سورة
اية:

وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: مخبراً عن المشركين أنهم كانوا يقولون لولا نزل عليه آية من ربه أي خارق على مقتضى ما كانوا يريدون ومما يتعنتون، كقولهم: { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} الآيات، { قل إن اللّه قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي هو تعالى قادر على ذلك ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك، لأنه لو أنزلها وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السالفة، كما قال تعالى: { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً} ، وقال تعالى: { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} ، وقوله: { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} ، قال مجاهد: أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. وقال قتادة: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة. وقال السدي: { إلا أمم أمثالكم} أي خلق أمثالكم. وقوله: { ما فرطنا في الكتاب من شيء} أي الجميع علمهم عند اللّه ولا ينسى واحداً من جميعها من رزقه وتدبيره سواء كان برياً أو بحرياً، كقوله: { وما من دابة في الأرض إلا على اللّه رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} أي مفصح بأسمائها، وأعدادها، ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها، وقال تعالى: { وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم} ، وقوله: { ثم إلى ربهم يحشرون} عن ابن عباس قال: حشرها الموت، والقول الثاني : إن حشرها هو بعثها يوم القيامة، لقوله: { وإذا الوحوش حشرت} . عن أبي ذر قال: بينما نحن عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا انتطحت عنزان، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (أتدرون فيم انطحتا؟) قالوا: لا ندري، قال: (لكن الله يدري وسيقضي بينهما)، قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً ""رواه ابن جرير وأحمد وعبد الرزاق، واللفظ لأحمد""وفي الحديث: (إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة) ""راه الإمام أحمد في المسند""وقال عبد الرزاق عن أبي هريرة في قوله: { إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً، فلذلك يقول الكافر: { يا ليتني كنت تراباً} الحديث روي موقوفاً هنا ومرفوعاً في حديث الصور وقوله: { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات} أي مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل أصم وهو الذي لا يسمع، أبكم: وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه؟ كقوله: { وتركهم في ظلمات لا يبصرون* صم بكم عمي فهم لا يرجعون} ، وكما قال تعالى: { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل اللّه له نوراً فما له من نور} ولهذا قال: { من يشأ اللّه يضلله ومن يشا يجعله على صراط مستقيم} أي هو المتصرف في خلقه بما يشاء

تفسير الجلالين

{ وما من } زائدة { دابة } تمشي { في الأرض ولا طائر يطير } في الهواء { بجناحيه إلا أمم أمثالكم } في تدبير خلقها ورزقها وأحوالها { ما فرطنا } تركنا { في الكتاب } اللوح المحفوظ { من } زائدة { شىء } فلم نكتبه { ثم إلى ربهم يحشرون } بينهم ويقتص للجماء من القرناه ثم يقول لهم كونوا ترابا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْك الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّه : أَيّهَا الْقَوْم , لَا تَحْسَبُنَّ اللَّه غَافِلًا عَمَّا تَعْمَلُونَ , أَوْ أَنَّهُ غَيْر مُجَازِيكُمْ عَلَى مَا تَكْسِبُونَ , وَكَيْف يَغْفُل عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَوْ يَتْرُك مُجَازَاتِكُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ غَيْر غَافِل عَنْ عَمَل شَيْء دَبَّ عَلَى الْأَرْض صَغِير أَوْ كَبِير وَلَا عَمَل طَائِر طَارَ بِجَنَاحَيْهِ فِي الْهَوَاء ؟ بَلْ جَعَلَ ذَلِكَ كُلّه أَجْنَاسًا مُجَنَّسَة وَأَصْنَافًا مُصَنَّفَة , تَعْرِف كَمَا تَعْرِفُونَ وَتَتَصَرَّف فِيمَا سُخِّرَتْ لَهُ كَمَا تَتَصَرَّفُونَ , وَمَحْفُوظ عَلَيْهَا مَا عَمِلَتْ مِنْ عَمَل لَهَا وَعَلَيْهَا , وَمُثْبَت كُلّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِهَا فِي أُمّ الْكِتَاب , ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُمِيتهَا ثُمَّ مُنْشِرهَا وَمُجَازِيهَا يَوْم الْقِيَامَة جَزَاء أَعْمَالهَا . يَقُول : فَالرَّبّ الَّذِي لَمْ يُضَيِّع حِفْظ أَعْمَال الْبَهَائِم وَالدَّوَابّ فِي الْأَرْض وَالطَّيْر فِي الْهَوَاء حَتَّى حَفِظَ عَلَيْهَا حَرَكَاتهَا وَأَفْعَالهَا وَأَثْبَتَ ذَلِكَ مِنْهَا فِي أُمّ الْكِتَاب وَحَشَرَهَا ثُمَّ جَازَاهَا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهَا فِي دَار الْبَلَاء , أَحْرَى أَنْ لَا يُضَيِّعَ أَعْمَالَكُمْ وَلَا يُفَرِّطَ فِي حِفْظ أَفْعَالِكُمْ الَّتِي تَجْتَرِحُونَهَا أَيُّهَا النَّاس حَتَّى يَحْشُرَكُمْ فَيُجَازِيَكُمْ عَلَى جَمِيعِهَا , إِنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا , إِذْ كَانَ قَدْ خَصَّكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَبَسَطَ عَلَيْكُمْ مِنْ فَضْله مَا لَمْ يَعُمّ بِهِ غَيْركُمْ فِي الدُّنْيَا , وَكُنْتُمْ بِشُكْرِهِ أَحَقّ وَبِمَعْرِفَةِ وَاجِبه عَلَيْكُمْ أَوْلَى لِمَا أَعْطَاكُمْ مِنْ الْعَقْل الَّذِي بِهِ بَيْن الْأَشْيَاء تُمَيِّزُونَ وَالْفَهْم الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ الْبَهَائِم وَالطَّيْر الَّذِي بِهِ بَيْن مَصَالِحكُمْ وَمَضَارِّكُمْ تُفَرِّقُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10290 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { أُمَم أَمْثَالُكُمْ } أَصْنَاف مُصَنَّفَة تُعْرَف بِأَسْمَائِهَا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10291 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } يَقُول : الطَّيْر أُمَّة , وَالْإِنْس أُمَّة , وَالْجِنّ أُمَّة . 10292 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } يَقُول : إِلَّا خَلْقٌ أَمْثَالُكُمْ . 10293 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , فِي قَوْله : { وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } قَالَ : الذَّرَّة فَمَا فَوْقهَا مِنْ أَلْوَان مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ الدَّوَابّ . وَأَمَّا قَوْله : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مَا ضَيَّعْنَا إِثْبَات شَيْء مِنْهُ . كَاَلَّذِي : 10294 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } مَا تَرَكْنَا شَيْئًا إِلَّا قَدْ كَتَبْنَاهُ فِي أُمّ الْكِتَاب . 10295 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } قَالَ : لَمْ نَغْفُل الْكِتَاب , مَا مِنْ شَيْء إِلَّا وَهُوَ فِي الْكِتَاب . * وَحَدَّثَنِي بِهِ يُونُس مَرَّة أُخْرَى , قَالَ فِي قَوْله : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } قَالَ : كُلّهمْ مَكْتُوب فِي أُمّ الْكِتَاب . وَأَمَّا قَوْله : { ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى حَشْرهمْ الَّذِي عَنَاهُ اللَّه تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِع . فَقَالَ بَعْضهمْ : حَشْرهَا مَوْتهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10296 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سَعِيد , عَنْ مَسْرُوق , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَوْت الْبَهَائِم حَشْرهَا . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } قَالَ : يَعْنِي بِالْحَشْرِ : الْمَوْت . 10297 - حُدِّثْتُ عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْم , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } يَعْنِي بِالْحَشْرِ : الْمَوْت . وَقَالَ آخَرُونَ : الْحَشْر فِي هَذَا الْمَوْضِع يُعْنَى بِهِ الْجَمْع لِبَعْثِ السَّاعَة وَقِيَام الْقِيَامَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10298 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ جَعْفَر بْن بُرْقَان , عَنْ يَزِيد بْن الْأَصَمّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فِي قَوْله : { إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } قَالَ : يَحْشُرُ اللَّه الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يَوْم الْقِيَامَة , الْبَهَائِم , وَالدَّوَابّ , وَالطَّيْر , وَكُلّ شَيْء , فَيَبْلُغ مِنْ عَدْل اللَّه يَوْمئِذٍ أَنْ يَأْخُذ لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاء , ثُمَّ يَقُول : كُونِي تُرَابًا , فَلِذَلِكَ يَقُول الْكَافِر : { يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا } 78 40 . 10299 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ الْأَعْمَش , ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : بَيْنَا أَنَا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا اِنْتَطَحَتْ عَنْزَانِ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَدْرُونَ فِيمَا اِنْتَطَحَتَا " ؟ قَالُوا : لَا نَدْرِي , قَالَ : " لَكِنَّ اللَّه يَدْرِي , وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا " . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق بْن سُلَيْم , قَالَ : ثَنَا مَطَر بْن خَلِيفَة , عَنْ مُنْذِر الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : اِنْتَطَحَتْ شَاتَانِ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لِي : " يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِي فِيمَ اِنْتَطَحَتَا " ؟ قُلْت : لَا , قَالَ : " لَكِنَّ اللَّه يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا " . قَالَ أَبُو ذَرٍّ : لَقَدْ تَرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا يُقَلِّب طَائِر جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاء إِلَّا ذَكَرْنَا مِنْهُ عِلْمًا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ كُلّ دَابَّة وَطَائِر مَحْشُور إِلَيْهِ , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِذَلِكَ حَشْر الْقِيَامَة , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ حَشْر الْمَوْت , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ الْحَشْرَانِ جَمِيعًا . وَلَا دَلَالَة فِي ظَاهِر التَّنْزِيل وَلَا فِي خَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ ذَلِكَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } إِذْ كَانَ الْحَشْر فِي كَلَام الْعَرَب : الْجَمْع , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَالطَّيْر مَحْشُورَة كُلّ لَهُ أَوَّاب } 38 19 يَعْنِي مَجْمُوعَة : فَإِذْ كَانَ الْجَمْع هُوَ الْحَشْر وَكَانَ اللَّه تَعَالَى جَامِعًا خَلْقه إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَجَامِعهمْ بِالْمَوْتِ , كَانَ أَصْوَب الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يَعُمّ بِمَعْنَى الْآيَة مَا عَمَّهُ اللَّه بِظَاهِرِهَا , وَأَنْ يُقَال : كُلّ دَابَّة وَكُلّ طَائِر مَحْشُور إِلَى اللَّه بَعْد الْفَنَاء وَبَعْد بَعْث الْقِيَامَة , إِذْ كَانَ اللَّه - تَعَالَى - قَدْ عَمَّ بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } وَلَمْ يُخَصِّص بِهِ حَشْرًا دُون حَشْر . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه قَوْله : { وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ } وَهَلْ يَطِير الطَّائِر إِلَّا بِجَنَاحَيْهِ ؟ فَمَا فِي الْخَبَر عَنْ طَيَرَانه بِالْجَنَاحَيْنِ مِنْ الْفَائِدَة ؟ قِيلَ : قَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْل فِيمَا مَضَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَنْزَلَ هَذَا الْكِتَاب بِلِسَانِ قَوْم وَبِلُغَاتِهِمْ وَمَا يَتَعَارَفُونَهُ بَيْنهمْ وَيَسْتَعْمِلُونَهُ فِي مَنْطِقهمْ خَاطَبَهُمْ , فَإِذْ كَانَ مِنْ كَلَامهمْ إِذَا أَرَادُوا الْمُبَالَغَة فِي الْكَلَام أَنْ يَقُولُوا : كَلَّمْت فُلَانًا بِفَمِي , وَمَشَيْت إِلَيْهِ بِرِجْلِي , وَضَرَبْته بِيَدِي ; خَاطَبَهُمْ تَعَالَى بِنَظِيرِ مَا يَتَعَارَفُونَهُ فِي كَلَامِهِمْ وَيَسْتَعْمِلُونَهُ فِي خِطَابِهِمْ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْع وَتِسْعُونَ نَعْجَة وَلِيَ نَعْجَة وَاحِدَة } 38 23 . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْك الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّه : أَيّهَا الْقَوْم , لَا تَحْسَبُنَّ اللَّه غَافِلًا عَمَّا تَعْمَلُونَ , أَوْ أَنَّهُ غَيْر مُجَازِيكُمْ عَلَى مَا تَكْسِبُونَ , وَكَيْف يَغْفُل عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَوْ يَتْرُك مُجَازَاتِكُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ غَيْر غَافِل عَنْ عَمَل شَيْء دَبَّ عَلَى الْأَرْض صَغِير أَوْ كَبِير وَلَا عَمَل طَائِر طَارَ بِجَنَاحَيْهِ فِي الْهَوَاء ؟ بَلْ جَعَلَ ذَلِكَ كُلّه أَجْنَاسًا مُجَنَّسَة وَأَصْنَافًا مُصَنَّفَة , تَعْرِف كَمَا تَعْرِفُونَ وَتَتَصَرَّف فِيمَا سُخِّرَتْ لَهُ كَمَا تَتَصَرَّفُونَ , وَمَحْفُوظ عَلَيْهَا مَا عَمِلَتْ مِنْ عَمَل لَهَا وَعَلَيْهَا , وَمُثْبَت كُلّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِهَا فِي أُمّ الْكِتَاب , ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُمِيتهَا ثُمَّ مُنْشِرهَا وَمُجَازِيهَا يَوْم الْقِيَامَة جَزَاء أَعْمَالهَا . يَقُول : فَالرَّبّ الَّذِي لَمْ يُضَيِّع حِفْظ أَعْمَال الْبَهَائِم وَالدَّوَابّ فِي الْأَرْض وَالطَّيْر فِي الْهَوَاء حَتَّى حَفِظَ عَلَيْهَا حَرَكَاتهَا وَأَفْعَالهَا وَأَثْبَتَ ذَلِكَ مِنْهَا فِي أُمّ الْكِتَاب وَحَشَرَهَا ثُمَّ جَازَاهَا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهَا فِي دَار الْبَلَاء , أَحْرَى أَنْ لَا يُضَيِّعَ أَعْمَالَكُمْ وَلَا يُفَرِّطَ فِي حِفْظ أَفْعَالِكُمْ الَّتِي تَجْتَرِحُونَهَا أَيُّهَا النَّاس حَتَّى يَحْشُرَكُمْ فَيُجَازِيَكُمْ عَلَى جَمِيعِهَا , إِنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا , إِذْ كَانَ قَدْ خَصَّكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَبَسَطَ عَلَيْكُمْ مِنْ فَضْله مَا لَمْ يَعُمّ بِهِ غَيْركُمْ فِي الدُّنْيَا , وَكُنْتُمْ بِشُكْرِهِ أَحَقّ وَبِمَعْرِفَةِ وَاجِبه عَلَيْكُمْ أَوْلَى لِمَا أَعْطَاكُمْ مِنْ الْعَقْل الَّذِي بِهِ بَيْن الْأَشْيَاء تُمَيِّزُونَ وَالْفَهْم الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ الْبَهَائِم وَالطَّيْر الَّذِي بِهِ بَيْن مَصَالِحكُمْ وَمَضَارِّكُمْ تُفَرِّقُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10290 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { أُمَم أَمْثَالُكُمْ } أَصْنَاف مُصَنَّفَة تُعْرَف بِأَسْمَائِهَا . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10291 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } يَقُول : الطَّيْر أُمَّة , وَالْإِنْس أُمَّة , وَالْجِنّ أُمَّة . 10292 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } يَقُول : إِلَّا خَلْقٌ أَمْثَالُكُمْ . 10293 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , فِي قَوْله : { وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } قَالَ : الذَّرَّة فَمَا فَوْقهَا مِنْ أَلْوَان مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ الدَّوَابّ . وَأَمَّا قَوْله : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مَا ضَيَّعْنَا إِثْبَات شَيْء مِنْهُ . كَاَلَّذِي : 10294 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } مَا تَرَكْنَا شَيْئًا إِلَّا قَدْ كَتَبْنَاهُ فِي أُمّ الْكِتَاب . 10295 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } قَالَ : لَمْ نَغْفُل الْكِتَاب , مَا مِنْ شَيْء إِلَّا وَهُوَ فِي الْكِتَاب . * وَحَدَّثَنِي بِهِ يُونُس مَرَّة أُخْرَى , قَالَ فِي قَوْله : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء } قَالَ : كُلّهمْ مَكْتُوب فِي أُمّ الْكِتَاب . وَأَمَّا قَوْله : { ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى حَشْرهمْ الَّذِي عَنَاهُ اللَّه تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِع . فَقَالَ بَعْضهمْ : حَشْرهَا مَوْتهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10296 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سَعِيد , عَنْ مَسْرُوق , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ } قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَوْت الْبَهَائِم حَشْرهَا . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } قَالَ : يَعْنِي بِالْحَشْرِ : الْمَوْت . 10297 - حُدِّثْتُ عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْم , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } يَعْنِي بِالْحَشْرِ : الْمَوْت . وَقَالَ آخَرُونَ : الْحَشْر فِي هَذَا الْمَوْضِع يُعْنَى بِهِ الْجَمْع لِبَعْثِ السَّاعَة وَقِيَام الْقِيَامَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10298 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ جَعْفَر بْن بُرْقَان , عَنْ يَزِيد بْن الْأَصَمّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فِي قَوْله : { إِلَّا أُمَم أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } قَالَ : يَحْشُرُ اللَّه الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يَوْم الْقِيَامَة , الْبَهَائِم , وَالدَّوَابّ , وَالطَّيْر , وَكُلّ شَيْء , فَيَبْلُغ مِنْ عَدْل اللَّه يَوْمئِذٍ أَنْ يَأْخُذ لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاء , ثُمَّ يَقُول : كُونِي تُرَابًا , فَلِذَلِكَ يَقُول الْكَافِر : { يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا } 78 40 . 10299 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ الْأَعْمَش , ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : بَيْنَا أَنَا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا اِنْتَطَحَتْ عَنْزَانِ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَدْرُونَ فِيمَا اِنْتَطَحَتَا " ؟ قَالُوا : لَا نَدْرِي , قَالَ : " لَكِنَّ اللَّه يَدْرِي , وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا " . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق بْن سُلَيْم , قَالَ : ثَنَا مَطَر بْن خَلِيفَة , عَنْ مُنْذِر الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : اِنْتَطَحَتْ شَاتَانِ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ لِي : " يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِي فِيمَ اِنْتَطَحَتَا " ؟ قُلْت : لَا , قَالَ : " لَكِنَّ اللَّه يَدْرِي وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا " . قَالَ أَبُو ذَرٍّ : لَقَدْ تَرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا يُقَلِّب طَائِر جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاء إِلَّا ذَكَرْنَا مِنْهُ عِلْمًا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ كُلّ دَابَّة وَطَائِر مَحْشُور إِلَيْهِ , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِذَلِكَ حَشْر الْقِيَامَة , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ حَشْر الْمَوْت , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ الْحَشْرَانِ جَمِيعًا . وَلَا دَلَالَة فِي ظَاهِر التَّنْزِيل وَلَا فِي خَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ ذَلِكَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ إِلَى رَبّهمْ يُحْشَرُونَ } إِذْ كَانَ الْحَشْر فِي كَلَام الْعَرَب : الْجَمْع , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَالطَّيْر مَحْشُورَة كُلّ لَهُ أَوَّاب } 38 19 يَعْنِي مَجْمُوعَة : فَإِذْ كَانَ الْجَمْع هُوَ الْحَشْر وَكَانَ اللَّه تَعَالَى جَامِعًا خَلْقه إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَجَامِعهمْ بِالْمَوْتِ , كَانَ أَصْوَب الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يَعُمّ بِمَعْنَى الْآيَة مَا عَمَّهُ اللَّه بِظَاهِرِهَا , وَأَنْ يُقَال : كُلّ دَابَّة وَكُلّ طَائِر مَحْشُور إِلَى اللَّه بَعْد الْفَنَاء وَبَعْد بَعْث الْقِيَامَة , إِذْ كَانَ اللَّه - تَعَالَى - قَدْ عَمَّ بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } وَلَمْ يُخَصِّص بِهِ حَشْرًا دُون حَشْر . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه قَوْله : { وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ } وَهَلْ يَطِير الطَّائِر إِلَّا بِجَنَاحَيْهِ ؟ فَمَا فِي الْخَبَر عَنْ طَيَرَانه بِالْجَنَاحَيْنِ مِنْ الْفَائِدَة ؟ قِيلَ : قَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْل فِيمَا مَضَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَنْزَلَ هَذَا الْكِتَاب بِلِسَانِ قَوْم وَبِلُغَاتِهِمْ وَمَا يَتَعَارَفُونَهُ بَيْنهمْ وَيَسْتَعْمِلُونَهُ فِي مَنْطِقهمْ خَاطَبَهُمْ , فَإِذْ كَانَ مِنْ كَلَامهمْ إِذَا أَرَادُوا الْمُبَالَغَة فِي الْكَلَام أَنْ يَقُولُوا : كَلَّمْت فُلَانًا بِفَمِي , وَمَشَيْت إِلَيْهِ بِرِجْلِي , وَضَرَبْته بِيَدِي ; خَاطَبَهُمْ تَعَالَى بِنَظِيرِ مَا يَتَعَارَفُونَهُ فِي كَلَامِهِمْ وَيَسْتَعْمِلُونَهُ فِي خِطَابِهِمْ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْع وَتِسْعُونَ نَعْجَة وَلِيَ نَعْجَة وَاحِدَة } 38 23 .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وما من دابة في الأرض} وأصله الصفة؛ من دب يدب فهو داب إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو. { ولا طائر يطير بجناحيه} بخفض { طائر} عطفا على اللفظ. وقرأ الحسن وعبدالله بن إسحاق { ولا طائر} بالرفع عطفا على الموضع، و { من} زائدة، التقدير : وما دابة. { بجناحيه} تأكيدا وإزالة للإبهام؛ فإن العرب تستعمل الطيران لغير الطائر؛ تقول للرجل : طر في حاجتي؛ أي أسرع؛ فذكر { بجناحيه} ليتمحض القول في الطير، وهو في غيره مجاز. وقيل : إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران، ولو كان غير معتدل لكان يميل؛ فأعلمنا أن الطيران بالجناحين و { ما يمسكهن إلا الله} [النحل : 79]. والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء، وأصله الميل إلى ناحية من النواحي؛ ومنه جنحت السفينة إذا مالت إلى ناحية الأرض لاصقة بها فوقفت. وطائر الإنسان عمله؛ وفي التنزيل { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} [الإسراء : 13]. { إلا أمم أمثالكم} أي هم جماعات مثلكم في أن الله عز وجل خلقهم، وتكفل بأرزاقهم، وعدل عليهم، فلا ينبغي أن تظلموهم، ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به. و { دابة} تقع على جميع ما دب؛ وخص بالذكر ما في الأرض دون السماء لأنه الذي يعرفونه ويعاينونه. وقيل : هي أمثال لنا في التسبيح والدلالة؛ والمعنى : وما من دابة ولا طائر إلا وهو يسبح الله تعالى، ويدل على وحدانيته لو تأمل الكفار. وقال أبو هريرة : هي أمثال لنا على معنى أنه يحشر البهائم غدا ويقتص للجماء من القرناء ثم يقول الله لها : كوني ترابا. وهذا اختيار الزجاج فإنه قال : { إلا أمم أمثالكم} في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص، وقد دخل فيه معنى القول الأول أيضا. وقال سفيان بن عيينة : أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه؛ فمنهم من يعدو كالأسد، ومنهم من يشره كالخنزير، ومنهم من يعوي كالكلب، ومنهم من يزهو كالطاوس؛ فهذا معنى المماثلة. واستحسن الخطابي هذا وقال : فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حذرك. وقال مجاهد في قوله عز وجل { إلا أمم أمثالكم} قال أصناف لهن أسماء تعرف بها كما تعرفون. وقيل غير هذا مما لا يصح من أنها مثلنا في المعرفة، وأنها تحشر وتنعم في الجنة، وتعوض من الآلام التي حلت بها في الدنيا وأن أهل الجنة يستأنسون بصورهم؛ والصحيح { إلا أمم أمثالكم} في كونها مخلوقة دالة على الصانع محتاجة إليه مرزوقة من جهته، كما أن رزقكم على الله. وقول سفيان أيضا حسن؛ فإنه تشبيه واقع في الوجود. قوله تعالى { ما فرطنا في الكتاب من شيء} أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث. وقيل : أي في القرآن أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن؛ إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب؛ قال الله تعالى { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل : 89] وقال { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل : 44] وقال { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر : 7] فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه مما لم يذكره، فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره، إما تفصيلا وإما تأصيلا؛ وقال { اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة : 3]. قوله تعالى { ثم إلى ربهم يحشرون} أي للجزاء، كما سبق في خبر أبي هريرة، وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء). ودل بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة؛ وهذا قول أبي ذر وأبي هريرة والحسن وغيرهم؛ وروي عن ابن عباس؛ قال ابن عباس في رواية : حشر الدواب والطير موتها؛ وقال الضحاك؛ والأول أصح لظاهر الآية والخبر الصحيح؛ وفي التنزيل { وإذا الوحوش حشرت} [التكوير : 5] وقول أبي هريرة فيما روى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عنه : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء؛ فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول : (كوني ترابا) فذلك قوله تعالى { ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} [النبأ : 40]. وقال عطاء : فإذا رأوا بني آدم وما هم عليه من الجزع قلن : الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم، فلا جنة نرجو ولا نار نخاف؛ فيقول الله تعالى لهن : (كُنّ ترابا) فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون تراب. وقالت جماعة : هذا الحشر الذي في الآية يرجع إلى الكفار وما تخلل كلام معترض وإقامة حجج؛ وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والاعتناء فيه حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه، وأنه لا محيص له عنه؛ وعضدوا هذا بما في الحديث في غير الصحيح عن بعض رواته من الزيادة فقال : حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء، وللحجر لما ركب على الحجر، وللعود لما خدش العود؛ قالوا : فظهر من هذا أن المقصود منه التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل، لأن الجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء؛ قالوا : ولأن القلم لا يجري عليهم فلا يجوز أن يؤاخذوا. قلت : الصحيح القول الأول لما ذكرناه من حديث أبي هريرة، وإن كان القلم لا يجري عليهم في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به؛ وروي عن أبي ذر قال : انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (يا أبا ذر هل تدري فيما انتطحتا؟) قلت : لا. قال : (لكن الله تعالى يدري وسيقضي بينهما) وهذا نص، وقد زدناه بيانا في كتاب (التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة). والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 37 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إنه سبحانه يوضح لنا: أنا أعطي الآيات التي أعلم أن الفطرة السليمة تستقبلها كآية وتؤمن بها. وأنزلت لكم القرآن لتؤمنوا بالرسول الذي يحمله منهجا يُصلح حياتكم. وقد جعلتكم سادة للكون؛ تخدمكم كل الكائنات، لأنكم بنو آدم. وكان الأجدر بكم أن تنتبهوا إلى أن الحيوان في خدمتكم، والنبات في خدمة الحيوان وخدمة الإنسان، وكل كائنات الوجود تصب جهدها المسخر لخدمتكم. فإذا كنتُ قد جئتُ للأجناس كلها وجعلتُها دونكم وأعطيتها ما يصلحها ويقيمها ووضعت لها نظاماً، وأعطيتها من الغرائز ما يكفي لصلاح أمرها حتى تؤدي مهمتها معكم على صورة تريحكم فإذا كان هذا هو شأننا وعملنا مع من يخدمكم فكيف يكون الحال معكم؟ إنني أنزلت المنهج الذي يصلح حياة من استخلفته سيداً في الأرض. { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } [الأنعام: 38].

وكل الدواب دون الإنسان أعطاها الإله الإيمان بالفطرة، وهداها إلى الرزق بالغريزة. وميز الإنسان فوق كل الكائنات بالعقل، ولكن الإنسان يستخدم عقله مرة استخداما سليما صحيحا فيصل إلى الإيمان، ويستخدمه مرة استخداما سيئا فيضل عن الإيمان. وكان على الإنسان أن يعلم أنه تعلم محاكاة ما دونه من الكائنات؛ فقابيل تعلم من الغراب كيف يواري سوأة أخيه. ومصمم الطائرات تعلم صناعة الطيران من دراسة الطيور. إذن كان يجب أن يتعلم الإنسان أن له خالقاً جعل له من الأجناس ما تخدمه ليطور من حياته ومن رعاية كرامته بعد الموت. والمثال ما قالته نملة لبقية النمل:
{  حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ }
[النمل: 18].

إن النمل أمة لها حرس، قالت حارسة منهم هذا القول تحذيراً لبقية النمل.

والله سبحانه يقول:
{  وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }
[الإسراء: 44].

إذن فكل أمة من تلك الأمم الكثيرة التي خلقها الله في الكون تسبح بحمده، ولكن لا يفهم أحد لغات تلك الأمم. وأعلمنا الله أنه علم سيدنا سليمان لغات كل الأقوام وكل الأمم المخلوقة لله، ولذلك عندما سمع سيدنا سليمان ما قالته النملة: تبسم { ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا }.

وهكذا علمنا أن الله قد أعطى إذن سليمان عليه السلام ما جعلها تمتلك حاسية التقاط الذبذبة الصادرة من صوت النملة وتفهم ما تعطيه وتؤديه تلك الذبذبة، لذلك تبسم سليمان عليه السلام من قولها؛ لأن الله علمه منطق تلك الكائنات. ولو علمنا الله منطق هذه الكائنات لفقهنا تسبيحهم لله، ونحن لا نفقه تسبيحهم لأننا لم نتعلم لغتهم. ومثال ذلك - والله المثل الأعلى - قد يسافر إنسان عربي إلى بلاد تتحدث الإنجليزية وهو يجهل تلك اللغة، فلا يفهم مما يقال شيئاً.إذن لو علمك الله منطق الطير، ومنطق الجماد، ومنطق النبات؛ لعلمت لغاتهم.

ألم يقل الحق سبحانه وتعالى:
{  وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ }
[الأنبياء: 79].

إن الجماد - الجبال - تسبح مع داود. وكذلك الطير؛ فها هوذا الهدهد قد عرف قضية التوحيد، وحز في نفسه أنه رأى ملكة سبأ وقومها يسجدون للشمس من دون الله:
{  وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ }
[النمل: 24].

إذن فالهدهد قد عرف قضية التوحيد، وعرف أن السجود إنما يكون لله سبحانه وتعالى:
{  أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }
[النمل: 25].

إذن كل الكائنات هي أمم أمثالنا. وقد يقول قائل: ولكن هناك كائنات ليست في السماء ولا في الأرض، مثل الأسماك التي في البحار؟ ونقول: إن الماء ثلاثة أرباع الأرض والسمك يسبح في جزء من الماء الذي هو جزء من الأرض. فهو يسبح في جزء من الأرض، فسبحانه الذي خلق الدواب في الأرض، وخلق الطيور، وخلق الأدنى من هذه الأمم وهداها إلى مصلحتها ومصدر حياتها: { ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ }.

ونرى العلماء يحاولون الآن اكتشاف لغة الأسماك، واكتشاف كل أسرار مملكة النحل ونظامها، وكيف تصير أعشاش النمل مخازن في الصيف لقوت الشتاء. ودرسوا سلوك النمل مع حبة القمح، وكيف تخلع النملة خلايا الإنبات من بذرة القمح، لأن خلايا الإنبات إن دخلت مع حبة القمح إلى مخزن غذاء النمل قد تنبت وتدمر جحر النمل. وهكذا نرى صدق الحق الأعلى.
{  ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ }
[الأعلى: 2-3].

وقرون الاستشعار في النملة تثير العلماء؛ لأن النملة الواحدة ترى على سبيل المثال قطعة السكر، فلا تقربها ولكنها تذهب لاستدعاء جيش من النمل قادر على تحريك قطعة السكر، ووجد العلماء أن وزن الشيء الذي يتغذى به النمل إن زاد على قدرة نملة، فهي تستدعي أعداداً من النمل ليؤدوا المهمة.

وتساءل العلماء: من أين للنمل إذن هذه القدرة على تحديد الكتلة والحجم والوزن؟ إن تحديد العدد الذي يحمل حجماً محدداً يثير الغرابة والعجب، فكيف يمكن أن نتصور أن النمل يفرق بين شيئين يتحد حجمهما ويختلف وزنهما ككتلة من حديد وأخرى تماثلها في الحجم من الأسفنج؟ إن النمل يستدعي لكتلة الحديد أضعاف ما يستدعيه لحمل كتلة الأسفنج مع اتحادهما في الحجم؛ إنها من قدرة الحق الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى.

ثم إنك تلتفت إلى الحيوان فتجد الذكر والأنثى، وتجد أن الجمال كله في ذكور الحيوان، بينما لا يكون الأمر كذلك في إناث الحيوان، والكثرة الغالبة هي من الإناث والقلة من الذكور، ولا يقرب الذكر أنثاه إلا في موسم معين، وإلى أن يأتي موسم التلقيح تنصرف الأنثى إلى إعداد العش وتهيئته لما عساه أن يوجد من نتاج، وهذه العملية لحكمة عالية ربما تكون لبقاء نوع الحيوان حتى يعين الإنسان في إعمار الأرض.وفي عالم الطير نجد الطيور تبني العش بفن جميل لاستقبال الفرخ الذي خرج من البيض وتفرش له العش بأنعم الأشياء، إنها تفعل ذلك بإتقان جيد وبصورة ربما يعجز البشر أن يعمل مثلها. ثم نجد في دنيا الحيوان والطير أن الكائن ما إن يبلغ القدرة على الاعتماد على نفسه فلا تعرف الأم ابنها من ابن غيرها. إذن فكل المخلوقات أمم أمثالنا أرزاقاً وآجالاً، وأعمالاً، فصدق الله إذ يقول: { مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ }.

وقد يكون المراد من الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، ولكننا نقول: إنه القرآن، وكل شيء موجود ومذكور أو مطمور في القرآن الكريم. وذكر القرآن أن هذه الأمم تعرف التوحيد، وأنهم يسبحون لله. والعمل المعاصر يكتشف في كل دقيقة حقائق هذا الكون المنظم. ونجد العقل يهدينا إلى أن نوجد أشياء لصالح حياتنا، ولكن عندما نتبع الهوى فإننا نفسد هذا الكون. إن الله - سبحانه - جعل للخادم من دواب الأرض نطاقًا للعمل والرزق والأجل بحكم الغريزة، وكذلك جعل للطير، ولكل الكائنات:

ويقول الحق سبحانه وتعالى في محكم آياته الكريمة: { مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } [الأنعام: 38].

إذن كل شيء يحشر يوم القيامة. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ".

أي أن الحق سبحانه يقتص من الشاة ذات القرون التي نطحت الشاة التي بلا قرون ويعوضها عن الألم الذي أصابها. وبعد أن يأخذ كل كائن من غير الإنس والجن حَقَّه يصير إلى تراب. أما الذين يسمعون ولا يستجيبون فهم المكذبون بالآيات، ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى: { وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا... }


www.alro7.net