سورة
اية:

إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا

تفسير بن كثير

يخبر جلَّ ثناؤه عباده بأنه سيوفيهم أجورهم، ولا يظلم خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل، ولا مثقال ذرة بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: { ونضع الموازين القسط} الآية، وقال تعالى مخبراً عن لقمان: أنه قال: { يا بنيّ إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها اللّه} الآية، وقال تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: (يقول اللّه عزَّ وجلَّ ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار) وفي لفظ: أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار، (فيخرجون خلقاً كثيراً)، ثم يقول أبو سعيد: اقرأوا إن شئتم { إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة} الآية وقال ابن أبي حاتم، قال عبد اللّه بن مسعود: يؤتى بالعبد أو الأمة يوم القيامة فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أمها أو أخيها أو زوجها، ثم قرأ: { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} فيغفر اللّه من حقه ما يشاء ولا يغفر من حقوق الناس شيئاً، فينصب للناس، فيقول ائتوا إلى الناس حقوقهم، فيقول: يا رب فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر مظلمته، فإن كان ولياً للّه ففضل له مثقال ذرة ضاعفها اللّه له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا: { إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} ، وإن كان عبداً شقياً. قال الملك: رب فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكاً إلى النار ورواه ابن جرير ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح. وروي عن سعيد بن جبير في قوله: { وإن تك حسنة يضاعفها} فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة ولا يخرج من النار أبداً، وقد يستدل له بالحديث الصحيح: أن العباس قال يا رسول اللّه: إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعته بشيء؟ قال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، وقد يكون هذا خاصاً بأبي طالب من دون الكفار، بدليل ما رواه أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن اللّه لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة) ""أخرجه مسلم من حديث أنَس" وقال الحسن وقتادة: { ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} يعني الجنة، نسأل اللّه رضاه والجنة وروى ابن أبي حاتم عن أبي عثمان قال، قلت: يا أبا هريرة سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (إن اللّه يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة)، فقال أبو هريرة: واللّه بل سمعت نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (إن اللّه يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة)، ثم تلا هذه الآية: { وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} ، وقوله تعالى: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} يقول تعالى مخبراً عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة، حين يجيء من كل أمة بشهيد يعني الأنبياء عليهم السلام، كما قال تعالى: { وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء} الآية. وقال تعالى: { ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم} الآية. روى البخاري عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (اقرأ عليَّ)، فقلت: يا رسول اللّه آقرا عليك وعليك أنزل؟ قال:(نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري) فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} ؟ فقال: (حسبك الآن) فإذا عيناه تذرفان. وقوله تعالى: { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثاً} أي لو انشقت وبلعتهم مما يرون من أهوال الموقف وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله: { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} الآية. وقوله: { ولا يكتمون اللّه حديثاً} إخبار عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه ولا يكتمون منه شيئاً، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال له: سمعت اللّه عزّ وجل يقول - يعني أخباراً عن المشركين يوم القيامة - إنهم قالوا: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، وقال في الآية الأخرى { ولا يكتمون اللّه حديثا} فقال ابن عباس: أما قوله { واللّه ربنا ما كنا مشركين} فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: تعالوا فلنجحد، فقالوا: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} فختم اللّه على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم { ولا يكتمون اللّه حديثاً} "أخرجه ابن جرير" وقال عبد الرزاق عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليَّ في القرآن، قال ما هو، أشك في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك، ولكن اختلاف قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك، قال أسمع اللّه يقول: { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، وقال: { ولا يكتمون اللّه حديثاً} فقد كتموا، فقال ابن عباس: أما قوله { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن اللّه لا يغفر إلا لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا يغفر شركاً، جحد المشركون فقالوا: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} رجاء أن يغفر لهم، فختم اللّه على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك { يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تُسوَّى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثاً} ، وقال الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس قول اللّه تعالى { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثا} وقوله: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت ألقي على ابن عباس متشابه القرآن فإذا رجعت إليهم فأخبرهم: أن اللّه تعالى يجمع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن اللّه لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحَّده، فيقولون تعالوا نجحد، فيسألهم فيقولون: { واللّه ربنا ما كنا مشركين} ، فعند ذلك يتمنون لو أن الأرض سويت لهم { ولا يكتمون اللّه حديثاً} "أخرجه ابن جرير عن الضحاك".

تفسير الجلالين

{ إن الله لا يظلم } أحدا { مثقال } وزن { ذرَّة } أصغر نملة بأن ينقصها من حسناته أو يزيدها في سيئاته { وإن تك } الذرة { حسنة } من مؤمن وفي قراءة بالرفع فكان تامة { يضاعفها } من عشر إلى أكثر من سبعمائة وفي قراءة يضعفها بالتشديد { ويؤت من لدنه } من عنده مع المضاعفة { أجرا عظيما } لا يقدِّره أحد .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمْ اللَّه , فَإِنَّ اللَّه لَا يَبْخَس أَحَدًا مِنْ خَلْقه أَنْفَقَ فِي سَبِيله مِمَّا رَزَقَهُ مِنْ ثَوَاب نَفَقَته فِي الدُّنْيَا وَلَا مِنْ أَجْرهَا يَوْم الْقِيَامَة { مِثْقَال ذَرَّة } أَيْ مَا يَزِنهَا وَيَكُون عَلَى قَدْر ثِقَلهَا فِي الْوَزْن , وَلَكِنَّهُ يُجَازِيه بِهِ , وَيُثِيبهُ عَلَيْهِ . كَمَا : 7534 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة أَنَّهُ تَلَا : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا } قَالَ : لَأَنْ تَفْضُل حَسَنَاتِي مَا يَزِن ذَرَّة أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا . 7535 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم يَقُول : لَأَنْ تَفْضُل حَسَنَاتِي عَلَى سَيِّئَاتِي مَا يَزِن ذَرَّة أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَكُون لِي الدُّنْيَا جَمِيعًا . وَأَمَّا الذَّرَّة , فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ فِيهَا , كَمَا : 7536 - حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن وَهْب الْوَاسِطِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا شَبِيب بْن بِشْر , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { مِثْقَال ذَرَّة } قَالَ : رَأْس نَمْلَة حَمْرَاء . قَالَ لِي إِسْحَاق بْن وَهْب : قَالَ يَزِيد بْن هَارُون : زَعَمُوا أَنَّ هَذِهِ الدُّودَة الْحَمْرَاء لَيْسَ لَهَا وَزْن . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ صَحَّتْ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 7537 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَمُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَا : ثنا أَبُو دَاوُد , قَالَ : ثنا عِمْرَان , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم الْمُؤْمِن حَسَنَة , يُثَاب عَلَيْهَا الرِّزْق فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَة ; وَأَمَّا الْكَافِر فَيُطْعَم بِهَا فِي الدُّنْيَا , فَإِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَة " . 7538 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هِشَام بْن سَعْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا زَيْد بْن أَسْلَم , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار : " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَحَدكُمْ بِأَشَدّ مُنَاشَدَة فِي الْحَقّ يَرَاهُ مُصِيبًا لَهُ , مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْوَانهمْ إِذَا رَأَوْا أَنْ قَدْ خَلَصُوا مِنْ النَّار يَقُولُونَ : أَيْ رَبّنَا إِخْوَاننَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا وَيُجَاهِدُونَ مَعَنَا , قَدْ أَخَذَتْهُمْ النَّار ! فَيَقُول اللَّه لَهُمْ : اِذْهَبُوا فَمَنْ عَرَفْتُمْ صُورَته فَأَخْرِجُوهُ ! وَيُحَرِّم صُورَتهمْ عَلَى النَّار , فَيَجِدُونَ الرَّجُل قَدْ أَخَذَتْهُ النَّار إِلَى أَنْصَاف سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ وَإِلَى حَقْوَيْهِ , فَيُخْرِجُونَ مِنْهَا بَشَرًا كَثِيرًا , ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَتَكَلَّمُونَ , فَيَقُول : اِذْهَبُوا لِمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبه مِثْقَال قِيرَاط خَيْر فَأَخْرِجُوهُ ! فَيُخْرِجُونَ مِنْهَا بَشَرًا كَثِيرًا , ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَتَكَلَّمُونَ , فَلَا يَزَال يَقُول لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يَقُول : اِذْهَبُوا , فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة فَأَخْرِجُوهُ ! " - فَكَانَ أَبُو سَعِيد إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث , قَالَ : إِنْ لَمْ تُصَدِّقُوا فَاقْرَءُوا : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } - فَيَقُولُونَ : " رَبّنَا لَمْ نَذَر فِيهَا خَيْرًا " . * - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثني أَبِي وَشُعَيْب بْن اللَّيْث , عَنْ اللَّيْث عَنْ خَالِد بْن يَزِيد , عَنْ اِبْن أَبِي هِلَال , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ . بِمَا : 7539 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا صَدَقَة بْن أَبِي سَهْل , قَالَ : ثنا أَبُو عَمْرو , عَنْ زَاذَان , قَالَ : أَتَيْت اِبْن مَسْعُود , فَقَالَ : إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جَمَعَ اللَّه الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ , ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ مِنْ عِنْد اللَّه : " أَلَا مَنْ كَانَ يَطْلُب مَظْلِمَة , فَلْيَجِئْ إِلَى حَقّه فَلْيَأْخُذْهُ ! " قَالَ : فَيَفْرَح وَاَللَّه الصَّبِيّ أَنْ يَذُوب لَهُ الْحَقّ عَلَى وَالِده أَوْ وَلَده أَوْ زَوْجَته , فَيَأْخُذهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا . وَمِصْدَاق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّور فَلَا أَنْسَاب بَيْنهمْ يَوْمئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ } 23 101 فَيُقَال لَهُ : " آتِ هَؤُلَاءِ حُقُوقهمْ " أَيْ أَعْطِهِمْ حُقُوقهمْ . فَيَقُول : أَيْ رَبّ مِنْ أَيْنَ وَقَدْ ذَهَبَتْ الدُّنْيَا ؟ فَيَقُول اللَّه لِمَلَائِكَتِهِ : أَيْ مَلَائِكَتِي اُنْظُرُوا فِي أَعْمَاله الصَّالِحَة , وَأَعْطُوهُمْ مِنْهَا ! فَإِنْ بَقِيَ مِثْقَال ذَرَّة مِنْ حَسَنَة , قَالَتْ الْمَلَائِكَة وَهُوَ أَعْلَم بِذَلِكَ مِنْهَا : يَا رَبّنَا أَعْطَيْنَا كُلّ ذِي حَقّ حَقّه , وَبَقِيَ لَهُ مِثْقَال ذَرَّة مِنْ حَسَنَة . فَيَقُول لِلْمَلَائِكَةِ : ضَعِّفُوهَا لِعَبْدِي , وَأَدْخِلُوهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِي الْجَنَّة ! وَمِصْدَاق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } أَيْ الْجَنَّة يُعْطِيهَا , وَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاته وَبَقِيَتْ سَيِّئَاته , قَالَتْ الْمَلَائِكَة وَهُوَ أَعْلَم بِذَلِكَ : إِلَهنَا فَنِيَتْ حَسَنَاته وَبَقِيَ سَيِّئَاته , وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِير ! فَيَقُول اللَّه : ضَعُوا عَلَيْهَا مِنْ أَوْزَارهمْ وَاكْتُبُوا لَهُ كِتَابًا إِلَى النَّار ! قَالَ صَدَقَة : " أَوْ صَكًّا إِلَى جَهَنَّم " , شَكَّ صَدَقَة أَيَّتهمَا قَالَ : 7540 - وَحُدِّثْت عَنْ مُحَمَّد بْن عُبَيْد , عَنْ هَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن السَّائِب , قَالَ : سَمِعْت زَاذَان يَقُول : قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : يُؤْخَذ بِيَدِ الْعَبْد وَالْأَمَة يَوْم الْقِيَامَة , فَيُنَادِي مُنَادٍ عَلَى رُءُوس الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ : هَذَا فُلَان بْن فُلَان , مِنْ كَانَ لَهُ حَقّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقّه ! فَتَفْرَح الْمَرْأَة أَنْ يَذُوب لَهَا الْحَقّ عَلَى أَبِيهَا , أَوْ عَلَى اِبْنهَا , أَوْ عَلَى أَخِيهَا , أَوْ عَلَى زَوْجهَا , ثُمَّ قَرَأَ اِبْن مَسْعُود : { فَلَا أَنْسَاب بَيْنهمْ يَوْمئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ } 23 101 فَيَغْفِر اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ حَقّه مَا شَاءَ , وَلَا يَغْفِر مِنْ حُقُوق النَّاس شَيْئًا , فَيَنْصِب لِلنَّاسِ فَيَقُول : آتُوا إِلَى النَّاس حُقُوقهمْ ! فَيَقُول : رَبّ فَنِيَتْ الدُّنْيَا مِنْ أَيْنَ أُوتِيهِمْ حُقُوقهمْ ؟ فَيَقُول : خُذُوا مِنْ أَعْمَاله الصَّالِحَة , فَأَعْطُوا كُلّ ذِي حَقّ حَقّه بِقَدْرِ مَظْلِمَته , فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ , فَفَضَلَ لَهُ مِثْقَال ذَرَّة ضَاعَفَهَا لَهُ حَتَّى يُدْخِلهُ بِهَا الْجَنَّة ! - ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة } - وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَ الْمَلَك : رَبّ فَنِيَتْ حَسَنَاته , وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِير . فَيَقُول : خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتهمْ , فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاته , ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّار . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى تَأْوِيل عَبْد اللَّه هَذَا : إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم عَبْدًا وَجَبَ لَهُ مِثْقَال ذَرَّة قَبْل عَبْد لَهُ آخَر فِي مَعَاده وَيَوْم لِقَائِهِ فَمَا فَوْقه فَيَتْرُكهُ عَلَيْهِ فَلَا يَأْخُذهُ لِلْمَظْلُومِ مِنْ ظَالِمه , وَلَكِنَّهُ يَأْخُذهُ مِنْهُ لَهُ , وَيَأْخُذ مِنْ كُلّ ظَالِم لِكُلِّ مَظْلُوم تَبِعَته قَبْله. { وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا } يَقُول : وَإِنْ تُوجَد لَهُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا , بِمَعْنَى : يُضَاعَف لَهُ ثَوَابهَا وَأَجْرهَا. { وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } يَقُول : وَيُعْطِهِ مِنْ عِنْده أَجْرًا عَظِيمًا. وَالْأَجْر الْعَظِيم : الْجَنَّة عَلَى مَا قَالَهُ عَبْد اللَّه. وَلَكِلَا التَّأْوِيلَيْنِ وَجْه مَفْهُوم , أَعْنِي التَّأْوِيل الَّذِي قَالَهُ اِبْن مَسْعُود وَاَلَّذِي قَالَهُ قَتَادَة . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا التَّأْوِيل الْأَوَّل لِمُوَافَقَتِهِ الْأَثَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ دَلَالَة ظَاهِر التَّنْزِيل عَلَى صِحَّتِهِ , إِذْ كَانَ فِي سِيَاق الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا , الَّتِي حَثَّ اللَّه فِيهَا عَلَى النَّفَقَة فِي طَاعَته , وَذَمَّ النَّفَقَة فِي طَاعَة الشَّيْطَان , ثُمَّ وَصَلَ ذَلِكَ بِمَا وَعَدَ الْمُنَافِقِينَ فِي طَاعَته بِقَوْلِهِ : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً } فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْعِرَاق : { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً } بِنَصْبِ الْحَسَنَة , بِمَعْنَى : وَإِنْ تَكُ زِنَة الذَّرَّة حَسَنَة يُضَاعِفهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة : " وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ " بِرَفْعِ الْحَسَنَة , بِمَعْنَى : وَإِنْ تُوجَد حَسَنَة عَلَى مَا ذَكَرْت عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود مِنْ تَأْوِيل ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْله : { يُضَاعِفهَا } فَإِنَّهُ جَاءَ بِالْأَلِفِ , وَلَمْ يَقُلْ : " يُضَعِّفهَا " , لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ فِي قَوْل بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة : يُضَاعِفهَا أَضْعَافًا كَثِيرَة ; وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ فِي قَوْله يُضَعِّف ذَلِكَ ضِعْفَيْنِ لَقِيلَ : " يُضَعِّفهَا " بِالتَّشْدِيدِ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ وَعَدَهُمْ اللَّه بِهَذِهِ الْآيَة مَا وَعَدَهُمْ فِيهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ جَمِيع أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : 7541 - حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن الصَّبَّاح , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , عَنْ مُبَارَك بْن فَضَالَة , عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد , عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ , قَالَ : لَقِيت أَبَا هُرَيْرَة فَقُلْت لَهُ : إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك تَقُول : إِنَّ الْحَسَنَة لَتُضَاعَف أَلْف أَلْف حَسَنَة ! قَالَ : وَمَا أَعْجَبَك مِنْ ذَلِكَ ؟ فَوَاَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْته يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : " إِنَّ اللَّه لَيُضَاعِف الْحَسَنَة أَلْفَيْ أَلْف حَسَنَة " . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ الْمُهَاجِرُونَ خَاصَّة دُون أَهْل الْبَوَادِي وَالْأَعْرَاب . وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : 7542 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن هَارُون أَبُو نَشِيط , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْر , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْأَعْرَاب : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا } قَالَ : فَقَالَ رَجُل : فَمَا لِلْمُهَاجِرِينَ ؟ قَالَ : " مَا هُوَ أَعْظَم مِنْ ذَلِكَ : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } وَإِذَا قَالَ اللَّه لِشَيْءٍ عَظِيم فَهُوَ عَظِيم " . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِهَذِهِ الْآيَة الْمُهَاجِرِينَ دُون الْأَعْرَاب . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون فِي أَخْبَار اللَّه أَوْ أَخْبَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْء يَدْفَع بَعْضه بَعْضًا , فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا وَعْدُ اللَّهِ مَنْ جَاءَ مِنْ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِالْحَسَنَةِ مِنْ الْجَزَاء عَشْر أَمْثَالهَا , وَمَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ مِنْهُمْ أَنْ يُضَاعِفهَا لَهُ , وَكَانَ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحَيْنِ , كَانَ غَيْر جَائِز إِلَّا أَنْ يَكُون أَحَدهمَا مُجْمَلًا وَالْآخَر مُفَسَّرًا , إِذْ كَانَتْ أَخْبَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَدِّق بَعْضهَا بَعْضًا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ أَنَّ خَبَر أَبِي هُرَيْرَة مَعْنَاهُ : أنَّ الْحَسَنَة لَتُضَاعَف لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَهْل الْإِيمَان أَلْفَيْ أَلْف حَسَنَة , وَلِلْأَعْرَابِ مِنْهُمْ عَشْر أَمْثَالهَا , عَلَى مَا رَوَى اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَأَنَّ قَوْله : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا } يَعْنِي : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ مِنْ أَعْرَاب الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا , وَمَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ مِنْ مُهَاجِرِيهِمْ يُضَاعَف لَهُ , وَيُؤْتِهِ اللَّه مِنْ لَدُنْه أَجْرًا , يَعْنِي : يُعْطِهِ مِنْ عِنْده أَجْرًا عَظِيمًا , يَعْنِي : عِوَضًا مِنْ حَسَنَته عَظِيمًا . وَذَلِكَ الْعِوَض الْعَظِيم : الْجَنَّة ; كَمَا : 7543 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا صَدَقَة بْن أَبِي سَهْل , قَالَ : ثنا أَبُو عَمْرو , عَنْ زَاذَان , عَنْ اِبْن مَسْعُود : { وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } أَيْ الْجَنَّة يُعْطِهَا . 7544 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبَّاد بْن أَبِي صَالِح , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَوْله : { وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } قَالَ : الْأَجْر الْعَظِيم : الْجَنَّة . 7545 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } قَالَ : أَجْرًا عَظِيمًا : الْجَنَّة. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمْ اللَّه , فَإِنَّ اللَّه لَا يَبْخَس أَحَدًا مِنْ خَلْقه أَنْفَقَ فِي سَبِيله مِمَّا رَزَقَهُ مِنْ ثَوَاب نَفَقَته فِي الدُّنْيَا وَلَا مِنْ أَجْرهَا يَوْم الْقِيَامَة { مِثْقَال ذَرَّة } أَيْ مَا يَزِنهَا وَيَكُون عَلَى قَدْر ثِقَلهَا فِي الْوَزْن , وَلَكِنَّهُ يُجَازِيه بِهِ , وَيُثِيبهُ عَلَيْهِ . كَمَا : 7534 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة أَنَّهُ تَلَا : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا } قَالَ : لَأَنْ تَفْضُل حَسَنَاتِي مَا يَزِن ذَرَّة أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا . 7535 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم يَقُول : لَأَنْ تَفْضُل حَسَنَاتِي عَلَى سَيِّئَاتِي مَا يَزِن ذَرَّة أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَكُون لِي الدُّنْيَا جَمِيعًا . وَأَمَّا الذَّرَّة , فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ فِيهَا , كَمَا : 7536 - حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن وَهْب الْوَاسِطِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا شَبِيب بْن بِشْر , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { مِثْقَال ذَرَّة } قَالَ : رَأْس نَمْلَة حَمْرَاء . قَالَ لِي إِسْحَاق بْن وَهْب : قَالَ يَزِيد بْن هَارُون : زَعَمُوا أَنَّ هَذِهِ الدُّودَة الْحَمْرَاء لَيْسَ لَهَا وَزْن . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ صَحَّتْ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 7537 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَمُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَا : ثنا أَبُو دَاوُد , قَالَ : ثنا عِمْرَان , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم الْمُؤْمِن حَسَنَة , يُثَاب عَلَيْهَا الرِّزْق فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَة ; وَأَمَّا الْكَافِر فَيُطْعَم بِهَا فِي الدُّنْيَا , فَإِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَة " . 7538 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هِشَام بْن سَعْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا زَيْد بْن أَسْلَم , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار : " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَحَدكُمْ بِأَشَدّ مُنَاشَدَة فِي الْحَقّ يَرَاهُ مُصِيبًا لَهُ , مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْوَانهمْ إِذَا رَأَوْا أَنْ قَدْ خَلَصُوا مِنْ النَّار يَقُولُونَ : أَيْ رَبّنَا إِخْوَاننَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا وَيُجَاهِدُونَ مَعَنَا , قَدْ أَخَذَتْهُمْ النَّار ! فَيَقُول اللَّه لَهُمْ : اِذْهَبُوا فَمَنْ عَرَفْتُمْ صُورَته فَأَخْرِجُوهُ ! وَيُحَرِّم صُورَتهمْ عَلَى النَّار , فَيَجِدُونَ الرَّجُل قَدْ أَخَذَتْهُ النَّار إِلَى أَنْصَاف سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ وَإِلَى حَقْوَيْهِ , فَيُخْرِجُونَ مِنْهَا بَشَرًا كَثِيرًا , ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَتَكَلَّمُونَ , فَيَقُول : اِذْهَبُوا لِمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبه مِثْقَال قِيرَاط خَيْر فَأَخْرِجُوهُ ! فَيُخْرِجُونَ مِنْهَا بَشَرًا كَثِيرًا , ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَتَكَلَّمُونَ , فَلَا يَزَال يَقُول لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يَقُول : اِذْهَبُوا , فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة فَأَخْرِجُوهُ ! " - فَكَانَ أَبُو سَعِيد إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث , قَالَ : إِنْ لَمْ تُصَدِّقُوا فَاقْرَءُوا : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } - فَيَقُولُونَ : " رَبّنَا لَمْ نَذَر فِيهَا خَيْرًا " . * - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثني أَبِي وَشُعَيْب بْن اللَّيْث , عَنْ اللَّيْث عَنْ خَالِد بْن يَزِيد , عَنْ اِبْن أَبِي هِلَال , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , عَنْ عَطَاء بْن يَسَار , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ . بِمَا : 7539 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا صَدَقَة بْن أَبِي سَهْل , قَالَ : ثنا أَبُو عَمْرو , عَنْ زَاذَان , قَالَ : أَتَيْت اِبْن مَسْعُود , فَقَالَ : إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جَمَعَ اللَّه الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ , ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ مِنْ عِنْد اللَّه : " أَلَا مَنْ كَانَ يَطْلُب مَظْلِمَة , فَلْيَجِئْ إِلَى حَقّه فَلْيَأْخُذْهُ ! " قَالَ : فَيَفْرَح وَاَللَّه الصَّبِيّ أَنْ يَذُوب لَهُ الْحَقّ عَلَى وَالِده أَوْ وَلَده أَوْ زَوْجَته , فَيَأْخُذهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا . وَمِصْدَاق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّور فَلَا أَنْسَاب بَيْنهمْ يَوْمئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ } 23 101 فَيُقَال لَهُ : " آتِ هَؤُلَاءِ حُقُوقهمْ " أَيْ أَعْطِهِمْ حُقُوقهمْ . فَيَقُول : أَيْ رَبّ مِنْ أَيْنَ وَقَدْ ذَهَبَتْ الدُّنْيَا ؟ فَيَقُول اللَّه لِمَلَائِكَتِهِ : أَيْ مَلَائِكَتِي اُنْظُرُوا فِي أَعْمَاله الصَّالِحَة , وَأَعْطُوهُمْ مِنْهَا ! فَإِنْ بَقِيَ مِثْقَال ذَرَّة مِنْ حَسَنَة , قَالَتْ الْمَلَائِكَة وَهُوَ أَعْلَم بِذَلِكَ مِنْهَا : يَا رَبّنَا أَعْطَيْنَا كُلّ ذِي حَقّ حَقّه , وَبَقِيَ لَهُ مِثْقَال ذَرَّة مِنْ حَسَنَة . فَيَقُول لِلْمَلَائِكَةِ : ضَعِّفُوهَا لِعَبْدِي , وَأَدْخِلُوهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِي الْجَنَّة ! وَمِصْدَاق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } أَيْ الْجَنَّة يُعْطِيهَا , وَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاته وَبَقِيَتْ سَيِّئَاته , قَالَتْ الْمَلَائِكَة وَهُوَ أَعْلَم بِذَلِكَ : إِلَهنَا فَنِيَتْ حَسَنَاته وَبَقِيَ سَيِّئَاته , وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِير ! فَيَقُول اللَّه : ضَعُوا عَلَيْهَا مِنْ أَوْزَارهمْ وَاكْتُبُوا لَهُ كِتَابًا إِلَى النَّار ! قَالَ صَدَقَة : " أَوْ صَكًّا إِلَى جَهَنَّم " , شَكَّ صَدَقَة أَيَّتهمَا قَالَ : 7540 - وَحُدِّثْت عَنْ مُحَمَّد بْن عُبَيْد , عَنْ هَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن السَّائِب , قَالَ : سَمِعْت زَاذَان يَقُول : قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : يُؤْخَذ بِيَدِ الْعَبْد وَالْأَمَة يَوْم الْقِيَامَة , فَيُنَادِي مُنَادٍ عَلَى رُءُوس الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ : هَذَا فُلَان بْن فُلَان , مِنْ كَانَ لَهُ حَقّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقّه ! فَتَفْرَح الْمَرْأَة أَنْ يَذُوب لَهَا الْحَقّ عَلَى أَبِيهَا , أَوْ عَلَى اِبْنهَا , أَوْ عَلَى أَخِيهَا , أَوْ عَلَى زَوْجهَا , ثُمَّ قَرَأَ اِبْن مَسْعُود : { فَلَا أَنْسَاب بَيْنهمْ يَوْمئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ } 23 101 فَيَغْفِر اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ حَقّه مَا شَاءَ , وَلَا يَغْفِر مِنْ حُقُوق النَّاس شَيْئًا , فَيَنْصِب لِلنَّاسِ فَيَقُول : آتُوا إِلَى النَّاس حُقُوقهمْ ! فَيَقُول : رَبّ فَنِيَتْ الدُّنْيَا مِنْ أَيْنَ أُوتِيهِمْ حُقُوقهمْ ؟ فَيَقُول : خُذُوا مِنْ أَعْمَاله الصَّالِحَة , فَأَعْطُوا كُلّ ذِي حَقّ حَقّه بِقَدْرِ مَظْلِمَته , فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ , فَفَضَلَ لَهُ مِثْقَال ذَرَّة ضَاعَفَهَا لَهُ حَتَّى يُدْخِلهُ بِهَا الْجَنَّة ! - ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة } - وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَ الْمَلَك : رَبّ فَنِيَتْ حَسَنَاته , وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِير . فَيَقُول : خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتهمْ , فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاته , ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّار . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى تَأْوِيل عَبْد اللَّه هَذَا : إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم عَبْدًا وَجَبَ لَهُ مِثْقَال ذَرَّة قَبْل عَبْد لَهُ آخَر فِي مَعَاده وَيَوْم لِقَائِهِ فَمَا فَوْقه فَيَتْرُكهُ عَلَيْهِ فَلَا يَأْخُذهُ لِلْمَظْلُومِ مِنْ ظَالِمه , وَلَكِنَّهُ يَأْخُذهُ مِنْهُ لَهُ , وَيَأْخُذ مِنْ كُلّ ظَالِم لِكُلِّ مَظْلُوم تَبِعَته قَبْله. { وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا } يَقُول : وَإِنْ تُوجَد لَهُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا , بِمَعْنَى : يُضَاعَف لَهُ ثَوَابهَا وَأَجْرهَا. { وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } يَقُول : وَيُعْطِهِ مِنْ عِنْده أَجْرًا عَظِيمًا. وَالْأَجْر الْعَظِيم : الْجَنَّة عَلَى مَا قَالَهُ عَبْد اللَّه. وَلَكِلَا التَّأْوِيلَيْنِ وَجْه مَفْهُوم , أَعْنِي التَّأْوِيل الَّذِي قَالَهُ اِبْن مَسْعُود وَاَلَّذِي قَالَهُ قَتَادَة . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا التَّأْوِيل الْأَوَّل لِمُوَافَقَتِهِ الْأَثَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ دَلَالَة ظَاهِر التَّنْزِيل عَلَى صِحَّتِهِ , إِذْ كَانَ فِي سِيَاق الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا , الَّتِي حَثَّ اللَّه فِيهَا عَلَى النَّفَقَة فِي طَاعَته , وَذَمَّ النَّفَقَة فِي طَاعَة الشَّيْطَان , ثُمَّ وَصَلَ ذَلِكَ بِمَا وَعَدَ الْمُنَافِقِينَ فِي طَاعَته بِقَوْلِهِ : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً } فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْعِرَاق : { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً } بِنَصْبِ الْحَسَنَة , بِمَعْنَى : وَإِنْ تَكُ زِنَة الذَّرَّة حَسَنَة يُضَاعِفهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة : " وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ " بِرَفْعِ الْحَسَنَة , بِمَعْنَى : وَإِنْ تُوجَد حَسَنَة عَلَى مَا ذَكَرْت عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود مِنْ تَأْوِيل ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْله : { يُضَاعِفهَا } فَإِنَّهُ جَاءَ بِالْأَلِفِ , وَلَمْ يَقُلْ : " يُضَعِّفهَا " , لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ فِي قَوْل بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة : يُضَاعِفهَا أَضْعَافًا كَثِيرَة ; وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ فِي قَوْله يُضَعِّف ذَلِكَ ضِعْفَيْنِ لَقِيلَ : " يُضَعِّفهَا " بِالتَّشْدِيدِ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ وَعَدَهُمْ اللَّه بِهَذِهِ الْآيَة مَا وَعَدَهُمْ فِيهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ جَمِيع أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : 7541 - حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن الصَّبَّاح , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , عَنْ مُبَارَك بْن فَضَالَة , عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد , عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ , قَالَ : لَقِيت أَبَا هُرَيْرَة فَقُلْت لَهُ : إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك تَقُول : إِنَّ الْحَسَنَة لَتُضَاعَف أَلْف أَلْف حَسَنَة ! قَالَ : وَمَا أَعْجَبَك مِنْ ذَلِكَ ؟ فَوَاَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْته يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : " إِنَّ اللَّه لَيُضَاعِف الْحَسَنَة أَلْفَيْ أَلْف حَسَنَة " . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ الْمُهَاجِرُونَ خَاصَّة دُون أَهْل الْبَوَادِي وَالْأَعْرَاب . وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : 7542 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن هَارُون أَبُو نَشِيط , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْر , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْأَعْرَاب : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا } قَالَ : فَقَالَ رَجُل : فَمَا لِلْمُهَاجِرِينَ ؟ قَالَ : " مَا هُوَ أَعْظَم مِنْ ذَلِكَ : { إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } وَإِذَا قَالَ اللَّه لِشَيْءٍ عَظِيم فَهُوَ عَظِيم " . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِهَذِهِ الْآيَة الْمُهَاجِرِينَ دُون الْأَعْرَاب . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون فِي أَخْبَار اللَّه أَوْ أَخْبَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْء يَدْفَع بَعْضه بَعْضًا , فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا وَعْدُ اللَّهِ مَنْ جَاءَ مِنْ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِالْحَسَنَةِ مِنْ الْجَزَاء عَشْر أَمْثَالهَا , وَمَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ مِنْهُمْ أَنْ يُضَاعِفهَا لَهُ , وَكَانَ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحَيْنِ , كَانَ غَيْر جَائِز إِلَّا أَنْ يَكُون أَحَدهمَا مُجْمَلًا وَالْآخَر مُفَسَّرًا , إِذْ كَانَتْ أَخْبَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَدِّق بَعْضهَا بَعْضًا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ أَنَّ خَبَر أَبِي هُرَيْرَة مَعْنَاهُ : أنَّ الْحَسَنَة لَتُضَاعَف لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَهْل الْإِيمَان أَلْفَيْ أَلْف حَسَنَة , وَلِلْأَعْرَابِ مِنْهُمْ عَشْر أَمْثَالهَا , عَلَى مَا رَوَى اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَأَنَّ قَوْله : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا } يَعْنِي : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ مِنْ أَعْرَاب الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا , وَمَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ مِنْ مُهَاجِرِيهِمْ يُضَاعَف لَهُ , وَيُؤْتِهِ اللَّه مِنْ لَدُنْه أَجْرًا , يَعْنِي : يُعْطِهِ مِنْ عِنْده أَجْرًا عَظِيمًا , يَعْنِي : عِوَضًا مِنْ حَسَنَته عَظِيمًا . وَذَلِكَ الْعِوَض الْعَظِيم : الْجَنَّة ; كَمَا : 7543 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا صَدَقَة بْن أَبِي سَهْل , قَالَ : ثنا أَبُو عَمْرو , عَنْ زَاذَان , عَنْ اِبْن مَسْعُود : { وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } أَيْ الْجَنَّة يُعْطِهَا . 7544 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبَّاد بْن أَبِي صَالِح , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَوْله : { وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } قَالَ : الْأَجْر الْعَظِيم : الْجَنَّة . 7545 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا } قَالَ : أَجْرًا عَظِيمًا : الْجَنَّة. '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة} أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها. والمراد من الكلام أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا؛ كما قال تعالى: { إن الله لا يظلم الناس شيئا} [يونس : 44]. والذرة : النملة الحمراء؛ عن ابن عباس وغيره، وهي أصغر النمل. وعنه أيضا رأس النملة. وقال يزيد بن هارون : زعموا أن الذرة ليس لها وزن. ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر مقدار ما يستره ثم وزنه فلم يزد على وزن الخبز شيئا. قلت : والقرآن والسنة يدلان على أن للذرة وزنا؛ كما أن للدينار ونصفه وزنا. والله أعلم. وقيل : الذرة الخردلة؛ كما قال تعالى: { فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها} [الأنبياء : 47]. وقيل غير هذا، وهي في الجملة عبارة عن أقل الأشياء وأصغرها. وفي صحيح مسلم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها). قوله تعالى: { وإن تكن حسنة يضاعفها ويؤت} أي يكثر ثوابها. وقرأ أهل الحجاز "حسنة" بالرفع، والعامة بالنصب؛ فعلى الأول "تك" بمعنى تحدث، فهي تامة. وعلى الثاني هي الناقصة، أي إن تك فعلته حسنة. وقرأ الحسن: "نضاعفها" بنون العظمة. والباقون بالياء، وهي أصح؛ لقوله "ويؤت". وقرأ أبو رجاء "يضعفها"، والباقون "يضاعفها" وهما لغتان معناهما التكثير. وقال أبو عبيدة: "يضاعفها" معناه يجعله أضعافا كثيرة، "ويضاعفها" بالتشديد يجعلها ضعفين. "من لدنه" من عنده. وفيه أربع لغات : لدن ولدن ولد ولدى؛ فإذا أضافوه إلى أنفسهم سددوا النون، ودخلت عليه "من" حيث كانت "من" الداخلة لابتداء الغاية و"لدن" كذلك، فلما تشاكلا حسن دخول "من" عليها؛ ولذلك قال سيبويه في لدن : إنه الموضع الذي هو أول الغاية. "أجرا عظيما" يعني الجنة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري الطويل - حديث الشفاعة - وفيه : (حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول جل وعز أرجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا). وكان أبو سعيد الخدري يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} وذكر الحديث. وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف وينادي مناد على رؤوس الخلائق هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقول آت هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من أين لي وقد ذهبت الدنيا عني فيقول الله تعالى للملائكة انظروا إلى أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة يا رب - وهو أعلم بذلك منهم - قد أعطي لكل ذي حق حقه وبقي مثقال ذرة من حسنة فيقول الله تعالى للملائكة ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداقه { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} - وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته وبقي طالبون كثير فيقول تعالى خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكا إلى النار). فالآية على هذا التأويل في الخصوم، وأنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم يأخذ له منه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له؛ فذلك قوله تعالى: { وإن تك حسنة يضاعفها} . وروى أبو هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن الله سبحانه يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة) وتلا { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} . قال عبيدة : قال أبو هريرة : وإذا قال الله "أجرا عظيما" فمن الذي يقدر قدره ! وقد تقدم عن ابن عباس وابن مسعود : أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير مما طلعت عليه الشمس.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النساء الايات 38 - 40


سورة النساء الايات 40 - 44

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والظلم: الأصل فيه محبة الانتفاع بجهد غيره، فعندما تظلم واحداً فهذا يعني أنك تأخذ حقه، وحقه ما جاء به بجهده وعرقه، وتأخذه أنت بدون جهد ولا عرق. ويتبع هذا أن يكون الظالم قوياً. لكن ماذا عن الذي يظلم إنساناً لحساب إنسان آخر؟ إنه لم ينتفع بظلمه ولكن غيره هو الذي انتفع. وهذا شرّ من الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام قال: " بادروا بالأعمال ستكون فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمنا ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا ".

لأن ظلم إنساناً لنفع عبد آخر ولم يأخذ هو شيئاً لنفسه.

إذن فالظلم إما أن يكون الانتفاع بثمرة جهد غيرك من غير كد، وإما أن تنفع شخصا بجهد غيره، والله سبحانه وتعالى إذا نظرنا إليه - وهو قوة القوى - إذا أراد أن يظلم - وحاشا لله أن يظلم - فماذا يكون شكل ظلمه؟ إن الظلم يتناسب مع قوة الظالم، إذن فقوة القوى عندما تظلم فظلمها لا يُطاق، ثم لماذا يظلم؟ وماذا يريد أن يأخذ وهو من وهب؟ إنه سبحانه مستغنٍ، ولن يأخذ من هذا ليعطي ذاك، فكلهم بالنسبة له سواء؛ لأنه سبحانه لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، كلهم متساوون، فلماذا يظلم؟

إن الظلم بالنسبة لله محال عقلياً ومحال منطقياً، فلا يمكن لله أن يضيع عمل حسنة ولا أن يضاعف سيئة. فهذه لا تتأتى، وتلك لا تتأتى، والله واهب كل النعم للناس جميعاً. وما دام هو من وهب كل النعم، فسبحانه غير منتفع بآثاره في خلقه. إن الحق سبحانه وتعالى ينفي عن نفسه الظلم في قوله:
{  وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ }
[فصلت: 46].

فكلمة " ظلاّم " مثل قولنا: فلان " أكّال " وفلان " نوّام " وهي تختلف عن قولنا: فلان نائم، يعني نام مرة، ولكن " نوام " فهذا يعني مداومته على النوم كثيراً، أي أنه إما أن يكون مبالغاً في الحدث، وإما أن يكون مكرراً للحدث، فالمبالغة - كما نعرف - تأتي مرة لأن الحدث واحد لكنه قوي، ومرة يكون الحدث عادياً لكنه مكرر، هذه هي المبالغة، فقوله سبحانه وتعالى: { وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ } نفي للمبالغة، وهذا لا يقتضي نفي غير المبالغة. ونقول: الله لو ظلم لكان ظلمه مناسبا قدرته فيكون كبيراً كثيراً، ولو كان ظالما لشمل ظلمه وعَمّ الخلق جميعا فيكون كذلك كبيراً كثيراً ولكن الله - سبحانه - يقول: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ }. وسبحانه يحسب السيئة سيئة واحدة. أما الحسنة فيضاعفها، { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } " مثقال ": يعني ثقل ووزن، والثقل هو: مقدار جاذبية الأرض للشيء.فعندما يكون وزن الشيء قليلاً وتُلقيه من أعلى، فهو ينزل ببطء، أما الشيء الثقيل فعندما تلقيه من أعلى فهو ينزل بسرعة؛ لأن قوة الجاذبية له تكون أقوى، والإنسان منا حين ينظر إلى كلمة " مثقال "؛ ويعبر عنها بأنها وزن، فمعيار الميزان هنا " الذرة ". وما " الذرة "؟

قال العلماء فيها: هي رأس النملة الصغيرة التي لا تكاد تُرى بالعين المجردة، أو النملة نفسها. هذه مقولة، أو الذرة كما قال ابن عباس حين سُئل عنها: أخذ شيئاً من تراب الأرض ثم نفخه، فلما نفخ تطاير التراب في الهواء، فقال لهم: كل واحدة من هذه اسمها " ذرة " وهو ما نسميه " الهباء " ، ونحن الآن الموجودين في مكان واحد لا نرى شيئاً من الجو، لكن انظر إلى حزمة ضوئية - أي ثقب تدخل منه أشعة الشمس - فساعة ترى ثقباً يُدخل أشعة الشمس ترى غباراً كثيراً يسبح. والمهم أنك لا تراه جارياً إلا في شعاع الشمس فقط، فهو كان موجوداً ونستنشقه، فما الذي جعلني لا أراه؟. لأنه بلغ من الصغر واللطف مبلغاً فوق طوق العين أن تراه، فالذرة واحدة من هذا الغبار، واسمه " الهباء " وواحدة الهباء هي الذرة.

إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أن كل شيء موزون إلى أقل درجات الوزن وهو الذرة، وهي الهباء، ونحن لا نراها إلا في نور محجوز، لأننا في النور القوي لا نرى تلك الذرات، بل نراها فقط في نور له مصدر واحد ونافذ، والحق سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة، وهذا تمثيل فقط؛ لأن الذرة يمكن أن تكبر، فالذي يكبر يمكن أن يصغر، وقال الحق ذلك ولم يكن عند الإنسان المقياس الذي يُفتّت به الذرة، وقد حدث أن استطاع الإنسان ذلك، فبعد الحرب العالمية الأولى صنعت ألمانيا اسطوانات تحطيم الجوهر الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ كما كان يصفه الفلاسفة قديماً، ومعنى جزء لا يتجزأ أي لا يمكن أن يأتي أقل منه. ولم يلتفتوا إلى أن أي شيء له مادة إن كان يقبل التكبير فهو أيضاً يقبل التصغير. والمهم أن توجد عند الإنسان الآلة التي تدرك الصغر.

ومثال ذلك عندما صعدت الأقمار الصناعية وأخذوا من الجو صورة لمدينة نيويورك؛ خرجت الصورة صغيرة لمدينة نيويورك. بعد ذلك كبروا الصورة؛ فأخرجوا أرقام السيارات التي كانت تسير!. كيف حدث هذا؟ لقد كانت الصورة الصغيرة تحتوي تفاصيل أكثر دقة لا تراها العين المجردة، وعندما يتم تكبيرها يتضح كل شيء حتى أرقام السيارات وضحت بعد أن كانت غير ظاهرة، وإن كنت موجوداً في نيويورك في هذه الساعة أكنت تظهر بها؟ لا يمكن أن تظهر.. لماذا؟.. لأن صورتك صغرت إلى الحد والقدر الذي لا يمكنك أن تراها وهي بهذا الحجم وهكذا، فالنور عندما يكون محزوماً، فالحزمة الضوئية التي تدخل إلى مكان ما، لها من القوة التي تظهر ذرة الهباء الذي لم تكن تراها.

إذن فنور من الله مخلوق ظهرت فيه الذرة، أيخفي على نور الخالق ذرة؟ لا يمكن أن تخفي عليه سبحانه ذرة؛ لأن النور الذي خلقه أظهر الذرة والهباء الذي كان موجوداً ولا نراه، فلن يخفي على نور النور ذرة في الأرض.

وهكذا نعرف أن المسألة بالنسبة لله عملية قطعية، وعندما اخترعوا اسطوانة تحطيم الجوهر الفرد كانت مثل عصارة القصب، ونحن نعرف أن عود القصب يوضع بين عمودين من الحديد. والعمود الواحد اسمه " اسطوانة " وعندما يضيقون الاسطوانتين ثم يمررون عود القصب بينهما، فلا بد أن تكون المسافة بينهما ضيقة حتى إذا نفذ عود القصب يُعصر، إذن فكلما ضيقت بين الاسطوانتين يزداد العصر، وما دامت الاسطوانتان تجري كل واحدة منهما على الأخرى فهنا فراغ ضئيل جداً، وحاول العلماء الألمان تضييق الاسطوانتين تضييقاً يفتت لنا هذه الذرة، ونجحوا، وأصبح هناك شيء آخر أقل من الذرة.

وظن السطحيون الذين يتربصون بالإسلام وبكتاب الله الدوائر، ويريدون أن يجدوا فيه منفذاً. قالوا: إن الله قال: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ }. على أنها أقل شيء وظهر أن هناك أقل من مثقال ذرة؛ لأن الذرة تحطمت. وقلنا لهؤلاء: أنتم أخذتم آية ونسيتم آيات، فالقرآن قد جاء معجزة ليواجه مجتمعات شتى من لدن رسول الله إلى أن تقوم الساعة، فلا بد أن يكون فيه ما يشبع العقول من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة. ولو أن عطاء القرآن صُب مرة واحدة في عصر الرسالة لجاءت القرون التالية وليس للقرآن عطاء. فأراد ربنا أن يكون القرآن هو المعجزة والمنهج المتضمن للأحكام والكليات، وهذه أمور مفهومة بالنسبة لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أن تقوم الساعة. لكن لا يزال هناك كونيات ونواميس للحق في الوجود لم تظهر بعد، فسبحانه يعطي كل عصر على قدر اتساع فهمه.

وعندما نعرف أسرار قضية كونية لا يزيد علينا حكم، فعندما نعرف قضية مثلاً كقضية الذرة وتفتيتها ووجود إشارات لها في القرآن الكريم لا يزيد ذلك علينا أي حكم. بل ظلت الأحكام كما هي. فالأحكام واضحة كل الوضوح؛ لأن من يفعلها يثاب، ومن لا يفعلها يعاقب. والناس الذين ستقوم عليهم الساعة مثل الناس الذين عاصروا حضرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لذلك لا بد أن تكون الأحكام واحدة، فمن ناحية أن القرآن كتاب أحكام فهذا أمر واضح وضوحاً لا زيادة فيه، ولم يفهم المعاصر لرسول الله حكماً ثم جاء الإنسان في زماننا ليفهم حكماً آخر، بل كل الأحكام سواء.والقرآن كمعجزة هو أيضاً معجزة للجميع. ولا بد أن تكون هناك معجزة لكل جيل. ولكل عصر، ويأتي الإعجاز في الآيات الكونية التي لو لم نعرفها فلن يحدث شيء بالنسبة للأحكام. مثال ذلك: لو لم نعرف أن الأرض تدور أكان انتفاعنا بالأرض يقل؟ لا.. فنحن ننتفع بالأرض سواء أعلمنا كرويتها أم لم نعلم، لكن الحق سبحانه وتعالى يواجه العقول بما يمكن أن تطيقه. فإذا ما ارتقت العقول وتنورت واستنارت بمقتضى طموحاتها العلمية في الكون. فالقرآن إن لم يؤيدها فهو لا يعارضها.

وعندما فتتوا الذرة قال المشككون: إن ربنا يضرب بالذرة المثل لأصغر شيء { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } لكن هناك ما هو أقل من الذرة. ونرد عليهم: أنتم نظرتم إلى آية ونسيتم آيات. أنتم لم تنتبهوا - كما قلنا - إلى أن من فتتوا الذرة إلى إلكترونات وأيونات وموجب وسالب حاولوا بعد ذلك أن يفتتوا ما فُتت. والآية التي نحن بصددها الآن: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } أرضت العقول التي تعرف الذرة الأصلية هذه واحدة، ولماذا لا نسمع قول الله:
{  وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }
[يونس: 61].

إذن فهناك ذرة وهناك أصغر من الذرة، ولم تأخذوا في بالكم أن " أصغر " هذه أفعل تفضيل، ولا يوجد أصغر إلا إن وجد صغير، إذن فهناك ذرة، وهناك صغير عن الذرة، وهناك أصغر من الصغير، فهناك إذن ثلاث مراحل، فإن فتتوها فلنا رصيد في القرآن يقول بالصغر، فإن فتتتم المفتت، فلنا رصيد في القرآن بأصغر؛، لأن كل أصغر لا بد أن يسبقه صغير، وإن كنت ستفتت المفتت فما زال عندنا رصيد من القرآن يسبق عقولكم في الابتكار، فإن قلت تفتيت جاز، وإن قلت تجميع جاز؛ لأنها أصغر وأكبر، تفتيت أو تجميع، والمعقول أنك تقول: لا يغيب الأصغر والصغير، والذرة كذلك لا تغيب فكيف يعبر عن الأكبر بأنه لا يغيب مع أنه ظاهر وواضح؟.

ونقول لك: إن المتكلم هو ربنا، فالشيء لا يدرك إما لأنه لطيف في غاية الدقة بحيث لا تتعلق به الباصرة فلا يُرى، وأيضاً لا يُدرك لأنه كبير بصورة أكبر من أن تحيط به الباصرة، فحين ترى جبلاً كبيراً على بعد اثنين من الكيلو مترات أو ثلاثة فأنت لا تدركه؛ لأنه أكبر من أن يحيط به إشعاع بصرك، ولكن الأمر بالنسبة لله يختلف فلا يوجد صغير يَدِقُّ لا يراه، ولا كبير يكبر لا يراه، إذن فلا بد أن تأتي { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ }.وفي آية أخرى يقول سبحانه:
{  يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ }
[سبأ: 2].

وانظروا إلى دقة الحق في الدر على الإنكار للساعة وهي قضية كونية تنسحب على كل العصور.. فيقول سبحانه:
{  وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }
[سبأ: 3].

كان يكفي أن يقول: إن الساعة آتية، لكنه أوضح: اعرفوا أن الساعة آتية، وكل ما فعلتموه معروف، ولماذا يقولون: لا تأتي الساعة؟ إن هذا لون من تكذيب النفس لأنهم لم يعملوا على مقتضى ما يتطلبه قيام الساعة، فالذي لم يعمل لذلك يود لأن من مصلحته ذلك - أن تكون مسألة الساعة كذب؛ لأنه قد عمل أشياء يخاف أن يحاسب عليها، فجاء سبحانه بالآية لكي تردّ على المقولة وعلى الدافع للمقولة. وكل مقولة لها دافع. لقد كان الدافع لمقولتهم هو إسرافهم على أنفسهم فلم يقدموا عملاً صالحاً فمن مصلحتهم الآمالية ألا تأتي الساعة، كي لا يعاقبوا، وسبحانه يعلم أزلا ما فعلوا وردّ على المقولة وردّ على الدافع الذهني للمقولة، فأوضح سبحانه: أنا عالم كل أمر ولن يغيب عني عمل من أعمالكم.

وقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { وَإِن تَكُ حَسَنَةً } يعني: وإن يكن الوزن لحسنة يضاعفها الله، وعندما يحدثنا سبحانه عن الحسنة وأنها تُضاعف ثم لا يتكلم عن السيئة فها يدل على أن السيئة بمثلها، والحق قد تكلم عن المضاعفة للحسنة في كثير من الآيات { وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ }.

وفي آية أخرى يقول الحق:
{  مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ }
[البقرة: 261].

وبعد ذلك يقول:
{  وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ }
[البقرة: 261].

ففيه فرق بين نظام حساب الحسنات ونظام حساب السيئات، فالحسنة تضاعف لعشر أمثالها لسبعمائة ضعف، هذا هو نظام الحساب، وإرادة خالق هذا النظام تعطي كما تريد، إذا كنا نحن - كبشر - عندما توظف واحداً نقول: أنت تدخل السلم الوظيفي، وتبدأ السلم الوظيفي من أول درجاته ثم تترقي درجة بعد درجة، ثم يأتي رئيس الدولة ليعينك في درجة أعلى من ذلك بكثير، فما بالنا بحساب الرب الأعلى؟ إنه يعطي بعملية حسابية فيها زيادة فضل؛ ولذلك قال بعد هذه الآية: { وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } أي إنه سبحانه يعطي من عنده ذلك الأجر العظيم، وهذا اسمه " محض الفضل " وكيف يسميه الله أجراً مع أنه زائد؟ لأن هذا الفضل جاء تابعا للأجر، فإذا لم يعمل الإنسان هذا العمل فإنه لا يستحق أجرا، وبالتالي فلا ينال فضلاً وحين يضرب الله الأمثال للناس فذلك لتقريب المعاني؛ لأن الله قاله والله صادق فيما يقول، فيعطي الحق سبحانه وتعالى مُثلاً إيناسية في الكون، حتى لا تستبعد أن الحسنة تذهب لهذه الأضعاف المضاعفة.فيوضح لك: هذه الأرض أمامك هات حبة واحدة وضعها في الأرض تخرج لك سبع سنابل وكل سنبلة فيها مائة حبة فإذا كانت الأرض - وهي مخلوقة لله - أعطت سبعمائة ضعف، فكم يعطي من خلق الأرض؟ إنه يعطي بغير حساب.

إذن فكلمة " من لدنه " هذه تعطيك الباب الواسع الذي يتناسب مع الله. فالأرض تعطيك على قدر جهدك، وعلى قدر العناصر الغذائية الموجودة فيها.. والذي عنده وبيده الخير وخلق كل الكون يوضح: إذا كان خلق من خلقي يعطي حتى الكافر، سبعمائة ضعف فالذي خلق هذا يعطي للمؤمن أجراً للحسنة بلا حدود؛ ولذلك فالإيناسات التمثيلية في الكون يتركها الله لتقرب للعقل المعنى البعيد الذي قد يقف فيه. فالإنسان منا مادة: هي البدن وتحل فيه الروح. وعندما تسحب الروح من البدن، ماذا يصير؟ يصير الجسد رِمة، ويتحلل لعوامله الأولى وتنتهي منه مظاهر الحياة.

إذن فالروح هي السبب في الحركة، وفي أن كل جهاز يقوم بعمله، وفي النمو، وعندما تسحب الروح ينتهي الأمر، إن الروح هي التي تدير كل هذا الجسم، والروح لا لون لها، ولا أحد يراها، ولا يشمها كائن، فكيف ندركها إذن؟

نقول: إن الجوهر الذي يدخل في جسدك ويعطيه الحركة فيديره. أنت لا تراه ولا تحسّه، وهو غيب بالنسبة لك، فإذا حُدّثت أن ربك غيب فلا تتعجب، فروحك التي بين جنبيك لا تعرف كُنهها، وعليك إذن أن تصدق عندما يقال لك: ربك ليس بمحدود بمكان وعنما يقول سبحانه:
{  لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ }
[الأنعام: 103].

فكلنا نقول: نعم هذا كلام صحيح؛ لأنه إذا كان هناك مخلوق لله وهو الروح لم تدركه الأبصار، أفتريد أن يُدرَك من خَلَقَ؟ لا يمكن وهو سبحانه من عظمته أنه لا يُدَرك.

وسبحانه يقول: { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } ونقف عند كلمة " من لدنه ". ونعرف أن فيه فرقا بين الإتيان بالناموس - وهو النظام الموضوع - والعطاء المباشر، وعندما يقول الحق: " من لدنه " فهذا يعني أن الوسائط تمتنع. ونعلم قصة سيدنا موسى عندما ذهب ليقابل العبد الصالح قال تعالى في وصف العبد الصالح:
{  وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا }
[الكهف: 65].

وهذا يعني أن العبد الصالح قد تعلم ليس بوساطة أحد. بل من الله مباشرة، بدليل أن الذي جاء ليتعلم منه وتعلم منه ثم وقف معه في أمور جاءت على خلاف ما تجري به النواميس والعادات فكلمة " من لدنا " تعني تجاوز الحجب، والوسائط، والأنظمة.

والحق سبحانه يحترم أصل عملك ويسمي عطاءه لك " أجراً "؛ لأنه أعطى من لدنه بعدما أعطى له النصيب المقدر كأجر، وهذا الأجر موصوف بأنه عظيم؛ لأنه مناسب للمعطي.

ثم يقول الحق: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ... }.


www.alro7.net