سورة
اية:

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن إبليس وتمرده وعتوه أنه قال للرب: { بما أغويتني} أي بسبب ما أغويتني وأضللتني { لأزينن لهم} أي لذرية آدم عليه السلام، { في الأرض} أي أحبب إليهم المعاصي وأرغبهم فيها، { ولأغوينهم أجمعين} أي كما أغويتني وقدّرت عليّ ذلك، { إلا عبادك منهم المخلصين} ، كقوله: { لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا} ، { قال} اللّه تعالى له متهدداً ومتوعداً، { هذا صراط علي مستقيم} أي مرجعكم إليَّ فأجازيكم بأعمالكم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وقيل: طريق الحق مرجعها إلى اللّه تعالى وإليه تنتهي قاله مجاهد والحسن وقتادة ، كقوله: { وعلى اللّه قصد السبيل} ، وقوله: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} أي الذين قدرت لهم الهداية فلا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم { إلا من اتبعك من الغاوين} استثناء منقطع، { وإن جهنم لموعدهم أجمعين} أي جهنم موعد جميع من اتبع إبليس كما قال عن القرآن، { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} ، ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب ""في اللباب: أخرج الثعلبي: أن سلمان الفارسي لما سمع قوله تعالى: { وإن جهنم لموعدهم أجمعين} فرّ ثلاثة أيام هارباً من الخوف لا يعقل، فجيء به إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه، أنزلت هذه الآية؟ فوالذي بعثك بالحق لقد قطعت قلبي، فأنزل اللّه: { إن المتقين في جنات وعيون} "" { لكل باب منهم جزء مقسوم} أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه أجارنا اللّه منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله ويستقر في درك بقدر عمله، وعن علي بن أبي طالب أنه قال: إن أبواب جهنم هكذا أطباقٌ بعضها فوق بعض، وعن هبيرة بن أبي مريم عن علي رضي اللّه عنه قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول ثم الثاني ثم الثالث، حتى تمتلئ كلها. وقال عكرمة: سبعة أبواب سبعة أطباق، وقال ابن جريج: سبعة أبواب أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية روى الضحّاك عن ابن عباس نحوه، وكذلك روي عن الأعمش ، وقال قتادة { لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} : هي واللّه منازل بأعمالهم، وقال الترمذي، عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي - أو قال على أمة محمد - ) ""رواه الترمذي وقال: لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول"". وقال ابن أبي حاتم، عن سمرة بن جندب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله: { لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: (إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حنجرته، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه، منازلهم بأعمالهم، فذلك قوله: { لكل باب منهم جزء مقسوم} .

تفسير الجلالين

وهو { إن عبادي } أي المؤمنين { ليس لك عليهم سلطان } قوة { إلا } لكن { من اتبعك من الغاوين } الكافرين .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان إِلَّا مَنْ اِتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ حُجَّة , إِلَّا مَنْ اِتَّبَعَك عَلَى مَا دَعَوْته إِلَيْهِ مِنْ الضَّلَالَة مِمَّنْ غَوَى وَهَلَكَ . 16013 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوهِب , قَالَ ثَنَا يَزِيد بْن قُسَيْط , قَالَ : كَانَتْ الْأَنْبِيَاء لَهُمْ مَسَاجِد خَارِجَة مِنْ قُرَاهُمْ , فَإِذَا أَرَادَ النَّبِيّ أَنْ يَسْتَنْبِئ رَبّه عَنْ شَيْء خَرَجَ إِلَى مَسْجِده , فَصَلَّى مَا كَتَبَ اللَّه لَهُ ثُمَّ سَأَلَ مَا بَدَا لَهُ . فَبَيْنَمَا نَبِيّ فِي مَسْجِده , إِذْ جَاءَ عَدُوّ اللَّه حَتَّى جَلَسَ بَيْنه وَبَيْن الْقِبْلَة , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم ! " فَقَالَ عَدُوّ اللَّه : أَرَأَيْت الَّذِي تَعَوَّذ مِنْهُ فَهُوَ هُوَ ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم " ! فَرَدَّدَ ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات. فَقَالَ عَدُوّ اللَّه : أَخْبِرْنِي بِأَيِّ شَيْء تَنْجُو مِنِّي ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلْ أَخْبِرْنِي بِأَيِّ شَيْء تَغْلِب اِبْن آدَم ؟ " مَرَّتَيْنِ . فَأَخَذَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه ـ تَعَالَى ذِكْره ـ يَقُول { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان إِلَّا مَنْ اِتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ } قَالَ عَدُوّ اللَّه : قَدْ سَمِعْت هَذَا قَبْل أَنْ تُولَد . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَيَقُول اللَّه ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّك مِنْ الشَّيْطَان نَزْغ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ إِنَّهُ سَمِيع عَلِيم } 7 200 وَإِنِّي وَاَللَّه مَا أَحْسَسْت بِك قَطُّ إِلَّا اِسْتَعَذْت بِاَللَّهِ مِنْك " . فَقَالَ عَدُوّ اللَّه : صَدَقْت بِهَذَا تَنْجُو مِنِّي ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَخْبَرَنِي بِأَيِّ شَيْء تَغْلِب اِبْن آدَم ؟ " قَالَ : آخُذهُ عِنْد الْغَضَب , وَعِنْد الْهَوَى . وَقَوْله : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان إِلَّا مَنْ اِتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ حُجَّة , إِلَّا مَنْ اِتَّبَعَك عَلَى مَا دَعَوْته إِلَيْهِ مِنْ الضَّلَالَة مِمَّنْ غَوَى وَهَلَكَ . 16013 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوهِب , قَالَ ثَنَا يَزِيد بْن قُسَيْط , قَالَ : كَانَتْ الْأَنْبِيَاء لَهُمْ مَسَاجِد خَارِجَة مِنْ قُرَاهُمْ , فَإِذَا أَرَادَ النَّبِيّ أَنْ يَسْتَنْبِئ رَبّه عَنْ شَيْء خَرَجَ إِلَى مَسْجِده , فَصَلَّى مَا كَتَبَ اللَّه لَهُ ثُمَّ سَأَلَ مَا بَدَا لَهُ . فَبَيْنَمَا نَبِيّ فِي مَسْجِده , إِذْ جَاءَ عَدُوّ اللَّه حَتَّى جَلَسَ بَيْنه وَبَيْن الْقِبْلَة , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم ! " فَقَالَ عَدُوّ اللَّه : أَرَأَيْت الَّذِي تَعَوَّذ مِنْهُ فَهُوَ هُوَ ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم " ! فَرَدَّدَ ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات. فَقَالَ عَدُوّ اللَّه : أَخْبِرْنِي بِأَيِّ شَيْء تَنْجُو مِنِّي ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلْ أَخْبِرْنِي بِأَيِّ شَيْء تَغْلِب اِبْن آدَم ؟ " مَرَّتَيْنِ . فَأَخَذَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه ـ تَعَالَى ذِكْره ـ يَقُول { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان إِلَّا مَنْ اِتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ } قَالَ عَدُوّ اللَّه : قَدْ سَمِعْت هَذَا قَبْل أَنْ تُولَد . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَيَقُول اللَّه ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّك مِنْ الشَّيْطَان نَزْغ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ إِنَّهُ سَمِيع عَلِيم } 7 200 وَإِنِّي وَاَللَّه مَا أَحْسَسْت بِك قَطُّ إِلَّا اِسْتَعَذْت بِاَللَّهِ مِنْك " . فَقَالَ عَدُوّ اللَّه : صَدَقْت بِهَذَا تَنْجُو مِنِّي ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَخْبَرَنِي بِأَيِّ شَيْء تَغْلِب اِبْن آدَم ؟ " قَالَ : آخُذهُ عِنْد الْغَضَب , وَعِنْد الْهَوَى . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} قال العلماء : يعني على قلوبهم. وقال ابن عيينة : أي في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفوي ويضيقه عليهم. وهؤلاء الذين هداهم الله واجتباهم واختارهم واصطفاهم. قلت : لعل قائلا يقول : قد أخبر الله عن صفة آدم وحواء عليهما السلام بقوله { فأزلهما الشيطان} [البقرة : 36]، وعن جملة من أصحاب نبيه بقوله { إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} [آل عمران : 155] فالجواب ما ذكر، وهو أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهم في ذنب يؤول إلى عدم القبول، بل تزيله التوبة وتمحوه الأوبة. ولم يكن خروج آدم عقوبة لما تناول؛ على ما تقدم في [البقرة] بيانه. وأما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى القول عنهم في آل عمران. ثم إن قوله سبحانه { ليس لك عليهم سلطان} يحتمل أن يكون خاصا فيمن حفظه الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات والأحوال، وقد يكون في تسلطه تفريج كربة وإزالة غمة؛ كما فعل ببلال، إذ أتاه يهديه كما يهدي الصبي حتى نام، ونام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا وقالوا : ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : (ليس في النوم تفريط) ففرج عنهم. { إلا من اتبعك من الغاوين} أي الضالين المشركين. أي سلطانه على هؤلاء؛ دليله { إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} [النحل : 100]. وهذه الآية والتي قبلها دليل على جواز استثناء القليل من الكثير والكثير من القليل؛ مثل أن يقول : عشرة إلا درهما. أو يقول : عشرة إلا تسعة. وقال أحمد بن حنبل : لا يجوز أن يستثنى إلا قدر النصف فما دونه. وأما استثناء الأكثر من الجملة فلا يصح. ودليلنا هذه الآية، فإن فيها استثتاء { الغاوين} من العباد والعباد من الغاوين، وذلك يدل على أن استثناء الأقل من الجملة واستثناء الأكثر من الجملة جائز.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحجر الايات 29 - 42


سورة الحجر الايات 39 - 51

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهكذا أصدر الحق سبحانه حُكْمه بألاَّ يكون لإبليس سلطان على مَنْ أخلص لله عبادة، وأمر إبليس ألاَّ يتعرض لهم؛ فسبحانه هو الذي يَصُونهم منه؛ إلا مَنْ ضَلَّ عن هدى الله سبحانه، وهم مَنْ يستطيع إبليس غوايتهم.

وهكذا نجد أن " الغاوين " هي ضد " عبادي " ، وهم الذين اصطفاهم الله من الوقوع تحت سلطان الشيطان؛ لأنهم أخلصوا وخَلَّصوا نفسهم لله، وسنجد إبليس وهو ينطق يوم القيامة أمام الغاوين:
{  إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ... }
[إبراهيم: 22]

ومن نِعَم الله علينا أن أخبرنا الحق سبحانه بكلّ ذلك في الدنيا، ولسوف يُقِر الشيطان بهذا كله في اليوم الآخر؛ ذلك أنه لم يملك سلطاناً يقهرنا به في الدنيا، بل مجرد إشارة ونَزْغ؛ ولا يملك سلطانَ إقناع ليجعلنا نفعل ما ينزغ به إلينا.

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما يُؤكّد أن جزاء الغاوين قَاسٍ أليم: { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ... }


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net