سورة
اية:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء، ولهذا قال: { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب اللّه أو أتتكم الساعة} أي أتاكم هذا أو هذا { أغير اللّه تدعون إن كنتم صادقين} أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال: { إن كنتم صادقين} أي في اتخاذكم آلهة معه { بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} أي في وقت الضرورة لا تدعون أحداً سواه وستذهب عنكم أصنامكم وأندادكم كقوله: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} الآية. وقوله: { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء} يعني الفقر والضيق في العيش، { والضراء} وهي الأمراض والأسقام والآلام، { لعلهم يتضرعون} أي يدعون اللّه ويتضرعون إليه ويخشعون. قال اللّه تعالى: { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} أي فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكوا لدينا، { ولكن قست قلوبهم} أي ما رقت ولا خشعت، { وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} أي من الشرك والمعاندة والمعاصي، { فلما نسوا ما ذكروا به} أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم، { فتحنا عليهم أبواب كل شيء} أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذاً باللّه من مكره، ولهذا قال: { حتى فرحوا بما أوتوا} أي من الأموال والأولاد والأرزاق { أخذناهم بغتة} أي على غفلة { فإذا هم مبلسون} أي آيسون من كل خير. قال ابن عباس المبلس: الآيس، وقال الحسن البصري: من وسّع اللّه عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتّر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له، ثم قرأ: { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} قال: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا وقال قتادة: بغت القوم أمر اللّه، وما أخذ اللّه قوماً قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا باللّه، فإنه لا يغتر باللّه إلا القوم الفاسقون. وقال مالك عن الزهري { فتحنا عليهم أبواب كل شيء} قال: رخاء الدنيا ويسرها. وقد قال الإمام أحمد عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إذا رأيت اللّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج)، ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} ""رواه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم""وعن عبادة بن الصامت أن رسول اللّه كان يقول: إذا أراد اللّه بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف وإذا أراد اللّه بقوم اقتطاعاً فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} ، كما قال: { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للّه رب العالمين} ""رواه ابن أبي حاتم وأحمد في مسنده""

تفسير الجلالين

{ ولقد أرسلنا إلى أمم من } زائدة { قبلك } رسلا فكذبوهم { فأخذناهم بالبأساء } شدة الفقر { والضراء } المرض { لعلهم يتضرعون } يتذللون فيؤمنون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ مُتَوَعِّدًا لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَصْنَام , وَمُحَذِّرهمْ أَنْ يَسْلُك بِهِمْ إِنْ هُمْ تَمَادَوْا فِي ضَلَالهمْ سَبِيل مَنْ سَلَكَ سَبِيلهمْ مِنْ الْأُمَم قَبْلهمْ فِي تَعْجِيل اللَّه عُقُوبَته لَهُمْ فِي الدُّنْيَا , وَمُخْبِرًا نَبِيَّهُ عَنْ سُنَّتِهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم عَلَى مِنْهَاجهمْ فِي تَكْذِيب الرُّسُل : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا } يَا مُحَمَّد { إِلَى أُمَم } يَعْنِي : إِلَى جَمَاعَات وَقُرُون , { مِنْ قَبْلك فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ } يَقُول : فَأَمَرْنَاهُمْ وَنَهَيْنَاهُمْ , فَكَذَّبُوا رُسُلَنَا وَخَالَفُوا أَمْرَنَا وَنَهْيَنَا , فَامْتَحَنَّاهُمْ بِالِابْتِلَاءِ بِالْبَأْسَاءِ , وَهِيَ شِدَّة الْفَقْر وَالضِّيق فِي الْمَعِيشَة { وَالضَّرَّاء } وَهِيَ الْأَسْقَام وَالْعِلَل الْعَارِضَة فِي الْأَجْسَام . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ وَوُجُوه إِعْرَابه فِي سُورَة الْبَقَرَة بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } يَقُول : فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ لِيَتَضَرَّعُوا إِلَيَّ , وَيُخْلِصُوا لِي الْعِبَادَة , وَيُفْرِدُوا رَغْبَتهمْ إِلَيَّ دُون غَيْرِي بِالتَّذَلُّلِ مِنْهُمْ لِي بِالطَّاعَةِ وَالِاسْتِكَانَة مِنْهُمْ إِلَيَّ بِالْإِنَابَةِ . وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف قَدْ اُسْتُغْنِيَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِر عَنْ إِظْهَاره مِنْ قَوْله : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِك فَأَخَذْنَاهُمْ } . وَإِنَّمَا كَانَ سَبَب أَخْذِهِ إِيَّاهُمْ تَكْذِيبهمْ الرُّسُل وَخِلَافهمْ أَمْره , لَا إِرْسَال الرُّسُل إِلَيْهِمْ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِك رُسُلًا فَكَذَّبُوهُمْ , فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ . وَالتَّضَرُّع : هُوَ التَّفَعُّل مِنْ الضَّرَاعَة , وَهِيَ الذِّلَّة وَالِاسْتِكَانَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ مُتَوَعِّدًا لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَصْنَام , وَمُحَذِّرهمْ أَنْ يَسْلُك بِهِمْ إِنْ هُمْ تَمَادَوْا فِي ضَلَالهمْ سَبِيل مَنْ سَلَكَ سَبِيلهمْ مِنْ الْأُمَم قَبْلهمْ فِي تَعْجِيل اللَّه عُقُوبَته لَهُمْ فِي الدُّنْيَا , وَمُخْبِرًا نَبِيَّهُ عَنْ سُنَّتِهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم عَلَى مِنْهَاجهمْ فِي تَكْذِيب الرُّسُل : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا } يَا مُحَمَّد { إِلَى أُمَم } يَعْنِي : إِلَى جَمَاعَات وَقُرُون , { مِنْ قَبْلك فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ } يَقُول : فَأَمَرْنَاهُمْ وَنَهَيْنَاهُمْ , فَكَذَّبُوا رُسُلَنَا وَخَالَفُوا أَمْرَنَا وَنَهْيَنَا , فَامْتَحَنَّاهُمْ بِالِابْتِلَاءِ بِالْبَأْسَاءِ , وَهِيَ شِدَّة الْفَقْر وَالضِّيق فِي الْمَعِيشَة { وَالضَّرَّاء } وَهِيَ الْأَسْقَام وَالْعِلَل الْعَارِضَة فِي الْأَجْسَام . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ وَوُجُوه إِعْرَابه فِي سُورَة الْبَقَرَة بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } يَقُول : فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ لِيَتَضَرَّعُوا إِلَيَّ , وَيُخْلِصُوا لِي الْعِبَادَة , وَيُفْرِدُوا رَغْبَتهمْ إِلَيَّ دُون غَيْرِي بِالتَّذَلُّلِ مِنْهُمْ لِي بِالطَّاعَةِ وَالِاسْتِكَانَة مِنْهُمْ إِلَيَّ بِالْإِنَابَةِ . وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف قَدْ اُسْتُغْنِيَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِر عَنْ إِظْهَاره مِنْ قَوْله : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِك فَأَخَذْنَاهُمْ } . وَإِنَّمَا كَانَ سَبَب أَخْذِهِ إِيَّاهُمْ تَكْذِيبهمْ الرُّسُل وَخِلَافهمْ أَمْره , لَا إِرْسَال الرُّسُل إِلَيْهِمْ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلِك رُسُلًا فَكَذَّبُوهُمْ , فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ . وَالتَّضَرُّع : هُوَ التَّفَعُّل مِنْ الضَّرَاعَة , وَهِيَ الذِّلَّة وَالِاسْتِكَانَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه إضمار؛ أي أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا وفيه إضمار آخر يدل عليه الظاهر؛ تقديره : فكذبوا فأخذناهم. وهذه الآية متصلة بما قبل اتصال الحال بحال قريبة منها؛ وذلك أن هؤلاء سلكوا في مخالفة نبيهم مسلك من كان قبلهم في مخالفة أنبيائهم، فكانوا بعرض أن ينزل بهم من البلاء ما نزل بمن كان قبلهم. ومعنى { بالبأساء} بالمصائب في الأموال { والضراء} في الأبدان؛ هذا قول الأكثر، وقد يوضع كل واحد منهما موضع الآخر؛ ويؤدب الله عباده بالبأساء والضراء وبما شاء { لا يسأل عما يفعل} [الأنبياء : 23]. قال ابن عطية : استدل العباد في تأديب أنفسهم بالبأساء في تفريق الأموال، والضراء في الحمل على الأبدان بالجوع والعري بهذه الآية. قلت : هذه جهالة ممن فعلها وجعل هذه الآية أصلا لها؛ هذه عقوبة من الله لمن شاء من عباده يمتحنهم بها، ولا يجوز لنا أن نمتحن أنفسنا ونكافئها قياسا عليها؛ فإنها المطية التي نبلغ عليها دار الكرامة، ونفوز بها من أهوال يوم القيامة؛ وفى التنزيل { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون : 51] وقال { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} [البقرة : 267]. { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة : 172] فأمر المؤمنين بما خاطب به المرسلين؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون الطيبات ويلبسون أحسن الثياب ويتجملون بها؛ وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرا، ولو كان كما زعموا واستدلوا لما كان في امتنان الله تعالى بالزروع والجنات وجميع الثمار والنبات والأنعام التي سخرها وأباح لنا أكلها وشربها ألبانها والدفء بأصوافها - إلى غير ذلك مما امتن به - كبير فائدة، فلو كان ما ذهبوا إليه فيه الفضل لكان أولى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم من التابعين والعلماء، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال مخافة الضعف على الأبدان، ونهى عن إضاعة المال ردا على الأغنياء الجهال. قوله تعالى { لعلهم يتضرعون} أي يدعون ويذلون، مأخوذ من الضراعة وهي الذلة؛ يقال : ضرع فهو ضارع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 37 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لقد أرسل الحق لأمم سابقة رسلاً بالآيات والمنهج، فكذبتهم أقوامهم، فأخذهم الله بالشدائد والأحداث التي تضر إما في النفس، وإما في المال، بالمرض، بالفقر، لعلهم يتضرعون إلى الله سبحانه وتعالى.

إذن فالحق حين يمس الإنسان بالبأساء أي بالشدائد أو بالضراء، أي بالشيء الذي يضر ويؤذي، إنما يريد من الإنسان أن يختبر نفسه، فإن كان مؤمنا بغير الله فليذهب إلى من آمن به، ولن يرفع عنه تلك البأساء أو ذلك الضر إلا عندما يعود إلى الله: وعندما يتضرع إلى الله قد لا يقبل الله منه مثل هذا التضرع ويقول سبحانه: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا... }


www.alro7.net