاضِيَّة , قَالَ : فَقَالُوا لَهُ : يَقُول اللَّه : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } . قَالَ أَبُو مِجْلَز : إِنَّهُمْ يَعْمَلُونَ مَا يَعْمَلُونَ - يَعْنِي الْأُمَرَاء - وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ذَنْب . قَالَ : وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى . قَالُوا : أَمَا وَاَللَّه إِنَّك لَتَعْلَم مِثْل مَا نَعْلَم , وَلَكِنَّك تَخْشَاهُمْ . قَالَ : أَنْتُمْ أَحَقّ بِذَلِكَ مِنَّا , أَمَّا نَحْنُ فَلَا نَعْرِف مَا تَعْرِفُونَ وَلَكِنَّكُمْ تَعْرِفُونَهُ , وَلَكِنْ يَمْنَعكُمْ أَنْ تُمْضُوا أَمْركُمْ مِنْ خَشْيَتهمْ . 9406 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ , عَنْ حُذَيْفَة فِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : نِعْمَ الْإِخْوَة لَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيل , إِنْ كَانَتْ لَكُمْ كُلّ حُلْوَة وَلَهُمْ كُلّ مُرَّة , وَلَتَسْلُكُنَّ طَرِيقهمْ قَدْر الشِّرَاك . 9407 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ الضَّحَّاك : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } و { الظَّالِمُونَ } وَ { الْفَاسِقُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَات فِي أَهْل الْكِتَاب . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ , قَالَ : قِيلَ لِحُذَيْفَة : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حَدِيث ابْن بَشَّار , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ , قَالَ : سَأَلَ رَجُل حُذَيْفَة , عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَات : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } قَالَ : فَقِيلَ : ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل ؟ قَالَ : نِعْمَ الْإِخْوَة لَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيل , إِنْ كَانَتْ لَهُمْ كُلّ مُرَّة , وَلَكُمْ كُلّ حُلْوَة , كَلَّا وَاَللَّه لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقهمْ قَدْر الشِّرَاك . 9408 - الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ رَجُل , عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : هَؤُلَاءِ الْآيَات فِي أَهْل الْكِتَاب . 9409 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَات أُنْزِلَتْ فِي قَتِيل الْيَهُود الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } وَ { الظَّالِمُونَ } وَ { الْفَاسِقُونَ } , لِأَهْلِ الْكِتَاب كُلّهمْ لِمَا تَرَكُوا مِنْ كِتَاب اللَّه . 9410 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب , قَالَ : مُرَّ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّم مَجْلُود , فَدَعَاهُمْ فَقَالَ : " هَكَذَا تَجِدُونَ حَدّ مَنْ زَنَى ؟ " قَالُوا : نَعَمْ . فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ , فَقَالَ : " أَنْشُدك اللَّه الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة عَلَى مُوسَى , هَكَذَا تَجِدُونَ حَدّ الزَّانِي فِي كِتَابكُمْ ؟ " قَالَ : لَا , وَلَوْلَا أَنَّك أَنْشَدْتنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرك , نَجِد حَدّه فِي كِتَابنَا الرَّجْم , وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافنَا , فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيف تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الْوَضِيع أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدّ , فَقُلْنَا تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ جَمِيعًا عَلَى التَّحْمِيم وَالْجَلْد مَكَان الرَّجْم . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّل مَنْ أَحْيَا أَمْرك إِذْ أَمَاتُوهُ " . فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { يَا أَيّهَا الرَّسُول لَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر } إِلَى قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } يَعْنِي الْيَهُود , { فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } يَعْنِي الْيَهُود , { فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } لِلْكُفَّارِ كُلّهَا . 9411 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : مَنْ حَكَمَ بِكِتَابِهِ الَّذِي كَتَبَ بِيَدِهِ وَتَرَكَ كِتَاب اللَّه وَزَعَمَ أَنَّ كِتَابه هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه , فَقَدْ كَفَرَ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , نَحْو حَدِيث الْقَاسِم , عَنْ الْحَسَن . غَيْر أَنَّ هَنَّادًا قَالَ فِي حَدِيثه : فَقُلْنَا : تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ فِي شَيْء نُقِيمهُ عَلَى الشَّرِيف وَالضَّعِيف ! فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيم وَالْجَلْد مَكَان الرَّجْم . وَسَائِر الْحَدِيث نَحْو حَدِيث الْقَاسِم . 9412 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي الزِّنَاد , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : . كُنَّا عِنْد عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود , فَذَكَرَ رَجُل عِنْده : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } فَقَالَ عُبَيْد اللَّه : أَمَا وَاَللَّه إِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاس يَتَأَوَّلُونَ هَؤُلَاءِ الْآيَات عَلَى مَا لَمْ يَنْزِلْنَ عَلَيْهِ , وَمَا أُنْزِلْنَ إِلَّا فِي حَيَّيْنِ مِنْ يَهُود . ثُمَّ قَالَ : هِيَ قُرَيْظَة وَالنَّضِير ; وَذَلِكَ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ كَانَتْ قَدْ غَزَتْ الْأُخْرَى وَقَهَرَتْهَا قَبْل قُدُوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , حَتَّى اِرْتَضَوْا وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ كُلّ قَتِيل قَتَلَتْهُ الْعَزِيزَة مِنْ الذَّلِيلَة فَدِيَتُهُ خَمْسُونَ وَسْقًا , وَكُلّ قَتِيل قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَة مِنْ الْعَزِيزَة فَدِيَتُهُ مِائَة وَسْق . فَأَعْطَوْهُمْ فَرَقًا وَضَيْمًا . فَقَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ , فَذَلَّتْ الطَّائِفَتَانِ بِمَقْدِمِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَظْهَر عَلَيْهِمَا . فَبَيْنَمَا هُمَا عَلَى ذَلِكَ أَصَابَتْ الذَّلِيلَة مِنْ الْعَزِيزَة قَتِيلًا , فَقَالَتْ الْعَزِيزَة : أَعْطُونَا مِائَة وَسْق ! فَقَالَتْ الذَّلِيلَة : وَهَلْ كَانَ هَذَا قَطُّ فِي حَيَّيْنِ دِينهمَا وَاحِد وَبَلَدهمَا وَاحِد دِيَة بَعْضهمْ ضِعْف دِيَة بَعْض ؟ إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا فَرَقًا مِنْكُمْ وَضَيْمًا , فَاجْعَلُوا بَيْننَا وَبَيْنكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمْ . ثُمَّ إِنَّ الْعَزِيزَة تَذَاكَرَتْ بَيْنهَا , فَخَشِيَتْ أَنْ لَا يُعْطِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابهَا ضِعْف مَا تُعْطَى أَصْحَابهَا مِنْهَا , فَدَسُّوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِخْوَانهمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ , فَقَالُوا لَهُمْ : اُخْبُرُوا لَنَا رَأْي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ أَعْطَانَا مَا نُرِيد حَكَّمْنَاهُ , وَإِنْ لَمْ يُعْطِنَا حَذِرْنَاهُ وَلَمْ نُحَكِّمهُ ! فَذَهَبَ الْمُنَافِق إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَعْلَمَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَادُوا مِنْ ذَلِكَ الْأَمْر كُلّه . قَالَ عُبَيْد اللَّه : فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِيهِمْ : { يَا أَيّهَا الرَّسُول لَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر } هَؤُلَاءِ الْآيَات كُلّهنَّ , حَتَّى بَلَغَ : { وَلْيَحْكُمْ أَهْل الْإِنْجِيل بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِيهِ } إِلَى { الْفَاسِقُونَ } ; قَرَأَ عُبَيْد اللَّه ذَلِكَ آيَة آيَة وَفَسَّرَهَا عَلَى مَا أَنْزَلَ , حَتَّى فَرَغَ مِنْ تَفْسِير ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْآيَات , ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ يَهُود , وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الصِّفَة . وَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِالْكَافِرِينَ أَهْل الْإِسْلَام , وَبِالظَّالِمِينَ : الْيَهُود , وَبِالْفَاسِقِينَ : النَّصَارَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9413 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ عَامِر , قَالَ : نَزَلَتْ " الْكَافِرُونَ " فِي الْمُسْلِمِينَ , وَ " الظَّالِمُونَ " فِي الْيَهُود , وَ " الْفَاسِقُونَ " فِي النَّصَارَى . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي السَّفَر , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : " الْكَافِرُونَ " فِي الْمُسْلِمِينَ , وَ " الظَّالِمُونَ " فِي الْيَهُود , وَ " الْفَاسِقُونَ " فِي النَّصَارَى . 9414 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَأَبُو السَّائِب , وَوَاصِل بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالُوا : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ اِبْن شُبْرُمَة , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : آيَة فِينَا , وَآيَتَانِ فِي أَهْل الْكِتَاب : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } فِينَا ; { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } وَ " الْفَاسِقُونَ " فِي أَهْل الْكِتَاب . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , مِثْل حَدِيث زَكَرِيَّا عَنْهُ . 9415 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ اِبْن أَبِي السَّفَر , عَنْ الشَّعْبِيّ : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : هَذَا فِي الْمُسْلِمِينَ . { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } قَالَ : النَّصَارَى . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ فِي هَؤُلَاءِ الْآيَات الَّتِي فِي الْمَائِدَة : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : فِينَا أَهْل الْإِسْلَام . { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } قَالَ فِي الْيَهُود . { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } قَالَ : فِي النَّصَارَى . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ الْأُولَى فِي الْمُسْلِمِينَ , وَالثَّانِيَة فِي الْيَهُود , وَالثَّالِثَة فِي النَّصَارَى . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ الشَّعْبِيّ , بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا يَعْلَى , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ عَامِر , بِنَحْوِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِي بِذَلِكَ : كُفْر دُون كُفْر , وَظُلْم دُون ظُلْم , وَفِسْق دُون فِسْق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9416 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } قَالَ : كُفْر دُون كُفْر , وَفِسْق دُون فِسْق , وَظُلْم دُون ظُلْم . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ أَيُّوب , عَنْ عَطَاء , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ أَيُّوب بْن أَبِي تَمِيمَة , عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , بِنَحْوِهِ . 9417 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سَعِيد الْمَكِّيّ , عَنْ طَاوُس : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُل عَنْ الْمِلَّة . 9418 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر بْن رَاشِد , عَنْ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : هِيَ بِهِ كُفْر , وَلَيْسَ كُفْرًا بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله . * - حَدَّثَنِي الْحَسَن , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ رَجُل لِابْنِ عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَات : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه } فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ ؟ قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ بِهِ كُفْر , وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَبِكَذَا وَكَذَا . * - الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : سُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه وَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : هِيَ بِهِ كُفْر . قَالَ اِبْن طَاوُس : وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ رَجُل , عَنْ طَاوُس : { فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : كُفْر لَا يَنْقُل عَنْ الْمِلَّة . قَالَ : وَقَالَ عَطَاء : كُفْر دُون كُفْر , وَظُلْم دُون ظُلْم , وَفِسْق دُون فِسْق . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات فِي أَهْل الْكِتَاب , وَهِيَ مُرَاد بِهَا جَمِيع النَّاس مُسْلِمُوهُمْ وَكُفَّارهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9419 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَرَضِيَ لِهَذِهِ الْأُمَّة بِهَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَرَضِيَ لَكُمْ بِهَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيل , ثُمَّ رَضِيَ بِهَا لِهَؤُلَاءِ . 9420 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُود , وَهِيَ عَلَيْنَا وَاجِبَة . 9421 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْم , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل , عَنْ عَلْقَمَة وَمَسْرُوق : أَنَّهُمَا سَأَلَا اِبْن مَسْعُود عَنْ الرِّشْوَة , فَقَالَ : مِنْ السُّحْت . قَالَ : فَقَالَا : أَفِي الْحُكْم ؟ قَالَ : ذَاكَ الْكُفْر . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } . 9422 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه } يَقُول : وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلْت فَتَرَكَهُ عَمْدًا وَجَارَ وَهُوَ يَعْلَم فَهُوَ مِنْ الْكَافِرِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه جَاحِدًا بِهِ , فَأَمَّا الظُّلْم وَالْفِسْق فَهُوَ لِلْمُقِرِّ بِهِ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9423 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللَّه فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُم فَهُوَ ظَالِم فَاسِق . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات فِي كُفَّار أَهْل الْكِتَاب ; لِأَنَّ مَا قَبْلهَا وَمَا بَعْدهَا مِنْ الْآيَات فَفِيهِمْ نَزَلَتْ وَهُمْ الْمَعْنِيُّونَ بِهَا , وَهَذِهِ الْآيَات سِيَاق الْخَبَر عَنْهُمْ , فَكَوْنهَا خَبَرًا عَنْهُمْ أَوْلَى . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ عَمَّ بِالْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ جَمِيع مَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , فَكَيْفَ جَعَلْته خَاصًّا ؟ قِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى عَمَّمَ بِالْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ قَوْم كَانُوا بِحُكْمِ اللَّه الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابه جَاحِدِينَ فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِتَرْكِهِمْ الْحُكْم عَلَى سَبِيل مَا تَرَكُوهُ كَافِرُونَ . وَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي كُلّ مَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه جَاحِدًا بِهِ , هُوَ بِاَللَّهِ كَافِر , كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس ; لِأَنَّهُ بِجُحُودِهِ حُكْم اللَّه بَعْد عِلْمه أَنَّهُ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه نَظِير جُحُوده نُبُوَّة نَبِيّه بَعْد عِلْمه أَنَّهُ نَبِيّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ كَتَمَ حُكْم اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه , وَجَعَلَهُ حُكْمًا بَيْنَ عِبَاده فَأَخْفَاهُ , وَحَكَمَ بِغَيْرِهِ , كَحُكْمِ الْيَهُود فِي الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ بِالتَّجْبِيهِ وَالتَّحْمِيم , وَكِتْمَانهمْ الرَّجْم , وَكَقَضَائِهِمْ فِي بَعْض قَتْلَاهُمْ بِدِيَةٍ كَامِلَة وَفِي بَعْض بِنِصْفِ الدِّيَة , وَفِي الْأَشْرَاف بِالْقِصَاصِ وَفِي الْأَدْنِيَاء بِالدِّيَةِ , وَقَدْ سَوَّى اللَّه بَيْن جَمِيعهمْ فِي الْحُكْم عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة ; { فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } يَقُول : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه , وَلَكِنْ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا حُكْمه وَكَتَمُوا الْحَقّ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه . { هُمْ الْكَافِرُونَ } يَقُول : هُمْ الَّذِينَ سَتَرُوا الْحَقّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ كَشْفه وَتَبْيِينه وَغَطَّوْهُ عَنْ النَّاس وَأَظْهَرُوا لَهُمْ غَيْره وَقَضَوْا بِهِ لِسُحْتٍ أَخَذُوهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل الْكُفْر فِي هَذَا الْمَوْضِع . فَقَالَ بَعْضهمْ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْيَهُود الَّذِينَ حَرَّفُوا كِتَاب اللَّه وَبَدَّلُوا حُكْمه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9401 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } , { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } فِي الْكَافِرِينَ كُلّهَا . 9402 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم , قَالَ : ثنا أَبُو حَيَّان , عَنْ أَبِي صَالِح , قَالَ : الثَّلَاث الْآيَات الَّتِي فِي الْمَائِدَة : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } لَيْسَ فِي أَهْل الْإِسْلَام مِنْهَا شَيْء , هِيَ فِي الْكُفَّار . 9403 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ الضَّحَّاك : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } و { الظَّالِمُونَ } و { الْفَاسِقُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَات فِي أَهْل الْكِتَاب . 9404 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت عِمْرَان بْن حُدَيْر , قَالَ : أَتَى أَبَا مِجْلَز نَاس مِنْ بَنِي عَمْرو بْن سَدُوس , فَقَالُوا : يَا أَبَا مِجْلَز , أَرَأَيْت قَوْل اللَّه : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } أَحَقّ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } أَحَقّ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } أَحَقّ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَقَالُوا : يَا أَبَا مِجْلَز , فَيَحْكُم هَؤُلَاءِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه ؟ قَالَ : هُوَ دِينهمْ الَّذِي يَدِينُونَ بِهِ , وَبِهِ يَقُولُونَ , وَإِلَيْهِ يَدْعُونَ , فَإِنْ هُمْ تَرَكُوا شَيْئًا مِنْهُ عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَصَابُوا ذَنْبًا . فَقَالُوا : لَا وَاَللَّه , وَلَكِنَّك تَفْرَقُ . قَالَ : أَنْتُمْ أَوْلَى بِهَذَا مِنِّي لَا أَرَى وَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ هَذَا وَلَا تَحَرَّجُونَ , وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأَهْل الشِّرْك . أَوْ نَحْوًا مِنْ هَذَا . 9405 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ عِمْرَان بْن حُدَيْر , قَالَ : قَعَدَ إِلَى أَبِي مِجْلَز نَفَر مِنْ الْإِبَاضِيَّة , قَالَ : فَقَالُوا لَهُ : يَقُول اللَّه : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } . قَالَ أَبُو مِجْلَز : إِنَّهُمْ يَعْمَلُونَ مَا يَعْمَلُونَ - يَعْنِي الْأُمَرَاء - وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ذَنْب . قَالَ : وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى . قَالُوا : أَمَا وَاَللَّه إِنَّك لَتَعْلَم مِثْل مَا نَعْلَم , وَلَكِنَّك تَخْشَاهُمْ . قَالَ : أَنْتُمْ أَحَقّ بِذَلِكَ مِنَّا , أَمَّا نَحْنُ فَلَا نَعْرِف مَا تَعْرِفُونَ وَلَكِنَّكُمْ تَعْرِفُونَهُ , وَلَكِنْ يَمْنَعكُمْ أَنْ تُمْضُوا أَمْركُمْ مِنْ خَشْيَتهمْ . 9406 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ , عَنْ حُذَيْفَة فِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : نِعْمَ الْإِخْوَة لَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيل , إِنْ كَانَتْ لَكُمْ كُلّ حُلْوَة وَلَهُمْ كُلّ مُرَّة , وَلَتَسْلُكُنَّ طَرِيقهمْ قَدْر الشِّرَاك . 9407 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِي حَيَّان , عَنْ الضَّحَّاك : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } و { الظَّالِمُونَ } وَ { الْفَاسِقُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَات فِي أَهْل الْكِتَاب . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ , قَالَ : قِيلَ لِحُذَيْفَة : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حَدِيث ابْن بَشَّار , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ , قَالَ : سَأَلَ رَجُل حُذَيْفَة , عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَات : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } , { فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } قَالَ : فَقِيلَ : ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل ؟ قَالَ : نِعْمَ الْإِخْوَة لَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيل , إِنْ كَانَتْ لَهُمْ كُلّ مُرَّة , وَلَكُمْ كُلّ حُلْوَة , كَلَّا وَاَللَّه لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقهمْ قَدْر الشِّرَاك . 9408 - الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ رَجُل , عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : هَؤُلَاءِ الْآيَات فِي أَهْل الْكِتَاب . 9409 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَات أُنْزِلَتْ فِي قَتِيل الْيَهُود الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } وَ { الظَّالِمُونَ } وَ { الْفَاسِقُونَ } , لِأَهْلِ الْكِتَاب كُلّهمْ لِمَا تَرَكُوا مِنْ كِتَاب اللَّه . 9410 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب , قَالَ : مُرَّ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّم مَجْلُود , فَدَعَاهُمْ فَقَالَ : " هَكَذَا تَجِدُونَ حَدّ مَنْ زَنَى ؟ " قَالُوا : نَعَمْ . فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ , فَقَالَ : " أَنْشُدك اللَّه الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة عَلَى مُوسَى , هَكَذَا تَجِدُونَ حَدّ الزَّانِي فِي كِتَابكُمْ ؟ " قَالَ : لَا , وَلَوْلَا أَنَّك أَنْشَدْتنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرك , نَجِد حَدّه فِي كِتَابنَا الرَّجْم , وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافنَا , فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيف تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الْوَضِيع أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدّ , فَقُلْنَا تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ جَمِيعًا عَلَى التَّحْمِيم وَالْجَلْد مَكَان الرَّجْم . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّل مَنْ أَحْيَا أَمْرك إِذْ أَمَاتُوهُ " . فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { يَا أَيّهَا الرَّسُول لَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر } إِلَى قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } يَعْنِي الْيَهُود , { فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } يَعْنِي الْيَهُود , { فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } لِلْكُفَّارِ كُلّهَا . 9411 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : مَنْ حَكَمَ بِكِتَابِهِ الَّذِي كَتَبَ بِيَدِهِ وَتَرَكَ كِتَاب اللَّه وَزَعَمَ أَنَّ كِتَابه هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه , فَقَدْ كَفَرَ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة , عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , نَحْو حَدِيث الْقَاسِم , عَنْ الْحَسَن . غَيْر أَنَّ هَنَّادًا قَالَ فِي حَدِيثه : فَقُلْنَا : تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ فِي شَيْء نُقِيمهُ عَلَى الشَّرِيف وَالضَّعِيف ! فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيم وَالْجَلْد مَكَان الرَّجْم . وَسَائِر الْحَدِيث نَحْو حَدِيث الْقَاسِم . 9412 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي الزِّنَاد , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : . كُنَّا عِنْد عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود , فَذَكَرَ رَجُل عِنْده : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } فَقَالَ عُبَيْد اللَّه : أَمَا وَاَللَّه إِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاس يَتَأَوَّلُونَ هَؤُلَاءِ الْآيَات عَلَى مَا لَمْ يَنْزِلْنَ عَلَيْهِ , وَمَا أُنْزِلْنَ إِلَّا فِي حَيَّيْنِ مِنْ يَهُود . ثُمَّ قَالَ : هِيَ قُرَيْظَة وَالنَّضِير ; وَذَلِكَ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ كَانَتْ قَدْ غَزَتْ الْأُخْرَى وَقَهَرَتْهَا قَبْل قُدُوم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , حَتَّى اِرْتَضَوْا وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ كُلّ قَتِيل قَتَلَتْهُ الْعَزِيزَة مِنْ الذَّلِيلَة فَدِيَتُهُ خَمْسُونَ وَسْقًا , وَكُلّ قَتِيل قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَة مِنْ الْعَزِيزَة فَدِيَتُهُ مِائَة وَسْق . فَأَعْطَوْهُمْ فَرَقًا وَضَيْمًا . فَقَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ , فَذَلَّتْ الطَّائِفَتَانِ بِمَقْدِمِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَظْهَر عَلَيْهِمَا . فَبَيْنَمَا هُمَا عَلَى ذَلِكَ أَصَابَتْ الذَّلِيلَة مِنْ الْعَزِيزَة قَتِيلًا , فَقَالَتْ الْعَزِيزَة : أَعْطُونَا مِائَة وَسْق ! فَقَالَتْ الذَّلِيلَة : وَهَلْ كَانَ هَذَا قَطُّ فِي حَيَّيْنِ دِينهمَا وَاحِد وَبَلَدهمَا وَاحِد دِيَة بَعْضهمْ ضِعْف دِيَة بَعْض ؟ إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا فَرَقًا مِنْكُمْ وَضَيْمًا , فَاجْعَلُوا بَيْننَا وَبَيْنكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمْ . ثُمَّ إِنَّ الْعَزِيزَة تَذَاكَرَتْ بَيْنهَا , فَخَشِيَتْ أَنْ لَا يُعْطِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابهَا ضِعْف مَا تُعْطَى أَصْحَابهَا مِنْهَا , فَدَسُّوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِخْوَانهمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ , فَقَالُوا لَهُمْ : اُخْبُرُوا لَنَا رَأْي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ أَعْطَانَا مَا نُرِيد حَكَّمْنَاهُ , وَإِنْ لَمْ يُعْطِنَا حَذِرْنَاهُ وَلَمْ نُحَكِّمهُ ! فَذَهَبَ الْمُنَافِق إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَعْلَمَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَادُوا مِنْ ذَلِكَ الْأَمْر كُلّه . قَالَ عُبَيْد اللَّه : فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِيهِمْ : { يَا أَيّهَا الرَّسُول لَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر } هَؤُلَاءِ الْآيَات كُلّهنَّ , حَتَّى بَلَغَ : { وَلْيَحْكُمْ أَهْل الْإِنْجِيل بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِيهِ } إِلَى { الْفَاسِقُونَ } ; قَرَأَ عُبَيْد اللَّه ذَلِكَ آيَة آيَة وَفَسَّرَهَا عَلَى مَا أَنْزَلَ , حَتَّى فَرَغَ مِنْ تَفْسِير ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْآيَات , ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ يَهُود , وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الصِّفَة . وَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِالْكَافِرِينَ أَهْل الْإِسْلَام , وَبِالظَّالِمِينَ : الْيَهُود , وَبِالْفَاسِقِينَ : النَّصَارَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9413 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ عَامِر , قَالَ : نَزَلَتْ " الْكَافِرُونَ " فِي الْمُسْلِمِينَ , وَ " الظَّالِمُونَ " فِي الْيَهُود , وَ " الْفَاسِقُونَ " فِي النَّصَارَى . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي السَّفَر , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : " الْكَافِرُونَ " فِي الْمُسْلِمِينَ , وَ " الظَّالِمُونَ " فِي الْيَهُود , وَ " الْفَاسِقُونَ " فِي النَّصَارَى . 9414 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَأَبُو السَّائِب , وَوَاصِل بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالُوا : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ اِبْن شُبْرُمَة , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : آيَة فِينَا , وَآيَتَانِ فِي أَهْل الْكِتَاب : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } فِينَا ; { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } وَ " الْفَاسِقُونَ " فِي أَهْل الْكِتَاب . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , مِثْل حَدِيث زَكَرِيَّا عَنْهُ . 9415 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ اِبْن أَبِي السَّفَر , عَنْ الشَّعْبِيّ : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : هَذَا فِي الْمُسْلِمِينَ . { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } قَالَ : النَّصَارَى . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ فِي هَؤُلَاءِ الْآيَات الَّتِي فِي الْمَائِدَة : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : فِينَا أَهْل الْإِسْلَام . { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } قَالَ فِي الْيَهُود . { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } قَالَ : فِي النَّصَارَى . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ زَكَرِيَّا بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ الْأُولَى فِي الْمُسْلِمِينَ , وَالثَّانِيَة فِي الْيَهُود , وَالثَّالِثَة فِي النَّصَارَى . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ الشَّعْبِيّ , بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا يَعْلَى , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ عَامِر , بِنَحْوِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِي بِذَلِكَ : كُفْر دُون كُفْر , وَظُلْم دُون ظُلْم , وَفِسْق دُون فِسْق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9416 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } قَالَ : كُفْر دُون كُفْر , وَفِسْق دُون فِسْق , وَظُلْم دُون ظُلْم . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ أَيُّوب , عَنْ عَطَاء , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ أَيُّوب بْن أَبِي تَمِيمَة , عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , بِنَحْوِهِ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , بِنَحْوِهِ . 9417 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سَعِيد الْمَكِّيّ , عَنْ طَاوُس : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُل عَنْ الْمِلَّة . 9418 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر بْن رَاشِد , عَنْ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : هِيَ بِهِ كُفْر , وَلَيْسَ كُفْرًا بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله . * - حَدَّثَنِي الْحَسَن , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ رَجُل لِابْنِ عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَات : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه } فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ ؟ قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ بِهِ كُفْر , وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَبِكَذَا وَكَذَا . * - الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ اِبْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : سُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه وَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : هِيَ بِهِ كُفْر . قَالَ اِبْن طَاوُس : وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ رَجُل , عَنْ طَاوُس : { فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : كُفْر لَا يَنْقُل عَنْ الْمِلَّة . قَالَ : وَقَالَ عَطَاء : كُفْر دُون كُفْر , وَظُلْم دُون ظُلْم , وَفِسْق دُون فِسْق . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات فِي أَهْل الْكِتَاب , وَهِيَ مُرَاد بِهَا جَمِيع النَّاس مُسْلِمُوهُمْ وَكُفَّارهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9419 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَرَضِيَ لِهَذِهِ الْأُمَّة بِهَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيل , وَرَضِيَ لَكُمْ بِهَا . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيل , ثُمَّ رَضِيَ بِهَا لِهَؤُلَاءِ . 9420 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُود , وَهِيَ عَلَيْنَا وَاجِبَة . 9421 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي سُلَيْم , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل , عَنْ عَلْقَمَة وَمَسْرُوق : أَنَّهُمَا سَأَلَا اِبْن مَسْعُود عَنْ الرِّشْوَة , فَقَالَ : مِنْ السُّحْت . قَالَ : فَقَالَا : أَفِي الْحُكْم ؟ قَالَ : ذَاكَ الْكُفْر . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } . 9422 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه } يَقُول : وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلْت فَتَرَكَهُ عَمْدًا وَجَارَ وَهُوَ يَعْلَم فَهُوَ مِنْ الْكَافِرِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه جَاحِدًا بِهِ , فَأَمَّا الظُّلْم وَالْفِسْق فَهُوَ لِلْمُقِرِّ بِهِ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9423 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } قَالَ : مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللَّه فَقَدْ كَفَرَ , وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُم فَهُوَ ظَالِم فَاسِق . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات فِي كُفَّار أَهْل الْكِتَاب ; لِأَنَّ مَا قَبْلهَا وَمَا بَعْدهَا مِنْ الْآيَات فَفِيهِمْ نَزَلَتْ وَهُمْ الْمَعْنِيُّونَ بِهَا , وَهَذِهِ الْآيَات سِيَاق الْخَبَر عَنْهُمْ , فَكَوْنهَا خَبَرًا عَنْهُمْ أَوْلَى . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ عَمَّ بِالْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ جَمِيع مَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , فَكَيْفَ جَعَلْته خَاصًّا ؟ قِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى عَمَّمَ بِالْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ قَوْم كَانُوا بِحُكْمِ اللَّه الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابه جَاحِدِينَ فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِتَرْكِهِمْ الْحُكْم عَلَى سَبِيل مَا تَرَكُوهُ كَافِرُونَ . وَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي كُلّ مَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه جَاحِدًا بِهِ , هُوَ بِاَللَّهِ كَافِر , كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس ; لِأَنَّهُ بِجُحُودِهِ حُكْم اللَّه بَعْد عِلْمه أَنَّهُ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه نَظِير جُحُوده نُبُوَّة نَبِيّه بَعْد عِلْمه أَنَّهُ نَبِيّ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} أي بيان وضياء وتعريف أن محمدا صلى الله عليه وسلم حق. { هدى} في موضع رفع بالابتداء { ونور} عطف عليه. { يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} قيل : المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل : كل من بعث من بعد موسى بإقامة التوراة، وأن اليهود قالت : إن الأنبياء كانوا يهودا. وقالت النصارى : كانوا نصارى؛ فبين الله عز وجل كذبهم. ومعنى { أسلموا} صدقوا بالتوراة من لدن موسى إلى زمان عيسى عليهما السلام وبينهما ألف نبي؛ ويقال : أربعة آلاف. ويقال : أكثر من ذلك، كانوا يحكمون بما في التوراة. وقيل : معنى { أسلموا} خضعوا وانقادوا لأمر الله فيما بعثوا به. وقيل : أي يحكم بها النبيون الذين هم على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم والمعنى واحد. و { الذين أسلموا} ههنا نعت فيه معنى المدح مثل { بسم الله الرحمن الرحيم} . { هادوا} أي تابوا من الكفر. وقيل : فيه تقديم وتأخير؛ أي إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار؛ أي يحكم بها الربانيون وهم الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره؛ عن ابن عباس وغيره. وقد تقدم في [آل عمران]. وقال أبو رزين : الربانيون العلماء الحكماء والأحبار. قال ابن عباس : هم الفقهاء : والحبر والحبر الرجل العالم وهو مأخوذ من الحبير وهو التحسين، فهم يحبرون العلم أي يبينونه ويزينونه، وهو محبر في صدورهم. قال مجاهد : الربانيون فوق العلماء. والألف واللام للمبالغة. قال الجوهري : والجبر والحبر واحد أحبار اليهود، وبالكسر أفصح : لأنه يجمع على أفعال دون الفعول؛ قال الفراء : هو جبر بالكسر يقال ذلك للعالم. وقال الثوري : سألت الفراء لم سمي الحبر حبرا؟ فقال : يقال للعالم حبر وحبر فالمعنى مداد حبر ثم حذف كما قال { واسأل القرية} [يوسف : 82] أي أهل القرية. قال : فسألت الأصمعي يقال ليس هذا بشيء؛ إنما سمي حبرا لتأثيره، يقال : على أسنانه حبر أي صفرة أو سواد. وقال أبو العباس : سمي الحبر الذي يكتب به حبرا لأنه يحبر به أي يحقق به. وقال أبو عبيد : والذي عندي في واحد الأحبار الحبر بالفتح ومعناه العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه. قال : وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح، والحبر الذي يكتب به وموضعه المحبرة بالكسر. والحبر أيضا الأثر والجمع حبور، عن يعقوب. { بما استحفظوا من كتاب الله} أي استودعوا من علمه. والباء متعلقة { الربانيين والأحبار} كأنه قال : والعلماء بما استحفظوا. أو تكون متعلقة بـ { يحكم} أي يحكمون بما استحفظوا. { وكانوا عليه شهداء} أي على الكتاب بأنه من عند الله. ابن عباس : شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة. { فلا تخشوا الناس} أي في إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وإظهار الرجم. { واخشون} أي في كتمان ذلك؛ فالخطاب لعلماء اليهود. وقد يدخل بالمعنى كل من كتم حقا وجب عليه ولم يظهره. وتقدم معنى { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} مستوفى. قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} و { الظالمون} و { الفاسقون} نزلت كلها في الكفار؛ ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدم. وعلى هذا المعظم. فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة. وقيل : فيه إضمار؛ أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن، وجحدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر؛ قال ابن عباس ومجاهد، فالآية عامة على هذا. قال ابن مسعود والحسن : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له؛ فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وقال ابن عباس في رواية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار. وقيل : أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر؛ فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول، إلا أن الشعبي قال : هي في اليهود خاصة، واختاره النحاس؛ قال : ويدل على ذلك ثلاثة أشياء؛ منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله { للذين هادوا} ؛ فعاد الضمير عليهم، ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك؛ ألا ترى أن بعده { وكتبنا عليهم} فهذا الضمير لليهود بإجماع؛ وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص. فإن قال قائل { من} إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها؟ قيل له { من} هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة؛ والتقدير : واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون؛ فهذا من أحسن ما قيل في هذا؛ ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل؟ قال : نعم هي فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل. وقيل { الكافرون} للمسلمين، و { الظالمون} لليهود، و { الفاسقون} للنصارى؛ وهذا اختيار أبي بكر بن العربي، قال : لأنه ظاهر الآيات. وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة والشعب أيضا. قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر، وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله، فهو تبديل له يوجب الكفر؛ وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين. قال القشيري : ومذهب الخوارج أن من ارتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر، وعزي هذا إلى الحسن والسدي. وقال الحسن أيضا : أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء : ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 42 - 44


سورة المائدة الايات 44 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الهدى هو الطريق أو الدرب المُوصِّل للغاية. وتأتي على الطريق أحقاب الليل والنهار، فالطريق مُظلم ليلاً، وقد تعترض السائر فيه عقبات، أو قد لا يمشي السائر في سواء السبيل أي وسط الطريق، فيقع في حفرة أو يصطدم بحجر.

ويوضح الحق هنا: لقد صنعت لكم الدرب وأَنرته لكم حتى لا تصطدموا بشيء أو تأتي لكم عقبات، وتمثَّل ذلك في المنهج الذي جاء به موكب الرُّسل كلهم. وقديما كان العالم مفككا، متناثر الجماعات، فلا توجد مواصلات، وتعيش كل جماعة في انعزال وشبه استقلال، فإن حصلت داءات في بقعة ما تظل محصورة في هذه البقعة، ويأتي رسول ليعالج هذه الداءات، فهذا يعالج أمر عبادة الأصنام، وذلك يعالج مسألة الكيل والميزان، وثالث يعالج الأمور المنظمة للحياة الزوجية عند اليهود.

هذه الداءات كانت متعددة بتعدد الجهات، وعندما أراد الحق سبحانه أن يبصر الناس بأسرار كونه ليستنبطوا منها ما يقرب المسافات ويمنع المشقات لتلتقي الأمم. وعندما تلتقي الأمم لا يوجد فصل بين الداءات، فالداء الواحد يحصل في الشرق لينتقل إلى الغرب. وكأن الداءات تتحد في العالم أيضاً.

إذن لا بد أن يجيء الرسول الجامع ليعالج الداءات كلها، فيأتي صلّى الله عليه وسلم الجامع المانع، فإذا ما قال الحق: إنه أنزل التوراة فيها هدى ونور، فالإنجيل أيضاً فيه هدى ونور، وكل هدى ونور في أي كتاب إنما هو للداءات الموجودة في البيئة المنعزلة. مثال ذلك أن سيدنا إبراهيم كان موجوداً، ومعه في الزمن نفسه سيدنا لوط. وها هوذا سيدنا موسى كان موجودا. وكذلك سيدنا شعيب، إذن كانت الرُّسل تتعاصر في بعض الأحيان لأن كلا منهم يعالج داء معينا. وهكذا كانت الرسالات تأتي محدودة الزمان ومحدودة المكان.

أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بعثه الله للناس كافة بكل أجناسهم وتقوم على منهجه الساعة؛ لذلك لم تعد الأرض في حاجة إلى رسول آخر، وصار من المنطقي أن يكون هو الرسول الخاتم.

{ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ } لماذا إذن يأتي الحق بإسلام الأنبياء هنا؟ جاء سبحانه بأمر إسلام الأنبياء تشريفا للإسلام لأنه جوهر منهج كل نبي.

إننا نجد الشعراء يتفننون في هذا المعنى:
ما إن مدحت محمداً بمقالتي   لكن مدحت مقالتي بمحمدٍ
والشاعر الآخر يقول:
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم   كلا لعمري ولكن منه شيبان
فالقبيلة بالنسبة لأبي الصقر هي التي تنتسب إليه وليس هو الذي ينتسب إليها.

ويردف قائلا:
وكم أبٍ قد علا بابن ذُرَا شرفٍ   كما علا برسول الله عدنان
إذن فالنبيون عندما يصفهم الحق بأنهم أسلموا، إنما يريد الحق أن يشرف الإسلام بأن النبيين أسلموا قيادهم وزمامهم إلى الله لأنهم وجدوه الخير لهم.وإسلام النبيين هو الإسلام بمعناه الكامل، أي هو الانصياع لأوامر الله، فكلما فكر نبي منهم في أن هناك شراً سيأتي له بسبب دعوته، أو أن يضطهده أحد، أو يحلو لأحدٍ أن يسيء إليه فهو يسلم أمره لله؛ لأن الرسول منهم إنما يقول كلمة الحق ولا يبالي بما يحدث بعدها.

{ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } وهم يحكمون بالتوراة بين الذين هادوا، أي من يهود، وكذلك يحكم بها الربانيون والأحبار. والرباني منسوب للرب، اي أن كل تصرفاته منسوبة إلى الله. والأحبار هم العلماء حملة أوعية العلم، لكن هل ينفذونه أو لا ينفذونه فهذا شيء آخر. صحيح أن كل عالم وعاءُ علم، لكن قد ينتفع هو بعلمه، وقد لا ينتفع، لكنه ينقل علمه إلى من ينتفع به. ولذلك يقول أحد العلماء:
فخذ بعلمي ولاتركن إلى عملي   وأجْنِ الثمار وخلِّ العود للنار
فلا تقل: إن هذا العالم يقول لنا كذا وكذا، ونراه في تصرفاته عكس ما يقول: لأن عليك أن تأخذ ثمرة العلم، واترك العود للنار. ولكن على العالم أن يكون أول من يمتثل ويطبق ما يقوله حتى لا يعذب ولا يدخل تحت قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }.

{ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ } وعرفنا أن التوراة فيها نور وهدى ويحكم بها النبيون والربانيون والأحبار بالوسيلة التي طلب الله منهم أن يحفظوها، وبما طلبه رسولهم منهم أن يحفظوا هذه التوراة. وقال الحق: " استحفظوا " ولم يقل: " حفظوا " ليبين لنا الفارق بين كل كتاب سابق للقرآن وبين القرآن؛ لأننا عرفنا أن كل رسول قد جاء بمعجزة تدل على أنه صادق البلاغ عن الله.

ولكل الرسل من السابقين على رسول الله معجزة منفصلة عن المنهج، مثال ذلك سيدنا موسى فمعجزته العصا وفلق البحر، أما منهجهه فهو التوراة. وسيدنا عيسى معجزته إبراء الأكمه والأبرص، والمنهج الذي جاء به هو الإنجيل. أما سيدنا رسول الله فمعجزته هي عين منهجه، وهي القرآن. وكان الأمر الموجود بالنسبة لكل رسولٍ مرتبطا بزمانه وجماعته ومحتاجا إلى معجزة مناسبة ومنهج مناسب، لكن الرسول الذي أرسله الله إلى الناس جميعا وخاتما للأنبياء لا بد أن تظل معجزته عين منهجهه بحيث يستطيع أي مسلم أن يقول حتى قيام الساعة: محمد رسول الله وهذه معجزته وهي عين منهجهه.

وسيظل القرآن معجزة ظاهرة إلى أن تقوم الساعة؛ لأن الله أرادها مختلفة عن بقية المناهج والمعجزات. فالمعجزات السابقة كانت كعود الثقاب الذي يشعل مرةً واحدة؛ فمن رآه لحظة الاشتعال فالأمر بالنسبة إليه واضح، أما من لم يره فهو لن يصدق تلك المعجزة إلا ان يخبره من يصدقه.وقد استحفظ الله الربانيين والأحبار بالتوراة، أي طلب منهم أن يحفظوها، وكان هذا أمراً تكليفياً، والأمر التكليفي عُرضة لأن يُطاع وعُرضة لأن يُعصى. واستحفظهم الله التوراة والإنجيل:
{  فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ }
[المائدة: 14]

وصار أمر المنهج منسياً. وليس على بالهم كثيراً؛ لأن الأمر إذا توارد على البال واستقر دائما في بؤرة الشعور يظل في الذهن، لكن النسيان يأتي عندما يكون الأمر بعيداً عن البال.

والحق طلب منهم أن يحفظوا المنهج، ولكنهم - ما عدا النبيين - لم ينفذوا، وكل أمر تكليفي يدخل في دائرة الاختيار، ولذلك نجد أن الأحبار والربانيين قد نسوا، وما لم ينسوه كتموه. وأول مرحلة من مراحل عدم الحفظ أنهم نسوا،والمرحلة الثانية هي كتمان ما لم ينسوه، والثالثة هي: ما لم يكتموه حرَّفوه ولووا به ألسنتهم. وياليتهم اقتصروا على هذه المراحل فقط، ولكنهم جاءوا بأشياء وقالوا: هي من عند الله وهي ليست من عند الله:
{  فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ }
[البقرة: 79]

إذن فالحفظ منهم لم يتم؛ لذلك لم يدع الله القرآن للحفظ بطريق التكليف؛ لأنه سبحانه اختبر البشر من قبل، ولأنه أراد القرآن معجزة باقية؛ لذلك لم يكل الله سبحانه أمر حفظه إلى الخلق، ولكنه تكفل - سبحانه - بأمر حفظ القرآن:
{  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }
[الحجر: 9]

ومصداق هذا النص، أن بعضاً من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في هجر منهج الإسلام ومنهج القرآن إلا أنك تجد عجباً، فبمقدار بُعدهم عن منهج الإسلام تطبيقاً يحافظون على القرآن تحقيقاً، فيكتبون القرآن بكل ألوان الكتابة وبكافة الأحجام، فهناك حجم ذهبي ترتديه النساء في صدورهن، وحجم يوضع في اليد، وبعد ذلك نجد الكفرة أنفسهم يخترعون طريقة لكتابة القرآن في صفحة واحدة.

إذن فالله يُسخر لحفظ القرآن حتى من لم يكن مسلماً. وتلك خواطر من الله. ونحن نرى كل يوم من يبتعدون بسلوكهم عن المنهج لكنهم يرصدون المال لحفظ القرآن. ونجد القرآن محققاً بألف وسيلة حفظ: الرجل يضع في سيارته مصحفاً، وفي حجرة نومه مصحفاً، وقد تكون المرأة سافرة وصدرها مكشوف ولكنها تعلق مصحفاً ذهبياً. وهذا يثبت لنا أن حفظ القرآن ليس أمراً تكليفياً. بل هو إرادة الله.

فلو كان الأمر تكليفياً لكان نسيان القرآن وارداً؛ لأن المسلمين ابتعدوا في بعض أمورهم عنه كمنهج، ويناسب ذلك أن ينفصلوا عنه حفظاً. ولكن الأمر صار بالعكس. فعلى الرغم من بُعد المسلمين عن المنهج، ولكن حفظ القرآن لا يقل أبداً، ومن العجيب أن الكثيرين من المسرفين على أنفسهم، إن سمع واحد منهم أنّ شيئاً يمس المصحف، يقيم الدنيا ويقعدها، فالمسألة ليست مسألته، ولكنها مسألة الحافظ جل شأنه. وإن حدث أي تحريف يسير في القرآن من أعداء الإسلام، نجد أمة الإسلام تقف وقفة رجل واحد.ولقد أراد بعض المدلسين أن يدسوا على القرآن ما ليس فيه وجاءوا إلى آية في سورة الفتح وهي:
{  مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ }
[الفتح: 29]

وقالوا: " محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم " وكأنهم يرغبون في زيادة التكريم لرسول الله، فلما عرف المسلمون ذلك قامت ضجة وأحرقوا تلك المصاحف. ومنع المسلمون التحريف مهما كان باب الدخول إليه.

{ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ } والخشية: خوف متوَهَّم ممن تظن أنه قادر على الضر، ولا أحد غير الله قادر على النفع والضر؛ لذلك لا يصح أن يخاف الإنسانُ مِن سواه، أما أن تظن أن السلطان أو القريب منه قادر على الضر، فهذا أمر غير صحيح، وليخشَ كل إنسان الحق سبحانه وهو جل وعلا نصحنا أن تكون الخشية منه دون سواه.

وإن غيَّر أحد أحكام المنهج من أجل السلطان أو أقارب السلطان أو أصدقاء السلطان فذلك عين الفساد. والآفات والشرور تأتي من ذلك. بل قد لا يدري السلطان شيئاً عن ذلك، وقد يتدخل قريب للسلطان - دون علم السلطان - ليطلب من العلماء تغيير بعض من المنهج ولا يستسلم له إلا الضعاف منهم، وقد فطن سيدنا عمر رضي الله عنه إلى هذا الأمر فقال: إن الفساد قد لا يأتي من السلطان، ولكن من الذين حول السلطان.

والخشية هنا تكون من غير الله، ولذلك كان سيدنا عمر يجمع أقاربه والملتفين حوله ويقول لهم: لقد اعتزمت أن أصدر كذا وكذا فوالذي نفسي بيده من خالفني منكم إلى شيء من هذا جعلت نكالاً للمسلمين.

هذا هو أسلوب من أداء أن يخدم ويحكم ولا يحمل أوزاراً، ونرى صور الفساد غنما جاءت نتيجة مخالفة القاعدة الحكيمة: { فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ }.

ويتابع الحق من بعد ذلك: { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً } وثمن آيات الله مهما بولغ في تقييمها فلن يتجاوز نفعه هذه الدنيا؛ لأن الدنيا - كما قلنا سابقا - لا تقاس بعمرها الحقيقي أي إلى أن يُفني الله البشر، وإنما دنيا كل حيّ تقاس بعمره فيها.

فهب أن الحياة طالت لملايين السنين فما نفع الفرد المحدود العمر بهذه الملايين من السنين؟ إذن فدنيا كل إنسان هي مقدار عمره في الحياة. وعمر الفرد في الدنيا له حد محدود غير معروف لأحد غير الله، فلكل أجل كتاب. ولذلك تجد واحداً يعيش متوسط الأعمار وهو سبعون عاماً. ويختلف العمر من إنسان لآخر، وقد يموت آخر عند الستين وثالث يموت في الأربعين ورابع يموت في المائة، وخامس يموت وهو طفل رضيع.

إذن فدنيا الفرد قد تكون لحظة. ومادامت مسألة العمر لا يحكمها زمن ولا يحكمها سبب فهي - إذن - بإرادة الحق غيب.وأقضية الموت في الوجود جعلها الله شائعة في كل زمن ولم يجعلها الحق بعد الميلاد. بمعنى أن يولد الإنسان ليموت من بعد ذلك، لا، فقد يموت الكائن البشري وهو جنين في بطن أمه؛ فهذا حمل يسقط من بعد ساعة، وذاك حمل يسقط من بعد شهر أو شهور، وجعل الحق لنا ذلك لنأخذ من الأمر الغيبي وهو الجنين في البطن مراحلَ تكوينه. إنه يعطينا شكل الجنين بعد نصف ساعة من التكوين، ويعطينا شكل الجنين من بعد ساعة. وكل الأزمنة في الحياة والموت موجودة. وعندما نحلل تلك الأشكال نجد أمامنا كل أطوار الجنين، وكل أطوار الحياة ليكون ذلك واضحا جليا حتى لا يحسب أحد لنفسه عمراً في هذه الدنيا.

ومادام الثمن الذي يأخذه المرتشون ليغيّروا آيات الله وأحكامه سينفعهم في هذه الدنيا، وأعمارهم في هذه الدنيا محدودة، كان عليهم أن يتذكروا أن حياتهم زمنياً قليلة بالنسبة لعمر الدنيا. وحتى يقوم الإنسان بعملية اقتصادية لا بد أن يتعرّف إلى أن عمره محدود بقدر سنوات مجهولة بالنسبة له في هذه الحياة، وهو عمر محدود مهما طال. وإن قارنها الإنسان بالحياة في العالم الآخر فسيجد أن عمره الدنيوي منهي، فإن قايضه بعمر غير منهي هو عمره في الآخرة، فذلك هو الفوز العظيم؛ لأن وجود الإنسان في الدنيا مظنون، ووجود الإنسان بالنسبة للآخرة متيقن. ونعيم الفرد في الدنيا هو على قدر إمكاناته ولو في السلب. ونعيم الإنسان في الآخرة ينسب إلى طلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى.

إذن فأي صفقة تكون هي الرابحة؟ محدود مقابل غير محدود، ومظنون مقابل متيقن، ونعيم على قدر مكنة وسلطان الفرد ولو بالسلب مقابل نعيم على قدر طلاقة قدرة الحق، أي صفقة هي الرابحة؟ إذن فصفقة الدنيا قليلة بالنسبة لما وعد الله به المتقين. ومن بعد ذلك يقول الحق: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ }.

ماذا يعني الحكم بما أنزل الله؟.

نعلم أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل قضية مخالفة في الكون حكماً، فإذا أردت أيها الإنسان أن تحكم في أمرٍ فعليك أن تبحث عن جوهره بسلسلة تاريخ هذا الأمر. ونجد أن قمة كل الأمور هي العقيدة، وهو وجود الواحب الأعلى وهو الله، فإن حكمت بأنه غير موجود فذلك هو الكفر.؟ وإن آمن الإنسان بالله ثم جاء إلى أحكام الله التي أنزلها وقال: لا ليس من المعقول أن يكون الحكم هو هكذا. فهذا لون من رد الحكم على الله وهو لون من الكفر.

أما إن آمن الإنسان بالحكم وقال: إنني أصدق حكم الله، ولكن لا أقدر على نفسي فهل هذا كفر؟ أم هذا ظلم؟. إنه ليس كفراً، ويكون ظلماً إن كان حكماً بين اثنين. وهو فسق إن كان بين الإنسان وبين نفسه؛ لأنه يفسق عن الحكم كما تفسق الرطبة عن قشرتها.فالفاسق هو من له إطار من التكليفات ويخرج عن هذا الإطار كالرطبة التي خرجت من قشرتها. ومادامت الرطبة قد خرجت من قشرتها فهي عرضة للتلوث.

إذن فإن سمعت قول الله:
{  وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ }
[المائدة: 44]

وعندما تسمع:
{  وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ }
[المائدة: 45]

وعندما نسمع:
{  وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }
[المائدة: 47]

فتذكر أحكام الله وحاول أن تقدر على نفسك. وقيل: إن ذلك لليهود؛ لأن الحق قال:
{  إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ }
[المائدة: 44]

وقيل: إن الثانية جاءت للنصارى الذين لم يحكموا بالإنجيل.

ولنا أن نقول رداً على مثل هذه الأقوال: امن الممكن أن يكون ذلك للأديان السابقة على الإسلام وليس موجوداً بالإسلام؟ ذلك أمر لا يقبله العقل أو المنطق، فهي آيات نزلت في مناط الحكم عامة. فإن حكم إنسان في قضية القمّة وهي العقيدة بغير الحق، فذلك هو الكفر. وإن ردّ الإنسان الحكم على منشئه - وهو الحق الأعلى - فهذا لون من الكفر. وإن آمن الإنسان بالقضية وهو مؤمن بالإله فغلبته نفسه فهذا هو الفسق. وإن حكم إنسان بين اثنين وحاد ومال عن حكم الله فهذا هو الظلم.

إذن فـ " كافرون " و " ظالمون " و " فاسقون " تقول لنا: إن الألفاظ اختلفت باختلاف المحكوم به. فلا يقولن أحد: إن تلك آية نزلت لتلك الفئة، وتلك الآية نزلت لفئة أخرى، وثالثة نزلت لفئة ثالثة، ولكنها أحكام عامة لمناط التكليف عامة. والحق قال في بداية كل حكم " ومَن " ومَن كما نعلم كلمة عامة. والدليل على ذلك أن من يحكم بغير ما أنزل الله إنما هو يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً ورد الحكم على الله. وقال الحق في الآية اللاحقة:
{  وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ }
[المائدة: 45]

إنها أحكام تتعلق بجرائم، وعقوبات على جرائم، وهنا يكون الحكم بغير ما أنزل الله ظلماً. إذن فالأمر يختلف حسب المحكوم عليه.

وحينما تعرضنا لقضية الخلق الأول وهو خلق آدم، وطلب الله من الملائكة المكلفين بتدبير أمور الخلق في الأرض أن يسجدوا لآدم. وقلنا إن هذا السجود هو رمزية لأن يكونوا في خدمة آدم؛ لأن كل مظهر من مظاهر القوة في الكون لا نرى الملك الذي يديره، فكل قوة لها ملك معين، ولأن ذلك الأمر من الغيب فنحن لا نراه، إنها ملائكة مدبرات أمر. وحين يبلغهم الحق أن الطارش علىالكون وهو آدم، وأنهم في خدمته، ومن أجل ذلك أمرهم بالسجود لآدم. ولذلك نجد أن بعضاً من الملائكة الذين ليسوا من المدبرات أمرا لم يشملهم الأمر. ويكلم الحق إبليس عندما رفض السجود قال سبحانه:
{  أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ }
[ص: 75]

إن " العالين " هم الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يدرون ولا يعلمون بأمر آدم، فقد سأل الحق إبليس: أانت مستكبر عن السجود أم أنت من العالين الذين لم يشملهم أمر السجود؟ وقلنا إن إبليس لم يكن من الملائكة، لأنه بنص القرآن:
{  إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ }
[الكهف: 50]

ولذلك لا يصح أن يكون " إبليس " محل خلاف أهو من الملائكة أم لا! فهو ليس من الملائكة. وفي القرآن نص صريح يثبت جنسية إبليس. وهو من الجن. وكان من المختارين، له أن يطيع أو أن يعصي. لأن الجن داخلون في قانون الاختيار. فإن ألزم الجنّي نفسه بمنهج الله إلزاماً يتساوى به مع الملائكة وجب عليه أن يقوم بذلك. ولكنه لم يفعل. وكان من الواجب أن يطيع إبليس الأمر. ومادام الحق هو الذي أمر بالسجود، فالأدنى وهو إبليس كان عليه أن يسجد؛ لأن المراتب محفوظة كما نعلم، فرئيس الجمهورية عندما يدخل على الوزراء فهم يطيعون أمره، وإن كان يجلس مع الوزراء بعض وكلاء الوزارات فهم يطيعون أوامره؛ ذلك أنهم يدخلون في الأمر من باب أولى. ولو كان إبليس أعلى من الملائكة لكان أولى له أن يستجيب لأمر الخالق الأعلى ولا يعصى ويتأبى، أما وإنّه كان أقل من الملائكة فكان لا بد من باب أولى - أن ينصاع لأمر الله. لكن إبليس علل أمر عدم السجود، فقال:
{  أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }
[الأعراف: 12]

وفي آية أخرى قال سبحانه:
{  أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً }
[الإسراء: 61]

وحين يتأبّى كائن على الحكم، أيتأبّى على الحكم الأصم، أي على الحكم من حيث هو حكم دون النظر إلى الحاكم، أم على مَن حكم بالحكم وهو الأعلى سبحانه؟. تأبى إبليس على من حكم بالحكم، ولذلك طرده الحق من الجنة وصار ملعوناً. لكن آدم عصى ربه وقرب من الشجرة التي نهاه الله عنها. ومن رحمة الله تعالى أنه جعل في التكليفات مقدمات تنطبق على حالة المكلف نفسه، فلم يقل الحق لآدم: لا تأكل من الشجرة. ولكنه قال:
{  وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ }
[البقرة: 35]

لأن الحق علم أن آدم إنسان، والإنسان من الأغيار، وهو عندما يرى الشجرة بثمارها قد لا يقدر على نفسه، ولذلك كان من الأفضل ألا يقرب من هذه الشجرة. وسبحانه يريد أن يحمي الإنسان؛ لأن التكليفات التشريعية لا يرفعها الحق، ولا يُعفى المكلف من القيام بها إلا في الأمر الذي ليس للإنسان فيه اختيار، ولذلك أراد الحق أن يحمي الإنسان من الاقتراب من تلك الشجرة حتى لا تغريه وجاء الحق بمثل هذا الأمر في الخمر فلم يقل: لا تشربوا الخمر. ولكنه قال:
{  إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ }
[المائدة: 90]

لأن الإنسان لو جلس في مجلس خمر ورأى السُّكارى قد سعدوا وضحكوا فقد تراوده نفسه على شرب الخمر. إذن فالأمر بالاجتناب هنا أبلغ من " لا تشربوه ". ونجد أن تكليفات الحق إنما تاتي للعمل النزوعي، ومعنى العمل النزوعي أن يتحرك الإنسان للعمل. أما بالنسبة للإدراكات فمن الجائز أن يدرك الإنسان الأمر. ويترك الحق لنا حرية حب من نشاء وكراهية من نشاء. ولكن هذا الحب لا يصح أن يصدر عنه عمل نزوعي فنجامله بالباطل. وكذلك الكراهية فليس هناك أمر بالكراهية، ولكن إن كره إنسان إنساناً فلا يصح أن يظلمه. فالمنهيّ عنه هو الظلم، ولذلك قال الحق:
{  وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ }
[المائدة: 8]

أي لا يحملنكم بغض قوم ألا تعدلوا. إذن فالحق لم يحرم البغض لأنه مسألة عاطفية. ولكن التحريم ينحصر على الإقدام على عمل يخل بميزان العدل مع من تكره. ويجب أن يؤمن الإنسان إيماناً جازماً بأن من ظلمه بمعصية، فلا يجازيه الإنسان إلا بطاعة الله. وآدم أكل من الشجرة، فهو - إذن - قد تجاوز مسألة الاقتراب إلى مسألة الأكل من الشجرة؛ لأنه لو قرب منها لكان مخالفاً، فما بالنا وهو قد أكل منها أيضاً؟ إذن فقد أوغل آدم في المعصية، لكنه قال: (ظلمنا أنفسنا).

وهذا اعتراف واضح بأن حكمك يا الله هو الحكم الحق، لكني لم أقدر على نفسي يا ربي. إذن فهو لم يَرُدَّ الحكم على الله، ولكنه اعترف بأنه لم يقدر على تنفيذ الحكم، لذلك أعطاه الله كلمات ليقولها فيتوب عليه. وسبحانه هو الذي علم آدم كيف تكون التوبة. فآدم - إذن - ليس كإبليس الذي رد الحكم على الله؛ لأن آدم قال: أنا لم أقدر على نفسي.

إذن فمن لم يحكم بما أنزل الله رادّاً للحكم على الله ومخطّئاً لله - سبحانه - فهو كافر. وإن كان حكماً بين اثنين وحكم بغير ما أنزل الله فهو ظالم. أما إن كان حكماً علىالنفس ولم يقدر عليه الإنسان فهذا فسق. وكل وصف جاء حسب حكمه. ولا داعي - إذن - للجدل ولا للخلاف ولا ادعاء أن هناك قولاً يقصد به اليهود، وآخر ورد في النصرانية، ولا يصح أن يزين الإنسان الباطل لأحد، لأن ورود الحكم بما أنزل الله في الإسلام أمر جازم يوجب الالتزام به.

ويقول الحق من بعد ذلك: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ... }


www.alro7.net