سورة
اية:

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} . [44].
قال ابن عباس في رواية الكلبي، عن أبي صالح بالإسناد الذي ذكر:
نزلت في يهود [أهل] المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره ولذوي قرابته ولمن بينهم وبينه رضاع من المسلمين: اثبت على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل - يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم - فإنَّ أمره حق. فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه.

تفسير بن كثير

معناه: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب وأنتم تأمرون الناس بالبر - وهو جماع الخير - أن تنسوا أنفسكم فلا تأتمرون بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصَّر في أوامر اللّه؟ { أفلا تعقلون} ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم؟ وهذا كما قال قتادة في قوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} قال: كان بنوا إسرائيل يأمرون الناس بطاعة اللّه، وبتقواه ويخالفون، فعيَّرهم اللّه عزّ وجلّ. وقال ابن عباس: { وتنسون أنفسكم} أي تتركون أنفسكم { وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وتتركون أنفسكم، أي وأنتم تكفرون بما فيه من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي وتجحدون ما تعلمون من كتابي. وقال الضحّاك عن ابن عباس في هذه الآية: يقول أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى اللَه عليه وسلم وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة وتنسون أنفسكم. قال أبو الدرداء رضي اللّه عنه: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات اللّه ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشدّ مقتاً، وقال عبد الرحمن بن أسلم في هذه الآية: هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل سألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة أمروه بالحق، فقال اللّه تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} ؟ والغرضُ أن اللّه تعالى ذمَّهم على هذا الصنيع، ونبَّههم على خطئهم في حق أنفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف وهو واجب على العالم، ولكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم كما قال شعيب عليه السلام: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} . فكلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجبٌ، لا يسقط أحدهما بترك الآخر، على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف. والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحدٌ بمعروف ولا نهى عن منكر. قلت لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية، لعلمه بها مخالفته على بصيرة، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم، ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك كما قال رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم : ( مَثَل العالم الذي يعلِّمُ الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه ""رواه الطبراني في الكبير، قال ابن كثير؛ وهو غريب من هذا الوجه""( وقال رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم : (مررت ليلة أسري بي على قوم تُقْرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء أمتك من أهل الدنيا، ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون) ""رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنَس بن مالك""، وقال صلى اللَه عليه وسلم : (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون يا فلان ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) ""رواه الإمام أحمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه""، وقد ورد في بعض الآثار أنه يغفر للجاهل سبعين مرة، حتى يغفر للعالم مرة واحدة، ليس من يعلم كمن لا يعلم. وقال تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} ، وروي عن النبي صلى اللَه عليه وسلم أنه قال: (إن أناساً من أهل الجنة يطّلعون على أناس من أهل النار، فيقولون بم دخلتم النار؟ فواللّه ما دخلنا الجنة إلا بما تعلَّمنا منكم، فيقولون: إنّا كنا نقول ولا نفعل) ""رواه ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة"" وجاء رجل إلى ابن عباس فقال يا ابن عباس: إني أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: أبلغْتَ ذلك؟ قال: أرجو، قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب اللّه فافعل، قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثاني، قال: قوله تعالى: { لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث، قال: قول العبد الصالح شعيب عليه السلام: { وما أُريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح} أحكمت هذه الآية؟ قال: لا، قال: فابدأ بنفسك ""رواه الضحّاك عن ابن عباس""وقال ابراهيم النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} ، وقوله: { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} ، وقوله إخباراً عن شعيب: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} .

تفسير الجلالين

{ أتأمرون الناس بالبر } بالإيمان بمحمد { وتنسون أنفسكم } تتركونها فلا تأمرونها به { وأنتم تتلون الكتاب } التوراة وفيها الوعيد على مخالفة القول العمل { أفلا تعقلون } سوء فعلكم فترجعون، فجملة النسيان محل الاستفهام الإنكاري .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْبِرّ الَّذِي كَانَ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَة يَأْمُرُونَ النَّاس بِهِ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسهمْ , بَعْد إجْمَاع جَمِيعهمْ عَلَى أَنَّ كُلّ طَاعَة لِلَّهِ فَهِيَ تُسْمَى بِرًّا . فَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس مَا : 702 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب أَفَلَا تَعْقِلُونَ } أَيْ تَنْهَوْنَ النَّاس عَنْ الْكُفْر بِمَا عِنْدكُمْ مِنْ النُّبُوَّة وَالْعَهْد مِنْ التَّوْرَاة , وَتَتْرُكُونَ أَنْفُسكُمْ : أَيْ وَأَنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ عَهْدِي إلَيْكُمْ فِي تَصْدِيق رَسُولِي , وَتَنْقُضُونَ مِيثَاقِي , وَتَجْحَدُونَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِي . 703 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ } يَقُول : أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالدُّخُولِ فِي دِين مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ إقَام الصَّلَاة { وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ } . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 704 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ } قَالَ : كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاس بِطَاعَةِ اللَّه وَبِتَقْوَاهُ وَهُمْ يَعْصُونَهُ . 705 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ } قَالَ : كَانَ بَنُو إسْرَائِيل يَأْمُرُونَ النَّاس بِطَاعَةِ اللَّه وَبِتَقْوَاهُ وَبِالْبِرِّ وَيُخَالِفُونَ , فَعَيَّرَهُمْ اللَّه . 706 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ } أَهْل الْكِتَاب وَالْمُنَافِقُونَ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاس بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة , وَيَدَعُونَ الْعَمَل بِمَا يَأْمُرُونَ بِهِ النَّاس , فَعَيَّرَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ , فَمَنْ أَمَرَ بِخَيْرٍ فَلْيَكُنْ أَشَدّ النَّاس فِيهِ مُسَارَعَة . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 707 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : هَؤُلَاءِ الْيَهُود كَانَ إذَا جَاءَ الرَّجُل يَسْأَلهُمْ مَا لَيْسَ فِيهِ حَقّ وَلَا رِشْوَة وَلَا شَيْء , أَمَرُوهُ بِالْحَقِّ , فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب أَفَلَا تَعْقِلُونَ } 708 - وَحَدَّثَنِي عَلَيَّ بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم الْحَرَمِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مَخْلَد بْن الْحُسَيْن , عَنْ أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ فِي قَوْل اللَّه : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب } قَالَ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : لَا يَفْقُه الرَّجُل كُلّ الْفِقْه حَتَّى يَمْقُت النَّاس فِي ذَات اللَّه ثُمَّ يَرْجِع إلَى نَفْسه فَيَكُون لَهَا أَشَدّ مَقْتًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَجَمِيع الَّذِي قَالَ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة مَنْ ذَكَرْنَا قَوْله مُتَقَارِب الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي صِفَة الْبِرّ الَّذِي كَانَ الْقَوْم يَأْمُرُونَ بِهِ غَيْرهمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ , فَهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاس بِمَا لِلَّهِ فِيهِ رِضًا مِنْ الْقَوْل أَوْ الْعَمَل , وَيُخَالِفُونَ مَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ إلَى غَيْره بِأَفْعَالِهِمْ . فَالتَّأْوِيل الَّذِي يَدُلّ عَلَى صِحَّته ظَاهِر التِّلَاوَة إذَا : أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِطَاعَةِ اللَّه وَتَتْرُكُونَ أَنْفُسكُمْ تَعْصِيه , فَهَلَّا تَأْمُرُونَهَا بِمَا تَأْمُرُونَ بِهِ النَّاس مِنْ طَاعَة رَبّكُمْ ! مُعِيرهمْ بِذَلِكَ وَمُقَبِّحًا إلَيْهِمْ مَا أَتَوْا بِهِ . وَمَعْنَى نِسْيَانهمْ أَنْفُسهمْ فِي هَذَا الْمَوْضِع نَظِير النِّسْيَان الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ } 9 67 بِمَعْنَى : تَرَكُوا طَاعَة اللَّه فَتَرَكَهُمْ اللَّه مِنْ ثَوَابه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْبِرّ الَّذِي كَانَ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَة يَأْمُرُونَ النَّاس بِهِ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسهمْ , بَعْد إجْمَاع جَمِيعهمْ عَلَى أَنَّ كُلّ طَاعَة لِلَّهِ فَهِيَ تُسْمَى بِرًّا . فَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس مَا : 702 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب أَفَلَا تَعْقِلُونَ } أَيْ تَنْهَوْنَ النَّاس عَنْ الْكُفْر بِمَا عِنْدكُمْ مِنْ النُّبُوَّة وَالْعَهْد مِنْ التَّوْرَاة , وَتَتْرُكُونَ أَنْفُسكُمْ : أَيْ وَأَنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ عَهْدِي إلَيْكُمْ فِي تَصْدِيق رَسُولِي , وَتَنْقُضُونَ مِيثَاقِي , وَتَجْحَدُونَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِي . 703 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ } يَقُول : أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالدُّخُولِ فِي دِين مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ إقَام الصَّلَاة { وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ } . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 704 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ } قَالَ : كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاس بِطَاعَةِ اللَّه وَبِتَقْوَاهُ وَهُمْ يَعْصُونَهُ . 705 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ } قَالَ : كَانَ بَنُو إسْرَائِيل يَأْمُرُونَ النَّاس بِطَاعَةِ اللَّه وَبِتَقْوَاهُ وَبِالْبِرِّ وَيُخَالِفُونَ , فَعَيَّرَهُمْ اللَّه . 706 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ } أَهْل الْكِتَاب وَالْمُنَافِقُونَ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاس بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة , وَيَدَعُونَ الْعَمَل بِمَا يَأْمُرُونَ بِهِ النَّاس , فَعَيَّرَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ , فَمَنْ أَمَرَ بِخَيْرٍ فَلْيَكُنْ أَشَدّ النَّاس فِيهِ مُسَارَعَة . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 707 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : هَؤُلَاءِ الْيَهُود كَانَ إذَا جَاءَ الرَّجُل يَسْأَلهُمْ مَا لَيْسَ فِيهِ حَقّ وَلَا رِشْوَة وَلَا شَيْء , أَمَرُوهُ بِالْحَقِّ , فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب أَفَلَا تَعْقِلُونَ } 708 - وَحَدَّثَنِي عَلَيَّ بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم الْحَرَمِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مَخْلَد بْن الْحُسَيْن , عَنْ أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ فِي قَوْل اللَّه : { أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب } قَالَ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : لَا يَفْقُه الرَّجُل كُلّ الْفِقْه حَتَّى يَمْقُت النَّاس فِي ذَات اللَّه ثُمَّ يَرْجِع إلَى نَفْسه فَيَكُون لَهَا أَشَدّ مَقْتًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَجَمِيع الَّذِي قَالَ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة مَنْ ذَكَرْنَا قَوْله مُتَقَارِب الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي صِفَة الْبِرّ الَّذِي كَانَ الْقَوْم يَأْمُرُونَ بِهِ غَيْرهمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ , فَهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاس بِمَا لِلَّهِ فِيهِ رِضًا مِنْ الْقَوْل أَوْ الْعَمَل , وَيُخَالِفُونَ مَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ إلَى غَيْره بِأَفْعَالِهِمْ . فَالتَّأْوِيل الَّذِي يَدُلّ عَلَى صِحَّته ظَاهِر التِّلَاوَة إذَا : أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِطَاعَةِ اللَّه وَتَتْرُكُونَ أَنْفُسكُمْ تَعْصِيه , فَهَلَّا تَأْمُرُونَهَا بِمَا تَأْمُرُونَ بِهِ النَّاس مِنْ طَاعَة رَبّكُمْ ! مُعِيرهمْ بِذَلِكَ وَمُقَبِّحًا إلَيْهِمْ مَا أَتَوْا بِهِ . وَمَعْنَى نِسْيَانهمْ أَنْفُسهمْ فِي هَذَا الْمَوْضِع نَظِير النِّسْيَان الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ } 9 67 بِمَعْنَى : تَرَكُوا طَاعَة اللَّه فَتَرَكَهُمْ اللَّه مِنْ ثَوَابه .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { تَتْلُونَ } : تَدْرُسُونَ وَتَقْرَءُونَ . كَمَا : 709 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب } يَقُول : تَدْرُسُونَ الْكِتَاب بِذَلِكَ . وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ : التَّوْرَاة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { تَتْلُونَ } : تَدْرُسُونَ وَتَقْرَءُونَ . كَمَا : 709 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب } يَقُول : تَدْرُسُونَ الْكِتَاب بِذَلِكَ . وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ : التَّوْرَاة . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } : أَفَلَا تَفْقُهُونَ وَتَفْهَمُونَ قَبَّحَ مَا تَأْتُونَ مِنْ مَعْصِيَتكُمْ رَبّكُمْ الَّتِي تَأْمُرُونَ النَّاس بِخِلَافِهَا وَتَنْهَوْنَهُمْ عَنْ رُكُوبهَا وَأَنْتُمْ رَاكِبُوهَا , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ مِنْ حَقّ اللَّه وَطَاعَته فِي اتِّبَاع مُحَمَّد وَالْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِثْل الَّذِي عَلَى مِنْ تَأْمُرُونَهُ بِاتِّبَاعِهِ . كَمَا : 710 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن الْعَلَاء , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } يَقُول : أَفَلَا تَفْهَمُونَ فَنَهَاهُمْ عَنْ هَذَا الْخَلْق الْقَبِيح . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ أَمْر أَحْبَار يَهُود بَنِي إسْرَائِيل غَيْرهمْ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ هُوَ مَبْعُوث إلَى غَيْرنَا كَمَا ذَكَرْنَا قَبْل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } : أَفَلَا تَفْقُهُونَ وَتَفْهَمُونَ قَبَّحَ مَا تَأْتُونَ مِنْ مَعْصِيَتكُمْ رَبّكُمْ الَّتِي تَأْمُرُونَ النَّاس بِخِلَافِهَا وَتَنْهَوْنَهُمْ عَنْ رُكُوبهَا وَأَنْتُمْ رَاكِبُوهَا , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ مِنْ حَقّ اللَّه وَطَاعَته فِي اتِّبَاع مُحَمَّد وَالْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِثْل الَّذِي عَلَى مِنْ تَأْمُرُونَهُ بِاتِّبَاعِهِ . كَمَا : 710 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن الْعَلَاء , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } يَقُول : أَفَلَا تَفْهَمُونَ فَنَهَاهُمْ عَنْ هَذَا الْخَلْق الْقَبِيح . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ أَمْر أَحْبَار يَهُود بَنِي إسْرَائِيل غَيْرهمْ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ هُوَ مَبْعُوث إلَى غَيْرنَا كَمَا ذَكَرْنَا قَبْل .'

تفسير القرطبي

فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر} هذا استفهام التوبيخ والمراد في قول أهل التأويل علماء اليهود. قال ابن عباس (كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين اثبت على الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل يريدون محمد صلى الله عليه وسلم فإن أمره حق فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه) وعن ابن عباس أيضا (كان الأحبار يأمرون مقلديهم وأتباعهم باتباع التوراة وكانوا يخالفونها في جحدهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم) وقال ابن جريج : كان الأحبار يحضون على طاعة الله وكانوا هم يواقعون المعاصي وقالت فرقة : كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون والمعنى متقارب وقال بعض أهل الإشارات المعنى أتطالبون الناس بحقائق المعاني وأنتم تخالقون عن ظواهر رسومها. الثانية: في شدة عذاب من هذه صفته روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليلة أسري بي مررت على ناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء الخطباء من أهل الدنيا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون) و روى أبو أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم فيقال لهم من أنتم فيقولون نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا) قلت : وهذا الحديث وإن كان فيه لين، لأن في سنده الخصيب بن جحدر كان الإمام أحمد يستضعفه وكذلك ابن معين يرويه عن أبي غالب عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي وأبو غالب هو - فيما حكى يحيى بن معين - حزور القرشي مولى خالد بن عبدالله بن أسيد وقيل مولى باهلة. وقيل مولى عبدالرحمن الحضرمي. كان يختلف إلى الشام في تجارته قال يحيى بن معين هو صالح الحديث فقد رواه مسلم في صحيحه بمعناه عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه) القصب بضم القاف المعى وجمعه أقصاب والأقتاب الأمعاء واحدها قتب ومعنى { فتندلق} : فتخرج بسرعة. وروينا { فتنفلق} . قلت : فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه وإنما ذلك لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن لا ينتفع بعلمه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ) أخرجه ابن ماجه في سننه. الثالثة: اعلم وفقك الله تعالى أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قوما كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها وبخهم به توبيخا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال { أتأمرون الناس بالبر} الآية وقال منصور الفقيه فأحسن : إن قوما يأمرونا ** بالذي لا يفعلونا لمجانين وإن هم ** لم يكونوا يصرعونا وقال أبو العتاهية : وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى ** وريح الخطايا من ثيابك تسطع وقال أبو الأسود الدؤلي : لا تنه عن خلق وتأتي مثله ** عار عليك إذا فعلت عظيم وابدأ بنفسك فانهها عن غيها ** فإن انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى ** بالقول منك وينفع التعليم وقال أبو عمرو بن مطر : حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير، فسكت حتى طال سكوته، فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس : ترى أن تقول في سكوتك شيئا؟ فأنشأ يقول : وغير تقي يأمر الناس بالتقى ** طبيب يداوي والطبيب مريض قال : فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج. الرابعة: قال إبراهيم النخعي : إني لأكره القصص لثلاث آيات، قوله تعالى { أتأمرون الناس بالبر} [البقرة: 44 ]الآية، وقوله { لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] وقوله { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} [هود: 88] وقال سلم بن عمرو : ما أقبح التزهيد من واعظ ** يزهد الناس ولا يزهد لو كان في تزهيده صادقا ** أضحى وأمسى بيته المسجد إن رفض الدنيا فما باله ** يستمنح الناس ويسترفد والرزق مقسوم على من ** ترىيناله الأبيض والأسود وقال الحسن لمطرف بن عبدالله : عظ أصحابك، فقال إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال : يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن سمعت سعيد بن جبير يقول : لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك : وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء. الخامسة: قوله تعالى { البر} البر هنا الطاعة والعمل الصالح. والبر : الصدق. والبر : ولد الثعلب. والبر : سوق الغنم، ومنه قولهم { لا يعرف هِرّاً من بر} أي لا يعرف دعاء الغنم من سوقها. فهو مشترك، وقال الشاعر : لا هم رب إن بكرا دونكا ** يبرك الناس ويفجرونكا أراد بقوله { يبرك الناس} : أي يطيعونك. ويقال : إن البر الفؤاد في قوله : أكون مكان البر منه ودونه ** واجعل ما لي دونه وأوامره والبربضم الباء معروف، وبفتحها الإجلال والتعظيم، ومنه ولد بر وبار، أي يعظم والديه ويكرمهما. السادسة: قوله تعالى { وتنسون أنفسكم} أي تتركون. والنسيان بكسر النون يكون بمعنى الترك، وهو المراد هنا، وفي قوله تعالى { نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] وقوله { فلما نسوا ما ذكروا به} [الأنعام: 44] وقوله { ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة:237] ويكون خلاف الذكر والحفظ، ومنه الحديث : (نسي آدم فنسيت ذريته). وسيأتي. يقال : رجل نسيان بفتح النون : كثير النسيان للشيء. وقد نسيت الشيء نسيانا، ولا تقل نَسَيانابالتحريك، لأن النسَيان إنما هو تثنية نسا العرق. وأنفس : جمع نفس، جمع قلة. والنفس : الروح، يقال : خرجت نفسه، قال أبو خراش : نجا سالم والنفس منه بشدقه ** ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا أي بجفن سيف ومئزر. ومن الدليل على أن النفس الروح قوله تعالى { الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر: 42 ]يريد الأرواح في قول جماعة من أهل التأويل على ما يأتي، وذلك بين في قول بلال للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن شهاب : أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك. وقوله عليه السلام في حديث زيد بن أسلم (إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا) رواهما مالك. وهو أولى ما يقال به. والنفس أيضا الدم يقال سالت نفسه قال الشاعر : تسيل على حد السيوف نفوسنا ** وليست على غير الظبات تسيل وقال إبراهيم النخعي ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه والنفس أيضا الجسد قال الشاعر : نبئت أن بني سحيم أدخلوا ** أبياتهم تامور نفس المنذر والتامور أيضا : الدم. السابعة: قوله تعالى { وأنتم تتلون الكتاب} توبيخ عظيم لمن فَهِم. { وتتلون} : تقرؤون { الكتاب} التوراة. وكذا من فعل فعلهم كان مثلهم وأصل التلاوة الاتباع، ولذلك استعمل في القراءة لأنه يتبع بعض الكلام ببعض في حروفه حتى يأتي على نسقه : يقال : تلوته إذا تبعته تلوا وتلوت القرآن تلاوة. وتلوت الرجل تلوا إذا خذلته. والتلية والتلاوةبضم التاء البقية يقال تليت لي من حقي تلاوة وتلية أي بقيت. وأتليت أبقيت وتتّليت حقي إذا تتبعته حتى تستوفيه. قال أبو زيد تلى الرجل إذا كان بآخر رمق. الثامنة: قوله تعالى { أفلا تعقلون} أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم. والعقل المنع، ومنه عقال البعير لأنه يمنع عن الحركة ومنه العقل للدية لأنه يمنع ولي المقتول عن قتل الجاني، ومنه اعتقال البطن واللسان، ومنه يقال للحصن معقل والعقل نقيض الجهل والعقل ثوب أحمر تتخذه نساء العرب تغشي به الهوادج. قال علقمة : عقلا ورقما تكاد الطير تخطفه ** كأنه من دم الأجواف مدموم المدموم بالدال المهملة الأحمر وهو المراد هنا والمدموم الممتلئ شحما من البعير وغيره. ويقال هما ضربان من البرود قال ابن فارس : والعقل من شيات الثياب ما كان نقشه طولا وما كان نقشه مستديرا فهو الرقم. وقال الزجاج : العاقل من عمل بما أوجب الله عليه فمن لم يعمل فهو جاهل. التاسعة: اتفق أهل الحق على أن العقل كائن موجود ليس بقديم ولا معدوم لأنه لو كان معدوما لما اختص بالاتصاف به بعض الذوات دون بعض وإذا ثبت وجوده فيستحيل القول بقدمه، إذ الدليل قد قام على أن لا قديم إلا الله تعالى على ما يأتي بيانه في هذه السورة وغيرها إن شاء الله تعالى. وقد صارت الفلاسفة إلى أن العقل قديم ثم منهم من صار إلى أنه جوهر لطيف في البدن ينبث شعاعه منه بمنزلة السراج في البيت يفصل به بين حقائق المعلومات ومنهم من قال إنه جوهر بسيط أي غير مركب. ثم اختلفوا في محله فقالت طائفة منهم محله الدماغ لأن الدماغ محل الحس، وقالت طائفة أخرى محله القلب لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس وهذا القول في العقل بأنه جوهر فاسد من حيث إن الجواهر متماثلة فلو كان جوهر عقلا لكان كل جوهر عقلا وقيل إن العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعاني وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فيبعد عن الصواب من جهة أن الإدراك من صفات الحي والعقل عرض يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون ملتذا ومشتهيا. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وغيرهما من المحققين العقل هو العلم بدليل أنه لا يقال عقلت وما علمت أو علمت وما عقلت. وقال القاضي أبو بكر العقل علوم ضرورية بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وهو اختيار أبي المعالي في الإرشاد. واختار في البرهان أنه صفة يتأتى بها درك العلوم واعترض على مذهب القاضي واستدل على فساد مذهبه وحكي في البرهان عن المحاسبي أنه قال العقل غريزة. وحكى الأستاذ أبو بكر عن الشافعي وأبي عبدالله بن مجاهد أنهما قال : العقل آلة التمييز. وحكى عن أبي العباس القلانسي أنه قال العقل قوة التمييز. وحكي عن المحاسبي أنه قال العقل أنوار وبصائر ثم رتب هذه الأقوال وحملها على محامل فقال : والأولى ألا يصح هذا النقل عن الشافعي ولا عن ابن مجاهد فإن الآلة إنما تستعمل في الآلة المثبتة واستعمالها في الأعراض مجاز وكذلك قول من قال إنه قوة فإنه لا يعقل من القوة إلا القدرة. والقلانسي أطلق ما أطلقه توسعا في العبارات وكذلك المحاسبي. والعقل ليس بصورة ولا نور ولكن تستفاد به الأنوار والبصائر، وسيأتي في هذه السورة بيان فائدته في آية التوحيد إن شاء الله تعالى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 42 - 48

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أن لفت الله أنظار اليهود. إلى أن عدم إيمانهم بالإسلام هو كفر بالتوراة.. لأن تعاليم التوراة تآمرهم أن يؤمنوا بالرسول الجديد. وقد أعطوا أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وزمنه في التوراة. وأمروا أن يؤمنوا به. قال تبارك وتعالى: { أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } لقد كان اليهود يبشرون بمجيء رسول جديد. ويعلنون أنهم سيؤمنون به. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن من قومهم كفروا به. لأنهم كانوا يريدون أن تكون السطوة لهم. بأن يأتي الرسول الجديد منهم. فلما جاء من العرب.. عرفوا أن سطوتهم ستزول وأن سيادتهم الاقتصادية ستنتهي. فكفروا بالرسول وبرسالته.

ولابد أن ننبه إلى أنه إذا كانت هذه الآيات قد نزلت في اليهود. فليس معناها أنها تنطبق عليهم وحدهم. بل هي تنطبق على أهل الكتاب جميعا. وغير المؤمنين. فالعبرة ليست بخصوص الموضوع. ولكن العبرة بعموم السبب.

إن الكلام منطبق هنا حتى على المسلمين الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلا وهؤلاء هم خطباء الفتنة الذين رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. تقرض شفاهم بمقارض من نار. فسأل: من هؤلاء يا جبريل: فقال خطباء الفتنة. إنهم الذين يزينون لكل ظالم ظلمه. ويجعلون دين الله في خدمة أهواء البشر. وكان الأصل أن تخضع أهواء البشر لدين الله. وهؤلاء هم الذين يحاولون ـ تحت شعار التجديد ـ أن يجعلوا للناس حجة في أن يتحللوا من منهج الله. فهم يبررون ما يقع. ولا يتدبرون حساب الآخرة.

إن علماء الدين الذين يحملون منهج الله ليس من عملهم تبرير ما يقع من غيرهم. ومنهج الله لا يمكن أن يخضع أبداً لأهواء البشر. وعلى الذين يفعلون ذلك أن يتوبوا ويرجعوا إلى الله. ويحاولوا استدراك ما وقع منهم. لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

وقوله الحق سبحانه وتعالى: { أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } يعطينا منهجاً آخر من مناهج الدعاة. لأن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحمل منهج الله.. يريد أن يخرج من لا يؤمن من حركة الباطل التي ألفها. وإخراج غير المؤمن من حركة الباطل أمر شاق على نفسه. لأنه خروج عن الذي اعتاده. وبُعد عما ألفه. واعتراف أنه كان على باطل لذلك فهو يكون مفتوح العينين على من بين له طريق الإيمان ليرى هل يطبق ذلك على نفسه أم لا؟ أيطبق الناهي عن المنكر ما يقوله؟ فإذا طبقه عرف أنه صادق في الدعوة. وإذا لم يطبقه كان ذلك عذرا ليعود إلى الباطل الذي كان يسيطر على حركة حياته.

إن الدين كلمة تقال. وسلوك يفعل.فإذا انفصلت الكلمة عن السلوك ضاعت الدعوة. فالله سبحانه وتعالى يقول:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }
[الصف: 2-3]

لماذا..؟ لأن من يراك تفعل ما تنهاه عنه يعرف أنك مخادع وغشاش. وما لم ترتضه أنت كسلوك لنفسك. لا يمكن أن تبشر به غيرك. لذلك نقرأ في القرآن الكريم:
{  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً }
[الأحزاب: 21]

فمنهج الدين وحده لا يكفي.. إلا بالتطبيق. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر أصحابه بأمر إلا كان أسبقهم إليه، فكان المسلمون يأخذون عنه القدوة قولا وعملا، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه. حين يريد أن يقنن أمراً في الإسلام يأتي بأهله وأقاربه ويقول لهم: لقد بدا لي أن آمر بكذا وكذا، والذي نفسي بيده من خالف منكم لأجعلنه نكالا للمسلمين. وكان عمر بن الخطاب بهذا يقفل أبواب الفتنة، لأنه يعلم من أين تأتي..

وفي الدعوة الإسلامية.. لابد أن يكون العلماء قدوة لينصلح أمر الناس. ففي كل علوم الدنيا القدوة ليست مطلوبة. إلا في الدين. فأنت إذا ذُكِرَ لك عالم كيمياء بارع. وقيل لك أنه يتناول الخمر. أو يفعل كذا. تقول مالي وسلوكه. أنا آخذ عنه علم الكيمياء لأنه بارع في ذلك. ولكن لا شأن لي بسلوكه. وكذلك كل علماء الأرض. ما عدا عالم الدين. فإذا كان هناك عالم يبصرك بالطريق المستقيم. وتتلقى عنه علوم دينك ثم بعد ذلك تعرف أنه يشرب الخمر أو يسرق. أتستمع له؟ أبدا. أنه يهبط من نظرك في الحال. ولا تحب أن تسمعه. ولا تجلس في مجلسه. مهما كان علمه. فستقول له كفاك دجلا..

وهكذا فإن عالم الدين لابد أن يكون قدوة. فلا ينهى عن منكر ويفعله. أو يأمر بمعروف وهو لا ينفذه. فالناس كلهم مفتحة أعينهم لما يصنع. والإسلام قبل أن ينتشر بالمنهج العلمي.. انتشر بالمنهج السلوكي. وأكبر عدد من المسلمين اعتنق هذا الدين من أسوة سلوكية قادته إليه. فالذين نشروا الإسلام في الصين.. كان أغلبهم من التجار الذين تخلقوا بأخلاق الإسلام. فجذبوا حولهم الكثيرين. فاعتنقوا الإسلام. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{  وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ }
[فصلت: 33]

فالشرط الأول هو الدعوة إلى الله. والشرط الثاني العمل الصالح. وقوله { إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } لم ينسب الفضل لنفسه أو لذاته. ولكنه نسب الفضل إلى الإسلام.

ولكن قولوا لي: أي فائدة أن نقول أننا مسلمون ونعمل بعمل غير المسلمين؟ إذن فقوله تعالى: { أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } يذكر الله بأن اليهود يقولون ما لا يفعلون. ولو كانوا يؤمنون حقا بالتوراة لآمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالإسلام. لأن ذلك أمر في التوراة. ولكنهم نسوا أنفسهم. فهم أول مخالف للتوراة. لأنهم لم يتبعوها.. وهم يتلون كتابهم الذي يأمرهم بالإيمان الجديد.

ومع أنهم متأكدون من صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلا أنهم لا يؤمنون. ولو كان عندهم ذرة من العقل لآمنوا بما يطلبه منهم كتابهم الذي يتلونه. ولكنهم لا يفكرون بعقولهم، وإنما يريدون علوا في الأرض. والآية ـ كما قلنا ـ لا تنطبق على اليهود وحدهم. بل على كل من يسلك هذا السلوك..


www.alro7.net