سورة
اية:

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ

تفسير بن كثير

يأمر تعالى بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من اللّه أفضل الصلاة والسلام، ومهيجاً لهم بذكر أبيهم إسرائيل وهو نبي اللّه يعقوب عليه السلام، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع للّه، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا ابن الكريم افعل كذا؛ يا ابن الشجاع بارز الأبطال؛ يا ابن العالِم اطلب العلم، ونحو ذلك. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: { ذرية من حملنا مع نوح إن كان عبداً شكوراً} فإسرائيل هو يعقوب بدليل ما رواه ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبيَّ اللّه صلى الله عليه وسلم فقال:( هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟)، قالوا: اللهم نعم، فقال النبي صلى اللَه عليه وسلم : (اللهم اشهد) وعن ابن عباس: أن إسرائيل كقولك عبد اللّه. وقوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} قال مجاهد : نعمة اللّه التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك أن فجَّر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، ونجّاهم من عبودية آل فرعون. وقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب. قلت: وهذا كقول موسى عليه السلام لهم: { يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} يعني في زمانهم، وقال محمد ابن إسحاق عن ابن عباس في قوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} أي بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجّاهم من فرعون وقومه، { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} ، قال: بعهدي الذي أخذت في أعناقكم للنبي صلى اللَه عليه وسلم إذا جاءكم، أنجزْ لكم ما وعدتكم عليه من تصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم. وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى: { ولقد أخذ اللّه ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً . وقال اللّه إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسلي وعزرتموهم، وأقرضتم اللّه قرضاً حسناً، لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار} الآية. وقال آخرون: هو الذي أخذ اللّه عليهم في التوراة أنه سيبعث من بني إسماعيل نبياً عظيماً يطيعه جميع الشعوب والمراد به محمد صلى اللَه عليه وسلم، فمن اتبعه غفر اللّه له ذنبه وأدخله الجنة وجعل له أجرين. وقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمحمد صلى اللَه عليه وسلم . وقال أبو العالية { وأوفوا بعهدي} ، قال: عهده إلى عباده دين الإسلام وأن يتبعوه. وقال الضحّاك { أوف بعهدكم} : أرضَ عنكم و أُدخلكم الجنة، وقوله تعالى: { وإياي فارهبون} أي فاخشون، وقال ابن عباس: في قوله تعالى: { وإياي فارهبون} أي أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره، وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة، لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول صلى اللَه عليه وسلم والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره وتصديق أخباره، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ولهذا قال: { وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم} يعني به القرآن الذي أنزل على محمد صلى اللَه عليه وسلم النبي الأُمي العربي بشيراً ونذيراً، وسراجاً منيراً، مشتملاً على الحق من اللّه تعالى، مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل. قال أبو العالية: { وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم} ، يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم، يقول: لأنهم يجدون محمداً صلى اللَه عليه وسلم مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. وقوله: { ولا تكونوا أول كافر به} قال ابن عباس: ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم، قال أبو العالية: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى اللَه عليه وسلم بعد سماعكم بمبعثه، واختار ابن جرير أن الضمير في قوله به عائد على القرآن الذي تقدّم ذكره في قوله: { بما أنزلت} ، وكلا القولين صحيح لأنهما متلازمان، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى اللَه عليه وسلم، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن، وأما قوله: { أول كافر به} فيعني به أول من كفر به من بين إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن فكفرهم به يستلزم أنه أول من كفر به من جنسهم. وقوله تعالى: { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلا} يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية، سئل الحسن البصري عن قوله تعالى: { ثمنا قليلا} قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها. وعن سعيد بن جبير: إن آياته: كتابه الذي أنزله إليهم، وإن الثمن القليل: الدنيا وشهواتها؛ وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس، لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللَه عليه وسلم : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه اللّه لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة) ""أخرجه أبو داود في السنن عن أبي هريرة"") فأما تعليم العلم بأجرة فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعين عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند ""مالك والشافعي وأحمد""وجمهور العلماء كما في قصة اللديغ: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب اللّه). ""رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري""( وقوله في قصة المخطوبة: زوجتكها بما معك من القرآن). وقوله: { وإياي فاتقون} عن طلق بن حبيب قال: التقوى أن تعمل بطاعة اللّه، رجاء رحمة اللّه، على نور من اللّه، وأنت تترك معصية اللّه، على نور من اللّه، تخاف عقاب اللّه، ومعنى قوله: { وإياي فاتقون} أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه ومخالفتهم الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه.

تفسير الجلالين

{ يا بنى إسرائيل } أولاد يعقوب { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } أي على آبائكم من الإنجاء من فرعون وفلق البحر وتظليل الغمام وغير ذلك بأن تشكروها بطاعتي { وأوفوا بعهدي } الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمد { أوف بعهدكم } الذي عهدت إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة { وإياي فارهبون } خافونِ في ترك الوفاء به دون غيري.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا بَنِي إسْرَائِيل } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَا بَنِي إسْرَائِيل } : يَا وَلَد يَعْقُوب بْن إسْحَاق بْن إبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ; وَكَانَ يَعْقُوب يُدْعَى إسْرَائِيل , بِمَعْنَى عَبْد اللَّه وَصَفْوَته مِنْ خَلْقه ; وَإِيل هُوَ اللَّه ; وَإِسْرَا : هُوَ الْعَبْد , كَمَا قِيلَ جِبْرِيل بِمَعْنَى عَبْد اللَّه . وَكَمَا : 666 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إسْمَاعِيل بْن رَجَاء , عَنْ عُمَيْر مَوْلَى ابْن عَبَّاس , عَنْ ابْن عَبَّاس : إنَّ إسْرَائِيل كَقَوْلِك عَبْد اللَّه . 667 - وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِير , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , قَالَ : إِيل : اللَّه بالعبرانية . وَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَا بَنِي إسْرَائِيل } أَحْبَار الْيَهُود مِنْ بَنِي إسْرَائِيل الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَسَبَهُمْ جَلَّ ذِكْره إلَى يَعْقُوب , كَمَا نَسَبَ ذُرِّيَّة آدَم إلَى آدَم , فَقَالَ : { يَا بَنِي آدَم خُذُوا زِينَتكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد } 7 31 وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ . وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِالْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْآيَة وَاَلَّتِي بَعْدهَا مِنْ الْآي الَّتِي ذَكَّرَهُمْ فِيهَا نِعَمه , وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ مَا أُنْزِلَ فِيهِمْ وَفِي غَيْرهمْ فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة مَا قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مِنْ الْحِجَج وَالْآيَات الَّتِي فِيهَا أَنْبَاء أَسْلَافهمْ وَأَخْبَار أَوَائِلهمْ , وَقَصَص الْأُمُور الَّتِي هُمْ بِعِلْمِهَا مَخْصُوصُونَ دُون غَيْرهمْ مِنْ سَائِر الْأُمَم لَيْسَ عِنْد غَيْرهمْ مِنْ الْعِلْم بِصِحَّتِهِ , وَحَقِيقَته مِثْل الَّذِي لَهُمْ مِنْ الْعِلْم بِهِ إلَّا لِمَنْ اقْتَبَسَ عِلْم ذَلِكَ مِنْهُمْ . فَعَرَّفَهُمْ بِإِطْلَاعِ مُحَمَّد عَلَى عِلْمهَا مَعَ بَعْد قَوْمه وَعَشِيرَته مِنْ مَعْرِفَتهَا , وَقِلَّة مُزَاوَلَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرَاسَة الْكُتُب الَّتِي فِيهَا أَنْبَاء ذَلِكَ , أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصِل إلَى عِلْم ذَلِكَ إلَّا بِوَحْيٍ مِنْ اللَّه وَتَنْزِيل مِنْهُ ذَلِكَ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُمْ مِنْ عِلْم صِحَّة ذَلِكَ بِمَحَلٍّ لَيْسَ بِهِ مِنْ الْأُمَم غَيْرهمْ . فَلِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ بِقَوْلِهِ : { يَا بَنِي إسْرَائِيل } خُطَّابهمْ كَمَا : 668 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { يَا بَنِي إسْرَائِيل } قَالَ : يَا أَهْل الْكِتَاب لِلْأَحْبَارِ مِنْ يَهُود . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا بَنِي إسْرَائِيل } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَا بَنِي إسْرَائِيل } : يَا وَلَد يَعْقُوب بْن إسْحَاق بْن إبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ; وَكَانَ يَعْقُوب يُدْعَى إسْرَائِيل , بِمَعْنَى عَبْد اللَّه وَصَفْوَته مِنْ خَلْقه ; وَإِيل هُوَ اللَّه ; وَإِسْرَا : هُوَ الْعَبْد , كَمَا قِيلَ جِبْرِيل بِمَعْنَى عَبْد اللَّه . وَكَمَا : 666 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إسْمَاعِيل بْن رَجَاء , عَنْ عُمَيْر مَوْلَى ابْن عَبَّاس , عَنْ ابْن عَبَّاس : إنَّ إسْرَائِيل كَقَوْلِك عَبْد اللَّه . 667 - وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِير , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , قَالَ : إِيل : اللَّه بالعبرانية . وَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَا بَنِي إسْرَائِيل } أَحْبَار الْيَهُود مِنْ بَنِي إسْرَائِيل الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَسَبَهُمْ جَلَّ ذِكْره إلَى يَعْقُوب , كَمَا نَسَبَ ذُرِّيَّة آدَم إلَى آدَم , فَقَالَ : { يَا بَنِي آدَم خُذُوا زِينَتكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد } 7 31 وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ . وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِالْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْآيَة وَاَلَّتِي بَعْدهَا مِنْ الْآي الَّتِي ذَكَّرَهُمْ فِيهَا نِعَمه , وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ مَا أُنْزِلَ فِيهِمْ وَفِي غَيْرهمْ فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة مَا قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مِنْ الْحِجَج وَالْآيَات الَّتِي فِيهَا أَنْبَاء أَسْلَافهمْ وَأَخْبَار أَوَائِلهمْ , وَقَصَص الْأُمُور الَّتِي هُمْ بِعِلْمِهَا مَخْصُوصُونَ دُون غَيْرهمْ مِنْ سَائِر الْأُمَم لَيْسَ عِنْد غَيْرهمْ مِنْ الْعِلْم بِصِحَّتِهِ , وَحَقِيقَته مِثْل الَّذِي لَهُمْ مِنْ الْعِلْم بِهِ إلَّا لِمَنْ اقْتَبَسَ عِلْم ذَلِكَ مِنْهُمْ . فَعَرَّفَهُمْ بِإِطْلَاعِ مُحَمَّد عَلَى عِلْمهَا مَعَ بَعْد قَوْمه وَعَشِيرَته مِنْ مَعْرِفَتهَا , وَقِلَّة مُزَاوَلَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرَاسَة الْكُتُب الَّتِي فِيهَا أَنْبَاء ذَلِكَ , أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصِل إلَى عِلْم ذَلِكَ إلَّا بِوَحْيٍ مِنْ اللَّه وَتَنْزِيل مِنْهُ ذَلِكَ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُمْ مِنْ عِلْم صِحَّة ذَلِكَ بِمَحَلٍّ لَيْسَ بِهِ مِنْ الْأُمَم غَيْرهمْ . فَلِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ بِقَوْلِهِ : { يَا بَنِي إسْرَائِيل } خُطَّابهمْ كَمَا : 668 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { يَا بَنِي إسْرَائِيل } قَالَ : يَا أَهْل الْكِتَاب لِلْأَحْبَارِ مِنْ يَهُود . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَنِعْمَته الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيل جَلَّ ذِكْره اصْطِفَاؤُهُ مِنْهُمْ الرُّسُل , وَإِنْزَاله عَلَيْهِمْ الْكُتُب , وَاسْتِنْقَاذه إيَّاهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْبَلَاء وَالضَّرَّاء مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه , إلَى التَّمْكِين لَهُمْ فِي الْأَرْض , وَتَفْجِير عُيُون الْمَاء مِنْ الْحَجَر , وَإِطْعَام الْمَنّ وَالسَّلْوَى . فَأَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَعْقَابهمْ أَنْ يَكُون مَا سَلَفَ مِنْهُ إلَى آبَائِهِمْ عَلَى ذِكْر , وَأَنْ لَا يَنْسَوْا صَنِيعه إلَى أَسْلَافهمْ وَآبَائِهِمْ , فَيَحِلّ بِهِمْ مِنْ النِّقَم مَا أَحَلَّ بِمِنْ نَسِيَ نِعَمه عِنْده مِنْهُمْ وَكَفَرَهَا وَجَحَدَ صَنَائِعه عِنْده . كَمَا : 669 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } أَيْ آلَائِي عِنْدكُمْ وَعِنْد آبَائِكُمْ لَمَّا كَانَ نَجَّاهُمْ بِهِ مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه . 670 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ } قَالَ : نِعْمَته أَنْ جَعَلَ مِنْهُمْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْكُتُب . 671 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } يَعْنِي نِعْمَته الَّتِي أَنْعَمَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل فِيمَا سَمَّى وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ , فَجَّرَ لَهُمْ الْحَجَر , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى , وَأَنْجَاهُمْ عَنْ عُبُودِيَّة آل فِرْعَوْن . 672 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } قَالَ : نِعَمه عَامَّة , وَلَا نِعْمَة أَفَضْل مِنْ الْإِسْلَام , وَالنِّعَم بَعْد تَبَع لَهَا . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه { يَمُنُّونَ عَلَيْك أَنْ أَسْلِمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلَامكُمْ } 49 17 الْآيَة . وَتَذْكِير اللَّه الَّذِينَ ذَكَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَة مِنْ نِعَمه عَلَى لِسَان رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , نَظِير تَذْكِير مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ أَسْلَافهمْ عَلَى عَهْده الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ , وَذَلِكَ قَوْله : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتَ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ } 5 20 الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَنِعْمَته الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيل جَلَّ ذِكْره اصْطِفَاؤُهُ مِنْهُمْ الرُّسُل , وَإِنْزَاله عَلَيْهِمْ الْكُتُب , وَاسْتِنْقَاذه إيَّاهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْبَلَاء وَالضَّرَّاء مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه , إلَى التَّمْكِين لَهُمْ فِي الْأَرْض , وَتَفْجِير عُيُون الْمَاء مِنْ الْحَجَر , وَإِطْعَام الْمَنّ وَالسَّلْوَى . فَأَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَعْقَابهمْ أَنْ يَكُون مَا سَلَفَ مِنْهُ إلَى آبَائِهِمْ عَلَى ذِكْر , وَأَنْ لَا يَنْسَوْا صَنِيعه إلَى أَسْلَافهمْ وَآبَائِهِمْ , فَيَحِلّ بِهِمْ مِنْ النِّقَم مَا أَحَلَّ بِمِنْ نَسِيَ نِعَمه عِنْده مِنْهُمْ وَكَفَرَهَا وَجَحَدَ صَنَائِعه عِنْده . كَمَا : 669 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } أَيْ آلَائِي عِنْدكُمْ وَعِنْد آبَائِكُمْ لَمَّا كَانَ نَجَّاهُمْ بِهِ مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه . 670 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ } قَالَ : نِعْمَته أَنْ جَعَلَ مِنْهُمْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْكُتُب . 671 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } يَعْنِي نِعْمَته الَّتِي أَنْعَمَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل فِيمَا سَمَّى وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ , فَجَّرَ لَهُمْ الْحَجَر , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى , وَأَنْجَاهُمْ عَنْ عُبُودِيَّة آل فِرْعَوْن . 672 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } قَالَ : نِعَمه عَامَّة , وَلَا نِعْمَة أَفَضْل مِنْ الْإِسْلَام , وَالنِّعَم بَعْد تَبَع لَهَا . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه { يَمُنُّونَ عَلَيْك أَنْ أَسْلِمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلَامكُمْ } 49 17 الْآيَة . وَتَذْكِير اللَّه الَّذِينَ ذَكَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَة مِنْ نِعَمه عَلَى لِسَان رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , نَظِير تَذْكِير مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ أَسْلَافهمْ عَلَى عَهْده الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ , وَذَلِكَ قَوْله : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتَ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ } 5 20 ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا مَعْنَى الْعَهْد فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا وَاخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيله وَالصَّوَاب عِنْدنَا مِنْ الْقَوْل فِيهِ . وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِع عَهْد اللَّه وَوَصِيَّته الَّتِي أَخَذَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل فِي التَّوْرَاة أَنْ يُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَسُول , وَأَنَّهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة أَنَّهُ نَبِيّ اللَّه , وَأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه . { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } وَعَهْده إيَّاهُمْ : أَنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } 5 12 الْآيَة , وَكَمَا قَالَ : { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَاَلَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ } 7 156 : 157 الْآيَة . وَكَمَا : 673 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي } الَّذِي أَخَذْت فِي أَعْنَاقكُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا جَاءَكُمْ . { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } : أَيْ أُنْجِز لَكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَيْهِ بِتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعه , بِوَضْعِ مَا كَانَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْإِصْر وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ فِي أَعْنَاقكُمْ بِذُنُوبِكُمْ الَّتِي كَانَتْ مِنْ أَحْدَاثكُمْ . 674 - وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قَالَ : عَهْده إلَى عِبَاده : دِين الْإِسْلَام أَنْ يَتَّبِعُوهُ . { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } يَعْنِي الْجَنَّة . 675 - وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } أَمَّا أَوْفُوا بِعَهْدِي : فَمَا عَهِدْت إلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب , وَأَمَّا أُوفِ بِعَهْدِكُمْ : فَالْجَنَّة , عَهِدْت إلَيْكُمْ أَنَّكُمْ إنْ عَمِلْتُمْ بِطَاعَتِي أَدْخَلْتُكُمْ الْجَنَّة . 676 - وَحَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قَالَ : ذَلِكَ الْمِيثَاق الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَائِدَة { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } 5 12 إلَى آخِر الْآيَة . فَهَذَا عَهْد اللَّه الَّذِي عَهِدَ إلَيْهِمْ , وَهُوَ عَهْد اللَّه فِينَا , فَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِ اللَّه وَفَى اللَّه لَهُ بِعَهْدِهِ . 677 - وَحُدِّثْت عَنْ المنجاب , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } يَقُول : أَوْفُوا بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِي وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِي فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي غَيْره { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } يَقُول : أَرْض عَنْكُمْ وَأُدْخِلكُمْ الْجَنَّة . 678 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قَالَ : أَوْفُوا بِأَمْرِي , أُوفِ بِاَلَّذِي وَعَدْتُكُمْ , وَقَرَأَ : { إنَّ اللَّه اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ } حَتَّى بَلَغَ : { وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّه } 9 111 قَالَ : هَذَا عَهْده إلَيْكُمْ الَّذِي عَهِدَهُ لَهُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا مَعْنَى الْعَهْد فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا وَاخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيله وَالصَّوَاب عِنْدنَا مِنْ الْقَوْل فِيهِ . وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِع عَهْد اللَّه وَوَصِيَّته الَّتِي أَخَذَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل فِي التَّوْرَاة أَنْ يُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَسُول , وَأَنَّهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة أَنَّهُ نَبِيّ اللَّه , وَأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه . { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } وَعَهْده إيَّاهُمْ : أَنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّة , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } 5 12 الْآيَة , وَكَمَا قَالَ : { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَاَلَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ } 7 156 : 157 الْآيَة . وَكَمَا : 673 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي } الَّذِي أَخَذْت فِي أَعْنَاقكُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا جَاءَكُمْ . { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } : أَيْ أُنْجِز لَكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَيْهِ بِتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعه , بِوَضْعِ مَا كَانَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْإِصْر وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ فِي أَعْنَاقكُمْ بِذُنُوبِكُمْ الَّتِي كَانَتْ مِنْ أَحْدَاثكُمْ . 674 - وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قَالَ : عَهْده إلَى عِبَاده : دِين الْإِسْلَام أَنْ يَتَّبِعُوهُ . { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } يَعْنِي الْجَنَّة . 675 - وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } أَمَّا أَوْفُوا بِعَهْدِي : فَمَا عَهِدْت إلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب , وَأَمَّا أُوفِ بِعَهْدِكُمْ : فَالْجَنَّة , عَهِدْت إلَيْكُمْ أَنَّكُمْ إنْ عَمِلْتُمْ بِطَاعَتِي أَدْخَلْتُكُمْ الْجَنَّة . 676 - وَحَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قَالَ : ذَلِكَ الْمِيثَاق الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَائِدَة { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } 5 12 إلَى آخِر الْآيَة . فَهَذَا عَهْد اللَّه الَّذِي عَهِدَ إلَيْهِمْ , وَهُوَ عَهْد اللَّه فِينَا , فَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِ اللَّه وَفَى اللَّه لَهُ بِعَهْدِهِ . 677 - وَحُدِّثْت عَنْ المنجاب , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } يَقُول : أَوْفُوا بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِي وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِي فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي غَيْره { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } يَقُول : أَرْض عَنْكُمْ وَأُدْخِلكُمْ الْجَنَّة . 678 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قَالَ : أَوْفُوا بِأَمْرِي , أُوفِ بِاَلَّذِي وَعَدْتُكُمْ , وَقَرَأَ : { إنَّ اللَّه اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ } حَتَّى بَلَغَ : { وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّه } 9 111 قَالَ : هَذَا عَهْده إلَيْكُمْ الَّذِي عَهِدَهُ لَهُمْ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل قَوْله : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } وَإِيَّايَ فَاخْشَوْا , وَاتَّقُوا أَيّهَا الْمُضَيِّعُونَ عَهْدِي مِنْ بَنِي إسْرَائِيل وَالْمُكَذِّبُونَ رَسُولِي الَّذِي أَخَذْت مِيثَاقكُمْ فِيمَا أَنَزَلْت مِنْ الْكُتُب عَلَى أَنْبِيَائِي أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَتَتَّبِعُوهُ , أَنْ أَحِلّ بِكُمْ مِنْ عُقُوبَتِي , إنْ لَمْ تُنِيبُوا وَتَتُوبُوا إلَيَّ بِاتِّبَاعِهِ وَالْإِقْرَار بِمَا أَنَزَلْت إلَيْهِ مَا أَحْلَلْت بِمَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَكَذَّبَ رُسُلِي مِنْ أَسْلَافكُمْ . كَمَا : 679 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } أَنْ أُنْزِلَ بِكُمْ مَا أَنَزَلْت بِمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ مِنْ آبَائِكُمْ مِنْ النِّقْمَات الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ مِنْ الْمَسْخ وَغَيْره . 680 - وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنِي آدَم الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } يَقُول : فَاخْشَوْنِ . 681 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } بِقَوْلِ : وَإِيَّايَ فَاخْشَوْنِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل قَوْله : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } وَإِيَّايَ فَاخْشَوْا , وَاتَّقُوا أَيّهَا الْمُضَيِّعُونَ عَهْدِي مِنْ بَنِي إسْرَائِيل وَالْمُكَذِّبُونَ رَسُولِي الَّذِي أَخَذْت مِيثَاقكُمْ فِيمَا أَنَزَلْت مِنْ الْكُتُب عَلَى أَنْبِيَائِي أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَتَتَّبِعُوهُ , أَنْ أَحِلّ بِكُمْ مِنْ عُقُوبَتِي , إنْ لَمْ تُنِيبُوا وَتَتُوبُوا إلَيَّ بِاتِّبَاعِهِ وَالْإِقْرَار بِمَا أَنَزَلْت إلَيْهِ مَا أَحْلَلْت بِمَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَكَذَّبَ رُسُلِي مِنْ أَسْلَافكُمْ . كَمَا : 679 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } أَنْ أُنْزِلَ بِكُمْ مَا أَنَزَلْت بِمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ مِنْ آبَائِكُمْ مِنْ النِّقْمَات الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ مِنْ الْمَسْخ وَغَيْره . 680 - وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنِي آدَم الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } يَقُول : فَاخْشَوْنِ . 681 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } بِقَوْلِ : وَإِيَّايَ فَاخْشَوْنِ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { يا بني إسرائيل} نداء مضاف علامة النصب فيه الياء وحذفت منه النون للإضافة. الواحد ابن ،والأصل فيه بني ،وقيل بنو فمن قال المحذوف منه واو احتج بقولهم البنوة وهذا لا حجة فيه لأنهم قد قالوا الفتوة وأصله الياء. وقال الزجاج : المحذوف منه عندي ياء كأنه من بنيت. الأخفش اختار أن يكون المحذوف منه الواو لأن حذفها أكثر لثقلها ويقال ابن بيّن البنوة والتصغير بني. قال الفراء يقال يا بنيِّ ويا بنيَّ لغتان، مثل يا أبتِ ويا أبتَ وقرئ بهما وهو مشتق من البناء وهو وضع الشيء على الشيء والابن فرع للأب وهو موضوع عليه. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قال أبو الفرج الجوزي وليس في الأنبياء من له اسمان غيره إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن له أسماء كثيرة ذكره في كتاب( فهوم الآثار) له قلت : وقد قيل في المسيح أنه اسم علم لعيسى عليه السلام غير مشتق وقد سماه الله روحا وكلمة، وكانوا يسمونه أبيل الأبيلين، ذكره الجوهري في الصحاح. وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن الخليل بن أحمد : خمسة من الأنبياء ذوو اسمين محمد وأحمد نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى والمسيح وإسرائيل ويعقوب ويونس وذو النون وإلياس وذو الكفل صلى الله عليهم وسلم. قلت : ذكرنا أن لعيسى أربعة أسماء وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فله أسماء كثيرة بيانها في مواضعها. وإسرائيل : اسم أعجمي ولذلك لم ينصرف وهو في موضع خفض بالإضافة وفيه سبع لغات إسرائيل وهي لغة القرآن وإسرائيل بمدة مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ عن ورش وإسراييل بمدة بعد الياء من غير همز وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر، وقرأ الحسن والزهري بغير همز ولا مد وإسرائِل بغير ياء بهمزة مكسورة، وإسراءَل بهمزة مفتوحة، وتميم يقولون إسرائين بالنون. ومعنى إسرائيل عبدالله قال ابن عباس : إسرا بالعبرانية هو عبد وإيل هو الله، وقيل إسرا هو صفوة الله وإيل هو الله وقيل إسرا من الشد فكأن إسرائيل الذي شده الله وأتقن خلقه، ذكره المهدوي. وقال السهيلي : سمي إسرائيل لأنه أسرى ذات ليلة حين هاجر إلى الله تعالى فسمي إسرائيل أي أسرى إلى الله، ونحو هذا فيكون بعض الاسم عبرانيا وبعضه موافقا للعرب والله أعلم. قوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} الذكر اسم مشترك، فالذكر بالقلب ضد النسيان والذكر باللسان ضد الإنصات وذكرت الشيء بلساني وقلبي ذكرا واجعله منك على ذكر بضم الذال أي لا تنسه. قال الكسائي : ما كان بالضمير فهو مضموم الذال وما كان باللسان فهو مكسور الذال. وقال غيره هما لغتان يقال ذِكر وذُكر، ومعناهما واحد والذكر بفتح الذال خلاف الأنثى، والذكر أيضا الشرف ومنه قوله { وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف: 44 ] قال ابن الأنباري والمعنى في الآية : اذكروا شكر نعمتي فحذف الشكر اكتفاء بذكر النعمة. وقيل إنه أراد الذكر بالقلب وهو المطلوب أي لا تغفلوا عن نعمتي التي أنعمت عليكم ولا تناسوها وهو حسن. والنعمة هنا اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع قال الله تعالى { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34 ] أي نعمه ومن نعمه عليهم أن أنجاهم من آل فرعون وجعل منهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب والمن والسلوى وفجر لهم في الحجر الماء إلى ما استودعهم من التوراة التي فيها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ورسالته والنعم على الآباء نعم على الأبناء لأنهم يشرفون بشرف آبائهم. تنبيه : قال أرباب المعاني ربط سبحانه وتعالى بني إسرائيل بذكر النعمة وأسقطه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى ذكره فقال { اذكروني أذكركم} [البقرة: 152 ] ليكون نظر الأمم من النعمة إلى المنعم ونظر أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المنعم إلى النعمة. قوله تعالى: { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} أمر وجوابه. وقرأ الزهري { أوَفِّ} بفتح الواو وشد الفاء للتكثير. واختلف في هذا العهد ما هو فقال الحسن : عهده قوله : { خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63 ] وقوله { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] وقيل هو قوله { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187 ] وقال الزجاج { أوفوا بعهدي} الذي عهدت إليكم في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم { أوف بعهدكم} بما ضمنت لكم على ذلك إن أوفيتم به فلكم الجنة وقيل { أوفوا بعهدي} في أداء الفرائض على السنة والإخلاص { أوف} بقبولها منكم ومجازاتكم [في النسخة : مجاراتكم] عليها. وقال بعضهم { أوفوا بعهدي} في العبادات { أوف بعهدكم} أي أوصلكم إلى منازل الرعايات. وقيل { أوفوا بعهدي} في حفظ آداب الظواهر { أوف بعهدكم} بتزيين سرائركم وقيل هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم الذي في التوراة وغيره. هذا قول الجمهور من العلماء وهو الصحيح. وعهده سبحانه وتعالى هو أن يدخلهم الجنة. قلت : وما طلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا قال الله تعالى { أوفوا بالعقود} [المائدة: 1 ] { أوفوا بعهد الله} [البقرة: 91 ]، وهو كثير ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء الله تعالى لهم لا علة له بل ذلك تفضل منه عليهم قوله تعالى: { وإياي فارهبون} أي خافون والرُّهب والرَّهب والرَّهبة الخوف ويتضمن الأمر به معنى التهديد وسقطت الياء بعد النون لأنها رأس آية. وقرأ ابن أبي إسحاق { فارهبوني} بالياء وكذا { فاتقوني} على الأصل { وإياي} منصوب بإضمار فعل وكذا الاختيار في الأمر والنهي والاستفهام، التقدير : وإياي ارهبوا فارهبون. ويجوز في الكلام وأنا فارهبون على الابتداء والخبر وكون { فارهبون} الخبر على تقدير الحذف، المعنى وأنا ربكم فارهبون.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة البقرة الايات 38 - 40


سورة البقرة اية رقم 40


سورة البقرة الايات 40 - 41


سورة البقرة الايات 40 - 42

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أن قص الله علينا قصة الخلق وكيف بدأت بآدم، وعداوة إبليس لآدم وسببها. قص علينا التجربة الأولى للمنهج في إحدى الجنات، وكيف أن آدم تعرض للتجربة فأغواه الشيطان وعصى. ثم نزل إلى الأرض مسلحا بمنهج الله. ومحميا بالتوبة من أن يطغى. بدأت مهمة آدم على الأرض.

إن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يعرض علينا موكب الرسالات وكيف استقبل بنو آدم منهج الله بالكفر والعصيان. فاختار جل جلاله قصة بني إسرائيل لأنها أكثر القصص معجزات، وأنبياء بني إسرائيل من أكثر الأنبياء الذين أرسلوا لأمة واحدة وليس معنى هذا أنهم مفضلون. ولكن لأنهم كانوا أكثر الأمم عصيانا وآثاما فكانوا أكثرهم أنبياء. كانوا كلما خرجوا من معجزة انحرفوا. فتأتيهم معجزة أخرى. فينحرفون. وهكذا حكم الله عليهم لظلمهم أن يتفرقوا في الأرض ثم يتجمعوا مرة أخرى في مكان واحد. ليذوقوا العذاب والنكال جزاء لهم على معصيتهم وكفرهم. ولذلك أخذت قصة بني إسرائيل ذلك الحجم الضخم في كتاب الله. وفي تثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فموسى عليه السلام الذي أرسله الله إلى بني إسرائيل من أولي العزم من الرسل. ولذلك فإنك تجد فيه تربية أولا. وتربية ثانيا.. ولابد أن نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى: يا بني إسرائيل " فالحق جل جلاله. حين يريد أن ينادي البشر جميعا يقول: { يَابَنِيۤ ءَادَمَ } واقرأ قوله تعالى:
{  يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ }
[الأعراف: 31]

وقوله سبحانه:
{  يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ }
[الأعراف: 27]

لماذا يخاطبنا الله تعالى بقوله: يا بني آدم؟ لأنه يريد أن يذكرنا بنعمة علينا منذ بداية الخلق. لأن هذه النعم تخص آدم وذريته. فالله تعالى خلق آدم بيديه. وأمر الملائكة أن تسجد له. وأعد له كونا مليئا بكل ما يضمن استمرار حياته. ليس بالضروريات فقط. ولكن بالكماليات. ثم دربه الحق على ما سيتعرض له من إغواء الشيطان. وأفهمه أن الشيطان عدو له. ثم علمه كلمات التوبة. ليتوب عليه. وأمده بنعم لا تعد ولا تحصى.

فالله سبحانه وتعالى يريد أن يذكرنا بكل ذلك حتى نخجل من أن نرتكب معصية بعد كل هذا التكريم للإنسان. فإذا تذكرنا نعم الله علينا.. فإننا نخجل أن نقابل هذه النعم بالمعصية.

وقد علمنا الله سبحانه وتعالى علما ميزنا الله تعالى فيه عن ملائكته. لذا كان يجب أن نظل شاكرين عابدين طوال حياتنا في هذه الدنيا.

لكننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى بدأ هذه الآية الكريمة بقوله: { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ } لماذا؟ ومن هو إسرائيل؟

إسرائيل مأخوذة من كلمتين: اسر وإيل.. (اسر) يعني عبد مصطفى أو مختار. (وإيل) معناها الله في العبرانية. فيكون معنى الكلمة صفوة الله.والاصطفاء هنا ليعقوب وليس لذريته..

فإذا نظرنا إلى إسرائيل الذي هو يعقوب كيف أخذ هذا الاسم. نجد أنه أخذ الاسم لأنه ابتلى من الله بلاء كبيرا. استحق به أن يكون صفيا لله. وعندما ينادي الله تعالى قوم موسى بقوله: يا بني إسرائيل. فإنه يريد أن يذكرهم بمنزلة إسرائيل عند الله. ما واجهه من بلاء. وما تحمله في حياته. فاذكروا ما وصاكم به حين حضرته الوفاة.. واقرأ قوله تبارك وتعالى:
{  أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }
[البقرة: 133]

ثم يأتي بعد ذلك قول يعقوب.. واقرأ قوله تعالى:
{  يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ }
[البقرة: 132]

تلك هي الوصية التي وصى بها يعقوب بنيه.. فيها علم وفيها عظة. علم بأن الله إله واحد. لا شريك له. وأن الدين هو الإسلام. وعظة وتذكير بأن الله اختار لهم الدين. فليحرصوا عليه حتى الموت.

ولقد جاءت هذه الوصية حين حضر يعقوب الموت. وساعة الموت يكون الإنسان صادقا مع نفسه. وصادقا مع ربه. وصادقا مع ذريته. فكأنه سبحانه وتعالى حينما يقول: { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ } يريد أن يذكرهم بإسرائيل وهو يعقوب وكيف تحمل وظل صابرا. ووصيته لهم ساعة الموت.

إن الله سبحانه وتعالى يذكر الأبناء بفضله على الآباء علهم يتعظون أو يخجلون من المعصية تماما كما يكون هناك عبد صالح أسرف أبناؤه على أنفسهم.

فيقال لهم:

ألا تخجلون؟ أنتم أبناء فلان الرجل الصالح. لا يصح أن ترتكبوا ما يغضب الله … { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ }

إسرائيل هو يعقوب ابن إسحاق. وإسحاق ابن إبراهيم. وإبراهيم انجب إسحاق وإسماعيل.. ورسولنا صلى الله عليه وسلم من ذرية إسماعيل. والله سبحانه وتعالى يقول: { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } ولكن الله سبحانه وتعالى حين يخاطب المسلمين لا يقول اذكروا نعمة الله. وإنما يقول: " اذكروا الله " لأن بني إسرائيل ماديون ودنيويون.

فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لهم: مادمتم ماديين ودنيويين. فاذكروا نعمة الله المادية عليكم.

ولكننا نحن المسلمين أمة غير مادية.

وهناك فرق بين أن يكون الإنسان مع النعمة. وأن يكون مع المنعم. الماديون يحبون النعمة. وغير الماديين يحبون المنعم. ويعيشون في معيته. ولذلك. فخطاب المسلمين: " اذكروا الله " لأننا نحن مع المنعم. بينما خطابه سبحانه لبني إسرائيل: " اذكروا نعمة الله "

والحديث القدسي يقول: " أنا أهل أن أَتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له "

فالله سبحانه وتعالى واجب العبادة. ولو لم يخلق الجنة والنار.. ولذلك فإن المؤمنين هم أهل الابتلاء من الله. لماذا؟ لأن الابتلاء منه نعمة. والله سبحانه وتعالى يباهي بعباده ملائكته. ويقول: إنهم يعبدونني لذاتي. فتقول الملائكة: بل يعبدونك لنعمتك عليهم. فيقول سبحانه لهم: سأقبضها عنهم ولا يزالون يحبونني.. ومن عبادي من أحب دعاءهم. فأنا أبتليهم حتى يقولوا يا رب. لأن أصواتهم يحبها الله سبحانه وتعالى. ولذلك إذا ابتلى عبدا في صحته مثلا. وسلب منه نعمة العافية. ترى الجاهل هو الذي ينظر إلى هذا نظرة عدم الرضا. وأما المتعمق فينظر إلى قول الله في الحديث القدسي: أن الله عز وجل يقول يوم القيامة: " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده " فلو فقد المؤمن نعمة العافية.. فلا ييأس فإن الله تعالى يريده أن يعيش مع المنعم.. وأنه طوال فترة مرضه في معية الله تعالى. ولذلك حين يقول الحق تبارك وتعالى: { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } معناها. إن لم تكونوا مؤمنين لذاتي. فاستحيوا أن ترتكبوا المعصية بنعمتي التي أنعمت عليكم. ولقد جاءت النعمة هنا لأن بني إسرائيل يعبدون الله من أجل نعمه.

{ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ } الذكر هو الحفظ من النسيان، لأن روتين الحياة يجعلنا ننسى المسبب للنعم. فالشمس تطلع كل يوم. كم منا يتذكر أنها لا تطلع إلا بإذن الله فيشكره. والمطر ينزل كل فترة. من منا يتذكر أن المطر ينزله الله. فيشكره. فالذكر يكون باللسان وبالقلب. والله سبحانه وتعالى غيب مستور عنا. وعظمته أنه مستور. ولكن نعم الله سبحانه تدلنا عليه.. فبالذكر يكون في بالنا دائما. وبنعمه يكون ذكره وشكره دائما.

والحق سبحانه وتعالى طلب من بني إسرائيل أن يذكروا النعمة التي أنعمها عليهم فقط. وكان يجب عليهم أن يطيعوا الله فيذكروا المنعم. لأن ذكر الله سبحانه وتعالى يجعلك في ركن ركين. لا يصل إليك مكروه ولا شر.

إن ذكر الله المنعم يعطينا حركة الحياة في كل شيء. فذكر الله يوجد في القلوب الخشوع. ويقلل من المعاصي وينتفع الناس كل الناس به، ويجعل حركة الحياة مستقيمة. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى. { ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ } معناها اذكروني حتى بالنعمة التي أنعمت عليكم. وقوله تعالى: { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } العهد هو الميثاق. واقرأ قوله سبحانه وتعالى:
{  وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً }
[طه: 115]

إذن فالعهد أمر موثق بين العبد وربه. ما هو العهد الذي يريد الله من بني إسرائيل أن يوفوا به ليفي الله بعهده لهم؟

نقول: إما أن يكون عهد الفطرة. وعهد الفطرة كما قلنا أن نؤمن بالله ونشكره على نعمه. وكما قلنا إذا هبط الإنسان في مكان ليس في أحد.ثم نام وقام فوجد مائدة حافلة بالنعم أمامه. ألا يسأل نفسه: من صنع هذا؟ لو أنه فكر قليلا لعرف أنه لابد أن يكون لها من صانع. خصوصا أن الخلق هنا فوق قدرات البشر. فإذا أرسل الله سبحانه وتعالى رسولا يقول إن الله هو الذي خلق وأوجد. ولم يوجد مدع ولا معارض نظرا لأن إيجاد هذه النعم فوق قدرة البشر. تكون القضية محسومة لله سبحانه وتعالى.

إذن فذكر الله وشكره واجب بالفطرة السلمية، لا يحتاج إلى تعقيدات وفلسفات. والوفاء بعهد الله أن نعبده ونشكره هو فطرة الإيمان لما أعطاه لنا من نعم. على أن الحق سبحانه وتعالى نجده يقول:
{  وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }
[البقرة: 40]

وفي آية أخرى:
{  فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ }
[البقرة: 152]

وفي آية ثالثة:
{  إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }
[محمد: 7]

ما هي هذه القضية التي يريد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا إليها في هذه الآيات الكريمة؟ الله سبحانه وتعالى يريد أن نعرف أنه قد وضع في يدنا مفتاح الجنة. ففي يد كل واحد منا مفتاح الطريق الذي يقوده إلى الجنة أو إلى النار. ولذلك إذا وفيت بالعهد أوفى الله. وإذا ذكرت الله ذكرك. وإذا نصرت الله نصرك..

والحديث القدسي يقول: " وإن تقرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة "

هكذا يريد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا أن المفتاح في يدنا نحن. فإذا بدأنا بالطاعة. فإن عطاء الله بلا حدود. وإذا تقربنا إلى الله تقرب إلينا. وإذا بعدنا عنه نادانا. هذا هو إيمان الفطرة.

هل هذا هو العهد المقصود من الله سبحانه في قوله: { أَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } أو هو العهد الذي أخذه الله على الأنبياء ليبلغوا أقوامهم بأنهم إذا جاء رسول مصدق لما معهم فلابد أن يؤمنوا به وينصروه؟ فالحق سبحانه وتعالى أخذ على الأنبياء جميعا العهد لرسول الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. أو هو العهد الذي أخذه الله بواسطة موسى عليه السلام على علماء بني إسرائيل الذين تلقوا التوراة ولقنوها وكتبوها وحفظوها. عهد بألا يكتموا منها شيئا.. واقرأ قوله تعالى:
{  وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ }
[آل عمران: 187]

والهدف من هذا العهد. ألا يكتموا ما ورد عن الإسلام في التوراة. وألا يخفوا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي جاءت بها.. والله سبحانه وتعالى قد أعطى صفات رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة وفي الإنجيل.. واقرأ قوله تعالى:
{  وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ }
[البقرة: 89]

ولقد جاء القرآن الكريم. مصدقا لما نزل من التوراة. وعرف بنو إسرائيل أنفسهم صدق ما نزل في القرآن. ولكنهم كفروا لأن رسول الله لم يكن من قومهم.. وقد كان أهل الكتاب من توراة وإنجيل يعرفون أن رسالة رسول الله هي الرسالة الخاتمة. وأنه لابد أن يؤمن به قوم كل نبي. هل هذا هو العهد الذي يوجب على كافة الأمم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته إن أدركوه. وإن لم يدركوه فالمسئولية على أبنائهم وأحفادهم أن ينصروه ويؤمنوا به متى أدركوه. إن كانت هي عهد إيمان الفطرة، أو كانت هي عهد الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فكلاهما وارد.

وقوله تعالى: { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } أي بما وعدتكم من جنة النعيم في الآخرة. فالله سبحانه وتعالى بعد نزول الإسلام اختص برحمته الذين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام. وكل من لم يؤمن بهذا الدين لا عهد له عند الله.

واقرأ قوله تبارك وتعالى عندما أخذت الرجفة موسى وقومه وطلب موسى من الله سبحانه وتعالى الرحمة. قال تعالى:
{  وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }
[الأعراف: 156-157]

فالحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل في هذه الآية الكريمة. بالعهد الذي أخذه عليهم. وينذرهم أن رحمته هي للمؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم متى جاءت رسالته..

وقوله تعالى: { وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ } أي أنه لا توجد قوة ولا قدرة في الكون إلا قوة الله سبحانه وتعالى. ولذلك فاتقوا يوما ستلاقون فيه الله ويحاسبكم. وهو سبحانه وتعالى قهار جبار. ولا نجاة من عذابه لمن لم يؤمن.


www.alro7.net