سورة
اية:

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا...} [38].
قال الكلبي: نزلت في طعمة بن ابَيْرق سارق الدرع. وقد مضت قصته.

تفسير بن كثير

يقول تعالى حاكماً وآمراً بقطع يد السارق والسارقة، وقد كان القطع معمولاً به في الجاهلية، فقرر في الإسلام وزيدت شروط أخر، كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى، كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه وزيادات هي من تمام المصالح، وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئاً قطعت يده به، سواء كان قليلاً أو كثيراً لعموم هذه الآية: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فلم يعتبروا نصاباً ولا حرزاً، بل أخذوا بمجرد السرقة، وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)، وأما الجمهور فاعتبروا النصاب في السرقة، وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة، فعند الإمام مالك رحمه الله النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه وجب القطع واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم أخرجاه في الصحيحين، وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعداً، والحجة في ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً)، ولمسلم أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً) قال أصحابنا: فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. قالوا: وحديث ثمن المجن، وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا، لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهماً فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق. وذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي، فمن سرقا واحداً منهما أو ما يساويه قطع، عملاً بحديث ابن عمر وبحديث عائشة رضي اللّه عنها، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك) وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم اثني عشر درهماً، وفي لفظ للنسائي: (لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن) قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار. فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، واللّه أعلم. وأما الإمام أبو حنيفة وزفر وسفيان الثوري رحمهم اللّه فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب به عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان ثمنه عشرة دراهم. وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم. ثم قال: حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعبي عن أبيه عن جده قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن) وكان ثمن المجن عشرة دراهم قالوا: فهذا ابن عباس وعبد اللّه بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن، فالإحتياط الأخذ بالأكثر لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار أو ما يبلغ قيمته واحداً منهما؛ يحكى هذا عن علي وابن مسعود وابراهيم النخعي رحمهم الله تعالى. وقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس أي في خمسة دنانير أو خمسين درهماً، وينقل هذا عن سعيد بن جبير رحمه الله، وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة: (يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) بأجوبة أحدها : أنه منسوخ بحديث عائشة، والثاني : أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه، والثالث : أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية، حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة، وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد اشتهر عنه أنه أورد إشكالاً على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار ونظم في ذلك شعراً دل على جهله، وقلة عقله فقال: يد بخمس مئين عسجد وديت ** ما بالها قطعت في ربع دينار؟ تناقض مالنا إلا السكوت له ** وأن نعوذ بمولانا من النار ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله أن قال: لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت هانت ويروى أنه أجابه شعراً بقوله: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ** ذل الخيانة فافهم حكمة الباري ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإن في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب، ولهذا قال: { جزاء بما كسبا نكالاً من اللّه واللّه عزيز حكيم} أي مجازاة على صنيعها السيء في أخذها أموال الناس بأيديهم فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك { نكالاً من اللّه} أي تنكيلاً من الله بهما على ارتكاب ذلك، { واللّه عزيز} أي في انتقامه، { حكيم} أي في أمره ونهية وشرعه وقدره. ثم قال تعالى: { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم} أي من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله، فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلا بد من ردها إليهم أو بدلها عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: فمتى قطع، وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها. وقد روى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء بها الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللّه إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (اقطعوا يدها)، قالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال: (اقطعوا يدها) فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال: (نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك)، فأنزل الله في سورة المائدة: { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم} وهذه المرأة المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في الصحيحين. وعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعاً على ألسنة جارتها وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي. وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، وللّه الحمد والمنة. ثم قال تعالى: { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} أي هو المالك لجميع ذلك الحاكم فيه الذي لا معقب لحكمه وهو الفعال لما يريد، { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء واللّه على كل شيء قدير} .

تفسير الجلالين

{ والسارق والسارقة } أل فيهما موصولة مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو { فاقطعوا أيديهما } أي يمين كل منهما من الكوع وبينت السنة أن يقطع فيه ربع دينار فصاعدا وأنه إذا عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ثم اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى وبعد ذلك يعزر { جزاء } نصب على المصدر { بما كسبا نكالا } عقوبة لهما { من الله والله عزيز } غالب على أمره { حكيم } في خلفه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَنْ سَرَقَ مِنْ رَجُل أَوْ اِمْرَأَة , فَاقْطَعُوا أَيّهَا النَّاس يَده . وَلِذَلِكَ رَفَعَ السَّارِق وَالسَّارِقَة , لِأَنَّهُمَا غَيْر مُعَيَّنَيْنِ , وَلَوْ أُرِيدَ بِذَلِكَ سَارِق وَسَارِقَة بِأَعْيَانِهِمَا لَكَانَ وَجْه الْكَلَام النَّصْب . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَات " . 9306 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , عَنْ اِبْن عَوْن , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : فِي قِرَاءَتنَا قَالَ : وَرُبَّمَا قَالَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه - : " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَات فَاقْطَعُوا أَيْمَانهمَا " . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ اِبْن عَوْن , عَنْ إِبْرَاهِيم : فِي قِرَاءَتنَا : " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَات فَاقْطَعُوا أَيْمَانهمَا " . وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَاهُ , وَصِحَّة الرَّفْع فِيهِ , وَأَنَّ السَّارِق وَالسَّارِقَة مَرْفُوعَانِ بِفِعْلِهِمَا عَلَى مَا وَصَفْت لِلْعِلَلِ الَّتِي وَصَفْت . وَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا } وَالْمَعْنَى أَيْدِيهمَا الْيُمْنَى ; كَمَا : 9307 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا } الْيُمْنَى . 9308 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , قَالَ : فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْمَانهمَا " . ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي السَّارِق الَّذِي عَنَاهُ اللَّه , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ سَارِق ثَلَاثَة دَرَاهِم فَصَاعِدًا ; وَذَلِكَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , مِنْهُمْ مَالِك بْن أَنَس وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ . وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَطَعَ فِي مِجَنّ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم " . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ : سَارِق رُبُع دِينَار أَوْ قِيمَته . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ . وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْقَطْع فِي رُبُع دِينَار فَصَاعِدًا " . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ سَارِق عَشَرَة دَرَاهِم فَصَاعِدًا . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَابْن عَبَّاس , أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَطَعَ فِي مِجَنّ قِيمَته عَشَرَة دَرَاهِم " . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ سَارِق الْقَلِيل وَالْكَثِير . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْآيَة عَلَى الظَّاهِر , وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصّ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . وَقَالُوا : لَمْ يَصِحّ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَر بِأَنَّ ذَلِكَ فِي خَاصّ مِنْ السُّرَّاق . قَالُوا : وَالْأَخْبَار فِيمَا قَطَعَ فِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَرِبَة مُخْتَلِفَة , وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَد أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقِ دِرْهَم فَخَلَّى عَنْهُ , وَإِنَّمَا رَوَوْا عَنْهُ أَنَّهُ قَطَعَ فِي مِجَنّ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم . قَالُوا : وَمُمْكِن أَنْ يَكُون لَوْ أُتِيَ بِسَارِقٍ مَا قِيمَته دَانَق أَنْ يُقْطَع . قَالُوا : وَقَدْ قَطَعَ اِبْن الزُّبَيْر فِي دِرْهَم . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْآيَة عَلَى الْعُمُوم . 9309 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عَبْد الْمُؤْمِن , عَنْ نَجْدَة الْحَنَفِيّ , قَالَ : سَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ قَوْله : { وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة } أَخَاصّ أَمْ عَامّ ؟ . فَقَالَ : بَلْ عَامّ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا قَوْل مَنْ قَالَ : الْآيَة مَعْنِيّ بِهَا خَاصّ مِنْ السُّرَّاق , وَهُمْ سُرَّاق رُبُع دِينَار فَصَاعِدًا أَوْ قِيمَته , لِصِحَّةِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " الْقَطْع فِي رُبُع دِينَار فَصَاعِدًا " . وَقَدْ اِسْتَقْصَيْت ذِكْر أَقْوَال الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ مَعَ عِلَلهمْ الَّتِي اِعْتَلُّوا بِهَا لِأَقْوَالِهِمْ , وَالتَّلْمِيح عَنْ أَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ بِشَوَاهِدِهِ فِي كِتَابنَا كِتَاب السَّرِقَة , فَكَرِهْنَا إِطَالَة الْكِتَاب بِإِعَادَةِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَوْله : { جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّه } يَقُول : مُكَافَأَة لَهُمَا عَلَى سَرِقَتهمَا وَعَمَلهمَا فِي التَّلَصُّص بِمَعْصِيَةِ اللَّه . { نَكَالًا مِنْ اللَّه } يَقُول : عُقُوبَة مِنْ اللَّه عَلَى لُصُوصِيَّتهمَا . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 9310 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّه وَاَللَّه عَزِيز حَكِيم } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَنْ سَرَقَ مِنْ رَجُل أَوْ اِمْرَأَة , فَاقْطَعُوا أَيّهَا النَّاس يَده . وَلِذَلِكَ رَفَعَ السَّارِق وَالسَّارِقَة , لِأَنَّهُمَا غَيْر مُعَيَّنَيْنِ , وَلَوْ أُرِيدَ بِذَلِكَ سَارِق وَسَارِقَة بِأَعْيَانِهِمَا لَكَانَ وَجْه الْكَلَام النَّصْب . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَات " . 9306 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , عَنْ اِبْن عَوْن , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : فِي قِرَاءَتنَا قَالَ : وَرُبَّمَا قَالَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه - : " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَات فَاقْطَعُوا أَيْمَانهمَا " . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ اِبْن عَوْن , عَنْ إِبْرَاهِيم : فِي قِرَاءَتنَا : " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَات فَاقْطَعُوا أَيْمَانهمَا " . وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ مَعْنَاهُ , وَصِحَّة الرَّفْع فِيهِ , وَأَنَّ السَّارِق وَالسَّارِقَة مَرْفُوعَانِ بِفِعْلِهِمَا عَلَى مَا وَصَفْت لِلْعِلَلِ الَّتِي وَصَفْت . وَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا } وَالْمَعْنَى أَيْدِيهمَا الْيُمْنَى ; كَمَا : 9307 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا } الْيُمْنَى . 9308 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , قَالَ : فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْمَانهمَا " . ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي السَّارِق الَّذِي عَنَاهُ اللَّه , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ سَارِق ثَلَاثَة دَرَاهِم فَصَاعِدًا ; وَذَلِكَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , مِنْهُمْ مَالِك بْن أَنَس وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ . وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَطَعَ فِي مِجَنّ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم " . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ : سَارِق رُبُع دِينَار أَوْ قِيمَته . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ . وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْقَطْع فِي رُبُع دِينَار فَصَاعِدًا " . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ سَارِق عَشَرَة دَرَاهِم فَصَاعِدًا . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَابْن عَبَّاس , أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَطَعَ فِي مِجَنّ قِيمَته عَشَرَة دَرَاهِم " . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ سَارِق الْقَلِيل وَالْكَثِير . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْآيَة عَلَى الظَّاهِر , وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصّ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . وَقَالُوا : لَمْ يَصِحّ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَر بِأَنَّ ذَلِكَ فِي خَاصّ مِنْ السُّرَّاق . قَالُوا : وَالْأَخْبَار فِيمَا قَطَعَ فِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَرِبَة مُخْتَلِفَة , وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَد أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقِ دِرْهَم فَخَلَّى عَنْهُ , وَإِنَّمَا رَوَوْا عَنْهُ أَنَّهُ قَطَعَ فِي مِجَنّ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم . قَالُوا : وَمُمْكِن أَنْ يَكُون لَوْ أُتِيَ بِسَارِقٍ مَا قِيمَته دَانَق أَنْ يُقْطَع . قَالُوا : وَقَدْ قَطَعَ اِبْن الزُّبَيْر فِي دِرْهَم . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْآيَة عَلَى الْعُمُوم . 9309 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عَبْد الْمُؤْمِن , عَنْ نَجْدَة الْحَنَفِيّ , قَالَ : سَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ قَوْله : { وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة } أَخَاصّ أَمْ عَامّ ؟ . فَقَالَ : بَلْ عَامّ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا قَوْل مَنْ قَالَ : الْآيَة مَعْنِيّ بِهَا خَاصّ مِنْ السُّرَّاق , وَهُمْ سُرَّاق رُبُع دِينَار فَصَاعِدًا أَوْ قِيمَته , لِصِحَّةِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " الْقَطْع فِي رُبُع دِينَار فَصَاعِدًا " . وَقَدْ اِسْتَقْصَيْت ذِكْر أَقْوَال الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ مَعَ عِلَلهمْ الَّتِي اِعْتَلُّوا بِهَا لِأَقْوَالِهِمْ , وَالتَّلْمِيح عَنْ أَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ بِشَوَاهِدِهِ فِي كِتَابنَا كِتَاب السَّرِقَة , فَكَرِهْنَا إِطَالَة الْكِتَاب بِإِعَادَةِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَوْله : { جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّه } يَقُول : مُكَافَأَة لَهُمَا عَلَى سَرِقَتهمَا وَعَمَلهمَا فِي التَّلَصُّص بِمَعْصِيَةِ اللَّه . { نَكَالًا مِنْ اللَّه } يَقُول : عُقُوبَة مِنْ اللَّه عَلَى لُصُوصِيَّتهمَا . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 9310 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّه وَاَللَّه عَزِيز حَكِيم } ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّه } لَا تَرْثُوا لَهُمْ أَنْ تُقِيمُوا فِيهِمْ الْحُدُود , فَإِنَّهُ وَاَللَّه مَا أَمَرَ اللَّه بِأَمْرٍ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ صَلَاح , وَلَا نَهَى عَنْ أَمْر قَطُّ إِلَّا وَهُوَ فَسَاد . وَكَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَقُول : اِشْتَدُّوا عَلَى السُّرَّاق فَاقْطَعُوهُمْ يَدًا يَدًا وَرِجْلًا رِجْلًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّه } لَا تَرْثُوا لَهُمْ أَنْ تُقِيمُوا فِيهِمْ الْحُدُود , فَإِنَّهُ وَاَللَّه مَا أَمَرَ اللَّه بِأَمْرٍ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ صَلَاح , وَلَا نَهَى عَنْ أَمْر قَطُّ إِلَّا وَهُوَ فَسَاد . وَكَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَقُول : اِشْتَدُّوا عَلَى السُّرَّاق فَاقْطَعُوهُمْ يَدًا يَدًا وَرِجْلًا رِجْلًا .' وَقَوْله : { وَاَللَّه عَزِيز حَكِيم } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَللَّه عَزِيز فِي اِنْتِقَامه مِنْ هَذَا السَّارِق وَالسَّارِقَة وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْل مَعَاصِيه , حَكِيم فِي حُكْمه فِيهِمْ وَقَضَائِهِ عَلَيْهِمْ . يَقُول : فَلَا تُفَرِّطُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي إِقَامَة حُكْمِي عَلَى السَّارِق وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْجَرَائِم الَّذِينَ أَوْجَبْت عَلَيْهِمْ حُدُودًا فِي الدُّنْيَا عُقُوبَة لَهُمْ , فَإِنِّي بِحُكْمِي قَضَيْت ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَعِلْمِي بِصَلَاحِ ذَلِكَ لَهُمْ وَلَكُمْ .وَقَوْله : { وَاَللَّه عَزِيز حَكِيم } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَللَّه عَزِيز فِي اِنْتِقَامه مِنْ هَذَا السَّارِق وَالسَّارِقَة وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْل مَعَاصِيه , حَكِيم فِي حُكْمه فِيهِمْ وَقَضَائِهِ عَلَيْهِمْ . يَقُول : فَلَا تُفَرِّطُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي إِقَامَة حُكْمِي عَلَى السَّارِق وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْجَرَائِم الَّذِينَ أَوْجَبْت عَلَيْهِمْ حُدُودًا فِي الدُّنْيَا عُقُوبَة لَهُمْ , فَإِنِّي بِحُكْمِي قَضَيْت ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَعِلْمِي بِصَلَاحِ ذَلِكَ لَهُمْ وَلَكُمْ .'

تفسير القرطبي

فيه سبع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} الآية. لما ذكر تعالى أخذ الأموال بطريق السعي في الأرض والفساد ذكر حكم السارق من غير حراب على ما يأتي بيانه أثناء الباب؛ وبدأ سبحانه بالسارق قبل السارقة عكس الزنى على ما نبينه آخر الباب. وقد قطع السارق في الجاهلية، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة، فأمر الله بقطعه في الإسلام، فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبدالأسد من بن مخزوم، وقطع أبو بكر يد اليمني الذي سرق العقد؛ وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبدالرحمن بن سمرة ولا خلاف فيه. وظاهر الآية العموم في كل سارق وليس كذلك؛ لقوله عليه السلام (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا) فبين أنه إنما أراد بقوله { والسارق والسارقة} بعض السراق دون بعض؛ فلا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار، أو فيما قيمته ربع دينار؛ وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي رضي الله عنهم، وبه قال عمر بن عبدالعزيز والليث والشافعي وأبو ثور؛ وقال مالك : تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم، فإن سرق درهمين وهو ربع دينار لانحطاط الصرف لم تقطع يده فيهما. والعروض لا تقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قل الصرف أو كثر؛ فجعل مالك الذهب والورق كل واحد منهما أصلا بنفسه، وجعل تقويم العروض بالدراهم في المشهور. وقال أحمد وإسحاق : إن سرق ذهب فربع دينار، وإن سرق غير الذهب والفضة كانت قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق. وهذا نحو ما صار إليه مال في القول الآخر؛ والحجة للأول حديث ابن عمر أن رجلا سرق جحفة، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بها فقومت بثلاثة دراهم. والشافعي حديث عائشة رضي الله عنها في الربع دينار أصلا رد إليه تقويم العروض لا بالثلاثة دراهم على غلاء الذهب ورخصه، وترك حديث ابن عمر لما رآه - والله أعلم - من اختلاف الصحابة في المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فابن عمر يقول : ثلاثة دراهم؛ وابن عباس يقول : عشرة دراهم؛ وأنس يقول : خمسة دراهم، وحديث عائشة في الربع دينار حديث صحيح ثابت لم يختلف فيه عن عائشة إلا أن بعضهم وقفه، ورفعه من يجب العمل بقوله لحفظه وعدالته؛ قاله أبو عمر وغيره. وعلى هذا فإن بلغ العرض المسروق ربع دينار بالتقويم قطع سارقه؛ وهو قول إسحاق؛ فقف على هذين الأصلين فهما عمدة الباب، وما أصح ما قيل فيه. وقال أبو حنيفة وصاحباه والثوري : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا، أو دينارا ذهبا عينا أو وزنا؛ ولا يقطع حتى خرج بالمتاع من ملك الرجل؛ وحجتهم حديث ابن عباس؛ قال : قوم المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم. ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم؛ أخرجهما الدارقطني وغيره. وفي المسألة قول رابع، وهو ما رواه الدارقطني عن عمر قال : لا تقطع الخمس إلا في خمس؛ وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ليلى وابن شبرمة؛ وقال أنس بن مالك : قطع أبو بكر - رحمه الله - في مجن قيمته خمسة دراهم. وقول خامس : وهو أن اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعدا؛ روي عن أبي هريرة وأبى سعيد الخدري. وقول سادس : وهو أن اليد تقطع في درهم فما فوقه؛ قاله عثمان البتي. وذكر الطبري أن عبدالله بن الزبير قطع في درهم. وقول سابع : وهو أن اليد تقطع في كل ما له قيمة على ظاهر الآية؛ هذا قول الخوارج، وروي عن الحسن البصري، وهي إحدى الروايات الثلاث عنه، والثانية كما روي عن عمر، والثالثة حكاها قتادة عنه أنه قال : تذاكرنا القطع في كم يكون على عهد زياد؟ فاتفق رأينا على درهمين. وهذه أقوال متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك؛ فإن قيل : قد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) وهذا موافق لظاهر الآية في القطع في القليل والكثير؛ فالجواب أن هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل مجرى الكثير في قوله عليه السلام : (من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة). وقيل : إن ذلك مجاز من وجه آخر؛ وذلك أنه إذا رضى بسرقة القليل سرق الكثير فقطعت يده. وأحسن من هذا ما قاله الأعمش وذكره البخاري في آخر الحديث كالتفسير قال : كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم. قلت : كحبال السفينة وشبه ذلك. والله أعلم. الثانية: اتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز ما يجب فيه القطع. وقال الحسن بن أبي الحسن : إذا جمع الثياب في البيت. وقال الحسن بن أبي الحسن أيضا في قول آخر مثل قول سائر أهل العلم فصار اتفاقا صحيحا. والحمد لله. الثالثة: الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله على ما يأتي بيانه. قال ابن المنذر : ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم، وإنما ذلك كالإجماع من أهل العلم. وحكي عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز. وفي الموطأ لمالك عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن) قال أبو عمر : هذا حديث يتصل معناه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص وغيره، وعبدالله هذا ثقة عند الجميع، وكان أحمد يثني عليه. وعن عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال : (من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) وفي رواية. (وجلدات نكال) بدل (والعقوبة). قال العلماء : ثم نسخ الجلد وجعل مكانه القطع. قال أبو عمر : قول (غرامة مثليه) منسوخ لا أعلم أحد من الفقهاء قال به إلا ما جاء عن عمر في دقيق حاطب بن أبي بلتعة؛ خرج مالك؛ ورواية عن أحمد بن حنبل. والذي عليه الناس في الغرم بالمثل؛ لقوله تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة : 194]. وروى أبو داود عن صفوان بن أمية قال : كنت نائما في المسجد على خميصة لي ثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع، قال : فأتيته فقلت أتقطع من أجل ثلاثين درهما؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؛ قال : (فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به)؟. ومن جهة النظر أن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين، ثم الحكمة الأولية حكمت فيها بالاختصاص الذي هو الملك شرعا، وبغيت الأطماع متعلقة بها، والآمال محومة عليها؛ فتكفها المروءة والديانة في أقل الخلق، ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم، فإذا أحرزها مالك فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للإنسان؛ فإذا هتكا فحشت الجريمة فعظمت العقوبة، وإذا هتك أحد الصونين وهو الملك وجب الضمان والأدب. الرابعة: فإذا اجتمع جماعة فاشتركوا في إخراج نصاب من حرزه، فلا يخلو، إما أن يكون بعضهم ممن يقدر على إخراجه، أولا إلا بتعاونهم، فإذا كان الأول فاختلف فيه علماؤنا على قولين : أحدهما يقطع فيه، والثاني لا يقطع فيه؛ وبه قال أبو حنيفة والشافعي؛ قالا : لا يقطع في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجب لكل واحد من حصته نصاب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا) وكل واحد من هؤلاء لم يسرق نصابا فلا قطع عليهم. ووجه القطع في إحدى الروايتين أن الاشتراك في الجناية لا يسقط عقوبتها كالاشتراك في القتل؛ قال ابن العربي : وما أقرب ما بينهما فإنا إنما قتلنا الجماعة بالواحد صيانة للدماء؛ لئلا يتعاون على سفكها الأعداء، فكذلك في الأموال مثله؛ لا سيما وقد ساعدنا الشافعي على أن الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد رجل قطعوا ولا فرق بينهما. وإن كان الثاني وهو مما لا يمكن إخراجه إلا بالتعاون فإنه يقطع جميعهم بالاتفاق من العلماء؛ ذكره ابن العربي. الخامسة: فإن اشتركوا في السرقة بأن نقب واحد الحرز وأخرج آخر، فإن كانا متعاونين قطعا. وإن انفرد كل منهما بفعله دون اتفاق بينهما، بأن يجيء آخر فيخرج فلا قطع على واحد منهما. وإن تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج فالقطع عليه خاصة؛ وقال الشافعي : لا قطع؛ لأن هذا نقب ولم يسرق، والآخر سرق من حرز مهتوك الحرمة. وقال أبو حنيفة : إن شارك في النقب ودخل وأخذ قطع. ولا يشترط في الاشتراك في النقب التحامل على آلة واحدة، بل التعاقب في الضرب تحصل به الشركة. السادسة: ولو دخل أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحرز فأدخل الآخر يده فأخذه فعليه القطع، ويعاقب الأول؛ وقال أشهب : يقطعان. وإن وضعه خارج الحرز فعليه القطع لا على الآخذ، وإن وضعه في وسط النقب فأخذه الآخر والتقت أيديهما في النقب قطعا جميعا. السابعة: والقبر والمسجد حرز، فيقطع النباش عند الأكثر؛ وقال أبو حنيفة : لا قطع عليه؛ لأنه سرق من غير حرز ما معرضا للتلف لا مالك له؛ لأن الميت لا يملك. ومنهم من ينكر السرقة؛ لأنه ليس فيه ساكن، وإنما تكون السرقة بحيث تتقى الأعين، ويتحفظ من الناس؛ وعلى نفي السرقة عول أهل ما وراء النهر. وقال الجمهور : هو سارق لأنه تدرع الليل لباسا وأتقى الأعين، وقصد وقتا لا ناظر فيه ولا ما عليه، فكان بمنزلة ما لو سرق في وقت بروز الناس للعيد، وخلو البلد من جميعهم. وأما قولهم : إن القبر غير حرز فباطل؛ لأن حرز كل شيء بحسب حال الممكنة فيه. وأما قولهم : إن الميت لا ملك فباطل أيضا؛ لأنه لا يجوز ترك الميت عاريا فصارت هذه الحاجة قاضية بأن القبر حرز. وقد نبه الله تعالى عليه بقول { ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا} [المرسلات : 25 - 26] ليسكن فيها حيا، ويدفن فيها ميتا. وأما قولهم : إنه عرضة للتلف؛ فكل ما يلبسه الحي أيضا معرض للتلف والإخلاق بلباسه، إلا أن أحد الأمرين أعجل من الثاني؛ وقد روى أبو داود عن أبي ذر قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف)، يعني القبر؛ قلت : الله ورسول أعلم قال : (عليك بالصبر) قال حماد : فبهذا قال من قال تقطع يد السارق؛ لأنه دخل على الميت بيته. وأما المسجد، فمن سرق حصره قطع؛ رواه عيسى عن ابن القاسم، وإن لم يكن للمسجد باب؛ ورآها محرزة. وإن سرق الأبواب قطع أيضا؛ وروي عن ابن القاسم أيضا إن كانت سرقته للحصر نهارا لم يقطع، وإن كان تسور عليها ليلا قطع؛ وذكر عن سحنون إن كانت حصره خيط بعضها إلى بعض قطع، وإلا لم يقطع. قال أصبغ : يقطع سارق حصر المسجد وقناديله وبلاطه، كما لو سرق بابه مستسرا أو خشبة من سقفه أو من جوائزه. وقال أشهب في كتاب محمد : لا قطع في شيء من حصر المسجد وقناديله وبلاطه. الثامنة: واختلف العلماء هل يكون غرم مع القطع أم لا؟ فقال أبو حنيفة : لا يجتمع الغرم مع القطع بحال؛ لأن الله سبحانه قال { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله} ولم يذكر غرما. وقال الشافعي : يغرم قيمة السرقة موسرا كان أو معسرا، وتكون دينا عليه إذا أيسر أداه؛ وهو قول أحمد وإسحاق. وأما علماؤنا مالك وأصحابه فقالوا : إن كانت العين قائمة ردها، وإن تلفت فإن كان موسرا غرم، وإن كان معسرا لم يتبع دينا ولم يكن عليه شيء؛ وروى مالك مثل، ذلك عن الزهري؛ قال الشيخ أبو إسحاق : وقد قيل إنه يتبع بها دينا مع القطع موسرا كان أو معسرا؛ قال : وهو قول غير واحد من علمائنا من أهل المدينة، واستدل على صحته بأنهما حقان لمستحقين فلا يسقط أحدهما الآخر كالدية والكفارة، ثم قال : وبهذا أقول. واستدل القاضي أبو الحسن للمشهور بقوله صلى الله عليه وسلم : (إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه) وأسنده في كتابه. وقال بعضهم : إن الإتباع بالغرم عقوبة، والقطع عقوبة، ولا تجتمع عقوبتان؛ وعليه عول القاضي عبدالوهاب. والصحيح قول الشافعي ومن وافقه؛ قال الشافعي : يغرم السارق ما سرق موسرا كان أو معسرا؛ قطع أو لم يقطع، وكذلك إذا قطع الطريق؛ قال : ولا يسقط الحد لله ما أتلف للعباد، وأما ما احتج به علماؤنا من الحديث (إذا كان معسرا) فبه احتج الكوفيون وهو قول الطبري، ولا حجة فيه؛ رواه النسائي والدارقطني عن عبدالرحمن بن عوف. قال أبو عمر : هذا حديث ليس بالقوي ولا تقوم به حجة، وقال ابن العربي : وهذا حديث باطل. وقال الطبري : القياس أن عليه غرم ما استهلك. ولكن تركنا ذلك اتباعا للأثر في ذلك. قال أبو عمر : ترك القياس لضعيف الأثر غير جائز؛ لأن الضعيف لا يوجب حكما. التاسعة: واختلف في قطع يد من سرق المال من الذي سرقه؛ فقال علماؤنا : يقطع. وقال الشافعي : لا يقطع؛ لأنه سرق من غير مالك ومن غير حرز. وقال علماؤنا : حرمة المالك عليه باقية لم تنقطع عنه، ويد السارق كلا يد، كالغاصب لو سرق منه المال المغصوب قطع، فإن قيل : اجعلوا حرزه بلا حرز؛ قلنا : الحرز قائم والملك قائم ولم يبطل الملك فيه فيقولوا لنا أبطلوا الحرز. العاشرة: واختلفوا إذا كرر السرقة بعد القطع في العين المسروقة؛ فقال الأكثر : يقطع. وقال أبو حنيفة : لا قطع عليه. وعموم القرآن يوجب عليه القطع، وهو يرد قوله. وقال أبو حنيفة أيضا في السارق يملك الشيء المسروق بشراء أو هبة قبل القطع : فإنه لا يقطع، والله تعالى يقول { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فإذا وجب القطع حقا لله تعالى لم يسقطه شيء. الحاديةعشرة: قرأ الجمهور { والسارق} بالرفع. قال سيبويه : المعنى وفيما فرض عليكم السارق والسارقة. وقيل : الرفع فيهما على الابتداء والخبر { فاقطعوا أيديهما} . وليس القصد إلى معين إذ لو قصد معينا لوجب النصب؛ تقول : زيدا اضربه؛ بل هو كقولك : من سرق فاقطع يده. قال الزجاج : وهذا القول هو المختار. وقرئ { والسارق} بالنصب فيهما على تقدير اقطعوا السارق والسارقة؛ وهو اختيار سيبويه؛ لأن الفعل بالأمر أولى؛ قال سيبويه رحمه الله تعالى : الوجه في كلام العرب النصب؛ كما تقول : زيدا اضربه؛ ولكن العامة أبت إلا الرفع؛ يعني عامة القراء وجلهم، فأنزل سيبويه النوع السارق منزلة الشخص المعين. وقرأ ابن مسعود { والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم} وهو يقوي قراءة الجماعة. والسرق والسرقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق، والمصدر من سرق سرقا بفتح الراء. قاله الجوهري. وأصل هذا اللفظ إنما هو أخذ الشيء في خفية من الأعين، ومنه استرق السمع، وسارقه النظر. قال ابن عرفة : السارق عند العرب هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس، فإن تمنع بما في يده فهو غاصب. قلت : وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته) قالوا : وكيف يسرق صلاته؟ قال : (لا يتم ركوعها ولا سجودها) خرجه الموطأ وغيره، فسماه سارقا وإن كان ليس سارقا من حيث هو موضع الاشتقاق، فإنه ليس قيه مسارقة الأعين غالبا. الثانية عشرة: قوله تعالى { فاقطعوا} القطع معناه الإبانة والإزالة، ولا يجب إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشيء المسروق، وفي الموضع المسروق منه، وفي صفته. فأما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف؛ وهي البلوغ والعقل، وأن يكون غير مالك للمسروق منه، وألا يكون له عليه ولاية، فلا يقطع العبد إن سرق من مال سيده، وكذلك السيد إن أخذ مال عبده لا قطع بحال؛ لأن العبد وماله لسيده. ولم يقطع أحد بأخذ مال عبده لأنه أخذ لماله، وسقط قطع العبد بإجماع الصحابة وبقول الخليفة : غلامكم سرق متاعكم. وذكر الدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ليس على العبد الآبق إذا سرق قطع ولا على الذمي) قال : لم يرفعه غير فهد بن سليمان، والصواب أنه موقوف. وذكر ابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا سرق العبد فبيعوه ولو بنش) أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبي هريرة؛ قال ابن ماجة : وحدثنا جبارة بن المغلس حدثنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس؛ أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه. وقال : (مال الله سرق بعضه بعضا) وجبارة بن المغلس متروك؛ قاله أبو زرعة الرازي. ولا قطع على صبي ولا مجنون. ويجب على الذمي والمعاهد، والحربي إذا دخل بأمان. وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فأربعة أوصاف؛ وهي النصاب وقد مضى القول فيه، وأن يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه، وإن كان مما لا يتمول ولا يحل بيعه كالخمر والخنزير فلا يقطع فيه باتفاق حاشا الحر الصغير عند مالك، وابن القاسم؛ وقيل : لا قطع عليه؛ وبه قال الشافعي وأبو حنيفة؛ لأنه ليس بمال. وقال علماؤنا : هو من أعظم المال؛ ولم يقطع السارق في المال لعينه. وإنما قطع لتعلق النفوس به، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد. وإن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم الضحايا، ففي ذلك اختلاف بين ابن القاسم وأشهب. قال ابن القاسم : ولا يقطع سارق الكلب؛ وقال أشهب : ذلك في المنهي عن اتخاذه، فأما المأذون في اتخاذه فيقطع سارقه. قال : ومن سرق لحم أضحية أو جلدها قطع إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم. وقال ابن حبيب قال أصبغ : إن سرق الأضحية قبل الذبح قطع؛ وأما إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع. وإن كان مما يجوز اتخاذ أصله وبيعه، فصنع منه ما لا يجوز استعماله كالطنبور والملاهي من المزمار والعود وشبهه من آلات اللهو فينظر؛ فإن كان يبقى منها بعد فساد صورها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر قطع. وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر بكسرها فإنما يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة. وكذلك الصليب من ذهب أو فضة، والزيت النجس إن كانت قيمته على نجاسته نصابا قطع فيه. الوصف الثالث؛ ألا يكون للسارق في ملك، كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره، ولا شبهة ملك، على اختلاف بين علمائنا وغيرهم في مراعاة شبهة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال؛ لأن له فيه نصيبا. وروي عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل سرق مغفرا من الخمس فلم ير عليه قطعا وقال : له فيه نصيب. وعلى هذا مذهب الجماعة في بيت المال. وقيل : يجب عليه القطع تعلقا بعموم لفظ آية السرقة. وأن يكون مما تصح سرقته كالعبد الصغير والأعجمي الكبير؛ لأن ما لا تصح سرقته كالعبد الفصيح فإنه. لا يقطع فيه. وأما ما يعتبر في الموضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق. وجملة القول فيه أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه؛ فالدور والمنازل والحوانيت جرز لما فيها، غاب عنها أهلها أو حضروا، وكذلك بيت المال حرز لجماعة المسلمين، والسارق لا يستحق فيه شيئا، وإن كان قبل السرقة ممن يجوز أن يعطيه الإمام وإنما يتعين حق كل مسلم بالعطية؛ ألا ترى أن الإمام قد يجوز أن يصرف جميع المال إلى وجه من وجوه المصالح ولا يفرقه في الناس، أو يفرقه في بلد دون بلد آخر ويمنع منه قوما دون قوم؛ ففي التقدير أن هذا السارق ممن لا حق له فيه. وكذلك المغانم لا تخلو : أن تتعين بالقسمة؛ فهو ما ذكرناه في بيت المال؛ وتتعين بنفس التناول لمن شهد الواقعة؛ فيجب أن يراعي قدر ما سرق، فإن كان فوق حقه قطع وإلا لم يقطع. الرابعة عشرة: وظهور الدواب حرز لما حملت، وأفنية الحوانيت حرز لما وضع فيها في موقف البيع وإن لم يكن هناك حانوت، كان معه أهله أم لا؛ سرقت بليل أو نهار. وكذلك موقف الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة، والدواب على مرابطها محرزة، كان معها أهلها أم لا؛ فإن كانت الدابة بباب المسجد أو في السوق لم تكن محرزة إلا أن يكون معها حافظ؛ ومن ربطها بفنائه أو اتخذ موضعا مربطا لدوابه فإنه حرز لها. والسفينة حرز لما فيها وسواء كانت سائبة أو مربوطة؛ فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة إن كانت سائبة فليست بمحرزة، وإن كان صاحبها ربط في موضع وأرساها فيه فربطها حرز؛ وهكذا إن كان معها أحد حيثما كانت فهي محرزة، كالدابة بباب المسجد معها حافظ؛ إلا أن ينزلوا بالسفينة في سفرهم منزلا فيربطوها فهو حرز لها كان صاحبها معها أم لا. الخامسة عشرة: ولا خلاف أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن كل رجل بيته على حدة، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار وإن لم يدخل بها بيته ولا خرج بها من الدار. ولا خلاف في أنه لا يقطع من سرق منهم من قاعة الدار شيئا وإن أدخله بيته أو أخرجه من الدار؛ لأن قاعتها مباحة للجميع للبيع والشراء، إلا أن تكون دابة في مربطها أو ما يشبهها من المتاع. السادسة عشرة: ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما؛ لقوله عليه السلام : (أنت ومالك لأبيك). ويقطع في سرقة مالهما؛ لأنه لا شبهة له فيه. وقيل : لا يقطع؛ وهو قول ابن وهب وأشهب؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه في العادة، ألا ترى أن العبد لا يقطع في مال سيده فأن لا يقطع ابنه في ماله أولى. واختلفوا في الجد؛ فقال مالك وابن القاسم : لا يقطع. وقال أشهب : يقطع. وقول مالك أصح لأنه أب؛ قال مالك : أحب إلي ألا يقطع الأجداد من قبل الأب والأم وإن لم تجب لهم نفقة. قال ابن القاسم وأشهب : ويقطع من سواهما من القرابات. قال ابن القاسم : ولا يقطع من سرق من جوع أصابه. وقال أبو حنيفة : لا قطع على أحد من ذوي المحارم مثل العمة والخالة والأخت وغيرهم؛ وهو قول الثوري. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق : يقطع من سرق من هؤلاء. وقال أبو ثور : يقطع كل سارق سرق ما تقطع فيه اليد؛ إلا أن يجمعوا على سيئ فيسلم للإجماع. والله أعلم. السابعة عشرة: واختلفوا في سارق المصحف؛ فقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور : يقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد؛ وبه قال ابن القاسم. وقال النعمان : لا يقطع من سرق مصحفا. قال ابن المنذر : يقطع سارق المصحف. واختلفوا في الطرار يطر النفقة من الكم، فقالت طائفة : يقطع من طر من داخل الكم أو من خارج؛ وهو قول مالك والأوزاعي وأبي ثور ويعقوب. قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق : إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر كمه فطرها فسرقها لم يقطع، وإن كانت مصرورة إلى داخل الكم فأدخل يده فسرقها قطع. وقال الحسن : يقطع. قال ابن المنذر : يقطع على أي جهة طر. الثامنة عشرة: واختلفوا في قطع اليد في السفر، وإقامة الحدود في أرض الحرب؛ فقال مالك والليث بن سعد : تقام الحدود في أرض الحرب ولا فرق بين دار الحرب والإسلام. وقال الأوزاعي : يقيم من غزا على جيش - وإن لم يكن أمير مصر من الأمصار - الحدود في عسكره غير القطع. وقال أبو حنيفة : إذا غزا الجند أرض الحرب وعليهم أمير فإنه لا يقيم الحدود في عسكره، إلا أن يكون إمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبهه فيقيم الحدود في عسكره. استدل الأوزاعي ومن قال بقوله بحديث جنادة بن أبي أمية قال : كنا مع بسر بن أرطأة في البحر، فأتي بسارق يقال له مصدر قد سرق بختية، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا تقطع الأيدي في الغزو) ولولا ذلك لقطعته. يسر هذا يقال ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين لعبدالله بن العباس ففقدت أمهما عقلها فهامت على وجهها، فدعا عليه علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ويذهب عقله، فكان كذلك. قال يحيى بن معين : كان بسر بن أرطأة رجل سوء. استدل من قال بالقطع بالقطع بعموم القرآن؛ وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وأولى ما يحتج به لمن منع القطع في أرض الحرب والحدود : مخافة أن يلحق ذلك بالشرك. والله أعلم. التاسعة عشرة: فإذا قطعت اليد أو الرجل فإلى أين تقطع. فقال الكافة : تقطع من الرسغ والرجل من المفصل، ويحسم الساق إذا قطع. وقال بعضهم : يقطع إلى المرفق. وقيل : إلى المنكب، لأن اسم اليد يتناول ذلك. وقال علي رضي الله عنه : تقطع الرجل من شطر القدم ويترك له العقب؛ وبه قال أحمد وأبو ثور. قال ابن المنذر : وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقطع يد رجل فقال : (أحسموها) وفي إسناده مقال؛ واستحب ذلك جماعة منهم الشافعي وأبو ثور وغيرهما، وهذا أحسن وهو أقرب إلى البرء وأبعد من التلف. الموفية عشرين: لا خلاف أن اليمنى هي التي تقطع أو لا، ثم اختلفوا إن سرق ثانية؛ فقال مالك وأهل المدينة والشافعي وأبو ثور وغيرهم : تقطع رجله اليسرى، ثم في الثالثة يده اليسرى، ثم في الرابعة رجله اليمنى، ثم إن سرق خامسة يعزر ويحبس. وقال أبو مصعب من علمائنا : يقتل بعد الرابعة؛ واحتج بحديث خرجه النسائي عن الحارث بن حاطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص فقال : (اقتلوه) فقالوا : يا رسول الله، إنما سرق، قال : (اقتلوه)، قالوا : يا رسول إنما سرق، قال : (اقطعوا يده)، قال : ثم سرق فقطعت رجع، ثم سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضا الخامسة، فقال أبو بكر رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال : (اقتلوه) ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه؛ منهم عبدالله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال : أمروني عليكم فأمروه عليهم، فكان إذا ضرب ضرب حتى قتلوه. وبحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسارق في الخامسة فقال : (اقتلوه). قال جابر : فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه الحجارة. رواه أبو داود وخرجه النسائي وقال : هذا حديث منكر وأحد رواته ليس بالقوي. ولا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا. قال ابن المنذر : ثبت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قطعا اليد بعد اليد والرجل بعد الرجل. وقيل : تقطع في الثانية رجله اليسرى ثم لا قطع في غيرها، ثم إذا عاد عزر وحبس؛ وروي عن علي بن أبي طالب، وبه قال الزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل. قال الزهري : لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل. وقال عطاء : تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع : ذكره ابن العربي وقال : أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافه. الحادية والعشرين: واختلفوا في الحاكم يأمر بقطع يد السارق اليمنى فتقطع يساره، فقال قتادة : قد أقيم عليه الحد ولا يزاد عليه؛ وبه قال مالك : إذا أخطأ القاطع فقطع شماله، وبه قال أصحاب الرأي استحسانا. وقال أبو ثور : على الحزاز الدية لأنه أخطأ وتقطع يمينه إلا أن يمنع بإجماع. قال ابن المنذر : ليس يخلو قطع يسار السارق من أحد معنيين؛ إما أن يكون القاطع عمد ذلك فعليه القود، أو يكون أخطأ فديته على عاقلة القاطع؛ وقطع يمين السارق يجب، ولا يجوز إزالة ما أوجب الله سبحانه بتعدي معتد أو خطأ مخطئ. وقال الثوري في الذي يقتص منه في يمينه فيقدم شماله فتقطع؛ قال : تقطع يمينه أيضا. قال ابن المنذر : وهذا صحيح. وقالت طائفة : تقطع يمينه إذا برئ؛ وذلك أنه هو أتلف يساره، ولا شيء على القاطع في قول أصحاب الرأي، وقياس قول الشافعي. وتقطع يمينه إذا برئت. وقال قتادة والشعبي : لا شيء على القاطع وحسبه ما قطع منه. الثانية والعشرون: وتعلق يد السارق في عنقه، قال عبدالله بن محيريز سألت فضالة عن تعليق يد السارق في عنقه أمن السنة هو؟ فقال : جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه؛ أخرجه الترمذي - وقال : حديث حسن غريب - وأبو داود والنسائي. الثالثة والعشرون: إذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلا؛ فقال مالك : يقتل ويدخل القطع فيه. وقال الشافعي : يقطع ويقتل؛ لأنهما حقان لمستحقين فوجب أن يوفى لكل واحد منهما حقه، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، وهو اختيار ابن العربي. الرابعة والعشرون: قوله تعالى { أيديهما} لما قال { أيديهما} ولم يقل يديهما تكلم علماء اللسان في ذلك - قال ابن العربي : وتابعهم الفقهاء على ما ذكروه حسن ظن بهم - فقال الخليل بن أحمد والفراء : كل شيء يوجد خلق الإنسان إذا أضيف إلى اثنين جمع تقول : هشمت رؤوسهما وأشبعت بطونهما، و { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم : 4] ، ولهذا قال { اقطعوا أيديهما} ولم يقل يدهما. والمراد فاقطعوا يمينا من هذا ويمينا من هذا. ويجوز في اللغة؛ فاقطعوا يديهما وهو الأصل؛ وقد قال الشاعر فجمع بين اللغتين : ومهمهين قذفين مرتين ** ظهراهما مثل ظهور الترسين وقيل : فعل هذا لأنه لا يشكل. وقال سيبويه : إذا كان مفردا قد يجمع إذا أردت به التثنية، وحكي عن العرب؛ وضعا رحالهما. ويريد به رحلي راحلتيهما؛ قال ابن العربي : وهذا بناء على أن اليمين وحدها هي التي تقطع وليس كذلك، بل تقطع الأيدي والأرجل، فيعود قوله { أيديهما} إلى أربعة وهي جمع في الاثنين، وهما تثنية فيأتي الكلام على فصاحته، ولو قال : فاقطعوا أيديهم لكان وجها؛ لأن السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة، وإنما هما اسما جنس يعمان ما لا يحصى. الخامسة والعشرون: قوله تعالى { جزاء بما كسبا} مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدرا وكذا { نكالا من الله} يقال : نكلت به إذا فعلت به ما يوجب أن ينكل به عن ذلك الفعل { والله عزيز} لا يغالب { حكيم} فيما يفعله؛ وقد تقدم. السادسة والعشرون: قوله تعالى { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} شرط وجوابه { فإن الله يتوب عليه} { من بعد ظلمه} من بعد السرقة؛ فإن الله يتجاوز عنه. والقطع لا يسقط بالتوبة. وقال عطاء وجماعة : يسقط بالتوبة قبل القدوة على السارق. وقال بعض الشافعية وعزاه إلى الشافعي قولا. وتعلقوا بقول الله تعالى { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدوا عليهم} وذلك استثناء من الوجوب، فوجب حمل جميع الحدود عليه. وقال علماؤنا : هذا بعينه دليلنا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما ذكر حد المحارب قال { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} وعطف عليه حد السارق وقال فيه { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه} فلو كان مثله في الحكم ما غاير الحكم بينهما. قال ابن العربي : ويا معشر الشافعية سبحان الله! أين الدقائق الفقهية، والحكم الشرعية، التي تستنبطونها من غوامض المسائل؟! ألم تروا إلى المحارب المستبد بنفسه، المعتدي بسلاح، الذي يفتقر الإمام معه إلى الإيجاف بالخيل والركاب كيف أسقط جزاءه بالتوبة استنزالا عن تلك الحالة، كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف استئلافا على الإسلام؛ فأما السارق والزاني وهما في قبضة المسلمين وتحت حكم الإمام، فما الذي يسقط عنهم حكم ما وجب عليهم؟! أو كيف يجوز أن يقال : يقاس على المحارب وقد فرقت بينهما الحكمة والحالة! هذا ما لا يليق بمثلكم يا معشر المحققين. وإذا ثبت أن الحد لا يسقط بالتوبة، فالتوبة مقبولة والقطع كفارة له. { وأصلح} أي كما تاب عن السرقة تاب عن كل ذنب. وقيل { وأصلح} أي ترك المعصية بالكلية، فأما من ترك السرقة بالزنى أو التهود بالتنصر فهذا ليس بتوبة، وتوبة الله على العبد أن يوفقه للتوبة. وقيل : أن تقبل منه التوبة. السابعة والعشرون: يقال : بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل السرقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني ما الحكمة في ذلك؟ فالجواب أن يقال : لما كان حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب بدأ بهما في الموضع؛ هذا أحد الوجوه في المرأة على ما يأتي بيانه في سورة [النور] من البداية بها على الزاني إن شاء الله. ثم جعل الله حد السرقة قطع اليد لتناول المال، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به لثلاثة معان : أحدها : أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه. الثاني : أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر : وقطع الذكر في الزنى باطن. الثالث : أن قطع الذكر فيه إبطال للنسل وليس في قطع اليد إبطال. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 35 - 38


سورة المائدة الايات 38 - 41

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

جاء الحق من قبل بعقاب قطاع الطريق والمفسدين في الأرض، وهنا يأتي بقضية أخرى يريد أن يصون بها ثمرة حركة المؤمن في مجتمعه؛ لأن الإيمان يحب من المؤمن أن يتحرك، وحتى يتحرك الإنسان لا بد أن يضمن الإنسان ثمرة حركته. أما إن تحرك الإنسان وجاءت الثمرة ثم جاء من يأخذها فلا بد أن يزهذ المتحرك في الحركة، وحين يزهد الإنسان في الحركة يتوقف تقدم الوجود؛ لذلك من حظنا أن تستمر حركة الحياة، ولا تستمر حركة الحياة إلا إذا أمن الإنسان على حركته، وأن تكون حركته فيما شرع الله.

وحين يتحرك الإنسان فيما شرع الله ويكسب من حلال؛ فليس لأحد دخل؛ لأن حركة هذا الإنسان تفيد المجتمع سواء أكان ذلك في باله أم لم يكن.

وقلنا من قبل: إن الرجل الذي يملك مالاً يكتنزه يجد الحق يأمره بأن يستثمر هذا المال؛ لأنه سبحانه أمر بفتح أبواب الخير لمن يجد المال، فيدفع بخاطر بناء عمارة شاهقة في قلب صاحب المال، فيقول الرجل لنفسه: إن المال عندي مكتنز فلأبني لنفسي عمارة، ويزين له الحق هذا الأمر. ويفكر الرجل في أن يبني عمارة من عشرة طوابق وفي كل طابق أربع شقق، وليكن إيجار كل شقة مائة جنيه. وهو حصيلة شهرية لا بأس بها.

لقد حسب الرجل المسألة وهو لا يدري أن الله سبحانه وتعالى يقذف في باله الخواطر، فيُسرع ليشتري قطعة الأرض. وبعد ذلك يأتي بمن يُصمّم بنيان العمارة ومن يقوم بالبناء، وتخرج النقود المكتنزة. وهكذا نرى أن الثرى قبل أن ينتفع بعمارته كان غيره قد انتفع بماله حتى أكثر طبقات المجتمع فقرا. ويحدث كل ذلك بمجرد الخاطر. ولكل إنسان خواطره، فالبخيل له من يسرف في ماله، والكريم له من يكتنز من ماله. وإياك أن تظن أن هناك حركة في الوجود خارجة عن إرادة الله. فالحق يقول:
{  إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ }
[آل عمران: 89]

وهم يفعلون ذلك لأن الذنوب تطاردهم، فيعوضون ذلك بإصلاح أعمالهم. ولذلك نجد أن الخير إنما يأتي من المسرفين على أنفسهم فيريدون إصلاح أمورهم وليس هناك من يستطيع أن يأخذ شيئاً من وراء الله.
{  إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ }
[هود: 114]

كأن الحق سبحانه وتعالى بمجرد الخواطر يدفع الناس إلى ما يريد. نعم. فهو غيب قيّوم؛ ولذلك يكون تدبيره في الكون غيباً. وفي قرانا يخصّصون يوماً للسّوق ونرى ساحته في اليوم المُخصص ونتأملها فنتعجب من إبداع مُحرّك الكون؛ ففي الصباح يسير رجال إلى السوق ومعهم عصيّهم ولا يحملون شيئاً. وهؤلاء ذاهبون لشراء ما يحتاجون إليه، وآخرون يسوقون أمامهم العجول أو الحمير، وهؤلاء يذهبون لبيع بضائعهم. ونرى نساء تحمل كل واحدة منهُن صنفاً من الخضار فنعرف أنهن يذهبن للبيع في السوق.ونرى أخريات يحملن سِلالاً فارغة، ونعرف أن كلاً منهن ذاهبة للشراء. وفي آخر النهار نرى المسألة معكوسة، من كان يحمل في الصباح شيئاً حمله غيره، فمن الذي هيّج الخواطر ليذهب من يرغب في البيع إلى السوق ليبيع؟

من الذي حرّك الشاري للشراء؟ هو الحق سبحانه يحقق للرّاغب في البيع أن يوجد المشتري، ويحقق للراغب في الشراء أن يوجد البائع. إنه ترتيب الحيّ القيّوم. ونسمع من يقول: لقد أنزلنا في السوق اليوم عشرين طناً من الطماطم وأربعين طناً من الكوسة. وغيرها من الأطنان. ونجد آخر النهار أن كل شيء قد بيع. إنها خواطر الله المتوازنة في الناس والتي توازن المجتمع.

إذن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة المُتحرّك. ويُريد أيضاً ألاّ يقتات الإنسان أو يتمتّع بغير مجهود؛ لأن من يسرق إنما يأخذ مجهود غيره. وهذا الفعل يُزَهِّدُ الغير في العمل.

إن في الإسلام قاعدة هي: عندما تكثر البطالة يقال لك لا تتصدق على الناس بنقود من ملكك، ولكن افتح أي مشروع ولو لم تكن في حاجة إليه كأن تحفز بئراً وتردمها بعد ذلك وأعط الأجير أجره حتى لا يتعوّد الإنسان على الكسل، بل يجب تعويده على العمل، ومن لا يقدر على العمل فلا بد له من ضمان. فضمان الإنسان لقوته يكون من عمله أولاً، فإن لم يكن قادراً على العمل، فضمانه من أسرته وقرابته، فإن لم توجد له أسرة أو قرابة، فأهل محلّته مسئولون عنه، وإن لم يستطع أهل القرية أو المحلّة أن يوفّروا له ذلك، فبيت المال عليه أن يتكفّل بالفقراء.

إذن فالأرضية الإيمانية تَحثُّنا على أن نضمن للإنسان العمل، أو نعوله ونقوم بما يحتاج إليه إن كان عاجزاً. ولكن الآفة أن بعضاً من الناس يحبُّون عملاً بذاته، فهذا يرغب في التوظّف في وظيفة لا عمل فيها، ونقول له:

في العالم المعاصر أزمة عمالة زائدة فتعلّم أي مهارة؛ فما ضنت الحياة أبداً على طالب قوت من عمل.

ولنا في رسول الله صلّى الله عليه وسلم الأُسْوَة حين أقام أول مزادٍ في الإسلام. عندما جاء له رجلٌ من الأنصار يسأله، فقال له:

" أما في بيتك شيء. قال الرجل: بلى، حِلْسٌ نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقَعْبٌ - أي قدح - نشرب فيه من الماء. قال: إيتني بهما. فأتاه بهما. فأخذهما رسول الله صلّى الله عليه وسلم بيده وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال: من يزيد على درهم؟ - مرتين أو ثلاثا - ثال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما للأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فنبذه - أي أَلْقِهِ - إلى أهلك، واشتر بالآخر قَدُوماً فائتني به "

إذن أشار النبي صلّى الله عليه وسلم على الرجل وأمره بأن يحضر الحِلْس الذي ينام عليه والقدح الذي يشرب فيه، حتى يعرف الرجل أنه تَاجَر في شيء يملكه، لا في عطاء من أحد. وجاء الرجل إلى حضرة النبي عليه الصلاة والسلام ووجد أن النبي قد سوّى له يداً لقدوم وقال للرجل:

" اذهب فاحتطب وبعْ، ولا أرينَّك خمسة عشر يوماً "

وذهب الرجل يحتطب ويبيع امتثالاً لأمر النبي صلّى الله عليه وسلم وجاء بعد خمسة عشر يوماً وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً.

فقال النبي صلّى الله عليه وسلم:

" هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة "

هذه هي التربية.

إذن فالغرض الأساسي أن يحمي الإسلام أفراد المجحتمع، فالذي لا يجد قُوتَه نساعده بالرأي وبالعلم والقدرة والقوة. والخير أن نعلّمهم أن يعملوا لأنفسهم. ولذلك جاء الحق لنا بقصة ذي القرنين المليئة بالعِبَر:
{  حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً }
[الكهف:93]

أي أنه لا توجد صلة للتفاهم. ولكنهم قالوا:
{  قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً }
[الكهف: 94]

وها هو ذو القرنين يعلن أنه في غير حاجة إليهم، ولكن يكلفهم بعمل حتى يحقق لهم مُرادهم:
{  آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً }
[الكهف: 96]

ومن العجيب أن القرآن عندما يحكي أمراً فهو لا يحكيه إلا لهدف، هم طلبوا من ذي القرنين أن يبني سدّاً، لكنه اقترح أن يجعل لهم رَدماً، ما الفرق؟ لقد تبين من العلم الحديث أن السَدّ قد تحدث له هزّة من أي جانب فينهدم كله، أما الرّدْم فإن حدثت له هزّة يزددْ تماسكاً. ولم يعمل ذو القرنين لهم، ولكن علّمهم كيف يصنعون الرَّدْم، وذلك حتى لا يعيشوا مع الإحساس بالعجز. وهكذا يُعلّمنا القرآن أن الإنسان لا بد له من عمل. لكن ماذا إن سَرَق؟.

أولاً ما هي السَّرقة؟ إنها أَخذُ مالٍ مقوّم خفية. فإن لم يكن الأخذ خفية فهو اغتصاب، ومرة أخرى يكون خطفاً، ومرة رابعة يكون اختلاساً.

فالأَخْذُ له أنواع مُتعددة؛ فالتاجر الذي يقف في دكانه ليبيع أي شيء، وجاء طفلٌ صغير وخطف قطعةً من الحلوى وجرى ولا يستطيع التاجر أن يطول الطفل أو أن يقدر على الإمساك به، هذا خَطْف. أما الذي يغتصب فهو الذي قهر صاحب الشيء على أن يتركه له. أما الاختلاس فهو أن يكون هناك إنسان أمين على مال فيأخذ منه، أما السرقة فهي أخذ لمال مقوَّم خفية وأن يكون في حرز مثله؛ أي يكون في مكان لا يمكن لغير المالك أن يدخله أو يتصرف فيه إلا بإذنه.أما الذي يترك بابه مفتوحاً أو يترك بضاعته في الشارع فهو المُقصّر، فكما يأمرنا الشرع بألا يسرق أحد أحداً، كذلك يأمر بعد الإهمال، بل لابد للإنسان أن يعقل أشياءه ويتوكَّل. وسبحانه هو المُشرّع العَدْل الذي يُقيم اليقظة علىالجانبين. حدّد الشّرع السرقة بما قيمته ربع دينار. وربع الدينار في ذلك الزمن كان كفي لأن يأكل إنسان هو وعياله ويزيد، بل إن الدرهم كان يكفي أن يقيم أود أسرة في ذلك الوقت.

وكيف نقوِّم ربع الدينار في زماننا؟. لإن كان لا يكفي لمعيشة، فيجب أن ترفع النصاب إلى ما يُعيش، ومادام الدينار كان في ذلك الزمان ذهباً؛ فربع الدينار ترتفع قيمته. وقديماً كان الجنيه الذهب يساوي سبعة وتسعين قرشاً ونصف القرش. أما الجنيه الذهب حاليا فهو يساوي أكثر من مائتين وسبعين جنيهاً، وقد يكون هناك إنسان يسرق لأنه محتاج أو جائع، ولذلك وضع الشرع له قدرا لا يتجاوزه المحتاج لحفظ حياته وحياة من يعول هو الدرهم. وسرقة الدرهم لا حد فيها كما لا إثم فيها، وذلك إذا استنفذ كل الطرق المشروعة في الحصول على القوت، ونعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الدرهم للرجل وقال:

" اشتر طعاماً لك ولأسرتك "

وكان الدرهم - كما قلنا - يكفي في ذلك الزمن. والدرهم جزء من اثني عشر جزءا من الدينار، فربع الدينار ثلاثة دراهم، والدرهم يساوي في زمننا هذا أكثر من عشرين جنيها.

والسطحيون يقولون: إن سيدنا عمر ألغى حَدّ السّرقة في عام الرّمادة؛ ونقول لهم: لا، لم يسقط عمر بن الخطاب الحد، فالحد باقٍ ولكنه لم يدخل الحادثة التي حصلت فيما يوجب الحد. والحادثة التي حدثت في عام الرمادة أو عام الجوع هي وجود الشبهة. وبفطنته كأول أمير للمؤمنين، لم يدخل الحوادث فيما يوجب الحد. وفي مسألة عبدالرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة. عندما سرق غلمانه، فماذا حدث؟ قال الغلمان لعمر: كنا جوعى ولم يكن ابن أبي بلتعة يعطينا الطعام. ودرأ سيدنا عمر الحَدَّ بالشُّبهة.

إذن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة المتحرك وثمرة حركة المتحرك.، لكن بعض السطحيين في الفهم يقولون مثل ما قال المعرّي:
يد بخمس مئين عسجد وُدِيَتْ   ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقضْ ما لنا إلا السكوت له   وأن نعوذ بمولانا من النار
وهنا ردّ عليه العالِم المؤمن فقال:

أنت تعترض لأننا نعطي ديِة اليَد خمسمائة دينار، وعندما يسرق إنسان. نقطع يد السارق لأنها أخذت ربع دينار.

وقال العالم المؤمن:
عِز الأمانة أغلاها وأرخصها   ذُل الخيانة فافهم حكمة الباري
ونلاحظ أن التشريعات الجنائية وتشريعات العقوبات ليست تشريعات بشرية، لكنها تشريعات في منتهى الدقة.بالله لو أن مُقنّنا يقنن للسارق أو السارقة، ويُقَنّن للزاني والزانية ماذا يكون الموقف؟

إن الذي يتكلم هو رب العالمين، فقال هنا: { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }. والسرقة عادة ما تكون رغبة في الحاجة وهي غالبا ما تكون من عمل الرجل. أما في الزاني والزانية، فلو أن الرجل لم يُهّيج ويستثر بجمال امرأة لما فكر في الزِّنا. إذن فهي صاحبة البداية. وينص سبحَانه على العقوبة وجاء بالحكمة. وعندما يُشرع للقصاص وهي الحالة التي يغلي فيها دم أقارب القتيل، فيقول:
{  فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ }
[البقرة: 178]

ولنر الحَنانَ الموجود في كلمة " أخيه ". ولا نجد تقنينا يدخل التحنين بين سطوره، إلا تقنين الرَّب الذي خلق الإنسان وهو أعلم به.

{ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا }. هذا ما انتهى إليه حَد السّرقة في تشريعات السماء، وحتى في زمن سيدنا موسى كان السّارق يُستَرَق بسرقته؛ أي يتحوَّل الحُرّ إلى عَبد نتيجة سرقته. ولذلك نلاحظ ونحن نقرأ سورة سيدنا يوسف:
{  فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ }
[يوسف: 70]

و " السقاية " هي الإناء الذي كان يشرب فيه الملك، وكان اسمها " صواع الملك " وأخذوها ليكيلوا بها. وبعد أن جعل السقاية في رحل أخيه، ماذا حدث؟
{  ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ }
[يوسف: 70-72]

وهنا قال إخوة يوسف بأنهم لم يأتوا ليفسدوا في الأرض، لذلك ترك لهم يوسف الأسلوب في تحديد الجزاء، ولم يحاكمهم بشرع الملك:
{  قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ }
[يوسف: 75]

لقد جعلهم يعترفون، ويحاكمهم حسب شريعتهم لأن شرع الملك أن من يسرق شيئا عليه أن يغرم ضعفي ما أخذ.

وهذا ما يوضح معنى قول الحق سبحانه وتعالى:
{  كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ }
[يوسف: 76]

أي أنها حياة ليستبقي يوسف أخاه معه. ولو استعمل قانون مصر في ذلك الزمن لما أخذ أخاه معه. وهذا كيد لصالح يوسف؛ لأن " اللام " تفيد الملكية أو النفعية. وأضاف إخوة يوسف قائلين:
{  قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ }
[يوسف: 77]

ولماذا قالوا ذلك؟ أصل هذه المسألة أن يوسف كان يحيا عند عمته. وعندما كبر وأرادوا أن يأخذوه أرادات العمة أن تستبقيه فدست في متاعه تمثالاً. أو منطقة كانت لها من أبيها إسحاق وادعت أنها فقدت ذلك؛ ففتشوا الولد فعثروا معه على الشيء الذي ادعت عمته سرقته فاستبقته بشرع بني إسرائيل. وكان جزاء السرقة في الشريعة هو الاسترقاق. ونُسِخ هذا الشرع وجاءت آية حد السرقة تأكيداً للنسخ.وإن لم يكن قد نُسخ فهذه الآية هي بداية للنسخ. { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }.

والسُّنة هي التي تبين لنا كيفية القطع، وكان القطع لليد اليمنى؛ لأنها عادة التي تباشر مثل ذلك العمل. وفي إحدى رحلاتي إلى أمريكا، حدثني أخ مسلم ضمن جماعة تحضر إحدى محاضراتي وقال: إن التَّيَمُّن يجب أن يكون في كل شيء، فلماذا يأكل البعض بيده اليسرى؟

قلت: إن هذه مسألة تكوينية بدليل أن بعض الناس أجهزتها تختلف، فليست المسألة ميكانيكية. وأضفت: إن من خيبة بعض الاختراعات البشرية أنها لا تخطئ كالحاسب الآلي. ولو كان ينتقي ويختار لأمكن أن يخطئ، أما العقل فهو يعرف الانتقاء. وقلن: إنني أطلب من السائل أن يقف. فلما وقف طلبت منه أن يتقدم جهتي فلما تقدم جهتي مَد رجله اليمنى، فقلت تعليقا على هذا: " إنه تكوين خلقي ". ولذلك فالذي عنده ولد تتأبى عليه يمينه فإياك أن تُرغِمه على ذلك لأن مثل هذه العملية أرادها الخالق لتَشُذّ في الخبق، ولتظهر قدرة الخالق.

فلا داعي لقهر الابن الذي تتأبَى عليه يَمينه؛ لأن العلماء قالوا إن مراكز السيطرة ليست في اليد ولكن في المخ. وقد أوجد الحق تلك الأمور في الكون حتى نفهم أن خالق الكون لم يخلق الكون وتركه بسننه، لا. أنه يخرق السنن كلما أراد. لكن لو تأبى إنسان على استعمال اليد اليمنى في الأكل مثلا وهو قادر على ذلك فإنه يكون مخالفا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومجافيا للفطرة.

{ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً } وإذا سمعنا كلمة " كسب " فهي تعني الأخذ لأكثر من رأس المال. والسارق يكسب السيئة لأنه أخذ ما فوق الضرورة. والنكال: العقاب أو هو العبرة المانعة من وقوع الجرم سواءً لمن ارتكب الجريمة وكذلك لمن يراها. والحق يقول عن بعض الأمور:
{  وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }
[النور: 2]

وضرورة الإعلان عن تنفيذ عقوبة الفعل المؤَثِّم من أجل الاعتبار والعظة، فالتشريع ليس من بشر لبشر، إنما تشريع خالق لمخلوق. والخالق هو الذي صنع الصنعة فلا تتعالم على خالق الصنعة. والشريعة لا تقرر مثل هذا العقاب رغبة في قطع الأيدي، بل تريد أن تمنع قطع الأيادي.

وإن ظل التشريع على الورق دون تطبيق فلن يرتدع أحد. والذين قالوا " قطع الأيدي فعل وحشي " ، نقول لهم: إن يداً واحدة قطعت في السعودية فامتنعت كل سرقة. وإذا كان القتل أنفى للقتل؛ فالقطع أنفى للقطع، أما عن مسألة التشويه التي يطنطنون بها فحادثة سيارة واحدة تشوه عدداً من الناس وكذلك حادثة انفجار لأنبوبة " بوتوجاز " تفعل أكثر من ذلك.فلا تنظروا إلى القصاص مفصولا عن السرقة إن انتشرت في المجتمع. وإبطاء القائمين على الأمر للإجراءات التي يترتب عليها العقوبات ينسي المجتمع بشاعة الجريمة الأولى، وعندما يحين وقت محاكمة المُجرم تكون الرحمة موجودة.

لكن إن وُقِّعَ العقاب سَاعَة الجُرم تنته المسألة. وساعة يسمع اللصوص أننا سنقطع يد السارق، سيفكر كل منهم قبل أن يسرق ولا يرتكب الجُرم؛ لأن المُراد من الجزاء العبرة والعِظة ومقصد من مقاصد التربية وتذكرة للإنسان بمطلوبات الله عنده إن أخذته الغفلة في سياسة الحياة فالجزاء هنا نكالا أي عقابا و " نكولا " وهو الرجوع عن فعل الذنب أي العبرة المانعة من وقوع الجُرم. فكأن الجزاء كان المقصود منه أن يرى الإنسان من قطعت يده فيمتنع عن التفكير في مثل ما آلت إليه هذه الحالة.

أو أن يحافظ الذي قُطعت يده على ما تبقى من جوارحه الباقية؛ لأنه قد قُطِعت يمينه وإن عاد قُطِعت يساره، فإن عاد قُطِعت رجله اليمنى ثم إن عاد قطعت رجله اليسرى ويكون النكال لمنع الرجوع للجريمة، وهو إما رجوع ممن رأى العقوبة تقع على السارق أو الرجوع من السارق نفسه إن رأى أي جارحة من جوارحه قد نقصت. فيحرص أن تظل الجوارح الباقية له. ويعامل الحق خلقه بسُنة كونية هي: أن من يأخذ غير حقِّه يُحَرم من حَقه. ومثال ذلك قوم من بني إسرائيل قال الله حكما فيهم: لقد استحللتم ما حرمته عليكم فلا جزاء لكم إلا أن أضيق عليكم وأحرم عليكم ما أحللت لكم. فقال:
{  فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ }
[النساء: 160]

إذن ليس في قدرة أحد أن يضحك على الله أو أن يخدع الله أو أن يأخذ ما ليس حقا له. فإن أسرف الإنسان في تعاطي أشياء حرمها الله عليه فسيأتي وقت يحرمه الله فيه من أشياء حللها له كالذي أسرف في شُرب الخمر أو في تناول المواد المخدِّرة التي تغيب عن الوعي، يبتليه الحق بما يجعله محروماً من مُتع أخرى كانت حلالا. وإن أسرف الإنسان مثلا في تناول الحلوى. فإن المرض يأتيه، ويحرم الله عليه أشياء كثيرة.

ولو قاس المسرف على نفسه ما أحله لنفسه بما حرمه الله عليه لوجد الصفقة بالنسبة له خاسرة. فالذي أسرف بغير حق في أن يأكل مال احد، يرى ماله وهو يضيع أمام عينيه. ولنا في ذلك المثل. كان السادة في الريف - قديما - يقومون بتنقية الدقيق إلى درجة عالية حتى يصبح في تمام النقاء من " الردة ". ويسمون هذا النوع من الدقيق " الدقيق العَلاَمَة " وكانوا يأكلون منه ويتركون البقية من الدقيق مختلطا بالردة ليأكله الخدم أو الفقراء، فتأتي فترة يُحرم الأطباء عليهم هذا الدقيق الأبيض، ولا يجد الواحد منهم طعاما إلا الدقيق " السِّن " الذي كان يرفضه قديما فعلينا - إذن - أن ننظر إليها كقضية سائدة في الكون كله، ولنجعل قول الله أمامنا:
{  فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ }
[النساء: 160]

فأنت إن أخذت كسب يد واحدة يحرمك الحق من يدٍ لا من كسب. فإن زدت حرمك الله من جارحة أخرى، وهكذا. وتلك سُنَّة كونية تعدل نظام الكون بالنسبة للناس، وخصوصا من يستبطئون جزاء الآخرة، ومن يُغْريهم ويَغُرهم ويطمعهم حِلْم الله عليهم.

وأنت إذا ما نظرت وصنعت لنفسك رُقعة جغرافية في البيئة التي تعيش فيها في أسرتك، أو حيك، أو بلدك أو أمتك، فأنت تجد قوما قد حرموا بأنفسهم من غير أن يحرم عليهم أحد، فتجد واحداً مصاباً - والعياذ بالله - بالبولينا: ولا يقدر أن يأكل قطعة من اللحم، أو آخر مصابا بمرض السكر؛ وتراه غير قادر على أن يأكل قطعة من الحلوى، أو ملعقة من العسل. لأن أحداً لن يستطيع أن يأخذ شيئا بدون علم الله. وصنع الله ذلك لأنه عزيز لا يُغلَب. فإياك أن تظن أن بإمكانك أخذ شيء من وراء شرع الله أو تظن انك خدعت شَرع الله، فهو سبحانه عزيز لا يُغلَب أبداً. ونرى في حياتنا الذين يأخذون أموالاً بغير حق رشوة أو سرقةً أو اختلاساً، نرى مصارف هذه الأشياء أو الرشاوي أو الأموال قد ذهبت وأنفقت في مهالك ومصائب؛ إننا نجدها قد أخذت ما أخذوه من حرام، ومالت وجارت على ما كسبوه من حلال. وأريد من المسرفين على أنفسهم أن يضعوا لأنفسهم كشف حساب، فيكتبوا في ناحية القرش الذي كسبوه من حرام، ويكتبوا في ناحية أخرى كل قرش كسبوه من حلال. وليشاهد كل مسرف على نفسه في أكل حقوق الناس المصائب التي سيبتليه الله بها، ولسوف يجد أنه قد صرف لمواجهة المصائب كل الحرام وبعضا من الحلال. ولذلك قال الأثر الصالح: " من أصاب مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر ".

وكنت أعرف اثنين من الناس، ولكل واحد منهما ولد في التعليم. وكنت أجد أحدهما يعطي ولده خمسة قروش. فيقول الابن لأبيه: معي مصروف الأمس ". وكان الآخر يعطي ولده عشرة قروش فيقول الابن له: " إنها لا تكفي شيئاً ". وشاء الحق أن يجمعنا نحن الثلاثة في مكتب وزارة الري بالزقازيق، فلما جئنا لنخرج إذا برئيس كتاب تلك المصلحة يأتي بظرف أصفر كبير به أشياء كثيرة ويناوله لواحد منهما، فسألته: ما هذا؟ فقال: بعض من الورق الأبيض وبعض من ورق النشاف وعدد من الأقلام حتى يكتب الأولاد واجبهم المدرسي. فقلت له: هذا سر خيبة أولادك الدراسية وإسرافهم والدروس الخصوصية التي تدفع فيها فوق ما تطيق وسر قول ابنك لك: إن القروش العشرة لا تكفي شيئا.أما الشخص الآخر فابنه يقول له: لا أريد مصروف يد اليوم لأن معي خمسة قروش هي مصروف أمس ولا أريد أن آخذ دروسا خصوصية لأني أحب الاعتماد على نفسي.

وسبحانه الحق القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. ويقول لنا بلاغا:

قال أبو الجلد: " أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل لقومك: ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي؟ إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم قَلِمَ تجعلونني أهون الناظرين إليكم ".

إذن قوله الحق: { جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ } واضح تماما، ويردف الحق قوله هذا: { وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }. وسبحانه عزيز لا يغلبه أحد، حتى الذي يسرق، إنما يسرق الرزق المكتوب له؛ لأن العلماء اتفقوا على أن الشيء المسروق رزق أيضا لأنه يُنتفَع به. ووالله لو صبر لجاءه وطرق عليه بابه. فإياكم أن تحتالوا على قدر الله؛ لأنه حكيم في تقديره.

وكلمة " حكيم " لها في حياتنا قصة، كنا ونحن في مقتبل حياتنا التعليمية نحب الأدب والشعر والشعراء، وبعد أن قرأنا للمعري وجدنا عنده بعضا من الشعر يؤول إلى الإلحاد، فزهدنا فيه وخصوصا عندما قرأنا قوله في قصيدته:
تحطمنا الأيام حتى كأننا   زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
وأخذنا من ذلك القول أنّه ينكر البعث؛ فقلنا: يغنينا الله عنه. ولكن صديقنا الشيخ فهمي عبداللطيف - رحمه الله - رأى المعري في الرؤيا وكان مولعا بالمعري، فجاء إلى ذات صباح ونحن في الزقازيق وقال لي: يا شيخ لقد رأيت المعري الليلة في الرؤيا وهو غاضب منك أنت لأنك جفوته. فقلت: أنا جفوته لكذا وكذا وأنت تعلم السبب في ذلك. وقال الشيخ فهمي عبداللطيف: هذا ما حصل.

وقلت لنفسي: يجب أن أعيد حسابي مع المعري، وجئنا بدواوينه " سقط الزند " و " لزوم ما لا يلزم ". ووجدنا أن للرجل عُذراً في أن يعتب علينا؛ لأن آفة الناس الذين يسجلون خواطر أصحاب الفكر أنهم لا ينظرون إلى تأريخ مقولاتهم، وقد قال المعري قوله الذي أنكره عليه وقت أن كان شابا مفتونا بفكره وعندما نضج قال عكسه. وكثير من المفكرين يمرون بذلك، مثل طه حسين والعقاد، بدأ كل منهما الحياة بكلام قد يؤول إلى الإلحاد ولكنهما كتبا بعد النضج ما يحمل عطر الإيمان الصحيح؛ لذلك لا يصح لمن يحكم عليهم أن يأخذهم بأوليات خواطرهم التي بدأوها بالشَّك حتى يصلوا إلى اليقين. وجلست أبحث في المعري الذي قال:
تحطمنا الأيام حتى كأننا   زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
فوجدته هو نفسه الذي قال بعد أن ذهبت عنه المراهقة الفكرية:
زعم المنجم والطبيب كلاهما   لا تحشر الأجساد قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر   أو صح قولي فالخسار عليكما
كأنه عاد إلى حظيرة الإيمان:

وكذلك قال المعري:
يد بخمس مئين عسجد وُدِيَتْ   ما بالها قُطِعَت في ربع دينار
وقال بعد ذلك:
تناقض مالنا إلا السكوت له   وأن نعوذ بمولانا من النار
وقلت للشيخ فهمي عبداللطيف: للمعري حق في العتاب وسأحاول أن أعاود قراءة شعره، والأبيات التي أرى فيها خروجا سأعد لها قليلا. وعندما جئت إلى ذلك البيت. قلت: لو أنه قال - وأنا أستأذنه -:
لحكمةٍ ما لنا إلا الرضاء بها   وأن نعوذ بمولانا من النار
فَلكل شيء حكمة. وحين نرى طبيباً يمسك طفلا قلبه لا يتحمل المُرِقد - أي البنج - أثناء إجراء عملية جراحية، فهل يظن ظان أن الطبيب ينتقم من هذا الطفل؟ طبعا لا، إذن فلكل شيء حكمة، ويجب أن ننظر إلى الشيء وأن نربطه بحكمته. والله عزيز أي لا يغلبه أحد ولا يحتال عليه أحد. وهو حكيم فيما يضع من عقوبات للجرائم؛ لأنه يزن المجتمع نفسه بميزان العدالة. ومن بعد ذلك يفتح الحق سبحانه باب التوبة رحمة لمن يتوب ورحمة للمجتمع؛ لذلك يقول الحق: { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ... }


www.alro7.net