سورة
اية:

وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى ناهياً لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} فنهاهم عن الشيئين معاً، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به. ولهذا قال ابن عباس { ولا تلبسوا الحق بالباطل} : لا تخلطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب، وقال أبو العالية: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد اللّه من أُمة محمد صلى اللَه عليه وسلم، وقال قتادة { ولا تلبسوا الحق بالباطل} : ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين اللّه الإسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من اللّه. عن ابن عباس: { وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم وقال مجاهد والسدي: { وتكتموا الحق} يعني محمداً صلى اللَه عليه وسلم . قلت وتكتموا يحتمل أن يكون مجزوماً ويحتمل أن يكون منصوباً أي لا تجمعوا بين هذا وهذا، كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قال الزمخشري: وفي مصحف ابن مسعود { وتكتموا الحق} أي في حال كتمانكم الحق، { وأنتم تعلمون} حال أيضاً، ومعناه وأنتم تعلمون الحق ويجوز أن يكون المعنى وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس، من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار، إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لتروّجوه عليهم، والبيانُ: الإيضاح، وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} قال مقاتل: أمرهم أن يصلوا مع النبي صلى اللَه عليه وسلم { وآتوا الزكاة} أمرهم أن يؤتوا الزكاة أي يدفعونها إلى النبي صلى اللَه عليه وسلم { واركعوا مع الراكعين} أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد صلى اللَه عليه وسلم يقول: كونوا معهم ومنهم.

تفسير الجلالين

{ ولا تلبسوا } تخلطوا { الحق } الذي أنزلت عليكم { بالباطل } الذي تفترونه { و } لا { تكتموا الحق } نعت محمد { وأنتم تعلمون } أنه حق .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَلْبِسُوا } : لَا تَخْلِطُوا , وَاللَّبْس : هُوَ الْخَلْط , يُقَال مِنْهُ : لَبَّسْت عَلَيْهِمْ الْأَمْر أَلْبِسهُ لَبْسًا : إذَا خَلَطْته عَلَيْهِمْ . كَمَا : 689 - حُدِّثْت عَنْ المنجاب , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } 6 9 يَقُول : لَخَلَطْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَخْلِطُونَ . وَمِنْهُ قَوْل الْعَجَّاج : لَمَّا لَبِسْنَ الْحَقّ بِالتَّجَنِّي غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي يَعْنِي بِقَوْلِهِ : لَبِسْنَ : خَلَطْنَ . وَأَمَّا اللُّبْس فَإِنَّهُ يُقَال مِنْهُ : لَبَّسْته أَلْبِسهُ لَبْسًا وَمَلْبَسًا , وَذَلِكَ فِي الْكِسْوَة يَكْتَسِيهَا فَيَلْبَسهَا . وَمِنْ اللُّبْس قَوْل الْأَخْطَل : لَقَدْ لَبِسْت لِهَذَا الدَّهْر أَعْصِرهُ حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْب وَاشْتَعَلَا وَمِنْ اللُّبْس قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } 6 9 فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ كَانُوا يَلْبِسُونَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَهُمْ كُفَّار , وَأَيّ حَقّ كَانُوا عَلَيْهِ مَعَ كُفْرهمْ بِاَللَّهِ ؟ قِيلَ : إنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مُنَافِقُونَ مِنْهُمْ يُظْهِرُونَ التَّصْدِيق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَبْطِنُونَ الْكُفْر بِهِ , وَكَانَ عُظْمهمْ يَقُولُونَ : مُحَمَّد نَبِيّ مَبْعُوث إلَّا أَنَّهُ مَبْعُوث إلَى غَيْرنَا . فَكَانَ لَبِسَ الْمُنَافِق مِنْهُمْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ إظْهَاره الْحَقّ بِلِسَانِهِ وَإِقْرَاره لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ جَهَارًا , وَخَلَطَهُ ذَلِكَ الظَّاهِر مِنْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَسْتَبْطِنهُ . وَكَانَ لَبِسَ الْمُقِرّ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مَبْعُوث إلَى غَيْرهمْ الْجَاحِد أَنَّهُ مَبْعُوث إلَيْهِمْ إقْرَاره بِأَنَّهُ مَبْعُوث إلَى غَيْرهمْ وَهُوَ الْحَقّ , وَجُحُوده أَنَّهُ مَبْعُوث إلَيْهِمْ وَهُوَ الْبَاطِل , وَقَدْ بَعَثَهُ اللَّه إلَى الْخَلْق كَافَّة . فَذَلِكَ خَلْطهمْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَلُبْسهمْ إيَّاهُ بِهِ . كَمَا : 690 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْح , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } قَالَ : لَا تَخْلِطُوا الصِّدْق بِالْكَذِبِ . 691 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } يَقُول : لَا تَخْلِطُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ , وَأَدُّوا النَّصِيحَة لِعِبَادِ اللَّه فِي أَمْر مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام . 692 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِد : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة بِالْإِسْلَامِ . 693 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } قَالَ : الْحَقّ : التَّوْرَاة الَّذِي أَنَزَلَ اللَّه عَلَى مُوسَى , وَالْبَاطِل : الَّذِي كَتَبُوهُ بِأَيْدِيهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَلْبِسُوا } : لَا تَخْلِطُوا , وَاللَّبْس : هُوَ الْخَلْط , يُقَال مِنْهُ : لَبَّسْت عَلَيْهِمْ الْأَمْر أَلْبِسهُ لَبْسًا : إذَا خَلَطْته عَلَيْهِمْ . كَمَا : 689 - حُدِّثْت عَنْ المنجاب , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } 6 9 يَقُول : لَخَلَطْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَخْلِطُونَ . وَمِنْهُ قَوْل الْعَجَّاج : لَمَّا لَبِسْنَ الْحَقّ بِالتَّجَنِّي غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي يَعْنِي بِقَوْلِهِ : لَبِسْنَ : خَلَطْنَ . وَأَمَّا اللُّبْس فَإِنَّهُ يُقَال مِنْهُ : لَبَّسْته أَلْبِسهُ لَبْسًا وَمَلْبَسًا , وَذَلِكَ فِي الْكِسْوَة يَكْتَسِيهَا فَيَلْبَسهَا . وَمِنْ اللُّبْس قَوْل الْأَخْطَل : لَقَدْ لَبِسْت لِهَذَا الدَّهْر أَعْصِرهُ حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْب وَاشْتَعَلَا وَمِنْ اللُّبْس قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } 6 9 فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ كَانُوا يَلْبِسُونَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَهُمْ كُفَّار , وَأَيّ حَقّ كَانُوا عَلَيْهِ مَعَ كُفْرهمْ بِاَللَّهِ ؟ قِيلَ : إنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مُنَافِقُونَ مِنْهُمْ يُظْهِرُونَ التَّصْدِيق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَبْطِنُونَ الْكُفْر بِهِ , وَكَانَ عُظْمهمْ يَقُولُونَ : مُحَمَّد نَبِيّ مَبْعُوث إلَّا أَنَّهُ مَبْعُوث إلَى غَيْرنَا . فَكَانَ لَبِسَ الْمُنَافِق مِنْهُمْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ إظْهَاره الْحَقّ بِلِسَانِهِ وَإِقْرَاره لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ جَهَارًا , وَخَلَطَهُ ذَلِكَ الظَّاهِر مِنْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَسْتَبْطِنهُ . وَكَانَ لَبِسَ الْمُقِرّ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مَبْعُوث إلَى غَيْرهمْ الْجَاحِد أَنَّهُ مَبْعُوث إلَيْهِمْ إقْرَاره بِأَنَّهُ مَبْعُوث إلَى غَيْرهمْ وَهُوَ الْحَقّ , وَجُحُوده أَنَّهُ مَبْعُوث إلَيْهِمْ وَهُوَ الْبَاطِل , وَقَدْ بَعَثَهُ اللَّه إلَى الْخَلْق كَافَّة . فَذَلِكَ خَلْطهمْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَلُبْسهمْ إيَّاهُ بِهِ . كَمَا : 690 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْح , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } قَالَ : لَا تَخْلِطُوا الصِّدْق بِالْكَذِبِ . 691 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } يَقُول : لَا تَخْلِطُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ , وَأَدُّوا النَّصِيحَة لِعِبَادِ اللَّه فِي أَمْر مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام . 692 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ مُجَاهِد : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة بِالْإِسْلَامِ . 693 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } قَالَ : الْحَقّ : التَّوْرَاة الَّذِي أَنَزَلَ اللَّه عَلَى مُوسَى , وَالْبَاطِل : الَّذِي كَتَبُوهُ بِأَيْدِيهِمْ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَفِي قَوْله : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } وَجْهَانِ مِنْ التَّأْوِيل : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَكْتُمُوا الْحَقّ كَمَا نَهَاهُمْ أَنَّ يَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ . فَيَكُون تَأْوِيل ذَلِكَ حِينَئِذٍ : ولَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ , وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقّ . وَيَكُون قَوْله : { وَتَكْتُمُوا } عِنْد ذَلِكَ مَجْزُومًا بِمَا جُزِمَ بِهِ : " تَلْبِسُوا " عَطْفًا عَلَيْهِ . وَالْوَجْه الْآخَر مِنْهُمَا أَنْ يَكُون النَّهْي مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ , وَيَكُون قَوْله : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } خَبَرًا مِنْهُ عَنْهُمْ بِكِتْمَانِهِمْ الْحَقّ الَّذِي يَعْلَمُونَهُ , فَيَكُون قَوْله : " وَتَكْتُمُوا " حِينَئِذٍ مَنْصُوبًا , لِانْصِرَافِهِ عَنْ مَعْنَى قَوْله : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } إذْ كَانَ قَوْله : { وَلَا تَلْبِسُوا } نَهْيًا , وَقَوْله : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } خَبَرًا مَعْطُوفًا عَلَيْهِ غَيْر جَائِز أَنْ يُعَاد عَلَيْهِ مَا عَمَل فِي قَوْله : { تَلْبِسُوا } مِنْ الْحَرْف الْجَازِم , وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُسَمِّيه النَّحْوِيُّونَ صَرْفًا . وَنَظِير ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى وَالْإِعْرَاب قَوْل الشَّاعِر : لَا تَنْهَ عَنْ خُلُق وَتَأْتِيَ مِثْله عَارٍ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيم فَنَصَبَ " تَأْتِيَ " عَلَى التَّأْوِيل الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { وَتَكْتُمُوا } الْآيَة , لِأَنَّهُ لَمْ يَرِد : لَا تَنْهَ عَنْ خُلُق وَلَا تَأْتِ مِثْله , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : لَا تَنْهَ عَنْ خُلُق وَأَنْت تَأْتِي مِثْله . فَكَانَ الْأَوَّل نَهْيًا وَالثَّانِي خَبَرًا , فَنَصَبَ الْخَبَر إذْ عَطْفه عَلَى غَيْر شَكْله . فَأَمَّا الْوَجْه الْأَوَّل مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا أَنَّ الْآيَة تَحْتَمِلهُمَا , فهو على مذهب ابن عباس الذي : 694 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } يَقُول : وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . * وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } : أَيْ وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقّ . وَأَمَّا الْوَجْه الثَّانِي مِنْهُمَا فَهُوَ عَلَى مَذْهَب أَبِي الْعَالِيَة وَمُجَاهِد . 695 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قَالَ : كَتَمُوا بَعْث مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 696 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . وَأَمَّا تَأْوِيل الْحَقّ الَّذِي كَتَمُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَهُ , فَهُوَ مَا : 697 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } يَقُول : لَا تَكْتُمُوا مَا عِنْدكُمْ مِنْ الْمَعْرِفَة بِرَسُولِي وَمَا جَاءَ بِهِ , وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدكُمْ فِيمَا تَعْلَمُونَ مِنْ الْكُتُب الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ . * وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } يَقُول : إنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ . 698 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قَالَ : يَكْتُم أَهْل الْكِتَاب مُحَمَّدًا , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 699 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قَالَ : الْحَقّ هُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 700 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قَالَ : كَتَمُوا بَعْث مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ . * وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : تَكْتُمُونَ مُحَمَّدًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ , وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدكُمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . فَتَأْوِيل الْآيَة إذَا : وَلَا تَخْلِطُوا عَلَى النَّاس أَيّهَا الْأَحْبَار مِنْ أَهْل الْكِتَاب فِي أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّه , وَتَزْعُمُوا أَنَّهُ مَبْعُوث إلَى بَعْض أَجْنَاس الْأُمَم دُون بَعْض أَوْ تُنَافِقُوا فِي أَمْره , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَبْعُوث إلَى جَمِيعكُمْ , وَجَمِيع الْأُمَم غَيْركُمْ , فَتَخْلِطُوا بِذَلِكَ الصِّدْق بِالْكَذِبِ , وَتَكْتُمُوا بِهِ مَا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابكُمْ مِنْ نَعْته وَصِفَته , وَأَنَّهُ رَسُولِي إلَى النَّاس كَافَّة , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولِي , وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ إلَيْكُمْ فَمِنْ عِنْدِي , وَتَعْرِفُونَ أَنَّ مِنْ عَهْدِي الَّذِي أَخَذْت عَلَيْكُمْ فِي كِتَابكُمْ الْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَالتَّصْدِيق بِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَفِي قَوْله : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } وَجْهَانِ مِنْ التَّأْوِيل : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَكْتُمُوا الْحَقّ كَمَا نَهَاهُمْ أَنَّ يَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ . فَيَكُون تَأْوِيل ذَلِكَ حِينَئِذٍ : ولَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ , وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقّ . وَيَكُون قَوْله : { وَتَكْتُمُوا } عِنْد ذَلِكَ مَجْزُومًا بِمَا جُزِمَ بِهِ : " تَلْبِسُوا " عَطْفًا عَلَيْهِ . وَالْوَجْه الْآخَر مِنْهُمَا أَنْ يَكُون النَّهْي مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ , وَيَكُون قَوْله : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } خَبَرًا مِنْهُ عَنْهُمْ بِكِتْمَانِهِمْ الْحَقّ الَّذِي يَعْلَمُونَهُ , فَيَكُون قَوْله : " وَتَكْتُمُوا " حِينَئِذٍ مَنْصُوبًا , لِانْصِرَافِهِ عَنْ مَعْنَى قَوْله : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ } إذْ كَانَ قَوْله : { وَلَا تَلْبِسُوا } نَهْيًا , وَقَوْله : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } خَبَرًا مَعْطُوفًا عَلَيْهِ غَيْر جَائِز أَنْ يُعَاد عَلَيْهِ مَا عَمَل فِي قَوْله : { تَلْبِسُوا } مِنْ الْحَرْف الْجَازِم , وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُسَمِّيه النَّحْوِيُّونَ صَرْفًا . وَنَظِير ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى وَالْإِعْرَاب قَوْل الشَّاعِر : لَا تَنْهَ عَنْ خُلُق وَتَأْتِيَ مِثْله عَارٍ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيم فَنَصَبَ " تَأْتِيَ " عَلَى التَّأْوِيل الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { وَتَكْتُمُوا } الْآيَة , لِأَنَّهُ لَمْ يَرِد : لَا تَنْهَ عَنْ خُلُق وَلَا تَأْتِ مِثْله , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : لَا تَنْهَ عَنْ خُلُق وَأَنْت تَأْتِي مِثْله . فَكَانَ الْأَوَّل نَهْيًا وَالثَّانِي خَبَرًا , فَنَصَبَ الْخَبَر إذْ عَطْفه عَلَى غَيْر شَكْله . فَأَمَّا الْوَجْه الْأَوَّل مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا أَنَّ الْآيَة تَحْتَمِلهُمَا , فهو على مذهب ابن عباس الذي : 694 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } يَقُول : وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . * وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } : أَيْ وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقّ . وَأَمَّا الْوَجْه الثَّانِي مِنْهُمَا فَهُوَ عَلَى مَذْهَب أَبِي الْعَالِيَة وَمُجَاهِد . 695 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قَالَ : كَتَمُوا بَعْث مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 696 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . وَأَمَّا تَأْوِيل الْحَقّ الَّذِي كَتَمُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَهُ , فَهُوَ مَا : 697 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } يَقُول : لَا تَكْتُمُوا مَا عِنْدكُمْ مِنْ الْمَعْرِفَة بِرَسُولِي وَمَا جَاءَ بِهِ , وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدكُمْ فِيمَا تَعْلَمُونَ مِنْ الْكُتُب الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ . * وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ } يَقُول : إنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ . 698 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قَالَ : يَكْتُم أَهْل الْكِتَاب مُحَمَّدًا , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 699 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قَالَ : الْحَقّ هُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 700 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَتَكْتُمُوا الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قَالَ : كَتَمُوا بَعْث مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ . * وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : تَكْتُمُونَ مُحَمَّدًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ , وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدكُمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . فَتَأْوِيل الْآيَة إذَا : وَلَا تَخْلِطُوا عَلَى النَّاس أَيّهَا الْأَحْبَار مِنْ أَهْل الْكِتَاب فِي أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّه , وَتَزْعُمُوا أَنَّهُ مَبْعُوث إلَى بَعْض أَجْنَاس الْأُمَم دُون بَعْض أَوْ تُنَافِقُوا فِي أَمْره , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَبْعُوث إلَى جَمِيعكُمْ , وَجَمِيع الْأُمَم غَيْركُمْ , فَتَخْلِطُوا بِذَلِكَ الصِّدْق بِالْكَذِبِ , وَتَكْتُمُوا بِهِ مَا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابكُمْ مِنْ نَعْته وَصِفَته , وَأَنَّهُ رَسُولِي إلَى النَّاس كَافَّة , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولِي , وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ إلَيْكُمْ فَمِنْ عِنْدِي , وَتَعْرِفُونَ أَنَّ مِنْ عَهْدِي الَّذِي أَخَذْت عَلَيْكُمْ فِي كِتَابكُمْ الْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَالتَّصْدِيق بِهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالباطل} اللبس : الخلط، لبست عليه الأمر ألبسه، إذا مزجت بينه بمُشْكله وحقَّه بباطله قال الله تعالى { وللبسنا عليهم ما يلبسون} [الأنعام: 9 ] وفي الأمر لبسة أي ليس بواضح ومن هذا المعنى قول علي رضي الله عنه للحارث بن حوط يا حارث (إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله) وقالت الخنساء : ترى الجليس يقول الحق تحسبه ** رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا صدق مقالته واحذر عداوته ** والبس عليه أمورا مثل ما لبسا وقال العجاج : لما لبسن الحق بالتجني ** غنين واستبدلن زيدا مني روى سعيد عن قتادة في قوله { ولا تلبسوا الحق بالباطل} [البقرة: 42] يقول : لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن دين الله - الذي لا يقبل غيره ولا يجزئ إلا به - الإسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة وليست من الله. والظاهر من قول عنترة : وكتيبة لبستها بكتيبة أنه من هذا المعنى، ويحتمل أن يكون من اللباس. وقد قيل هذا في معنى الآية، أي لا تغطوا. ومنه لبس الثوب يقال لبست الثوب ألبسه ولباس الرجل زوجته وزوجها لباسها. قال الجعدي إذا ما الضجيع ثنى جيدها ** تثنت عليه فكانت لباسا وقال الأخطل : وقد لبست لهذا الأمر أعصره ** حتى تجلل رأسي الشيب فاشتعلا واللبوس : كل ما يلبس من ثياب ودرع، قال الله تعالى { وعلمناه صنعة لبوس لكم} [الأنبياء: 80 ] ولابست فلانا حتى عرفت باطنه. وفي فلان ملبس أي مستمتع قال : ألا إن بعد العدم للمرءقنوة ** وبعد المشيب طول عمر وملبسا ولبس الكعبة والهودج ما عليهما من لباس بكسر اللام قوله تعالى { بالباطل} الباطل في كلام العرب خلاف الحق، ومعناه الزائل قال لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وبطل الشيء يبطل بطلا وبطولا وبطلانا ذهب ضياعا وخسرا وأبطله غيره ويقال ذهب دمه بطلا أي هدرا والباطل الشيطان والبطل الشجاع سمي بذلك لأنه يبطل شجاعة صاحبه، قال النابغة : لهم لواء بأيدي ماجد بطل ** لا يقطع الخرق إلا طرفه سامي والمرأة بطلة. وقد بطل الرجل أي بالضم يبطل بطولة وبطالة أي صار شجاعا وبطل الأجير بالفتح بطالة أي تعطل فهو بطال. واختلف أهل التأويل في المراد بقوله { الحق بالباطل} فروي عن ابن عباس وغيره لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل وهو التغيير والتبديل. وقال أبو العالية قالت اليهود محمد مبعوث ولكن إلى غيرنا. فإقرارهم ببعثه حق وجحدهم أنه بعث إليهم باطل. وقال ابن زيد : المراد بالحق التوراة، والباطل ما بدلوا فيها من ذكر محمد عليه السلام وغيره. وقال مجاهد : لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام. وقاله قتادة وقد تقدم. قلت : وقول ابن عباس أصوب، لأنه عام فيدخل فيه جميع الأقوال والله المستعان. قوله تعالى: { وتكتموا الحق} يجوز أن يكون معطوفا على { تلبسوا} فيكون مجزوما ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن، التقدير لا يكن منكم لبس الحق وكتمانه أي وأن تكتموه قال ابن عباس : (يعني كتمانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه) وقال محمد بن سيرين : نزل عصابة من ولد هارون يثرب لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العدو عليهم والذلة، وتلك العصابة هم حملة التوراة يومئذ فأقاموا بيثرب يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، وهم مؤمنون مصدقون بنبوته فمضى أولئك الآباء وهم مؤمنون وخلف الأبناء وأبناء الأبناء فأدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فكفروا به وهم يعرفونه، وهو معنى قوله تعالى { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] قوله تعالى: { وأنتم تعلمون} جملة في موضع الحال أي أن محمدا عليه السلام حق، فكفرهم كان كفر عناد ولم يشهد تعالى لهم بعلم وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا. ودل هذا على تغليظ الذنب على من واقعه على علم وأنه أعصى من الجاهل. وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى { أتأمرون الناس بالبر} [البقرة: 44 ]الآية.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 40 - 42


سورة البقرة الايات 42 - 48

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أن حذر الحق سبحانه وتعالى اليهود من أن يبيعوا دينهم بثمن قليل وهو المال أو النفوذ الدنيوي. قال تعالى: { وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ } مادة تلبس. مأخوذة من اللباس الذي نرتديه. واللبس هو التغطية أو التعمية بأن نخفي الحق ولا نظهره. فاللباس تغليف للجسم يستره فلا يبين تفصيلاته..

والحق هو القضية الثابتة المقدرة التي لا تتغير. فلنفرض أننا شهدنا شيئا يقع. ثم روى كل منا ما حدث. إذا كنا صادقين لن يكون حديثنا إلا مطابقا للحقيقة. ولكن إذا كان هناك من يحاول تغيير الحقيقة فيكون لكل منا رواية. وهكذا فالحق ثابت ولا يتغير.

في التوراة آيات لم يحرفها اليهود.. وآيات محرفة. كل الآيات التي تتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفه.. وأنه النبي الخاتم.. حرفها اليهود. والآيات التي لا تتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرفوها.. فكأنهم خلطوا الحق بالباطل.. ما الذي جعلهم يدخلون الباطل ويحاولون إخفاء الحقائق؟ المصلحة الأولى: ليشتروا بآيات الله ثمنا قليلا.. والباطل هو ما لا واقع له. ولذلك فإن أبواب الباطل متعددة.

وباب الحق واحد. فالله سبحانه وتعالى يريد أن يبلغنا أن اليهود قد وضعوا في التوراة باطلا لم يأمر به الله. وكتموا الحقيقة عن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن هل فعلوا ذلك عن طريق الخطأ أو السهو أو النسيان؟ لا بل فعلوه وهم يعلمون. نأتي مثلا إلى قول الحق تبارك وتعالى لليهود:
{  وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ }
[البقرة: 58]

وحطة أي حط عنا يا رب ذنوبنا. يأتي اليهود ويغيرون قول الله. فبدلا من أن يقولوا حطة. يقولوا حنطة. من يسمع هذا اللفظ قد لا يتنبه ويعتقد أنهم قالوا ما أمرهم الله به. مع أن الواقع أنهم حرفوه. ولذلك عندما كانوا يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: راعنا ليا بألسنتهم. وكان المفروض أن يقولوا راعينا.. ولكنهم قالوا راعنا من الرعونة.. والله تعالى نبه المؤمنين برسوله صلى الله عليه وسلم ألا يقولوا مثلهم. فقال جل جلاله: { لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا }.

أي اتركوا هذه الكلمة نهائيا، هذا لبس الحق بالباطل. إذن فاليهود ألبسوا الحق بالباطل. والإنسان لا يلبس الحق بالباطل.. إلا إذا كان لا يستطيع مواجهة الحق. لأن عدم القدرة على مواجهة الحق ضعف نَفِرُّ منه إلى الباطل، لأن الحق يتعب صاحبه.. والإنسان لا يستطيع أن يَحْمل نفسه على الحق.

وقوله تعالى: { وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي أنهم يفعلون ذلك عن عمد وليس عن جهل. فقد يكتم الإنسان حقا وهو لا يعلم أنه الحق. ولكن إذا كنت تعلمه فتلك هي النكبة لأنك تخفيه عامدا متعمدا. أو وأنتم تعلمون. قد يكون معناها أن اليهود ـ وهم أهل الكتاب ـ يعلمون ما سيصيبهم في الآخرة من العذاب الأليم.. بسبب إخفائهم الحق. فهم لا يجهلون ماذا سيحدث في الآخرة. ولكنهم يقدمون على عملهم مع علمهم أنه خطأ فيكون العذاب حقا.


www.alro7.net