سورة
اية:

ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

تفسير بن كثير

هذا إخبار من اللّه تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم عليها السلام، عن أمر اللّه لهم بذلك أن اللّه قد اصطفاها، أي اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها، وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس، واصطفاها ثانياً مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين، عن رسول اللّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط) ""رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة وأخرجه مسلم بنحوه"" وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد) ""رواه الشيخان عن علي بن أبي طالب"" عن أنَس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (خير نساء العالمين أربع، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول اللّه) ""رواه ابن مردويه عن أنَس بن مالك"" وفي البخاري: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع الركوع والسجود، والدأب في العمل لما يريد اللّه بها من الأمر الذي قدره اللّه وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في الدارين، بما أظهر اللّه فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولداً من غير أب، فقال تعالى: { يا مريم أقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} أما القنوت فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: { وله من في السموات والأرض كل له قانتون} وقال مجاهد: كانت مريم عليها السلام تقوم حتى تتورم كعباها، والقنوت هو طول الركوع في الصلاة، يعني امتثالاً لقول اللّه تعالى: { يا مريم اقنتي لربك} قال الحسن: يعني اعبدي لربك { واسجدي واركعي مع الراكعين} أي كوني منهم، ثم قال لرسوله بعدما أطلعه على جلية الأمر: { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} أي نقصه عليك، { وما كنت لديهم} أي ما كنا عندهم يا محمد، فتخبرهم عن معاينة ما جرى، بل أطلعك اللّه على ذلك كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم، حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها وذلك رغبتهم في الأجر. قال ابن جرير عن عكرمة: ثم خرجت أم مريم بها، يعني بمريم في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى عليهما السلام - وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة - فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة فإني حررتها، وهي أنثى ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا - وكان عمران يؤمهم في الصلاة - وصاحب قرباننا فقال زكريا: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي، فقالوا: لا تطيب أنفسنا، هي ابنة إمامنا، فذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها. وقد ذكر عكرمة والسدي وقتادة أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك إلى أن يلقوا أقلامهم فأيهم يثبت في جرية الماء فهو كافلها، فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت ويقال: إنه ذهب صاعداً يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيّهم صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى سائر النبيين.

تفسير الجلالين

{ ذلك } المذكور من أمر زكريا ومريم { من أنباء الغيب } أخبار ما غاب عنك { نوحيه إليك } يا محمد { وما كنت لديهم إذ يُلْقُون أقلامهم } في الماء يقترعون ليطهر لهم { أيهم يكْفُلُ } يربي { مريم وما كنت لديهم إذ يختصون } في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته من جهة الوحي .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاء الْغَيْب نُوحِيه إِلَيْك } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ذَلِكَ الْأَخْبَار الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عِبَاده عَنْ اِمْرَأَة عِمْرَان وَابْنَتهَا مَرْيَم وَزَكَرِيَّا , وَابْنه يَحْيَى , وَسَائِر مَا قَصَّ فِي الْآيَات مِنْ قَوْله : { إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى آدَم وَنُوحًا } ثُمَّ جَمَعَ جَمِيع ذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ ذَلِكَ , فَقَالَ : هَذِهِ الْأَنْبَاء مِنْ أَنْبَاء الْغَيْب : أَيْ مِنْ أَخْبَار الْغَيْب . وَيَعْنِي بِالْغَيْبِ , أَنَّهَا مِنْ خَفِيّ أَخْبَار الْقَوْم الَّتِي لَمْ تَطَّلِع أَنْتَ يَا مُحَمَّد عَلَيْهَا وَلَا قَوْمك , وَلَمْ يَعْلَمهَا إِلَّا قَلِيل مِنْ أَحْبَار أَهْل الْكِتَابَيْنِ وَرُهْبَانهمْ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَوْحَى ذَلِكَ إِلَيْهِ حُجَّة عَلَى نُبُوَّته , وَتَحْقِيقًا لِصِدْقِهِ , وَقَطْعًا مِنْهُ بِهِ عُذْر مُنْكِرِي رِسَالَته مِنْ كُفَّار أَهْل الْكِتَابَيْنِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَصِل إِلَى عِلْم هَذِهِ الْأَنْبَاء مَعَ خَفَائِهَا وَلَمْ يُدْرِك مَعْرِفَتهَا مَعَ خُمُولهَا عِنْد أَهْلهَا إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّه ذَلِكَ إِيَّاهُ , إِذْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدهمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِّيّ لَا يَكْتُب فَيَقْرَأ الْكُتُب فَيَصِل إِلَى عِلْم ذَلِكَ مِنْ قِبَل الْكُتُب , وَلَا صَاحِب أَهْل الْكِتَاب فَيَأْخُذ عِلْمه مِنْ قِبَلهمْ . وَأَمَّا الْغَيْب : فَمَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : غَابَ فُلَان عَنْ كَذَا , فَهُوَ يَغِيب عَنْهُ غَيْبًا وَغَيْبَة . وَأَمَّا قَوْله : { نُوحِيه إِلَيْك } فَإِنَّ تَأْوِيله : نَنْزِلهُ إِلَيْك , وَأَصْل الْإِيحَاء : إِلْقَاء الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ , وَذَلِكَ قَدْ يَكُون بِكِتَابٍ وَإِشَارَة وَإِيمَاء وَبِإِلْهَامٍ وَبِرِسَالَةٍ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَأَوْحَى رَبّك إِلَى النَّحْل } 16 68 بِمَعْنَى : أَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهَا فَأَلْهَمَهَا , وَكَمَا قَالَ : { وَإِذْ أَوْحَيْت إِلَى الْحَوَارِيِّينَ } 5 111 بِمَعْنَى : أَلْقَيْت إِلَيْهِمْ عِلْم ذَلِكَ إِلْهَامًا , وَكَمَا قَالَ الرَّاجِز : أَوْحَى لَهَا الْقَرَار فَاسْتَقَرَّتْ بِمَعْنَى : أَلْقَى إِلَيْهَا ذَلِكَ أَمْرًا , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَة وَعَشِيًّا } 19 11 بِمَعْنَى : فَأَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا , وَالْأَصْل فِيهِ مَا وَصَفْت مِنْ إِلْقَاء ذَلِكَ إِلَيْهِمْ . وَقَدْ يَكُون إِلْقَاؤُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ إِيمَاء , وَيَكُون بِكِتَابٍ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله : { وَإِنَّ الشَّيَاطِين لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ } 6 121 يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ وَسْوَسَة , وَقَوْله : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآن لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } 6 19 أُلْقِيَ إِلَيَّ بِمَجِيءِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بِهِ إِلَيَّ مِنْ عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَأَمَّا الْوَحْي : فَهُوَ الْوَاقِع مِنْ الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ , وَلِذَلِكَ سَمَّتْ الْعَرَب الْخَطّ وَالْكِتَاب وَحْيًا , لِأَنَّهُ وَاقِع فِيمَا كُتِبَ ثَابِت فِيهِ , كَمَا قَالَ كَعْب بْن زُهَيْر : أَتَى الْعُجْم وَالْآفَاق مِنْهُ قَصَائِد بَقِينَ بَقَاء الْوَحْي فِي الْحَجَر الْأَصَمّ يَعْنِي بِهِ الْكِتَاب الثَّابِت فِي الْحَجَر . وَقَدْ يُقَال فِي الْكِتَاب خَاصَّة إِذَا كَتَبَهُ الْكَاتِب وَحَى , بِغَيْرِ أَلِف , وَمِنْهُ قَوْل رُؤْبَة : كَأَنَّهُ بَعْد رِيَاح تَدْهَمهُ وَمُرْثَعِنَّات الدُّجُون تَثِمهُ إِنْجِيل أَحْبَار وَحَى مُنَمْنِمه الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاء الْغَيْب نُوحِيه إِلَيْك } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ذَلِكَ الْأَخْبَار الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عِبَاده عَنْ اِمْرَأَة عِمْرَان وَابْنَتهَا مَرْيَم وَزَكَرِيَّا , وَابْنه يَحْيَى , وَسَائِر مَا قَصَّ فِي الْآيَات مِنْ قَوْله : { إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى آدَم وَنُوحًا } ثُمَّ جَمَعَ جَمِيع ذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ ذَلِكَ , فَقَالَ : هَذِهِ الْأَنْبَاء مِنْ أَنْبَاء الْغَيْب : أَيْ مِنْ أَخْبَار الْغَيْب . وَيَعْنِي بِالْغَيْبِ , أَنَّهَا مِنْ خَفِيّ أَخْبَار الْقَوْم الَّتِي لَمْ تَطَّلِع أَنْتَ يَا مُحَمَّد عَلَيْهَا وَلَا قَوْمك , وَلَمْ يَعْلَمهَا إِلَّا قَلِيل مِنْ أَحْبَار أَهْل الْكِتَابَيْنِ وَرُهْبَانهمْ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَوْحَى ذَلِكَ إِلَيْهِ حُجَّة عَلَى نُبُوَّته , وَتَحْقِيقًا لِصِدْقِهِ , وَقَطْعًا مِنْهُ بِهِ عُذْر مُنْكِرِي رِسَالَته مِنْ كُفَّار أَهْل الْكِتَابَيْنِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَصِل إِلَى عِلْم هَذِهِ الْأَنْبَاء مَعَ خَفَائِهَا وَلَمْ يُدْرِك مَعْرِفَتهَا مَعَ خُمُولهَا عِنْد أَهْلهَا إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّه ذَلِكَ إِيَّاهُ , إِذْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدهمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِّيّ لَا يَكْتُب فَيَقْرَأ الْكُتُب فَيَصِل إِلَى عِلْم ذَلِكَ مِنْ قِبَل الْكُتُب , وَلَا صَاحِب أَهْل الْكِتَاب فَيَأْخُذ عِلْمه مِنْ قِبَلهمْ . وَأَمَّا الْغَيْب : فَمَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : غَابَ فُلَان عَنْ كَذَا , فَهُوَ يَغِيب عَنْهُ غَيْبًا وَغَيْبَة . وَأَمَّا قَوْله : { نُوحِيه إِلَيْك } فَإِنَّ تَأْوِيله : نَنْزِلهُ إِلَيْك , وَأَصْل الْإِيحَاء : إِلْقَاء الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ , وَذَلِكَ قَدْ يَكُون بِكِتَابٍ وَإِشَارَة وَإِيمَاء وَبِإِلْهَامٍ وَبِرِسَالَةٍ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَأَوْحَى رَبّك إِلَى النَّحْل } 16 68 بِمَعْنَى : أَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهَا فَأَلْهَمَهَا , وَكَمَا قَالَ : { وَإِذْ أَوْحَيْت إِلَى الْحَوَارِيِّينَ } 5 111 بِمَعْنَى : أَلْقَيْت إِلَيْهِمْ عِلْم ذَلِكَ إِلْهَامًا , وَكَمَا قَالَ الرَّاجِز : أَوْحَى لَهَا الْقَرَار فَاسْتَقَرَّتْ بِمَعْنَى : أَلْقَى إِلَيْهَا ذَلِكَ أَمْرًا , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَة وَعَشِيًّا } 19 11 بِمَعْنَى : فَأَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا , وَالْأَصْل فِيهِ مَا وَصَفْت مِنْ إِلْقَاء ذَلِكَ إِلَيْهِمْ . وَقَدْ يَكُون إِلْقَاؤُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ إِيمَاء , وَيَكُون بِكِتَابٍ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله : { وَإِنَّ الشَّيَاطِين لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ } 6 121 يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ وَسْوَسَة , وَقَوْله : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآن لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } 6 19 أُلْقِيَ إِلَيَّ بِمَجِيءِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بِهِ إِلَيَّ مِنْ عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَأَمَّا الْوَحْي : فَهُوَ الْوَاقِع مِنْ الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ , وَلِذَلِكَ سَمَّتْ الْعَرَب الْخَطّ وَالْكِتَاب وَحْيًا , لِأَنَّهُ وَاقِع فِيمَا كُتِبَ ثَابِت فِيهِ , كَمَا قَالَ كَعْب بْن زُهَيْر : أَتَى الْعُجْم وَالْآفَاق مِنْهُ قَصَائِد بَقِينَ بَقَاء الْوَحْي فِي الْحَجَر الْأَصَمّ يَعْنِي بِهِ الْكِتَاب الثَّابِت فِي الْحَجَر . وَقَدْ يُقَال فِي الْكِتَاب خَاصَّة إِذَا كَتَبَهُ الْكَاتِب وَحَى , بِغَيْرِ أَلِف , وَمِنْهُ قَوْل رُؤْبَة : كَأَنَّهُ بَعْد رِيَاح تَدْهَمهُ وَمُرْثَعِنَّات الدُّجُون تَثِمهُ إِنْجِيل أَحْبَار وَحَى مُنَمْنِمه ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ } وَمَا كُنْت يَا مُحَمَّد عِنْدهمْ , فَتَعْلَم مَا نُعْلِمكَهُ مِنْ أَخْبَارهمْ الَّتِي لَمْ تَشْهَدهَا , وَلَكِنَّك إِنَّمَا تَعْلَم ذَلِكَ فَتُدْرِك مَعْرِفَته بِتَعْرِيفِنَاكَهُ . وَمَعْنَى قَوْله { لَدَيْهِمْ } عِنْدهمْ , وَمَعْنَى قَوْله { إِذْ يُلْقُونَ } حِين يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ . وَأَمَّا أَقْلَامهمْ فَسِهَامهمْ الَّتِي اِسْتَهَمَ بِهَا الْمُسْتَهِمُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى كَفَالَة مَرْيَم , عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْل فِي قَوْله : { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5547 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ } يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 5548 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ } زَكَرِيَّا وَأَصْحَابه اسْتَهَمُوا بِأَقْلَامِهِمْ عَلَى مَرْيَم حِين دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 5549 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } كَانَتْ مَرْيَم اِبْنَة إِمَامهمْ وَسَيِّدهمْ , فَتَشَاحَّ عَلَيْهَا بَنُو إِسْرَائِيل , فَاقْتَرَعُوا فِيهَا بِسِهَامِهِمْ أَيّهمْ يَكْفُلهَا , فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا , وَكَانَ زَوْج أُخْتهَا , فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا , يَقُول : ضَمَّهَا إِلَيْهِ . 5550 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ } قَالَ : تَسَاهَمُوا عَلَى مَرْيَم أَيّهمْ يَكْفُلهَا , فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا . 5551 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم } , وَإِنَّ مَرْيَم لَمَّا وُضِعَتْ فِي الْمَسْجِد , اِقْتَرَعَ عَلَيْهَا أَهْل الْمُصَلَّى , وَهُمْ يَكْتُبُونَ الْوَحَى , فَاقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيّهمْ يَكْفُلهَا , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } 5552 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم } اِقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم , فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا . 5553 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , عَنْ عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ } قَالَ : حَيْثُ اِقْتَرَعُوا عَلَى مَرْيَم , وَكَانَ غَيْبًا عَنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَخْبَرَهُ اللَّه . وَإِنَّمَا قِيلَ : { أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم } لِأَنَّ إِلْقَاء الْمُسْتَهِمِينَ أَقْلَامهمْ عَلَى مَرْيَم إِنَّمَا كَانَ لِيَنْظُرُوا أَيّهمْ أَوْلَى بِكَفَالَتِهَا وَأَحَقّ , فَفِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ } دَلَالَة عَلَى مَحْذُوف مِنْ الْكَلَام , وَهُوَ : " لِيَنْظُرُوا أَيّهمْ يَكْفُل , وَلِيَتَبَيَّنُوا ذَلِكَ وَيَعْلَمُوهُ " . فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ الْوَاجِب فِي " أَيّهمْ " النَّصْب , إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , فَقَدْ ظَنَّ خَطَأ ; وَذَلِكَ أَنَّ النَّظَر وَالتَّبَيُّن وَالْعِلْم مَعَ أَيّ يَقْتَضِي اِسْتِفْهَامًا وَاسْتِخْبَارًا , وَحَظّ " أَيّ " فِي الِاسْتِخْبَار الِابْتِدَاء , وَبِطُولِ عَمَل الْمَسْأَلَة وَالِاسْتِخْبَار عَنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْل الْقَائِل : لَأَنْظُرَنَّ أَيّهمْ قَامَ , لَأَسْتَخْبِرَنَّ النَّاس أَيّهمْ قَامَ , وَكَذَلِكَ قَوْلهمْ : لَأَعْلَمَنَّ . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل أَنَّ مَعْنَى يَكْفُل يَضُمّ , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ } وَمَا كُنْت يَا مُحَمَّد عِنْدهمْ , فَتَعْلَم مَا نُعْلِمكَهُ مِنْ أَخْبَارهمْ الَّتِي لَمْ تَشْهَدهَا , وَلَكِنَّك إِنَّمَا تَعْلَم ذَلِكَ فَتُدْرِك مَعْرِفَته بِتَعْرِيفِنَاكَهُ . وَمَعْنَى قَوْله { لَدَيْهِمْ } عِنْدهمْ , وَمَعْنَى قَوْله { إِذْ يُلْقُونَ } حِين يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ . وَأَمَّا أَقْلَامهمْ فَسِهَامهمْ الَّتِي اِسْتَهَمَ بِهَا الْمُسْتَهِمُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى كَفَالَة مَرْيَم , عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْل فِي قَوْله : { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5547 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ } يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 5548 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ } زَكَرِيَّا وَأَصْحَابه اسْتَهَمُوا بِأَقْلَامِهِمْ عَلَى مَرْيَم حِين دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 5549 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } كَانَتْ مَرْيَم اِبْنَة إِمَامهمْ وَسَيِّدهمْ , فَتَشَاحَّ عَلَيْهَا بَنُو إِسْرَائِيل , فَاقْتَرَعُوا فِيهَا بِسِهَامِهِمْ أَيّهمْ يَكْفُلهَا , فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا , وَكَانَ زَوْج أُخْتهَا , فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا , يَقُول : ضَمَّهَا إِلَيْهِ . 5550 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ } قَالَ : تَسَاهَمُوا عَلَى مَرْيَم أَيّهمْ يَكْفُلهَا , فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا . 5551 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم } , وَإِنَّ مَرْيَم لَمَّا وُضِعَتْ فِي الْمَسْجِد , اِقْتَرَعَ عَلَيْهَا أَهْل الْمُصَلَّى , وَهُمْ يَكْتُبُونَ الْوَحَى , فَاقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيّهمْ يَكْفُلهَا , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } 5552 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم } اِقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم , فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا . 5553 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , عَنْ عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ } قَالَ : حَيْثُ اِقْتَرَعُوا عَلَى مَرْيَم , وَكَانَ غَيْبًا عَنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَخْبَرَهُ اللَّه . وَإِنَّمَا قِيلَ : { أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم } لِأَنَّ إِلْقَاء الْمُسْتَهِمِينَ أَقْلَامهمْ عَلَى مَرْيَم إِنَّمَا كَانَ لِيَنْظُرُوا أَيّهمْ أَوْلَى بِكَفَالَتِهَا وَأَحَقّ , فَفِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامهمْ } دَلَالَة عَلَى مَحْذُوف مِنْ الْكَلَام , وَهُوَ : " لِيَنْظُرُوا أَيّهمْ يَكْفُل , وَلِيَتَبَيَّنُوا ذَلِكَ وَيَعْلَمُوهُ " . فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ الْوَاجِب فِي " أَيّهمْ " النَّصْب , إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , فَقَدْ ظَنَّ خَطَأ ; وَذَلِكَ أَنَّ النَّظَر وَالتَّبَيُّن وَالْعِلْم مَعَ أَيّ يَقْتَضِي اِسْتِفْهَامًا وَاسْتِخْبَارًا , وَحَظّ " أَيّ " فِي الِاسْتِخْبَار الِابْتِدَاء , وَبِطُولِ عَمَل الْمَسْأَلَة وَالِاسْتِخْبَار عَنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْل الْقَائِل : لَأَنْظُرَنَّ أَيّهمْ قَامَ , لَأَسْتَخْبِرَنَّ النَّاس أَيّهمْ قَامَ , وَكَذَلِكَ قَوْلهمْ : لَأَعْلَمَنَّ . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل أَنَّ مَعْنَى يَكْفُل يَضُمّ , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا كُنْت يَا مُحَمَّد عِنْد قَوْم مَرْيَم , إِذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا أَيّهمْ أَحَقّ بِهَا وَأَوْلَى , وَذَلِكَ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَوْبِيخ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ , يَقُول : كَيْفَ يَشُكّ أَهْل الْكُفْر بِك مِنْهُمْ , وَأَنْتَ تُنَبِّئهُمْ هَذِهِ الْأَنْبَاء وَلَمْ تَشْهَدهَا , وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُمْ يَوْم فَعَلُوا هَذِهِ الْأُمُور , وَلَسْت مِمَّنْ قَرَأَ الْكُتُب فَعَلِمَ نَبَأَهُمْ , وَلَا جَالَسَ أَهْلهَا فَسَمِعَ خَبَرهمْ . كَمَا 5554 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أَيْ مَا كُنْت مَعَهُمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا يُخْبِرهُ بِخَفِيِّ مَا كَتَمُوا مِنْهُ مِنْ الْعِلْم عِنْدهمْ , لِتَحْقِيقِ نُبُوَّته وَالْحُجَّة عَلَيْهِمْ , لِمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ مِمَّا أَخْفَوْا مِنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا كُنْت يَا مُحَمَّد عِنْد قَوْم مَرْيَم , إِذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا أَيّهمْ أَحَقّ بِهَا وَأَوْلَى , وَذَلِكَ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَوْبِيخ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ , يَقُول : كَيْفَ يَشُكّ أَهْل الْكُفْر بِك مِنْهُمْ , وَأَنْتَ تُنَبِّئهُمْ هَذِهِ الْأَنْبَاء وَلَمْ تَشْهَدهَا , وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُمْ يَوْم فَعَلُوا هَذِهِ الْأُمُور , وَلَسْت مِمَّنْ قَرَأَ الْكُتُب فَعَلِمَ نَبَأَهُمْ , وَلَا جَالَسَ أَهْلهَا فَسَمِعَ خَبَرهمْ . كَمَا 5554 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أَيْ مَا كُنْت مَعَهُمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا يُخْبِرهُ بِخَفِيِّ مَا كَتَمُوا مِنْهُ مِنْ الْعِلْم عِنْدهمْ , لِتَحْقِيقِ نُبُوَّته وَالْحُجَّة عَلَيْهِمْ , لِمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ مِمَّا أَخْفَوْا مِنْهُ . '

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى { ذلك من أنباء الغيب} أي الذي ذكرنا من حديث زكريا ويحيى ومريم عليهم السلام من أخبار الغيب. { نوحيه إليك} فيه دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب؛ وأخبر عن ذلك وصدقه أهل الكتاب بذلك؛ فذلك قوله تعالى { نوحيه إليك} فرد الكناية إلى { ذلك} فلذلك ذكر. والإيحاء هنا الإرسال إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والوحي يكون إلهاما وإيماء وغير ذلك. وأصله في اللغة إعلام في خفاء؛ ولذلك صار الإلهام يسمى وحيا؛ ومنه { وإذ أوحيت إلى الحواريين} [المائدة : 111] وقوله { وأوحى ربك إلى النحل} [النحل : 68] وقيل : معنى { أوحيت إلى الحواريين} أمرتهم؛ يقال : وحى وأوحى، ورمى وأرمى، بمعناه. قال العجاج : أوحى لها القرار فاستقرت ** أي أمر الأرض بالقرار. وفي الحديث : (الوحي الوحي) وهو السرعة؛ والفعل منه توحيت توحيا. قال ابن فارس : الوحي الإشارة والكتابة والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى يعلمه وحي كيف كان. والوحي : السريع. والوَحَى : الصَّوْت؛ ويقال : استوحيناهم أي استصرخناهم. قال : أوحيت ميمونا لها والأزراق ** الثانية: قوله تعالى { وما كنت لديهم} أي وما كنت يا محمد لديهم، أي بحضرتهم وعندهم. { إذ يلقون أقلامهم} جمع قلم؛ من قلمه إذا قطعه. قيل : قداحهم وسهامهم. وقيل : أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة، وهو أجود؛ لأن الأزلام قد نهى الله عنها فقال { ذلكم فسق} [المائدة : 3]. إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها. { أيهم يكفل مريم} أي يحضنها، فقال زكريا : أنا أحق بها، خالتها عندي. وكانت عنده أشيع بنت فاقود أخت حنة بنت فاقود أم مريم. وقال بنو إسرائيل : نحن أحق بها، بنت عالمنا. فاقترعوا عليها وجاء كل واحد بقلمه، واتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري فمن وقف قلمه ولم يجره الماء فهو حاضنها. قال النبي صلى الله عليه وسلم : (فجرت الأقلام وعال قلم زكريا). وكانت آية له؛ لأنه نبي تجري الآيات على يديه. وقيل غير هذا. و { أيهم يكفل مريم} ابتداء وخبر في موضع نصب بالفعل المضمر الذي دل عليه الكلام؛ التقدير : ينظرون أيهم يكفل مريم. ولا يعمل الفعل في لفظ { أي} لأنها استفهام. الثالثة: استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القرعة، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظنة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنة. ورد العمل بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه، وردوا الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها وقال : القرعة في القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنة. قال أبو عبيد : وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء : يونس وزكريا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن المنذر. واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردها. وقد ترجم البخاري في آخر كتاب الشهادات (باب القرعة في المشكلات وقول الله عز وجل { إذ يلقون أقلامهم} ) وساق حديث النعمان بن بشير : (مثل القائم على حدود الله والمُدْهِن فيها مثل قوم استهموا على سفينة...) الحديث. وسيأتي في "الأنفال" إن شاء الله تعالى، وفي سورة "الزخرف" أيضا بحول الله سبحانه، وحديث أم العلاء، وأن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه في السكنى حين اقترعت الأنصار سكنى المهاجرين، الحديث، وحديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها؛ وذكر الحديث. وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك؛ فقال مرة : يقرع للحديث. وقال مرة : يسافر بأوفقهن له في السفر. وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وكيفية القرعة مذكورة في كتب الفقه والخلاف. واحتج أبو حنيفة بأن قال : إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز. قال ابن العربي { وهذا ضعيف، لأن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاح؛ فأما ما يخرجه التراضي فيه فباب آخر، ولا يصح لأحد أن يقول : إن القرعة تجري مع موضع التراضي، فإنها لا تكون أبدا مع التراضي { وإنما تكون فيما يَتَشَاحّ الناس فيه ويُضَن به. وصفة القرعة عند الشافعي ومن قال بها : أن تقطع رقاع صغار مستوية فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها ثم تجفف قليلا ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك ويغطي عليها ثوبه ثم يدخل ويخرج، فإذا أخرج اسم رجل أعطي الجزء الذي أقرع عليه. الرابعة: ودلت الآية أيضا على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدة، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة - واسمها أمة الله - لجعفر وكانت عنده خالتها، وقال : (إنما الخالة بمنزلة الأم) وقد تقدمت في البقرة هذه المسألة. وخرج أبو داود عن علي قال : خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة فقال جعفر : أنا آخذها أنا أحق بها ابنة عمي وخالتها عندي، وإنما الخالة أم. فقال علي : أنا أحق بها ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أحق بها. وقال زيد : أنا أحق بها، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا قال : (وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم). وذكر ابن أبي خيثمة أن زيد بن حارثة كان وصي حمزة، فتكون الخالة على هذا أحق من الوصي ويكون ابن العم إذا كان زوجا غير قاطع بالخالة في الحضانة وإن لم يكن محرما لها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 37 - 46

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقد قلنا من قبل: إن كلمة " نبأ " ، لا تأتي إلاّ في الخبر العظيم. والغيب هو ما غاب عن الحس. وهناك " غياب عن الحس " من الممكن أن يدركه مثلك. وهناك غياب عن الحس لا يدركه مثلك. وقلنا من قبل: إن حجب الغيب ثلاثة: مرة يكون الحجاب في الزمن ماضيا، ومرة مستقبلا، ومرة ثالثة يكون الحجاب في المكان. لماذا؟ لأن ظروف الأحداث زمان ومكان. فإذا أنبأني منبئ بخبر مضى زمنه فهذا اختراق للحجاب الزمن الماضي، فالحدث يكون قد وقع من سنوات وصار ماضيا, وإذا أخبرني به الآن فهذا يعني أنه اخترق حجاب الزمن الماضي، وإذا قال لي عن أمر سيحدث بعد سنتين من الآن فهذا اختراق حجاب الزمن المستقبل، وهب أنه أخبرك بنبأ معاصر لزمنك الآن نقول: هنا يوجد حجاب المكان، فعندما أكون معكم الآن لا أعرف ما الحادث في مدينة أخرى غير التي نحن بها، ورغم أن الزمن واحد.

لذلك فعلينا أن نعرف، أنه مرة يكون الحجاب زمان.. أي قد يكون الزمن ماضيا، أو يكون الزمن مستقبلا، وقد يكون حجاب مكان. فإذا كان الله ينبئ رسوله بهذا النبأ, فوسائل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث؛ لأن وسيلة العلم بالنبأ أحد ثلاثة أمور: مشاهدة؛ أو سماع؛ أو قراءة.

والوسيلة الأولى وهي مشاهدة النبأ يشترط أن يوجد في زمن هذا النبأ، والنبأ الذي أخبر الله به رسوله حدث من قبل بعث الرسول بما لا يقل عن ستة قرون. إذن فالمشاهدة كوسيلة علم بهذا النبأ لا تصلح، لأن النبأ قد حدث في الماضي. قد يقول قائل: لعل الرسول صلى الله عليه وسلم قد قرأها، أو سمعها وبإقرار خصوم محمد صلى الله عليه وسلم أنه ليس بقارئ، فامتنعت هذه الوسيلة أيضا، وبإقرار خصومة صلى الله عليه وسلم أنه لم يجلس إلى معلم فلم يستمع من معلم. إذن فلم يكن من سبيل لمعرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا النبأ إلا بالوحي، لذلك قال الحق سبحانه:

{ ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } [آل عمران: 44]

وقلنا قديما إن الوحي، هو إعلام بخفاء؛ لأن الإعلام العادي هو أن يقول إنسان لإنسان خبراً ما، أو يقرأ الإنسان الخبر، أما الإعلام بخفاء فاسمه " وحي ". والوحي يقتضي " موحي " وهو الله، " وموحى إليه " وهو الرسول الله صلى الله عليه وسلم، و " موحى به " وهو القرآن الكريم.

وإذا نظرنا إلى الإعلام بخفاء لوجدنا له وسائل كثيرة.إن الله يوحي. لكن الموحي إليه يختلف. الله سبحانه وتعالى يوحي للأرض:
{  إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا }
[الزلزلة: 1-5].

إنه إعلام بخفاء، لأن أحدا منا لم يسمع الله وهو يوحي للأرض، والحق سبحانه يوحي للنحل، ويوحي للملائكة، ويوحي للأنبياء، وهناك وحي من غير الله، كوحي الشياطين.
{  وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }
[الانعام: 121].

وهناك وحي من البشر للبشر:
{  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }
[الأنعام: 112].

لكن الوحي إذا أُطلق، ينصرف إلى الوحي من الله إلى من اختاره لرسالة، وما عدا ذلك من أنواع الوحي يسمونه " وحيا لغويا " إنما الوحي الاصطلاحي وحي من الله لرسول، إذن فوحى الله للأرض ليس وحيا اصطلاحيا، ووحى الله للنحل ليس وحيا اصطلاحيا، ووحي الله لأم موسى ليس وحيا اصطلاحيا، ووحي الله للحواريين ليس وحيا اصطلاحيا، إن الحق سبحانه يقول:
{  وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }
[المائدة: 111].

إن هذا لون من الوحي غير اصطلاحي، بل هو وحي لغوي، أي أعلمهم بخفاء. لكن الوحي الحقيقي أن يُعلم الله من اختاره لرسالة، وهذا هو الوحي الذي جاء للرسول صلى الله عليه وسلم. يقول الحق: { ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }.

هكذا يخبرنا الحق ان الرسول تلقى هذا النبأ بالوحي، فلم يقرأه، ولم يشاهده، ونحن نعرف أن خصوم رسول الله شهدوا انه لم يقرأ ولم يستمع من معلم. وهكذا يخبرنا الحق أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن موجودا مع قوم مريم حين ألقوا أقلامهم.

والقلم يُطلق على القلم الذي نكتب به، أو يطلق القلم على القداح التي كانوا يقترعون بها إذا اختلفوا على شيء. وكانوا عندما يختلفون يحضرون قداحا، ليعفروا من يظفر بالشيء المختلف عليه ونسميها نحن القرعة، والقرعة يقومون بإجرائها لإخراج الهوى من قسمة شائعة بين أفراد، وذلك حتى لا يميل الهوى إلى هذا أو إلى ذاك مفضلا له على الآخرين، ولذلك فنحن أيضا نجري القرعة فنضع لكل واحد ورقة.

إذن فلا هوى لأحد في إجراء قسمة عن طريق القرعة، وبذلك نكون قد تركنا المسألة إلى قدر الله لأن الورقة لا هوى لها، ولما اختلف قوم مريم على كفالتها، واختصموا حول مَن الذي له الحق في أن يكفلها. هنا أرادوا أن يعزلوا الهوى عن هذه المسألة، وأرادوا أن تكون قدرية، ويكون القول فيها عن طريق قدح لا هوى له.وهذا القدح سيجري على وفق المقادير. أما " أقلامهم " فقد تكون هي القداح التي يقتسمون بها القرعة، أو الأقلام التي كتبوا بها التوراة تبركا.

وتساؤل البعض، ما المقصود بقول الحق: " إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ " وأين تم إلقاء هذه الأقلام؟ قيل: إنها ألقيت في البحر وإذا ألقيت الأقلام في البحر فمن الذي يتميز في ذلك؟ قيل: إنه إذا ما أطل قلم بسنه إلى أعلى فصاحبه الفائز، أو إذا غرقت كل الأقلام وطفا قلم واحد يكون صاحبه هو الفائز. ولا بد أنهم اتفقوا على علامة أو سمة ما تميز القلم الذي كان لصاحبه فضل كفالة مريم. { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }.

وكلمة { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } تدل على حرارة المنافسة بين القوم شوقا إلى كفالة مريم، لدرجة أن أمر كفالتها دخل في خصومة، وحتى تنتهي الخصومة لجئوا إلى الاقتراع بالأقلام.

وننتقل الآن إلى مرحلة أخرى.


www.alro7.net