سورة
اية:

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا

تفسير بن كثير

يخبر جلَّ ثناؤه عباده بأنه سيوفيهم أجورهم، ولا يظلم خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل، ولا مثقال ذرة بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: { ونضع الموازين القسط} الآية، وقال تعالى مخبراً عن لقمان: أنه قال: { يا بنيّ إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها اللّه} الآية، وقال تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: (يقول اللّه عزَّ وجلَّ ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار) وفي لفظ: أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار، (فيخرجون خلقاً كثيراً)، ثم يقول أبو سعيد: اقرأوا إن شئتم { إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة} الآية وقال ابن أبي حاتم، قال عبد اللّه بن مسعود: يؤتى بالعبد أو الأمة يوم القيامة فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أمها أو أخيها أو زوجها، ثم قرأ: { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} فيغفر اللّه من حقه ما يشاء ولا يغفر من حقوق الناس شيئاً، فينصب للناس، فيقول ائتوا إلى الناس حقوقهم، فيقول: يا رب فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر مظلمته، فإن كان ولياً للّه ففضل له مثقال ذرة ضاعفها اللّه له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا: { إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} ، وإن كان عبداً شقياً. قال الملك: رب فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكاً إلى النار ورواه ابن جرير ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح. وروي عن سعيد بن جبير في قوله: { وإن تك حسنة يضاعفها} فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة ولا يخرج من النار أبداً، وقد يستدل له بالحديث الصحيح: أن العباس قال يا رسول اللّه: إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعته بشيء؟ قال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، وقد يكون هذا خاصاً بأبي طالب من دون الكفار، بدليل ما رواه أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن اللّه لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة) ""أخرجه مسلم من حديث أنَس" وقال الحسن وقتادة: { ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} يعني الجنة، نسأل اللّه رضاه والجنة وروى ابن أبي حاتم عن أبي عثمان قال، قلت: يا أبا هريرة سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (إن اللّه يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة)، فقال أبو هريرة: واللّه بل سمعت نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (إن اللّه يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة)، ثم تلا هذه الآية: { وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} ، وقوله تعالى: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} يقول تعالى مخبراً عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة، حين يجيء من كل أمة بشهيد يعني الأنبياء عليهم السلام، كما قال تعالى: { وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء} الآية. وقال تعالى: { ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم} الآية. روى البخاري عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (اقرأ عليَّ)، فقلت: يا رسول اللّه آقرا عليك وعليك أنزل؟ قال:(نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري) فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} ؟ فقال: (حسبك الآن) فإذا عيناه تذرفان. وقوله تعالى: { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثاً} أي لو انشقت وبلعتهم مما يرون من أهوال الموقف وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله: { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} الآية. وقوله: { ولا يكتمون اللّه حديثاً} إخبار عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه ولا يكتمون منه شيئاً، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال له: سمعت اللّه عزّ وجل يقول - يعني أخباراً عن المشركين يوم القيامة - إنهم قالوا: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، وقال في الآية الأخرى { ولا يكتمون اللّه حديثا} فقال ابن عباس: أما قوله { واللّه ربنا ما كنا مشركين} فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: تعالوا فلنجحد، فقالوا: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} فختم اللّه على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم { ولا يكتمون اللّه حديثاً} "أخرجه ابن جرير" وقال عبد الرزاق عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليَّ في القرآن، قال ما هو، أشك في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك، ولكن اختلاف قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك، قال أسمع اللّه يقول: { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، وقال: { ولا يكتمون اللّه حديثاً} فقد كتموا، فقال ابن عباس: أما قوله { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن اللّه لا يغفر إلا لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا يغفر شركاً، جحد المشركون فقالوا: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} رجاء أن يغفر لهم، فختم اللّه على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك { يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تُسوَّى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثاً} ، وقال الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس قول اللّه تعالى { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثا} وقوله: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت ألقي على ابن عباس متشابه القرآن فإذا رجعت إليهم فأخبرهم: أن اللّه تعالى يجمع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن اللّه لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحَّده، فيقولون تعالوا نجحد، فيسألهم فيقولون: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، فعند ذلك يتمنون لو أن الأرض سويت لهم { ولا يكتمون اللّه حديثاً} "أخرجه ابن جرير عن الضحاك".

تفسير الجلالين

{ يومئذ } يوم المجيء { يود الذين كفروا وعصوا الرَّسول لو } أي أن { تُسَوَّى } بالبناء للمفعول والفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل ومع إدغامها في السين أي تتسوى { بهم الأرض } بأن يكونوا ترابا مثلها لعظم هوله كما في آية أخرى (ويقول الكافر يا ليتنى كنت ترابا) { ولا يكتمون الله حديثا } عما عملوه وفي وقت آخر يكتمونه ويقولون (والله ربِّنا ما كنا مشركين ) .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَوْم نَجِيء مِنْ كُلّ أُمَّة بِشَهِيدٍ , وَنَجِيء بِك عَلَى أُمَّتك يَا مُحَمَّد شَهِيدًا , { يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا } يَقُول : يَتَمَنَّى الَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّة اللَّه وَعَصَوْا رَسُوله , لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْحِجَاز وَمَكَّة وَالْمَدِينَة : " لَوْ تَسَّوَّى بِهِمْ الْأَرْض " بِتَشْدِيدِ السِّين وَالْوَاو وَفَتْح التَّاء , بِمَعْنَى : لَوْ تَتَسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض , ثُمَّ أُدْغِمَتْ التَّاء الثَّانِيَة فِي السِّين , يُرَاد بِهِ : أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ لَوْ صَارُوا تُرَابًا , فَكَانُوا سَوَاء هُمْ وَالْأَرْض . وَقَرَأَ آخَرُونَ ذَلِكَ : " لَوْ تَسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض " بِفَتْحِ التَّاء وَتَخْفِيف السِّين , وَهِيَ قِرَاءَة عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة بِالْمَعْنَى الْأَوَّل , غَيْر أَنَّهُمْ تَرَكُوا تَشْدِيد السِّين , وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْعَرَب لَا تَكَاد تَجْمَع بَيْن تَشْدِيدَيْنِ فِي حَرْف وَاحِد . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : { لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض } بِمَعْنَى : لَوْ سَوَّاهُمْ اللَّه وَالْأَرْض , فَصَارُوا تُرَابًا مِثْلهَا بِتَصْيِيرِهِ إِيَّاهُمْ , كَمَا يَفْعَل ذَلِكَ بِمَنْ ذُكِرَ أَنَّهُ يَفْعَلهُ بِهِ مِنْ الْبَهَائِم . وَكُلّ هَذِهِ الْقِرَاءَات مُتَقَارِبَات الْمَعْنَى , وَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , لِأَنَّ مَنْ تَمَنَّى مِنْهُمْ أَنْ يَكُون يَوْمئِذٍ تُرَابًا إِنَّمَا يَتَمَنَّى أَنْ يَكُون كَذَلِكَ بِتَكْوِينِ اللَّه إِيَّاهُ كَذَلِكَ , وَكَذَلِكَ مَنْ تَمَنَّى أَنْ يَكُون اللَّه جَعَلَهُ كَذَلِكَ فَقَدْ تَمَنَّى أَنْ يَكُون تُرَابًا . عَلَى أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَأَعْجَب الْقِرَاءَة إِلَيَّ فِي ذَلِكَ : " لَوْ تَسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض " بِفَتْحِ التَّاء وَتَخْفِيف السِّين , كَرَاهِيَة الْجَمْع بَيْن تَشْدِيدَيْنِ فِي حَرْف وَاحِد , وَلِلتَّوْفِيقِ فِي الْمَعْنَى بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن قَوْله : { وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا } 78 40 فَأَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ كَانُوا تُرَابًا , وَلَمْ يُخْبِر عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا , فَكَذَلِكَ قَوْله : " لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض " فَيُسَوَّوْا هُمْ , وَهِيَ أَعْجَب إِلَيَّ لِيُوَافِق ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا } 78 40 وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل تَأَوَّلُوهُ , بِمَعْنَى : وَلَا تَكْتُم اللَّه جَوَارِحهمْ حَدِيثًا وَإِنْ جَحَدَتْ ذَلِكَ أَفْوَاههمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7551 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَمْرو عَنْ مُطَرِّف , عَنْ . الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : أَتَى رَجُل اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ : سَمِعْت اللَّه يَقُول : { وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى : { وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَّا قَوْله : { وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } 6 23 فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا أَهْل الْإِسْلَام قَالُوا : تَعَالَوْا فَلْنَجْحَدْ , فَقَالُوا : وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ! فَخَتَمَ اللَّه عَلَى أَفْوَاههمْ , وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ , فَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا. 7552 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ رَجُل , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ : أَشْيَاء تَخْتَلِف عَلَيَّ فِي الْقُرْآن ؟ فَقَالَ : مَا هُوَ ؟ أَشَكّ فِي الْقُرْآن ؟ قَالَ : لَيْسَ بِالشَّكِّ , وَلَكِنَّهُ اِخْتِلَاف . قَالَ : فَهَاتِ مَا اِخْتَلَفَ عَلَيْك ! قَالَ : أَسْمَع اللَّه يَقُول : { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتهمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وَقَالَ : { وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } وَقَدْ كَتَمُوا ! فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَّا قَوْله : { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتهمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا يَوْم الْقِيَامَة أَنَّ اللَّه يَغْفِر لِأَهْلِ الْإِسْلَام وَيَغْفِر الذُّنُوب وَلَا يَغْفِر شِرْكًا وَلَا يَتَعَاظَمهُ ذَنْب أَنْ يَغْفِرهُ جَحَدَ الْمُشْرِكُونَ , فَقَالُوا : وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ , رَجَاء أَنْ يَغْفِر لَهُمْ , فَخَتَمَ عَلَى أَفْوَاههمْ وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ , فَعِنْد ذَلِكَ { يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الزُّبَيْر , عَنْ الضَّحَّاك : أَنَّ نَافِع بْن الْأَزْرَق أَتَى اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : يَا اِبْن عَبَّاس , قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } وَقَوْله : { وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ؟ فَقَالَ لَهُ اِبْن عَبَّاس : إِنِّي أَحْسَبك قُمْت مِنْ عِنْد أَصْحَابك فَقُلْت : أَلْقَى عَلَيَّ اِبْن عَبَّاس مُتَشَابِه الْقُرْآن , فَإِذَا رَجَعْت إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّه جَامِع النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي بَقِيع وَاحِد , فَيَقُول الْمُشْرِكُونَ إِنَّ اللَّه لَا يَقْبَل مِنْ أَحَد شَيْئًا إِلَّا مِمَّنْ وَحَّدَهُ , فَيَقُولُونَ : تَعَالَوْا نَجْحَد ! فَيَسْأَلهُمْ , فَيَقُولُونَ : وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ , قَالَ فَيَخْتِم عَلَى أَفْوَاههمْ , وَيَسْتَنْطِق جَوَارِحهمْ , فَتَشْهَد عَلَيْهِمْ جَوَارِحهمْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ فَعِنْد ذَلِكَ تَمَنَّوْا لَوْ أَنَّ الْأَرْض سُوِّيَتْ بِهِمْ , وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا . 7553 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَهُ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } يَعْنِي : أَنْ تُسَوَّى الْأَرْض بِالْجِبَالِ عَلَيْهِمْ . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا الْقَوْل الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس : يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَمْ يَكْتُمُوا اللَّه حَدِيثًا. كَأَنَّهُمْ تَمَنَّوْا أَنَّهُمْ سُوُّوا مَعَ الْأَرْض , وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَتَمُوا اللَّه حَدِيثًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ يَوْمئِذٍ لَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا , وَيَوَدُّونَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض . وَلَيْسَ بِمُنْكَتِمٍ عَنْ اللَّه مِنْ شَيْء حَدِيثهمْ , لِعِلْمِهِ جَلَّ ذِكْره بِجَمِيعِ حَدِيثهمْ وَأَمْرهمْ , فَإِنَّهُمْ إِنْ كَتَمُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَجَحَدُوهُ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَوْم نَجِيء مِنْ كُلّ أُمَّة بِشَهِيدٍ , وَنَجِيء بِك عَلَى أُمَّتك يَا مُحَمَّد شَهِيدًا , { يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا } يَقُول : يَتَمَنَّى الَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّة اللَّه وَعَصَوْا رَسُوله , لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْحِجَاز وَمَكَّة وَالْمَدِينَة : " لَوْ تَسَّوَّى بِهِمْ الْأَرْض " بِتَشْدِيدِ السِّين وَالْوَاو وَفَتْح التَّاء , بِمَعْنَى : لَوْ تَتَسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض , ثُمَّ أُدْغِمَتْ التَّاء الثَّانِيَة فِي السِّين , يُرَاد بِهِ : أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ لَوْ صَارُوا تُرَابًا , فَكَانُوا سَوَاء هُمْ وَالْأَرْض . وَقَرَأَ آخَرُونَ ذَلِكَ : " لَوْ تَسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض " بِفَتْحِ التَّاء وَتَخْفِيف السِّين , وَهِيَ قِرَاءَة عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة بِالْمَعْنَى الْأَوَّل , غَيْر أَنَّهُمْ تَرَكُوا تَشْدِيد السِّين , وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْعَرَب لَا تَكَاد تَجْمَع بَيْن تَشْدِيدَيْنِ فِي حَرْف وَاحِد . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : { لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض } بِمَعْنَى : لَوْ سَوَّاهُمْ اللَّه وَالْأَرْض , فَصَارُوا تُرَابًا مِثْلهَا بِتَصْيِيرِهِ إِيَّاهُمْ , كَمَا يَفْعَل ذَلِكَ بِمَنْ ذُكِرَ أَنَّهُ يَفْعَلهُ بِهِ مِنْ الْبَهَائِم . وَكُلّ هَذِهِ الْقِرَاءَات مُتَقَارِبَات الْمَعْنَى , وَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , لِأَنَّ مَنْ تَمَنَّى مِنْهُمْ أَنْ يَكُون يَوْمئِذٍ تُرَابًا إِنَّمَا يَتَمَنَّى أَنْ يَكُون كَذَلِكَ بِتَكْوِينِ اللَّه إِيَّاهُ كَذَلِكَ , وَكَذَلِكَ مَنْ تَمَنَّى أَنْ يَكُون اللَّه جَعَلَهُ كَذَلِكَ فَقَدْ تَمَنَّى أَنْ يَكُون تُرَابًا . عَلَى أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَأَعْجَب الْقِرَاءَة إِلَيَّ فِي ذَلِكَ : " لَوْ تَسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض " بِفَتْحِ التَّاء وَتَخْفِيف السِّين , كَرَاهِيَة الْجَمْع بَيْن تَشْدِيدَيْنِ فِي حَرْف وَاحِد , وَلِلتَّوْفِيقِ فِي الْمَعْنَى بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن قَوْله : { وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا } 78 40 فَأَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ كَانُوا تُرَابًا , وَلَمْ يُخْبِر عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا , فَكَذَلِكَ قَوْله : " لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض " فَيُسَوَّوْا هُمْ , وَهِيَ أَعْجَب إِلَيَّ لِيُوَافِق ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا } 78 40 وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل تَأَوَّلُوهُ , بِمَعْنَى : وَلَا تَكْتُم اللَّه جَوَارِحهمْ حَدِيثًا وَإِنْ جَحَدَتْ ذَلِكَ أَفْوَاههمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7551 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَمْرو عَنْ مُطَرِّف , عَنْ . الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : أَتَى رَجُل اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ : سَمِعْت اللَّه يَقُول : { وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى : { وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَّا قَوْله : { وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } 6 23 فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا أَهْل الْإِسْلَام قَالُوا : تَعَالَوْا فَلْنَجْحَدْ , فَقَالُوا : وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ! فَخَتَمَ اللَّه عَلَى أَفْوَاههمْ , وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ , فَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا. 7552 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ رَجُل , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عَبَّاس , فَقَالَ : أَشْيَاء تَخْتَلِف عَلَيَّ فِي الْقُرْآن ؟ فَقَالَ : مَا هُوَ ؟ أَشَكّ فِي الْقُرْآن ؟ قَالَ : لَيْسَ بِالشَّكِّ , وَلَكِنَّهُ اِخْتِلَاف . قَالَ : فَهَاتِ مَا اِخْتَلَفَ عَلَيْك ! قَالَ : أَسْمَع اللَّه يَقُول : { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتهمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وَقَالَ : { وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } وَقَدْ كَتَمُوا ! فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَّا قَوْله : { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتهمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا يَوْم الْقِيَامَة أَنَّ اللَّه يَغْفِر لِأَهْلِ الْإِسْلَام وَيَغْفِر الذُّنُوب وَلَا يَغْفِر شِرْكًا وَلَا يَتَعَاظَمهُ ذَنْب أَنْ يَغْفِرهُ جَحَدَ الْمُشْرِكُونَ , فَقَالُوا : وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ , رَجَاء أَنْ يَغْفِر لَهُمْ , فَخَتَمَ عَلَى أَفْوَاههمْ وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ , فَعِنْد ذَلِكَ { يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الزُّبَيْر , عَنْ الضَّحَّاك : أَنَّ نَافِع بْن الْأَزْرَق أَتَى اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : يَا اِبْن عَبَّاس , قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } وَقَوْله : { وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ؟ فَقَالَ لَهُ اِبْن عَبَّاس : إِنِّي أَحْسَبك قُمْت مِنْ عِنْد أَصْحَابك فَقُلْت : أَلْقَى عَلَيَّ اِبْن عَبَّاس مُتَشَابِه الْقُرْآن , فَإِذَا رَجَعْت إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّه جَامِع النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي بَقِيع وَاحِد , فَيَقُول الْمُشْرِكُونَ إِنَّ اللَّه لَا يَقْبَل مِنْ أَحَد شَيْئًا إِلَّا مِمَّنْ وَحَّدَهُ , فَيَقُولُونَ : تَعَالَوْا نَجْحَد ! فَيَسْأَلهُمْ , فَيَقُولُونَ : وَاَللَّه رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ , قَالَ فَيَخْتِم عَلَى أَفْوَاههمْ , وَيَسْتَنْطِق جَوَارِحهمْ , فَتَشْهَد عَلَيْهِمْ جَوَارِحهمْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ فَعِنْد ذَلِكَ تَمَنَّوْا لَوْ أَنَّ الْأَرْض سُوِّيَتْ بِهِمْ , وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا . 7553 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَهُ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا } يَعْنِي : أَنْ تُسَوَّى الْأَرْض بِالْجِبَالِ عَلَيْهِمْ . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا الْقَوْل الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس : يَوْمئِذٍ يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُول لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض وَلَمْ يَكْتُمُوا اللَّه حَدِيثًا. كَأَنَّهُمْ تَمَنَّوْا أَنَّهُمْ سُوُّوا مَعَ الْأَرْض , وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَتَمُوا اللَّه حَدِيثًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ يَوْمئِذٍ لَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا , وَيَوَدُّونَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الْأَرْض . وَلَيْسَ بِمُنْكَتِمٍ عَنْ اللَّه مِنْ شَيْء حَدِيثهمْ , لِعِلْمِهِ جَلَّ ذِكْره بِجَمِيعِ حَدِيثهمْ وَأَمْرهمْ , فَإِنَّهُمْ إِنْ كَتَمُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَجَحَدُوهُ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُ .'

تفسير القرطبي

ضمت الواو في "عصوا". لالتقاء الساكنين، ويجوز كسرها. وقرأ نافع وابن عامر: "تسوى" بفتح التاء والتشديد في السين. وحمزة والكسائي كذلك إلا أنهما خففا السين. والباقون ضموا التاء وخففوا السين، مبنيا للمفعول والفاعل غير مسمى. والمعنى لو يسوي الله بهم الأرض. أي يجعلهم والأرض سواء. ومعنى آخر : تمنوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم؛ لأنهم من التراب نقلوا. وعلى القراءة الأولى والثانية فالأرض فاعلة، والمعنى تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها؛ قاله قتادة. وقيل : الباء بمعنى على، أي لو تسوى عليهم أي تنشق فتسوى عليهم؛ عن الحسن. فقراءة التشدد على الإدغام، والتخفيف على حذف التاء. وقيل : إنما تمنوا هذا حين رأوا البهائم تصير ترابا وعلموا أنهم مخلدون في النار؛ وهذا معنى قوله تعالى: { ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} [النبأ : 40]. وقيل : إنما تمنوا هذا حين شهدت هذه الأمة للأنبياء على ما تقدم في "البقرة" عند قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة : 143] الآية. فتقول الأمم الخالية : إن فيهم الزناة والسراق فلا تقبل شهادتهم فيزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول المشركون: { والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام : 23] فيختم على أفواههم وتشهد أرجلهم وأيديهم بما كانوا يكسبون؛ فذلك قوله تعالى: { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض} يعني تخسف بهم. والله أعلم. قوله تعالى: { ولا يكتمون الله حديثا} قال الزجاج : قال بعضهم: { ولا يكتمون الله حديثا} مستأنف؛ لأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. وقال بعضهم : هو معطوف، والمعنى يود لو أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثا؛ لأنه ظهر كذبهم. وسئل ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: { والله ربنا ما كنا مشركين} فقال : لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: { والله ربنا ما كنا مشركين} فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثا. وقال الحسن وقتادة : الآخرة مواطن يكون هذا في بعضها وهذا في بعضها. ومعناه أنهم لما تبين لهم وحوسبوا لم يكتموا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في "الأنعام" إن شاء الله تعالى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 40 - 44

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وساعة ترى " يومئذ " وتجد فيها هذا التنوين فاعلم أنه عوض عن شيء محذوف والمحذوف هنا أكثر من جملة ويصبح المعنى: يوم إذْ نجيء من كل أمة بشهيد وتكون أنت عليهم شهيداً، في هذا اليوم { يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ } لأنهم فوجئوا بعملية كانوا يكذبونها، فلم يكونوا معتقدين أن الحكاية جادة، كانوا يحسبون أن كلام الرسول مجرد كلام ينتهي، فعندما يفاجئهم يوم القيامة ماذا يكون موقفهم؟ { يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ } وما معنى { تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ }؟ كما تقول: سأسوِّي بفلان الأرض؛ أي تدوسه دوسة بحيث يكون في مستوى الأرض.

{ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً }. فكيف لا يكتمون الله حديثا؟ وهو قد قال في آية أخرى:
{  قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ }
[المؤمنون: 108].

قال الحق ذلك عنهم لأن الأمر له مراحل: فمرة يتكلمون، ويكذبون، فهم يكذبون عندما يقولون:
{  وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }
[الأنعام: 23].

وسيقولون عن الأصنام التي عبدوها:
{  مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ }
[الزمر: 3].

إذن فقوله: { وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } دليل على أن الحديث مندفع ولا يقدر صاحبه أن يكتمه. فالكتم: أن تعوق شيئاً يخرج بطبيعته من شيء آخر فتكتمه. والواحد منهم في الآخرة: لا يقدر أن يكتم حديثاً؛ لأن ذاتية النطق ليست في أداة النطق كما كان الأمر في الدنيا فقط، بل سيجدون أنفسهم وقد قدموا إقرارات بخطاياهم، وبألسنتهم وبجوارحهم؛ لأن النطق ليس باللسان فقط، فاللسان سيشهد، والجلود تشهد، واليدان تشهدان، بل كل الجوارح تشهد.

إذن فالمسألة ليست تحت سيطرة أحد، لماذا؟؛ لأن هناك ما نسميه " ولاية الاقتدار " ، ومعناها أن: هناك قادراً، وهناك مقدور عليه. ولكي نقرب الصورة، عندما توجد كتيبة من الجيش وعليها قائد. وبعد ذلك قامت الكتيبة في مهمة، والقانون العام في هذه المهمة: أن يجعل لهذا القائد قادرية الأوامر وعلى الجنود طاعته؛ وألا يخالفوا الأوامر العسكرية، فإذا أصدر هذا القائد أمراً تسبب في فشل معركة ما، وذهب الجنود للقائد الأعلى منه، ويسمونه الضابط الأعلى من الضابط الصغير، فيكون للجنود معه كلام آخر، إنهم يقدرون أن يقولوا: هو الذي قال لنا ونفذنا أوامره.

أقول ذلك لتقريب المعنى لحظة الوقوف أمام الحق سبحانه وتعالى. فحينما خلق سبحانه الإنسان خلق جوارحه منفعلة لإرادته، وإرادته مكيفة حسب اختياره. فإرادة الطائع إطاعة أمر واجتناب نهي، وإرادة العاصي على العكس؛ لا يطيع الأمر ولا يتجنب المنهي عنه فواحد أراد أن يشرب الخمر، فرجله مشت، ولسانه نطق لِلرَّجُلِ الذي يعطيه الكأس، ويده امتدت وأخذت الكأس وشرب، والجوارح التي تقوم بهذه العملية هي خاضعة لقادرية إرادته، فقد خلقها ربنا هكذا، وبعد ذلك، حين تذهب إلى من دبر هذا الأمر في الآخرة تقول له: يا رب هو عمل بي كذا وكذا، لماذا؟ لأن قادرية الإرادة امتنعت:
{  لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 16].

وليس لي ولا لأحد إرادة في الآخرة، وما دام ليس لي إرادة فاليد تتكلم وتعترف: عمل بي كذا وكذا وكنت يا رب مقهورة لقادرية إرادته التي أعطيتها له فمبجرد ما يريد فأنا أنفذ. عندما أراد أن أضرب واحداً لم أمتنع. ويعترف اللسان بسبّه لفلان، أو مدحه لآخر، إذن فكل هذه ولاية القادرية من الإرادة على المقدورات من الجوارح. لكن إذا ما ذهبت إلى من وهب القادرية للإرادة؛ فلا يوجد أحد له إرادة. فكأن الجوارح حين تصنع غير مرادات اللله بحكم أنها خاضعة للمريد وهو غير طائع تكون كارهة؛ لذلك تفعل أوامر صاحبها وهي كارهة، فإذا ما انحلت إرادته وجدت الفرصة فتقول ما حدث:
{  وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ }
[فصلت: 21].

" يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تُسوَّي بهم الأرض " ، لأن الكافر سيقول:
{  يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً }
[النبأ: 40].

ويقول الحق بعد ذلك: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ... }.


www.alro7.net