سورة
اية:

وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ

تفسير بن كثير

يأمر تعالى بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من اللّه أفضل الصلاة والسلام، ومهيجاً لهم بذكر أبيهم إسرائيل وهو نبي اللّه يعقوب عليه السلام، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع للّه، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا ابن الكريم افعل كذا؛ يا ابن الشجاع بارز الأبطال؛ يا ابن العالِم اطلب العلم، ونحو ذلك. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: { ذرية من حملنا مع نوح إن كان عبداً شكوراً} فإسرائيل هو يعقوب بدليل ما رواه ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبيَّ اللّه صلى الله عليه وسلم فقال:( هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟)، قالوا: اللهم نعم، فقال النبي صلى اللَه عليه وسلم : (اللهم اشهد) وعن ابن عباس: أن إسرائيل كقولك عبد اللّه. وقوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} قال مجاهد : نعمة اللّه التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك أن فجَّر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، ونجّاهم من عبودية آل فرعون. وقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب. قلت: وهذا كقول موسى عليه السلام لهم: { يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} يعني في زمانهم، وقال محمد ابن إسحاق عن ابن عباس في قوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} أي بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجّاهم من فرعون وقومه، { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} ، قال: بعهدي الذي أخذت في أعناقكم للنبي صلى اللَه عليه وسلم إذا جاءكم، أنجزْ لكم ما وعدتكم عليه من تصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم. وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى: { ولقد أخذ اللّه ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً . وقال اللّه إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسلي وعزرتموهم، وأقرضتم اللّه قرضاً حسناً، لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار} الآية. وقال آخرون: هو الذي أخذ اللّه عليهم في التوراة أنه سيبعث من بني إسماعيل نبياً عظيماً يطيعه جميع الشعوب والمراد به محمد صلى اللَه عليه وسلم، فمن اتبعه غفر اللّه له ذنبه وأدخله الجنة وجعل له أجرين. وقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمحمد صلى اللَه عليه وسلم . وقال أبو العالية { وأوفوا بعهدي} ، قال: عهده إلى عباده دين الإسلام وأن يتبعوه. وقال الضحّاك { أوف بعهدكم} : أرضَ عنكم و أُدخلكم الجنة، وقوله تعالى: { وإياي فارهبون} أي فاخشون، وقال ابن عباس: في قوله تعالى: { وإياي فارهبون} أي أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره، وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة، لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول صلى اللَه عليه وسلم والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره وتصديق أخباره، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ولهذا قال: { وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم} يعني به القرآن الذي أنزل على محمد صلى اللَه عليه وسلم النبي الأُمي العربي بشيراً ونذيراً، وسراجاً منيراً، مشتملاً على الحق من اللّه تعالى، مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل. قال أبو العالية: { وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم} ، يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم، يقول: لأنهم يجدون محمداً صلى اللَه عليه وسلم مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. وقوله: { ولا تكونوا أول كافر به} قال ابن عباس: ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم، قال أبو العالية: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى اللَه عليه وسلم بعد سماعكم بمبعثه، واختار ابن جرير أن الضمير في قوله به عائد على القرآن الذي تقدّم ذكره في قوله: { بما أنزلت} ، وكلا القولين صحيح لأنهما متلازمان، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى اللَه عليه وسلم، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن، وأما قوله: { أول كافر به} فيعني به أول من كفر به من بين إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن فكفرهم به يستلزم أنه أول من كفر به من جنسهم. وقوله تعالى: { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلا} يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية، سئل الحسن البصري عن قوله تعالى: { ثمنا قليلا} قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها. وعن سعيد بن جبير: إن آياته: كتابه الذي أنزله إليهم، وإن الثمن القليل: الدنيا وشهواتها؛ وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس، لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه اللّه لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة) ""أخرجه أبو داود في السنن عن أبي هريرة"") فأما تعليم العلم بأجرة فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعين عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند ""مالك والشافعي وأحمد""وجمهور العلماء كما في قصة اللديغ: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب اللّه). ""رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري""( وقوله في قصة المخطوبة: زوجتكها بما معك من القرآن). وقوله: { وإياي فاتقون} عن طلق بن حبيب قال: التقوى أن تعمل بطاعة اللّه، رجاء رحمة اللّه، على نور من اللّه، وأنت تترك معصية اللّه، على نور من اللّه، تخاف عقاب اللّه، ومعنى قوله: { وإياي فاتقون} أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه ومخالفتهم الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه.

تفسير الجلالين

{ وآمنوا بما أنزلت } من القرآن { مصدِّقاً لما معكم } من التوراة بموافقته له في التوحيد والنبوة { ولا تكونوا أوَّل كافر به } من أهل الكتاب لأنَّ خلفكم تبع لكم فإثمهم عليكم { ولا تشتروا } تستبدلوا { بآياتي } التي في كتابكم من نعت محمد { ثمناً قليلا } عوضاً يسيرا من الدنيا أي لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سفلتكم { وإياي فاتقون } خافون في ذلك دون غيري .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { آمِنُوا } : صَدِّقُوا , كَمَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْهُ قَبْل . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { بِمَا أَنْزَلْت } : مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآن . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } أَنَّ الْقُرْآن مُصَدِّق لِمَا مَعَ الْيَهُود مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ التَّوْرَاة . فَأَمَرَهُمْ بِالتَّصْدِيقِ بِالْقُرْآنِ , وَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ فِي تَصْدِيقهمْ بِالْقُرْآنِ تَصْدِيقًا مِنْهُمْ لِلتَّوْرَاةِ ; لِأَنَّ الَّذِي فِي الْقُرْآن مِنْ الْأَمْر بِالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقه وَاتِّبَاعه نَظِير الَّذِي مِنْ ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيل وَالتَّوْرَاة . فَفِي تَصْدِيقهمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد تَصْدِيق مِنْهُمْ لِمَا مَعَهُمْ مِنْ التَّوْرَاة , وَفِي تَكْذِيبهمْ بِهِ تَكْذِيب مِنْهُمْ لِمَا مَعَهُمْ مِنْ التَّوْرَاة . وَقَوْله : { مُصَدِّقًا } قَطْع مِنْ الْهَاء الْمَتْرُوكَة فِي { أَنْزَلْته } مِنْ ذِكْر " مَا " . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَآمِنُوا بِاَلَّذِي أَنْزَلْته مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ أَيّهَا الْيَهُود . وَاَلَّذِي مَعَهُمْ هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . كَمَا : 682 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } يَقُول : إنَّمَا أَنْزَلْت الْقُرْآن مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 683 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } يَقُول : يَا مَعْشَر أَهْل الْكِتَاب آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت عَلَى مُحَمَّد مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ . يَقُول : لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { آمِنُوا } : صَدِّقُوا , كَمَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْهُ قَبْل . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { بِمَا أَنْزَلْت } : مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآن . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } أَنَّ الْقُرْآن مُصَدِّق لِمَا مَعَ الْيَهُود مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ التَّوْرَاة . فَأَمَرَهُمْ بِالتَّصْدِيقِ بِالْقُرْآنِ , وَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ فِي تَصْدِيقهمْ بِالْقُرْآنِ تَصْدِيقًا مِنْهُمْ لِلتَّوْرَاةِ ; لِأَنَّ الَّذِي فِي الْقُرْآن مِنْ الْأَمْر بِالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقه وَاتِّبَاعه نَظِير الَّذِي مِنْ ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيل وَالتَّوْرَاة . فَفِي تَصْدِيقهمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد تَصْدِيق مِنْهُمْ لِمَا مَعَهُمْ مِنْ التَّوْرَاة , وَفِي تَكْذِيبهمْ بِهِ تَكْذِيب مِنْهُمْ لِمَا مَعَهُمْ مِنْ التَّوْرَاة . وَقَوْله : { مُصَدِّقًا } قَطْع مِنْ الْهَاء الْمَتْرُوكَة فِي { أَنْزَلْته } مِنْ ذِكْر " مَا " . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَآمِنُوا بِاَلَّذِي أَنْزَلْته مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ أَيّهَا الْيَهُود . وَاَلَّذِي مَعَهُمْ هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . كَمَا : 682 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } يَقُول : إنَّمَا أَنْزَلْت الْقُرْآن مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 683 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } يَقُول : يَا مَعْشَر أَهْل الْكِتَاب آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت عَلَى مُحَمَّد مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ . يَقُول : لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : كَيْفَ قِيلَ : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } وَالْخِطَاب فِيهِ لِجَمْعٍ وَكَافِر وَاحِد ؟ وَهَلْ نُجِيز إنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا أَنْ يَقُول قَائِل : لَا تَكُونُوا أَوَّل رَجُل قَامَ ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّمَا يَجُوز تَوْحِيد مَا أُضِيفَ لَهُ " أَفَعَلَ " , وَهُوَ خَبَر لِجَمْعٍ , إذَا كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ " فَعَلَ " و " يَفْعَل " لِأَنَّهُ يُؤَدِّي عَنْ الْمُرَاد مَعَهُ الْمَحْذُوف مِنْ الْكَلَام , وَهُوَ " مِنْ " , وَيَقُوم مَقَامه فِي الْأَدَاء عَنْ مَعْنَى مَا كَانَ يُؤَدِّي عَنْهُ " مِنْ " مِنْ الْجَمْع وَالتَّأْنِيث وَهُوَ فِي لَفْظ وَاحِد . أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : وَلَا تَكُونُوا أَوَّل مَنْ يَكْفُر بِهِ , ف " مِنْ " بِمَعْنَى جَمْع وَهُوَ غَيْر مُتَصَرِّف تُصْرَف الْأَسْمَاء لِلتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْع وَالتَّأْنِيث . فَإِذَا أُقِيمَ الِاسْم الْمُشْتَقّ مِنْ فَعَلَ وَيَفْعَل مَقَامه , جَرَى وَهُوَ مُوَحَّد مَجْرَاهُ فِي الْأَدَاء عَمَّا كَانَ يُؤَدِّي عَنْهُ مِنْ مَعْنَى الْجَمْع وَالتَّأْنِيث , كَقَوْلِك : الْجَيْش يَنْهَزِم , وَالْجُنْد يَقْبَل ; فَتَوَحَّدَ الْفِعْل لِتَوْحِيدِ لَفْظ الْجَيْش وَالْجُنْد , وَغَيْر جَائِز أَنْ يُقَال : الْجَيْش رَجُل , وَالْجُنْد غُلَام , حَتَّى تَقُول : الْجُنْد غِلْمَان , وَالْجَيْش رِجَال ; لِأَنَّ الْوَاحِد مِنْ عَدَد الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ غَيْر مُشْتَقَّة مِنْ فَعَلَ وَيَفْعَل لَا يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَى الْجَمَاعَة مِنْهُمْ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : وَإِذَا هُمْ طَعِمُوا فَأَلْأَم طَاعِم وَإِذَا هُمْ جَاعُوا فَشَرّ جِيَاع فَوَحَّدَ مَرَّة عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ نِيَّة " مِنْ " , وَإِقَامَة الظَّاهِر مِنْ الِاسْم الَّذِي هُوَ مُشْتَقّ مِنْ فَعَلَ وَيَفْعَل مَقَامه . وَجَمَعَ أُخْرَى عَلَى الْإِخْرَاج عَلَى عَدَد أَسَمَاء الْمُخْبِر عَنْهُمْ . وَلَوْ وَحَّدَ حَيْثُ جَمَعَ أَوْ جَمَعَ حَيْثُ وَحَّدَ كَانَ صَوَابًا جَائِزًا . فَأَمَّا تَأْوِيل ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : يَا مَعْشَر أَحْبَار أَهْل الْكِتَاب صَدِّقُوا بِمَا أَنْزَلْت عَلَى رَسُولِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآن الْمُصَدِّق كِتَابكُمْ , وَاَلَّذِي عِنْدكُمْ مِنْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل الْمَعْهُود إلَيْكُمْ فِيهِمَا أَنَّهُ رَسُولِي وَنَبِيِّي الْمَبْعُوث بِالْحَقِّ , وَلَا تَكُونُوا أَوَّل مَنْ كَذَّبَ بِهِ وَجَحَدَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي وَعِنْدكُمْ مِنْ الْعِلْم بِهِ مَا لَيْسَ عِنْد غَيْركُمْ . وَكُفْرهمْ بِهِ : جُحُودهمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه , وَالْهَاء الَّتِي فِي " بِهِ " مِنْ ذِكْر " مَا " الَّتِي مَعَ قَوْله : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت } كَمَا : 684 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } بِالْقُرْآنِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي ذَلِكَ مَا : 685 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } يَقُول : لَا تَكُونُوا أَوَّل مِنْ كُفْر بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ بَعْضهمْ : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } يَعْنِي بِكِتَابِكُمْ , وَيَتَأَوَّل أَنَّ فِي تَكْذِيبهمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِكِتَابِهِمْ ; لِأَنَّ فِي كِتَابهمْ الْأَمْر بِاتِّبَاعِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مِنْ ظَاهِر مَا تَدُلّ عَلَيْهِ التِّلَاوَة بَعِيدَانِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَة فِي أَوَّلهَا بِالْإِيمَانِ بِمَا أَنَزَلَ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ جَلَّ ذِكْره : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } وَمَعْقُول أَنَّ الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه فِي عَصْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْقُرْآن لَا مُحَمَّد , لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ رَسُول مُرْسَل لَا تَنْزِيل مُنْزَل , وَالْمُنْزَل هُوَ الْكِتَاب . ثُمَّ نَهَاهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّل مَنْ يَكْفُر بِاَلَّذِي أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ فِي أَوَّل الْآيَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب . فَذَلِكَ هُوَ الظَّاهِر الْمَفْهُوم , وَلَمْ يَجْرِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية ذِكْر ظَاهِر فَيُعَاد عَلَيْهِ بِذَكَرِهِ مُكَنِّيًا فِي قَوْله : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } وَإِنْ كَانَ غَيْر مَحَال فِي الْكَلَام أَنْ يَذْكُر مُكَنَّى اسْم لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر ظَاهِر فِي الْكَلَام . وَكَذَلِكَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَائِد مِنْ الذِّكْر فِي " بِهِ " عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { لِمَا مَعَكُمْ } لِأَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا ظَاهِر الْكَلَام فَإِنَّهُ بَعِيد مِمَّا يَدُلّ عَلَيْهِ ظَاهِر التِّلَاوَة وَالتَّنْزِيل , لِمَا وَصَفْنَا قَبْل مِنْ أَنَّ الْمَأْمُور بِالْإِيمَانِ بِهِ فِي أَوَّل الْآيَة هُوَ الْقُرْآن , فَكَذَلِكَ الْوَاجِب أَنْ يَكُون الْمَنْهِيّ عَنْ الْكُفْر بِهِ فِي آخِرهَا هُوَ الْقُرْآن . وَأَمَّا أَنْ يَكُون الْمَأْمُور بِالْإِيمَانِ بِهِ غَيْر الْمَنْهِيّ عَنْ الْكُفْر بِهِ فِي كَلَام وَاحِد وَآيَة وَاحِدَة , فَذَلِكَ غَيْر الْأَشْهَر الْأَظْهَر فِي الْكَلَام , هَذَا مَعَ بَعْد مَعْنَاهُ فِي التَّأْوِيل . 686 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدِّقًا لِمَا مَعَك وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } وَعِنْدكُمْ فِيهِ مِنْ الْعِلْم مَا لَيْسَ عِنْد غَيْركُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : كَيْفَ قِيلَ : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } وَالْخِطَاب فِيهِ لِجَمْعٍ وَكَافِر وَاحِد ؟ وَهَلْ نُجِيز إنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا أَنْ يَقُول قَائِل : لَا تَكُونُوا أَوَّل رَجُل قَامَ ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّمَا يَجُوز تَوْحِيد مَا أُضِيفَ لَهُ " أَفَعَلَ " , وَهُوَ خَبَر لِجَمْعٍ , إذَا كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ " فَعَلَ " و " يَفْعَل " لِأَنَّهُ يُؤَدِّي عَنْ الْمُرَاد مَعَهُ الْمَحْذُوف مِنْ الْكَلَام , وَهُوَ " مِنْ " , وَيَقُوم مَقَامه فِي الْأَدَاء عَنْ مَعْنَى مَا كَانَ يُؤَدِّي عَنْهُ " مِنْ " مِنْ الْجَمْع وَالتَّأْنِيث وَهُوَ فِي لَفْظ وَاحِد . أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : وَلَا تَكُونُوا أَوَّل مَنْ يَكْفُر بِهِ , ف " مِنْ " بِمَعْنَى جَمْع وَهُوَ غَيْر مُتَصَرِّف تُصْرَف الْأَسْمَاء لِلتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْع وَالتَّأْنِيث . فَإِذَا أُقِيمَ الِاسْم الْمُشْتَقّ مِنْ فَعَلَ وَيَفْعَل مَقَامه , جَرَى وَهُوَ مُوَحَّد مَجْرَاهُ فِي الْأَدَاء عَمَّا كَانَ يُؤَدِّي عَنْهُ مِنْ مَعْنَى الْجَمْع وَالتَّأْنِيث , كَقَوْلِك : الْجَيْش يَنْهَزِم , وَالْجُنْد يَقْبَل ; فَتَوَحَّدَ الْفِعْل لِتَوْحِيدِ لَفْظ الْجَيْش وَالْجُنْد , وَغَيْر جَائِز أَنْ يُقَال : الْجَيْش رَجُل , وَالْجُنْد غُلَام , حَتَّى تَقُول : الْجُنْد غِلْمَان , وَالْجَيْش رِجَال ; لِأَنَّ الْوَاحِد مِنْ عَدَد الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ غَيْر مُشْتَقَّة مِنْ فَعَلَ وَيَفْعَل لَا يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَى الْجَمَاعَة مِنْهُمْ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : وَإِذَا هُمْ طَعِمُوا فَأَلْأَم طَاعِم وَإِذَا هُمْ جَاعُوا فَشَرّ جِيَاع فَوَحَّدَ مَرَّة عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ نِيَّة " مِنْ " , وَإِقَامَة الظَّاهِر مِنْ الِاسْم الَّذِي هُوَ مُشْتَقّ مِنْ فَعَلَ وَيَفْعَل مَقَامه . وَجَمَعَ أُخْرَى عَلَى الْإِخْرَاج عَلَى عَدَد أَسَمَاء الْمُخْبِر عَنْهُمْ . وَلَوْ وَحَّدَ حَيْثُ جَمَعَ أَوْ جَمَعَ حَيْثُ وَحَّدَ كَانَ صَوَابًا جَائِزًا . فَأَمَّا تَأْوِيل ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : يَا مَعْشَر أَحْبَار أَهْل الْكِتَاب صَدِّقُوا بِمَا أَنْزَلْت عَلَى رَسُولِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقُرْآن الْمُصَدِّق كِتَابكُمْ , وَاَلَّذِي عِنْدكُمْ مِنْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل الْمَعْهُود إلَيْكُمْ فِيهِمَا أَنَّهُ رَسُولِي وَنَبِيِّي الْمَبْعُوث بِالْحَقِّ , وَلَا تَكُونُوا أَوَّل مَنْ كَذَّبَ بِهِ وَجَحَدَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي وَعِنْدكُمْ مِنْ الْعِلْم بِهِ مَا لَيْسَ عِنْد غَيْركُمْ . وَكُفْرهمْ بِهِ : جُحُودهمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه , وَالْهَاء الَّتِي فِي " بِهِ " مِنْ ذِكْر " مَا " الَّتِي مَعَ قَوْله : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت } كَمَا : 684 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } بِالْقُرْآنِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي ذَلِكَ مَا : 685 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } يَقُول : لَا تَكُونُوا أَوَّل مِنْ كُفْر بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ بَعْضهمْ : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } يَعْنِي بِكِتَابِكُمْ , وَيَتَأَوَّل أَنَّ فِي تَكْذِيبهمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِكِتَابِهِمْ ; لِأَنَّ فِي كِتَابهمْ الْأَمْر بِاتِّبَاعِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مِنْ ظَاهِر مَا تَدُلّ عَلَيْهِ التِّلَاوَة بَعِيدَانِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَة فِي أَوَّلهَا بِالْإِيمَانِ بِمَا أَنَزَلَ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ جَلَّ ذِكْره : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } وَمَعْقُول أَنَّ الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه فِي عَصْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْقُرْآن لَا مُحَمَّد , لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ رَسُول مُرْسَل لَا تَنْزِيل مُنْزَل , وَالْمُنْزَل هُوَ الْكِتَاب . ثُمَّ نَهَاهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّل مَنْ يَكْفُر بِاَلَّذِي أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ فِي أَوَّل الْآيَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب . فَذَلِكَ هُوَ الظَّاهِر الْمَفْهُوم , وَلَمْ يَجْرِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الآية ذِكْر ظَاهِر فَيُعَاد عَلَيْهِ بِذَكَرِهِ مُكَنِّيًا فِي قَوْله : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } وَإِنْ كَانَ غَيْر مَحَال فِي الْكَلَام أَنْ يَذْكُر مُكَنَّى اسْم لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر ظَاهِر فِي الْكَلَام . وَكَذَلِكَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَائِد مِنْ الذِّكْر فِي " بِهِ " عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { لِمَا مَعَكُمْ } لِأَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا ظَاهِر الْكَلَام فَإِنَّهُ بَعِيد مِمَّا يَدُلّ عَلَيْهِ ظَاهِر التِّلَاوَة وَالتَّنْزِيل , لِمَا وَصَفْنَا قَبْل مِنْ أَنَّ الْمَأْمُور بِالْإِيمَانِ بِهِ فِي أَوَّل الْآيَة هُوَ الْقُرْآن , فَكَذَلِكَ الْوَاجِب أَنْ يَكُون الْمَنْهِيّ عَنْ الْكُفْر بِهِ فِي آخِرهَا هُوَ الْقُرْآن . وَأَمَّا أَنْ يَكُون الْمَأْمُور بِالْإِيمَانِ بِهِ غَيْر الْمَنْهِيّ عَنْ الْكُفْر بِهِ فِي كَلَام وَاحِد وَآيَة وَاحِدَة , فَذَلِكَ غَيْر الْأَشْهَر الْأَظْهَر فِي الْكَلَام , هَذَا مَعَ بَعْد مَعْنَاهُ فِي التَّأْوِيل . 686 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدِّقًا لِمَا مَعَك وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِر بِهِ } وَعِنْدكُمْ فِيهِ مِنْ الْعِلْم مَا لَيْسَ عِنْد غَيْركُمْ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ : 687 - فَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } يَقُول : لَا تَأْخُذُوا عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ : هُوَ مَكْتُوب عِنْدهمْ فِي الْكِتَاب الْأَوَّل : يَا ابْن آدَم عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْت مَجَّانًا . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 688 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } يَقُول : لَا تَأْخُذُوا طَعْمًا قَلِيلًا وَتَكْتُمُوا اسْم اللَّه . فَذَلِكَ الطَّعْم هُوَ الثَّمَن . فَتَأْوِيل الْآيَة إذَا : لَا تَبِيعُوا مَا آتَيْتُكُمْ مِنْ الْعِلْم بِكِتَابِي وَآيَاته بِثَمَنٍ خَسِيس وَعَرَض مِنْ الدُّنْيَا قَلِيل . وَبَيْعهمْ إيَّاهُ - تَرَكَهُمْ إبَانَة مَا فِي كِتَابهمْ مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ , وَأَنَّهُ مَكْتُوب فِيهِ أَنَّهُ النَّبِيّ الْأُمِّيّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل - بِثَمَنٍ قَلِيل , وَهُوَ رِضَاهُمْ بِالرِّيَاسَةِ عَلَى أَتْبَاعهمْ مِنْ أَهْل مِلَّتهمْ وَدِينهمْ , وَأَخْذهمْ الْأَجْر مِمَّنْ بَيَّنُوا لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنُوا لَهُ مِنْهُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا مَعْنَى ذَلِكَ : " لَا تَبِيعُوا " لِأَنَّ مُشْتَرِي الثَّمَن الْقَلِيل بِآيَاتِ اللَّه بَائِع الْآيَات بِالثَّمَنِ , فَكُلّ وَاحِد مِنْ الثَّمَن وَالْمُثَمَّن مَبِيع لِصَاحِبِهِ , وَصَاحِبه بِهِ مُشْتَرٍ . وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ أَبُو الْعَالِيَة : بَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا تَبْتَغُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَجْرًا . فَيَكُون حِينَئِذٍ نَهْيه عَنْ أَخْذ الْأَجْر عَلَى تَبْيِينه هُوَ النَّهْي عَنْ شِرَاء الثَّمَن الْقَلِيل بِآيَاتِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } قَالَ أَبُو جَعْفَر : اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ : 687 - فَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } يَقُول : لَا تَأْخُذُوا عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ : هُوَ مَكْتُوب عِنْدهمْ فِي الْكِتَاب الْأَوَّل : يَا ابْن آدَم عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْت مَجَّانًا . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 688 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } يَقُول : لَا تَأْخُذُوا طَعْمًا قَلِيلًا وَتَكْتُمُوا اسْم اللَّه . فَذَلِكَ الطَّعْم هُوَ الثَّمَن . فَتَأْوِيل الْآيَة إذَا : لَا تَبِيعُوا مَا آتَيْتُكُمْ مِنْ الْعِلْم بِكِتَابِي وَآيَاته بِثَمَنٍ خَسِيس وَعَرَض مِنْ الدُّنْيَا قَلِيل . وَبَيْعهمْ إيَّاهُ - تَرَكَهُمْ إبَانَة مَا فِي كِتَابهمْ مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ , وَأَنَّهُ مَكْتُوب فِيهِ أَنَّهُ النَّبِيّ الْأُمِّيّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل - بِثَمَنٍ قَلِيل , وَهُوَ رِضَاهُمْ بِالرِّيَاسَةِ عَلَى أَتْبَاعهمْ مِنْ أَهْل مِلَّتهمْ وَدِينهمْ , وَأَخْذهمْ الْأَجْر مِمَّنْ بَيَّنُوا لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنُوا لَهُ مِنْهُ . وَإِنَّمَا قُلْنَا مَعْنَى ذَلِكَ : " لَا تَبِيعُوا " لِأَنَّ مُشْتَرِي الثَّمَن الْقَلِيل بِآيَاتِ اللَّه بَائِع الْآيَات بِالثَّمَنِ , فَكُلّ وَاحِد مِنْ الثَّمَن وَالْمُثَمَّن مَبِيع لِصَاحِبِهِ , وَصَاحِبه بِهِ مُشْتَرٍ . وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ أَبُو الْعَالِيَة : بَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا تَبْتَغُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَجْرًا . فَيَكُون حِينَئِذٍ نَهْيه عَنْ أَخْذ الْأَجْر عَلَى تَبْيِينه هُوَ النَّهْي عَنْ شِرَاء الثَّمَن الْقَلِيل بِآيَاتِهِ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَقُول : فَاتَّقُونِ فِي بَيْعكُمْ آيَاتِي بِالْخَسِيسِ مِنْ الثَّمَن , وَشِرَائِكُمْ بِهَا الْقَلِيل مِنْ الْعَرَض , وَكُفْركُمْ بِمَا أَنْزَلْت عَلَى رَسُولِي , وَجُحُودكُمْ نُبُوَّة نَبِيّه ; أَنْ أَحِلّ بِكُمْ مَا أَحَلَلْت بِأَخْلَافِكُمْ الَّذِينَ سَلَكُوا سَبِيلكُمْ مِنْ الْمُثُلَات وَالنِّقْمَات . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَقُول : فَاتَّقُونِ فِي بَيْعكُمْ آيَاتِي بِالْخَسِيسِ مِنْ الثَّمَن , وَشِرَائِكُمْ بِهَا الْقَلِيل مِنْ الْعَرَض , وَكُفْركُمْ بِمَا أَنْزَلْت عَلَى رَسُولِي , وَجُحُودكُمْ نُبُوَّة نَبِيّه ; أَنْ أَحِلّ بِكُمْ مَا أَحَلَلْت بِأَخْلَافِكُمْ الَّذِينَ سَلَكُوا سَبِيلكُمْ مِنْ الْمُثُلَات وَالنِّقْمَات .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وآمنوا بما أنزلت} أي صدقوا، يعني بالقرآن. { مصدقا} حال من الضمير في { أنزلت} ، التقدير بما أنزلته مصدقا، والعامل فيه أنزلت. ويجوز أن يكون حالا من ما والعامل فيه آمنوا التقدير آمنوا بالقران مصدقا. ويجوز أن تكون مصدرية التقدير آمنوا بإنزال. { لما معكم} يعني من التوراة. قوله تعالى { ولا تكونوا أول كافر به} الضمير في { به} قيل هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، قاله أبو العالية. وقال ابن جريج : هو عائد على القرآن، إذ تضمنه قوله { بما أنزلت} . وقيل : على التوراة، إذ تضمنها قوله { لما معكم} فإن قيل كيف قال { كافر} ولم يقل كافرين قيل التقدير ولا تكونوا أول فريق كافر به وزعم الأخفش والفراء أنه محمول على معنى الفعل لأن المعنى أول من كفر به. وحكى سيبويه هو أظرف الفتيان وأجمله وكان ظاهر الكلام هو أظرف فتى وأجمله وقال { أول كافر به} وقد كان قد كفر قبلهم كفار قريش فإنما معناه من أهل الكتاب إذ هم منظور إليهم في مثل هذا لأنهم حجة مظنون بهم علم. و { أول} عند سيبويه نصب على خبر كان وهو مما لم ينطق منه بفعل وهو على أفعل عينه وفاؤه واو وإنما لم ينطق منه بفعل لئلا يعتل من جهتين العين والفاء، وهذا مذهب البصريين. وقال الكوفيون : هو من وأل إذا نجا فأصله أوأل ثم خففت الهمزة وأبدلت واوا وأدغمت فقيل أول كما تخفف همزة خطيئة، قال الجوهري : والجمع الأوائل والأوالي أيضا على القلب وقال قوم أصله وولِّ على فوعل فقلبت الواو الأولى همزة وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع وقيل هو أفعل من آل يؤول فأصله أأول قلب فجاء أعفل مقلوبا من أفعل فسهل وأبدل وأدغم. مسألة : لا حجة في هذه الآية لمن يمنع القول بدليل الخطاب، وهم الكوفيون ومن وافقهم، لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر أولا وآخرا، وخص الأول بالذكر لأن التقدم فيه أغلظ، فكان حكم المذكور والمسكوت عنه واحدا، وهذا واضح. قوله تعالى: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى { ولا تشتروا} معطوف على قوله { ولا تكونوا} نهاهم عن أن يكونوا أول من كفر وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا أي على تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم رُشىً. وكان الأحبار يفعلون ذلك فنهوا عنه قال قوم من أهل التأويل منهم الحسن وغيره. وقيل كانت لهم مأكل يأكلونها على العلم كالراتب فنهوا عن ذلك وقيل إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك وفي كتبهم يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة، قاله أبو العالية وقيل المعنى ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي ثمنا قليلا يعني الدنيا ومدتها والثمن الذي هو نزر لا خطر له، فسمي ما اعتاضوه عن ذلك ثمنا لأنهم جعلوه عوضا فانطلق عليه اسم الثمن وإن لم يكن ثمنا وقد تقدم هذا المعنى وقال الشاعر : إن كنت حاولت ذنبا أو ظفرت به ** فما أصبت بترك الحج من ثمن قلت : وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا فقد دخل في مقتضى الآية والله أعلم وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) يعني ريحها الثانية: وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم - لهذه الآية وما كان في معناها فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي وقالوا لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام وقد قال تعالى { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} . و روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (معلمو صبيانكم شراركم أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين). روى أبو هريرة قال قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين قال (درهمهم حرام وثوبهم سحت وكلامهم رياء) و روى عبادة بن الصامت قال : علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله فسألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها). وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله عليه السلام حديث ابن عباس حديث الرقية (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) أخرجه البخاري وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه. وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام فاسد لأنه في مقابلة النص ثم إن بينهما فرقانا وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم فتجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن قال ابن المنذر وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم، فيجوز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة. وأما الجواب عن الآية - فالمراد بها بنو إسرائيل، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا، فيه خلاف، وهو لا يقول به. جواب ثان : وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذ عليه أجرا فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة في ذلك وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله أن يقبل على صنعته وحرفته. ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته وإلا فعلى المسلمين لأن الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك فقال ومن أين أنفق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايته. وأما الأحاديث فليس شيء منها يقوم على ساق ولا يصح منها شيء عند أهل العلم بالنقل أما حديث ابن عباس فرواه سعيد بن طريف عن عكرمة عنه وسعيد متروك. وأما حديث أبي هريرة فرواه علي بن عاصم عن حماد بن سلمة عن أبي جرهم عنه وأبو جرهم مجهول لا يعرف ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له أبو جرهم وإنما رواه عن أبي المُهزَّم وهو متروك الحديث أيضا وهو حديث لا أصل له. وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصلي عن عبادة بن نُسيّ عن الأسود بن ثعلبة عنه، والمغيرة معروف عند أهل العلم ولكنه له مناكير هذا منها، قاله أبو عمر. ثم قال وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم لأنه روي عن عبادة من وجهين، وروي عن أبي بن كعب من حديث موسى بن علي عن أبيه عن أبي، وهو منقطع. وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل، وحديث عبادة وأبي يحتمل التأويل لأنه جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون كلما خلق الدين جددوه، أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم فإن المعلم إذا قال للصبي قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال الصبي بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي وبراءة للمعلم وبراءة لأبويه من النار) الثالثة: واختلف العلماء في حكم المصلي بأجرة، فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من استؤجر في رمضان يقوم للناس، فقال : أرجو ألا يكون به بأس، وهو أشد كراهة له في الفريضة. وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور : لا بأس بذلك ولا بالصلاة خلفه. وقال الأوزاعي لا صلاة له. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه على ما تقدم : قال ابن عبدالبر وهذه المسألة معلقة من التي قبلها وأصلهما واحد. قلت : ويأتي لهذا أصل آخر من الكتاب في براءة إن شاء الله تعالى. وكره ابن القاسم أخذ الأجرة على تعليم الشعر والنحو. وقال ابن حبيب لا بأس بالإجارة على تعليم ا لشعر والرسائل وأيام العرب ويكره من الشعر ما فيه الخمر والخنا والهجاء، قال أبو الحسن اللخمي ويلزم على قوله أن يجيز الإجارة على كتبه. وأما الغناء والنوح فممنوع على كل حال. الرابعة: روى الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن عمر بن الكميت قال حدثنا علي بن وهب الهمداني قال أخبرنا الضحاك بن موسى قال مر سليمان بن عبدالملك بالمدينة وهو يريد مكة فأقام بها أياما فقال هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي قالوا له أبو حازم فأرسل إليه فلما دخل عليه قال له : يا أبا حازم ما هذا الجفاء قال أبو حازم يا أمير المؤمنين وأي جفاء رأيت مني، قال أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني قال يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك. قال فالتفت إلى محمد بن شهاب الزهري فقال أصاب الشيخ وأخطأت، قال سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت قال لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، قال أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى، قال أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال ليت شعري ما لنا عند الله قال اعرض عملك على كتاب الله قال وأي مكان أجده قال { إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} [الإنفطار: 13، 14 ] قال سليمان فأين رحمة الله يا أبا حازم؟ قال أبو حازم رحمة الله قريب من المحسنين قال له سليمان يا أبا حازم فأي عباد الله أكرم؟ قال أولو المروءة والنهى قال له سليمان فأي الأعمال أفضل ؟ قال أبو حازم أداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال سليمان : فأي الدعاء أسمع ؟ قال دعاء المحسن إليه للمحسن، فقال أي الصدقة أفضل ؟ قال للسائل البائس وجهد المقل ليس فيها منٌ ولا أذى قال : فأي القول أعدل ؟ قال : قول الحق عند من تخافه أو ترجوه قال فأي المؤمنين أكيس ؟ قال رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها، قال : فأي المؤمنين أحمق ؟ قال رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال له سليمان أصبت فما قولك فيما نحن فيه ؟ قال يا أمير المؤمنين أوتعفيني؟ قال له سليمان لا ولكن نصيحة تلقيها إلي، قال يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوه وما قيل لهم فقال له رجل من جلسائه بئس ما قلت يا أبا حازم، قال أبو حازم كذبت إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبينه للناس ولا يكتمونه قال له سليمان فكيف لنا أن نصلح ؟ قال : تدعون الصلف وتتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية قال له سليمان فكيف لنا بالمأخذ به ؟ قال أبو حازم تأخذه من حله وتضعه في أهله قال له سليمان هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟ قال أعوذ بالله ! قال له سليمان ولم ذاك ؟ قال أخشى أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات. قال له سليمان ارفع إلينا حوائجك قال تنجيني من النار وتدخلني الجنة قال له سليمان ليس ذاك إلي قال أبو حازم فما لي إليك حاجة غيرها قال فادع لي قال أبو حازم اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى. قال له سليمان قط ! قال أبو حازم قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر. قال له سليمان أوصني، قال سأوصيك وأوجز : عظِّم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير، قال : فردها عليه وكتب إليه يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردّي عليك بذلا وما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي! إن موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسألهما فقالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل، فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وذلك أنه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة وبقوله فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلام هذا رجل جائع فقالت إحداهما اذهبي فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت { أجر ما سقيت لنا} ولم يجد بدا من أن يتبعها لأنه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجيزتها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض أخرى فلما عيل صبره ناداها يا أمة الله كوني خلفي وأريني السّمت بقولك فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعشى فقال له موسى عليه السلام : أعوذ بالله فقال له شعيب لم؟ أما أنت جائع؟ قال : بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء الأرض ذهبا فقال له شعيب لا يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فأكل فإن كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه ، وإن كان لحق في بيت المال فلي فيها نظرا ؛ فإن ساوَيْت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة. قلت : هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء. انظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضا ولا على وصيته بدلا ولا على نصيحته قصدا بل بين الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول بالحق حيث كان) وفي التنزيل { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} [المائدة: 54] قوله تعالى: { وإياي فاتقون} قد تقدم معنى التقوى. وقرئ { فاتقوني} بالياء وقد تقدم وقال سهل بن عبدالله قوله { وإياي فاتقون} قال موضع علمي السابق فيكم. { وإياي فارهبون} قال موضع المكر والاستدراج لقول الله تعالى { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} [الأعراف: 182 ] { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} [الأعراف: 99 ] فما استثنى نبيا ولا صديقاً

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 40 - 41


سورة البقرة الايات 40 - 42

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أن ذَكَّرَ الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بالعهود التي قطعوها على أنفسهم سواء بعدم التبديل والتغيير في التوراة. لإخفاء أشياء وإضافة أشياء. وذكرهم بعهدهم بالنسبة للإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكر الله سبحانه وتعالى أوصافه في التوراة. حتى أن الحَبْر اليهودي ابن سلام كان يقول لقومه في المدينة: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد. أي أنه كان يُذَكِّرُ قومه. أن أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم الموجودة في التوراة. لا تجعلهم يخطئونه. قال الحق تبارك وتعالى: { وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ }. لأن القرآن مصدق للتوراة. والقصد هنا التوراة الحقيقية قبل أن يحرفوها. فالقرآن ليس موافقا لما معهم من المحرف أو المبدل من التوراة. بل هو موافق للتوراة التي لا زيف فيها.

ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ }.. ولقد قلنا أن اليهود لم يكونوا أول كافر بمحمد صلى الله عليه وسلم. وإنما كانت قريش قد كفرت به في مكة. المقصود في هذه الآية الكريمة أول كافر به من أهل الكتاب. لماذا؟ لأن قريشا لا صلة لها بمنهج السماء. ولا هي تعرف شيئا عن الكتب السابقة. ولكن أحبار اليهود كانوا يعرفون صدق الرسالة. وكانوا يستفتحون برسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل المدينة ويقولون: " جاء زمن رسول سنؤمن به ونقتلكم قتل عاد وإرم ". ولما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلا من أن يسارعوا بالإيمان به. كانوا أول كافر به.

والله سبحانه وتعالى لم يفاجئ أهل الكتاب بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم. وإنما نبههم إلى ذلك في التوراة والإنجيل. ولذلك كان يجب أن يكونوا أول المؤمنين وليس أول الكافرين. لأن الذي جاء يعرفونه..

وقوله تعالى: { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً }: الحق سبحانه وتعالى حينما يتحدث عن الصفقة الإيمانية. يستخدم كلمة الشراء وكلمة البيع وكلمة التجارة. اقرأ قوله تعالى:
{  إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ }
[التوبة: 111]

وفي آية أخرى يقول:
{  هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ }
[الصف: 10-11]

إن الحق سبحانه وتعالى.. استعمل كلمة الصفقة والشراء والبيع بعد ذلك في قوله تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ }
[الجمعة: 9]

ونعلم أن التجارة هي وساطة بين المنتج والمستهلك.. المنتج يريد أن يبيع إنتاجه. والمستهلك محتاج إلى هذا الإنتاج. والربح عملية تطول فترة.. وتقصر فترة مع عملية تحرك السلعة والإقبال عليها إن كان سريعا أو بطيئا.وعملية الاتجار استخدمها الله سبحانه وتعالى ليبين لنا أنها أقصر طريق إلى النفع. فالتجارة تقوم على يد الإنسان. يشتري السلعة ويبيعها. ولكنها مع الله سيأخذ منك بعضا من حرية نفسك. ليعطيك أخلد وأوسع منها.

وكما قلنا: لو قارنا بين الدنيا بعمرها المحدود ـ عمر كل واحد منا ـ كم سنة؟ خمسين.. ستين.. سبعين!! نجد أن الدنيا مهما طالت.. ستنتهي والإنسان العاقل هو الذي يضحي بالفترة الموقوته والمنتهية ليكون له حظ في الفترة الخالدة. وبذلك تكون هذه الصفقة رابحة.

إن النعيم في الدنيا على قدر قدرات البشر. والنعيم في الآخرة على قدر قدرات الله سبحانه وتعالى. يأتي الإنسان ليقول: لماذا أضيق على نفسي في الدنيا؟ لماذا لا أتمتع؟ نقول له: لا.. إن الذي ستناله من العذاب والعقاب في الآخرة لا يساوي ما أخذته من الدنيا.. إذن الصفقة خاسرة. أنت اشتريت زائلا. ودفعته ثمنا لنعيم خالد..

والله سبحانه وتعالى يقول لليهود: { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً } أي لا تدفعوا الآيات الإيمانية التي أعطيت لكم لتأخذوا مقابلها ثمنا قليلا.. وعندما يأخذ الإنسان أقل مما يعطي.. فذلك قلب للصفقة. والقلب تأتي من الخسارة دائما..

وكأن الآية تقول: تدفعون آيات الله التي تكون منهجه المتكامل لتأخذوا عرضا من أعراض الدنيا. قيمته قليلة ووقته قصير. هذا قلب للصفقة.

ولذلك جاء الأداء القرآني مقابلا لهذا القلب. ففي الصفقات.. الأثمان دائما تدفع والسلعة تؤخذ. ولكن في هذه الحالة التي تتحدث عنها الآية في قوله تعالى { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً } قد جعلت الثمن الذي يجب أن يكون مدفوعا جعلته مشتري وهذا هو الحمق والخطأ.

الله يقول { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً } أي لا تقبلوا الصفقة.. الشيء الذي كان يجب أن تضحوا به لا تجعلوه ثمنا. لأنك في هذه الحالة تكون قد جعلت الثمن سلعة. مادمت ستشتري الآيات بالثمن.. فقد جعلت آيات الله ثمنا لتحصل على مكاسب دنيوية. وليتك جعلتها ثمنا غاليا. بل جعلتها ثمنا رخيصا.

لقد تنكرت لعهدك مع الله ليبقى لك مالك أو مركزك!! أما إذا ضحى الإنسان بشيء من متع الدنيا.. ليأخذ متع الآخرة الباقية.. فتكون هذه هي الصفقة الرابحة. ذلك لأن الإنسان في الدنيا ينعم على قدر تصوره للنعيم. ولكنه في الآخرة ينعم على قدر تصور الله سبحانه وتعالى في النعيم.

بعض الذين لا يريدون أن يحملوا أنفسهم على منهج الله يستعجلون مكاسب الصفقة. استعجالا أحمق. إنهم يريدون المتعة حراما أو حلالا.. نقول لكل واحد منهم: إن كنت مؤمنا بالآخرة: أو غير مؤمن فالصفقة خاسرة.. لأنك في كلتا الحالتين ستعذب في النار.. فكأنك اشتريت بإيمانك ودينك متعة زائلة.وجعلت الكفر ومعصية الله هما الثمن فقلبت الآية، وجعلت الشيء الذي كان يجب أن يشتري بمنهج الله وهو نعيم الآخرة يباع.. ويباع بماذا؟ بنعيم زائل! وعندما يأخذ الإنسان أقل مما يعطي.. يكون هذا قلبا للصفقة.

فكأن الآية تقول: إنكم تدفعون آيات الله وما تعطيكم من خَيْرَيْ الدنيا والآخرة لتأخذوا عرضا زائلا من أعراض الدنيا وثمنه قليل. والثمن يكون دائما من الأعيان كالذهب والفضة وغيرهما.. وهي ليست سلعة. فهب أن معك كنز قارون ذهبا. وأنت في مكان منعزل وجائع. ألا تعطي هذا الكنز لمن سيعطيك رغيفا.. حتى لا تموت من الجوع؟ ولذلك يجب ألا يكون المال غاية أو سلعة. فإن جعلته غاية يكون معك المال الكثير.. ولا تشتري به شيئا لأن المال غايتك. فيفسد المجتمع.

إن المال عبد مخلص. ولكنه سيد رديء. هو عبدك حين تنفقه. ولكن حين تخزنه وتتكالب عليه يشقيك ويمرضك. لأنك أصبحت له خادما.

والآية الكريمة.. تعطينا فكرة عن اليهود لأن محور حياتهم وحركتهم هو المال والذهب. فالله سبحانه وتعالى حرم الربا لأن المال في الربا يصبح سلعة. فالمائة تأخذ بمائة وخمسين مثلا.. وهذا يفسد المجتمع، لأنه من المفروض أن يزيد المال بالعمل. فإذا أصبحت زيادة المال بدون عمل. فسدت حركة الحياة. وزاد الفقير فقرا. وزاد الغني غنى. وهذا ما نراه في العالم اليوم.

فالدول الفقيرة تزداد فقرا لأنها تقترض المال وتتراكم عليها فوائده حتى تكون الفائدة أكثر من الدين نفسه. وكلما مر الوقت. زادت الفوائد. فيتضاعف الدين. ويستحيل التسديد. والدول الغنية تزداد غنى، لأنها تدفع القرض وتسترده بأضعاف قيمته.

وإذا قال الله سبحانه وتعالى: { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً } يجب ألا نفهم أنه يمكن شراء آيات الله بثمن أعلى.. لا.. لأنه مهما ارتفع الثمن وعلا سيكون قليلا. وقليلا جدا. لأنه يقابل آيات الله. وآيات الله لا تقدر بثمن. فالصفقة خاسرة مهما كانت قيمتها.

وقول الحق تبارك وتعالى: { وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ } وفي الآية السابقة قال: { وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ } وهي وعيد. ولكن { وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ } واقع. فقوله تعالى: { وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ } هي وعيد وتحذير لما سيأتي في الآخرة. ولكن { وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ } يعني اتقوا صفات الجلال من الله تعالى. وصفات الجلال هي التي تتعلق ببطش الله وعذابه. ومن هذه الصفات الجبار والقهار والمتكبر والقادر والمنتقم والمذل. وغيرها من صفات الجلال.

الله سبحانه وتعالى يقول: " اتقوا الله " ويقول " اتقوا النار " كيف؟ نقول إن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نجعل بيننا وبين النار ـ وهي أحد جنود العذاب لله سبحانه وتعالى ـ وقاية. ويريدنا أن نجعل بيننا وبين عذاب النار وقاية. ويريدنا أيضا.. أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال في الله وقاية. فقوله تعالى { وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ } أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال في الله وقاية. حتى لا يصيبكم عذاب عظيم. وكيف نجعل بيننا وبين صفات الجلال في الله وقاية؟ أن تكون أعمالنا في الدنيا وفقا لمنهج الله سبحانه وتعالى. إذن فالتقوى مطلوبة في الدنيا..


www.alro7.net