سورة
اية:

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ

تفسير بن كثير

لما رأى زكريا عليه السلام أن اللّه يرزق مريم عليها السلام فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، وإن كان شيخاً كبيراً قد وهن منه العظم، واشتعل الرأس شيباً، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقراً، ولكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفياً، وقال: { رب هب لي من لدنك} أي من عندك { ذرية طيبة} أي ولداً صالحاً { إنك سميع الدعاء} قال تعالى: { فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} أي خاطبته الملائكة شفاهاً خطاباً أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته، ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة { أن اللّه يبشرك بيحيى} أي يولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة: إنما سمي يحيى لأن اللّه أحياه بالإيمان، وقوله { مصدقاً بكلمة من اللّه} روى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: { مصدقاً بكلمة من اللّه} أي بعيسى بن مريم، وقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى بن مريم، وقال ابن جريج: قال ابن عباس: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك فذلك تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى وكلمة اللّه عيسى، وهو أكبر من عيسى عليه السلام وهكذا قال السدي أيضاً. وقوله تعالى: { وسيداً} قال أبو العالية حليماً، وقال قتادة: سيداً في العلم والعبادة، وقال ابن عباس: السيد الحليم التقي، وقال ابن المسيب: هو الفقيه العالم، وقال عطية: السيد في خُلُقه ودينه، وقال ابن زيد: هو الشريف، وقال مجاهد: هو الكريم على اللّه عز وجل. وقوله تعالى: { وحصوراً} روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد أنهم قالوا: الذي لا يأتي النساء، وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له ولا ماء له، وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص يقول: ليس أحد من خلق اللّه لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا، ثم قرأ سعيد { وسيداً وحصوراً} ثم أخذ شيئاً من الأرض فقال: الحصور من كان ذكره مثل ذا. وقد قال( القاضي عياض) في كتابه (الشفاء) اعلم أن ثناء اللّه تعالى على يحيى أنه كان حصورا ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوباً، أو لا ذَكَر له، بل قد أنكر هذا حذَاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب لا يليق بالأنبياء عليهم السلام، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها كأنه حصور عنها، وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات، وقيل: ليست له شهوة في النساء، وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم يمنعها، إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من اللّه عزّ وجلّ كيحيى عليه السلام، ثم هي في حق من قدر عليها - وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه - درجة عليا، وهي درجة نبينا صلى اللّه عليه وسلم الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن، وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن، بل قد صرح أنها ليست من حظوط دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره فقال: (حبب إليّ من دنياكم) ""انظر الشفاء للقاضي عياض فهو كتاب جليل ونفيس"" هذا لفظه والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم من الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: { هب لي من لدنك ذرية طيبة} كأنه قال ولداً له ذرية ونسل وعقب، واللّه سبحانه وتعالى أعلم. قوله تعالى: { ونبياً من الصالحين} هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى، كقوله لأم موسى: { إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} فلما تحقق زكريا عليه السلام هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر، { قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال} : أي الملك، { كذلك اللّه يفعل ما يشاء} أي هكذا أمر اللّه عظيم لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر، { قال رب اجعل لي آية} أي علامة استدل بها على وجود الولد مني، { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلى رمزاً} أي إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح، كما في قوله: { ثلاث ليال سوياً} ثم أمره بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال، فقال تعالى: { واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار} .

تفسير الجلالين

{ هنالك } أي لما رأى زكريَّا ذلك وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء في غير حينه قادر على الإتيان بالولد على الكبر وكان أهل بيته انقرضوا { دعا زَكَريَّاُ ربَّه } لما دخل المحراب للصلاة جوف الليل { قال ربِّ هب لي من لدنك } من عندك { ذرية طيبة } ولدا صالحا { إنك سميع } مجيب { الدعاء } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبّه } أَمَّا قَوْله : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبّه } فَمَعْنَاهُ : عِنْد ذَلِكَ , أَيْ عِنْد رُؤْيَة زَكَرِيَّا مَا رَأَى عِنْد مَرْيَم مِنْ رِزْق اللَّه الَّذِي رَزَقَهَا , وَفَضْله الَّذِي آتَاهَا مِنْ غَيْر تَسَبُّب أَحَد مِنْ الْآدَمِيِّينَ فِي ذَلِكَ لَهَا , وَمُعَايَنَته عِنْدهَا الثَّمَرَة الرَّطْبَة الَّتِي لَا تَكُون فِي حِين رُؤْيَته إِيَّاهَا عِنْدهَا فِي الْأَرْض ; طَمِعَ فِي الْوَلَد مَعَ كِبَر سِنّه مِنْ الْمَرْأَة الْعَاقِر , فَرَجَا أَنْ يَرْزُقهُ اللَّه مِنْهَا الْوَلَد مَعَ الْحَال الَّتِي هُمَا بِهَا , كَمَا رَزَقَ مَرْيَم عَلَى تَخَلِّيهَا مِنْ النَّاس مَا رَزَقَهَا , مِنْ ثَمَرَة الصَّيْف فِي الشِّتَاء , وَثَمَرَة الشِّتَاء فِي الصَّيْف , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْله مِمَّا جَرَتْ بِوُجُودِهِ فِي مِثْل ذَلِكَ الْحِين الْعَادَات فِي الْأَرْض , بَلْ الْمَعْرُوف فِي النَّاس غَيْر ذَلِكَ , كَمَا أَنَّ وِلَادَة الْعَاقِر غَيْر الْأَمْر الْجَارِيَة بِهِ الْعَادَات فِي النَّاس , فَرَغِبَ إِلَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الْوَلَد , وَسَأَلَهُ ذُرِّيَّة طَيِّبَة . وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل بَيْت زَكَرِيَّا فِيمَا ذُكِرَ لَنَا , كَانُوا قَدْ اِنْقَرَضُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْت . كَمَا : 5460 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : فَلَمَّا رَأَى زَكَرِيَّا مِنْ حَالهَا ذَلِكَ يَعْنِي فَاكِهَة الصَّيْف فِي الشِّتَاء , وَفَاكِهَة الشِّتَاء فِي الصَّيْف , قَالَ : إِنَّ رَبًّا أَعْطَاهَا هَذَا فِي غَيْر حِينه , لَقَادِر عَلَى أَنْ يَرْزُقنِي ذُرِّيَّة طَيِّبَة . وَرَغِبَ فِي الْوَلَد , فَقَامَ فَصَلَّى , ثُمَّ دَعَا رَبّه سِرًّا , فَقَالَ : { رَبّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْم مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْس شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِك رَبّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْت الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ اِمْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا يَرِثنِي وَيَرِث مِنْ آل يَعْقُوب وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا } . 19 4 : 6 وَقَوْله : { رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبَة إِنَّك سَمِيع الدُّعَاء } . وَقَالَ : { رَبّ لَا تَذَرنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْر الْوَارِثِينَ } . 21 89 5461 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْن مُسْلِم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ زَكَرِيَّا - يَعْنِي فَاكِهَة الصَّيْف فِي الشِّتَاء , وَفَاكِهَة الشِّتَاء فِي الصَّيْف عِنْد مَرْيَم - قَالَ : إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهَذَا مَرْيَم فِي غَيْر زَمَانه , قَادِر أَنْ يَرْزُقنِي وَلَدًا ! قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبّه } قَالَ : فَذَلِكَ حِين دَعَا . 5462 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : فَدَخَلَ الْمِحْرَاب , وَغَلَّقَ الْأَبْوَاب , وَنَاجَى رَبّه , فَقَالَ : { رَبّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْم مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْس شَيْبًا } 19 4 إِلَى قَوْله : { رَبّ رَضِيًّا } 19 6 { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَة وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب أَنَّ اللَّه يُبَشِّرك بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه } . . .. الْآيَة . 3 39 5463 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني بَعْض أَهْل الْعِلْم , قَالَ : فَدَعَا زَكَرِيَّا عِنْد ذَلِكَ بَعْد مَا أَسَنَّ , وَلَا وَلَد لَهُ , وَقَدْ اِنْقَرَضَ أَهْل بَيْته , فَقَالَ : { رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبه إِنَّك سَمِيع الدُّعَاء } ثُمَّ شَكَا إِلَى رَبّه , فَقَالَ : { رَبّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْم مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْس شَيْبًا } . . .. 19 4 إِلَى : { وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا } 19 6 { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَة وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب } . . .. الْآيَة . 3 39 الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبّه } أَمَّا قَوْله : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبّه } فَمَعْنَاهُ : عِنْد ذَلِكَ , أَيْ عِنْد رُؤْيَة زَكَرِيَّا مَا رَأَى عِنْد مَرْيَم مِنْ رِزْق اللَّه الَّذِي رَزَقَهَا , وَفَضْله الَّذِي آتَاهَا مِنْ غَيْر تَسَبُّب أَحَد مِنْ الْآدَمِيِّينَ فِي ذَلِكَ لَهَا , وَمُعَايَنَته عِنْدهَا الثَّمَرَة الرَّطْبَة الَّتِي لَا تَكُون فِي حِين رُؤْيَته إِيَّاهَا عِنْدهَا فِي الْأَرْض ; طَمِعَ فِي الْوَلَد مَعَ كِبَر سِنّه مِنْ الْمَرْأَة الْعَاقِر , فَرَجَا أَنْ يَرْزُقهُ اللَّه مِنْهَا الْوَلَد مَعَ الْحَال الَّتِي هُمَا بِهَا , كَمَا رَزَقَ مَرْيَم عَلَى تَخَلِّيهَا مِنْ النَّاس مَا رَزَقَهَا , مِنْ ثَمَرَة الصَّيْف فِي الشِّتَاء , وَثَمَرَة الشِّتَاء فِي الصَّيْف , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْله مِمَّا جَرَتْ بِوُجُودِهِ فِي مِثْل ذَلِكَ الْحِين الْعَادَات فِي الْأَرْض , بَلْ الْمَعْرُوف فِي النَّاس غَيْر ذَلِكَ , كَمَا أَنَّ وِلَادَة الْعَاقِر غَيْر الْأَمْر الْجَارِيَة بِهِ الْعَادَات فِي النَّاس , فَرَغِبَ إِلَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الْوَلَد , وَسَأَلَهُ ذُرِّيَّة طَيِّبَة . وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل بَيْت زَكَرِيَّا فِيمَا ذُكِرَ لَنَا , كَانُوا قَدْ اِنْقَرَضُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْت . كَمَا : 5460 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : فَلَمَّا رَأَى زَكَرِيَّا مِنْ حَالهَا ذَلِكَ يَعْنِي فَاكِهَة الصَّيْف فِي الشِّتَاء , وَفَاكِهَة الشِّتَاء فِي الصَّيْف , قَالَ : إِنَّ رَبًّا أَعْطَاهَا هَذَا فِي غَيْر حِينه , لَقَادِر عَلَى أَنْ يَرْزُقنِي ذُرِّيَّة طَيِّبَة . وَرَغِبَ فِي الْوَلَد , فَقَامَ فَصَلَّى , ثُمَّ دَعَا رَبّه سِرًّا , فَقَالَ : { رَبّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْم مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْس شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِك رَبّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْت الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ اِمْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا يَرِثنِي وَيَرِث مِنْ آل يَعْقُوب وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا } . 19 4 : 6 وَقَوْله : { رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبَة إِنَّك سَمِيع الدُّعَاء } . وَقَالَ : { رَبّ لَا تَذَرنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْر الْوَارِثِينَ } . 21 89 5461 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْن مُسْلِم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ زَكَرِيَّا - يَعْنِي فَاكِهَة الصَّيْف فِي الشِّتَاء , وَفَاكِهَة الشِّتَاء فِي الصَّيْف عِنْد مَرْيَم - قَالَ : إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهَذَا مَرْيَم فِي غَيْر زَمَانه , قَادِر أَنْ يَرْزُقنِي وَلَدًا ! قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبّه } قَالَ : فَذَلِكَ حِين دَعَا . 5462 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : فَدَخَلَ الْمِحْرَاب , وَغَلَّقَ الْأَبْوَاب , وَنَاجَى رَبّه , فَقَالَ : { رَبّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْم مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْس شَيْبًا } 19 4 إِلَى قَوْله : { رَبّ رَضِيًّا } 19 6 { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَة وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب أَنَّ اللَّه يُبَشِّرك بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه } . . .. الْآيَة . 3 39 5463 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني بَعْض أَهْل الْعِلْم , قَالَ : فَدَعَا زَكَرِيَّا عِنْد ذَلِكَ بَعْد مَا أَسَنَّ , وَلَا وَلَد لَهُ , وَقَدْ اِنْقَرَضَ أَهْل بَيْته , فَقَالَ : { رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبه إِنَّك سَمِيع الدُّعَاء } ثُمَّ شَكَا إِلَى رَبّه , فَقَالَ : { رَبّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْم مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْس شَيْبًا } . . .. 19 4 إِلَى : { وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا } 19 6 { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَة وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب } . . .. الْآيَة . 3 39 ' وَأَمَّا قَوْله : { رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبَة } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالذُّرِّيَّةِ : النَّسْل , وَبِالطَّيِّبَةِ : الْمُبَارَكَة . كَمَا : 5464 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبَة } يَقُول : مُبَارَكَة . وَأَمَّا قَوْله : { مِنْ لَدُنْك } فَإِنَّهُ يَعْنِي مِنْ عِنْدك . وَأَمَّا الذُّرِّيَّة : فَإِنَّهَا جَمْع , وَقَدْ تَكُون فِي مَعْنَى الْوَاحِد , وَهِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِع الْوَاحِد ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي مَوْضِع آخَر مُخْبِرًا عَنْ دُعَاء زَكَرِيَّا : { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا } 19 5 وَلَمْ يَقُلْ " أَوْلِيَاء " , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَ وَاحِدًا . وَإِنَّمَا أَنَّثَ طَيِّبَة لِتَأْنِيثِ الذُّرِّيَّة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَبُوك خَلِيفَة وَلَدَتْهُ أُخْرَى وَأَنْتَ خَلِيفَة , ذَاكَ الْكَمَال فَقَالَ : وَلَدَتْهُ أُخْرَى , فَأَنَّثَ , وَهُوَ ذَكَر لِتَأْنِيثِ لَفْظ الْخَلِيفَة , كَمَا قَالَ الْآخَر : كَمَا يَزْدَرِي مِنْ حَيَّة جَبَلِيَّة سَكَاب إِذَا مَا عَضَّ لَيْسَ بِأَدْرَدَا فَأَنَّثَ الْجَبَلِيَّة لِتَأْنِيثِ لَفْظ الْحَيَّة , ثُمَّ رَجَعَا إِلَى الْمَعْنَى فَقَالَ : إِذَا مَا عَضَّ لِأَنَّهُ كَانَ أَرَادَ حَيَّة ذَكَرًا , وَإِنَّمَا يَجُوز هَذَا فِيمَا لَمْ يَقَع عَلَيْهِ فُلَان مِنْ الْأَسْمَاء كَالدَّابَّةِ وَالذُّرِّيَّة وَالْخَلِيفَة , فَأَمَّا إِذَا سُمِّيَ رَجُل بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , فَكَانَ فِي مَعْنَى فُلَان لَمْ يَجُزْ تَأْنِيث فِعْله وَلَا نَعْته .وَأَمَّا قَوْله : { رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبَة } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالذُّرِّيَّةِ : النَّسْل , وَبِالطَّيِّبَةِ : الْمُبَارَكَة . كَمَا : 5464 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْك ذُرِّيَّة طَيِّبَة } يَقُول : مُبَارَكَة . وَأَمَّا قَوْله : { مِنْ لَدُنْك } فَإِنَّهُ يَعْنِي مِنْ عِنْدك . وَأَمَّا الذُّرِّيَّة : فَإِنَّهَا جَمْع , وَقَدْ تَكُون فِي مَعْنَى الْوَاحِد , وَهِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِع الْوَاحِد ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي مَوْضِع آخَر مُخْبِرًا عَنْ دُعَاء زَكَرِيَّا : { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا } 19 5 وَلَمْ يَقُلْ " أَوْلِيَاء " , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَ وَاحِدًا . وَإِنَّمَا أَنَّثَ طَيِّبَة لِتَأْنِيثِ الذُّرِّيَّة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَبُوك خَلِيفَة وَلَدَتْهُ أُخْرَى وَأَنْتَ خَلِيفَة , ذَاكَ الْكَمَال فَقَالَ : وَلَدَتْهُ أُخْرَى , فَأَنَّثَ , وَهُوَ ذَكَر لِتَأْنِيثِ لَفْظ الْخَلِيفَة , كَمَا قَالَ الْآخَر : كَمَا يَزْدَرِي مِنْ حَيَّة جَبَلِيَّة سَكَاب إِذَا مَا عَضَّ لَيْسَ بِأَدْرَدَا فَأَنَّثَ الْجَبَلِيَّة لِتَأْنِيثِ لَفْظ الْحَيَّة , ثُمَّ رَجَعَا إِلَى الْمَعْنَى فَقَالَ : إِذَا مَا عَضَّ لِأَنَّهُ كَانَ أَرَادَ حَيَّة ذَكَرًا , وَإِنَّمَا يَجُوز هَذَا فِيمَا لَمْ يَقَع عَلَيْهِ فُلَان مِنْ الْأَسْمَاء كَالدَّابَّةِ وَالذُّرِّيَّة وَالْخَلِيفَة , فَأَمَّا إِذَا سُمِّيَ رَجُل بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , فَكَانَ فِي مَعْنَى فُلَان لَمْ يَجُزْ تَأْنِيث فِعْله وَلَا نَعْته .' وَأَمَّا قَوْله : { إِنَّك سَمِيع الدُّعَاء } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : إِنَّك سَامِع الدُّعَاء , غَيْر أَنَّ سَمِيع أَمْدَح , وَهُوَ بِمَعْنَى ذُو سَمْع لَهُ , وَقَدْ زَعَمَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة أَنَّ مَعْنَاهُ : إِنَّك تَسْمَع مَا تُدْعَى بِهِ . فَتَأْوِيل الْآيَة : فَعِنْد ذَلِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبّه فَقَالَ : رَبّ هَبْ لِي مِنْ عِنْدك وَلَدًا مُبَارَكًا , إِنَّك ذُو سَمْع دُعَاء مَنْ دَعَاك .وَأَمَّا قَوْله : { إِنَّك سَمِيع الدُّعَاء } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : إِنَّك سَامِع الدُّعَاء , غَيْر أَنَّ سَمِيع أَمْدَح , وَهُوَ بِمَعْنَى ذُو سَمْع لَهُ , وَقَدْ زَعَمَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة أَنَّ مَعْنَاهُ : إِنَّك تَسْمَع مَا تُدْعَى بِهِ . فَتَأْوِيل الْآيَة : فَعِنْد ذَلِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبّه فَقَالَ : رَبّ هَبْ لِي مِنْ عِنْدك وَلَدًا مُبَارَكًا , إِنَّك ذُو سَمْع دُعَاء مَنْ دَعَاك .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فتقبلها ربها بقبول حسن} المعنى : سلك بها طريق السعداء؛ عن ابن عباس. وقال قوم : معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها. وقال الحسن : معنى التقبل أنه ما عذبها ساعة قط من ليل ولا نهار. { وأنبتها نباتا حسنا} يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد. والقبول والنبات مصدران على غير المصدر، والأصل تقبلا وإنباتا. قال الشاعر : أكفرا بعد رد الموت عني ** وبعد عطائك المائة الرتاعا أراد بعد إعطائك، لكن لما قال { أنبتها} دل على نبت؛ كما قال امرؤ القيس : فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ** ورضت فذلت صعبة أي إذلال وإنما مصدر ذَلّت ذُلٌّ، ولكنه رده على معنى أذْلَلتْ؛ وكذلك كل ما يرد عليك في هذا الباب. فمعنى تقبل وقبل واحد، فالمعنى فقبلها ربها بقبول حسن. ونظيره قول رؤبة : وقد تَطَوّيتُ انطواء الحِضْبِ ** الأفعى لأن معنى تَطَوّيتُ وانطويت واحد؛ ومثله قول القطامي : وخير الأمر ما استقبلت منه ** وليس بأن تتبعه اتباعا لأن تتبعت واتبعت واحد. وفي قراءة ابن مسعود "وأنزل الملائكة تنزيلا" لأن معنى نزل وأنزل واحد. وقال المفضل : معناه وأنبتها فنبتت نباتا حسنا. ومراعاة المعنى أولى كما ذكرنا. والأصل في القبول الضم؛ لأنه مصدر مثل الدخول والخروج، والفتح جاء في حروف قليلة؛ مثل الوَلوع والوزوع؛ هذه الثلاثة لا غير؛ قاله أبو عمر والكسائي والأئمة. وأجاز الزجاج "بقبول" بضم القاف على الأصل. قوله تعالى { وكفلها زكريا} أي ضمها إليه. أبو عبيدة : ضمن القيام بها. وقرأ الكوفيون { وكفلها} بالتشديد، فهو يتعدى إلى مفعولين؛ والتقدير وكفلها ربها زكريا، أي ألزمه كفالتها وقدر ذلك عليه ويسره له. وفي مصحف أبي "وأكفلها" والهمزة كالتشديد في التعدي؛ وأيضا فإن قبْله "فتقبلها، وأنبتها" فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها؛ فجاء { كفلها} بالتشديد على ذلك. وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا. فأخبر الله تعالى أنه هو الذي تولى كفالتها والقيام بها؛ بدلالة قوله { أيهم يكفل مريم} [آل عمران : 44]. قال مكي : وهو الاختيار؛ لأن التشديد يرجع إلى التخفيف، لأن الله تعالى إذا كفلها زكريا كفلها بأمر الله، ولأن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته؛ فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان. وروى عمرو بن موسى عن عبدالله بن كثير وأبي عبدالله المزني { وكفلها} بكسر الفاء. قال الأخفش : يقال كَفَلَ يَكْفُلُ وكَفِلَ يَكْفَلُ ولم أسمع كَفُلَ، وقد ذكرت. وقرأ مجاهد "فتقبلْها" بإسكان اللام على المسألة والطلب. "ربها" بالنصب نداء مضاف. "وأنبتْها" بإسكان التاء "وكفلها" بإسكان اللام "زكرياء" بالمد والنصب. وقرأ حفص وحمزة والكسائي "زكريا" بغير مد ولا همزة، ومده الباقون وهمزوه. وقال الفراء : أهل الحجاز يمدون "زكرياء" ويقصرونه، وأهل نجد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون : زكري. قال الأخفش : فيه أربع لغات : المد والقصر، وكري بتشديد الياء والصرف، وزكر ورأيت زكريا. قال أبو حاتم : زكرى بلا صرف لأنه أعجمي وهذا غلط؛ لأن ما كان فيه "يا" مثل هذا انصرف مثل كرسي ويحيى، ولم ينصرف زكرياء في المد والقصر لأن فيه ألف تأنيث والعجمة والتعريف. قوله تعالى { كلما دخل عليها زكريا المحراب} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى { كلما دخل عليها زكريا المحراب} المحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس. وسيأتي له مزيد بيان في سورة "مريم". وجاء في الخبر : إنها كانت في غرفة كان زكريا يصعد إليها بسلم. قال وضاح اليمن : ربة محراب إذا جئتها ** لم أَلْقها حتى ارتَقِي سلما أي ربة غرفة. روى أبو صالح عن ابن عباس قال : حملت امرأة عمران بعد ما أسنت فنذرت ما في بطنها محررا فقال لها عمران : ويحك ما صنعت؟ أرأيت إن كانت أنثى؟ فاغتما لذلك جميعا. فهلك عمران وحنة حامل فولدت أنثى فتقبلها الله بقبول حسن، وكان لا يحرر إلا الغلمان فتساهم عليها الأحبار بالأقلام التي يكتبون بها الوحي، على ما يأتي. فكفلها زكريا وأخذ لها موضعا فلما أسنت جعل لها محرابا لا يرتقي إليه إلا بسلم، واستأجر لها ظئرا وكان يغلق عليها بابا، وكان لا يدخل عليها إلا زكريا حتى كبرت، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون عند خالتها وكانت خالتها امرأة زكريا في قول الكلبي. قال مقاتل : كانت أختها امرأة زكريا. وكانت إذا طهرت من حيضتها واغتسلت ردها إلى المحراب. وقال بعضهم : كانت لا تحيض وكانت مطهرة من الحيض. وكان زكريا إذا دخل عليها يجد عندها فاكهة الشتاء في القيظ وفاكهة القيظ في الشتاء فقال : يا مريم أنى لك هذا؟ فقالت : هو من عند الله. فعند ذلك طمع زكريا في الولد وقال : إن الذي يأتيها بهذا قادر أن يرزقني ولدا. ومعنى { أنى} من أين؛ قاله أبو عبيدة. قال النحاس : وهذا فيه تساهل؛ لأن "أين" سؤال عن المواضع و"أنى" سؤال عن المذاهب والجهات. والمعنى من أي المذاهب ومن أي الجهات لك هذا. وقد فرق الكميت بينهما فقال : أنى ومن أين آبك الطرب ** من حيث لا صبوة ولا ريب و { كلما} منصوب بـ { وجد} ، أي كل دخلة. { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} قيل : هو من قول مريم، ويجوز أن يكون مستأنفا؛ فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 35 - 41


سورة ال عمران الايات 37 - 46

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إنها ساعة أن قالت له: إن الرزق من عند الله، وأنه الحق الذي يرزق من يشاء بغير حساب، هنا أيقظت فيه القضية الإيمانية فجاءت أمنيته إلى بؤرة الشعور، فقال زكريا لنفسه: فلنطلب من ربنا أن يرزقنا ما نرجوه لأنفسنا، وما دام قد قال هذا القول فلا بد أنه قد صدق مريم في قضيتها، بأن هذا الرزق الذي يأتيها هو من عند الله، ودليل آخر في التصديق, هو أنه لا بد وقد رأى أن الألوان المتعددة من الرزق التي توجد عند مريم ليست في بيئته، أو ليست في أوانها؛ وكل ذلك في المحراب.

ونحن نعرف أن المحراب كلمة يراد بها بيت العبادة. يقول الحق:
{  يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ }
[سبأ: 13].

أو " المحراب " وهو مكان الإمام في المسجد، أو هو حجرة يصعد إليها بسلم، كالمبلغات التي تقام في بعض المساجد. وما دامت مريم قد أخبرت زكريا وهي في المحراب بأن الرزق من عند الله، وأيقظت بذلك تلك القضية الإيمانية في بؤرة شعوره، فماذا يكون تصرفه؟ هنا دعا زكريا أثناء وجوده في المحراب. { رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ } إنه هنا يطلب الولد. ولكن لا بد لنا أن نلاحظ ما يلي:

- هل كان طلبه للولد لما يطلبه الناس العاديون من أن يكون زينة للحياة أو " عزوة " أو ذكرا؟ لا، إنه يطلب الذرية الطيبة، وذكر زكريا الذرية الطيبة تفيد معرفته أن هنالك ذرية غير طيبة. وفي قول زكريا الذي أورده الحق:
{  يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ }
[مريم: 6].

أي أن يكون دعاء لإرث النبوة وإرث المناهج وإرث القيم، هكذا طلب زكريا الولد. لقد طلبه لمهام كبيرة، وقول زكريا: " رب هب " تعني أنه استعطاء شيء بلا مقابل، إنه يعترف. أنا ليس لي المؤهلات التي تجعل لي ولدا؛ لأني كبير السن وامرأتي عاقر، إذن فعطاؤك يارب لي هو هبة وليس حقا، وحتى الذي يملك الاستعداد لا يكون هذا الأمر حقا له، فلا بد أن يعرف أن عطاء الله له يظل هبة، فإياك أن تظن أن اكتمال الأسباب والشباب هي التي تعطي الذرية، إن الحق سبحانه ينبهنا ألاّ نقع في خديعة وغش أنفسنا بالأسباب.
{  لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }
[الشورى: 49-50].

إن في ذلك لفتا واضحا وتحذيراً محدداً ألا نفتتن بالأسباب، إذن فلكل عطاء من الله هو هبة، والأسباب لا تعطي أحدا ما يريد.إن زكريا يقول: { رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ } وساعة أن تقول من: " لدنك " فهو يعني " هب لي من وراء أسبابك ". لماذا؟ لأن الكل من الله.

ولكن هناك فرقا بين عطاء الله بسبب، كأن يذهب إنسان ليتعلم العلم ويمكث عشرين عاما ليتعلم، وهناك إنسان يفيض الله عليه بموهبة ما، ولذلك يقول أهل الإشراقات: إنه علم لدنى، أي من غير تعب، وساعة أن نسمع " من لدن " أي انعزلت الأسباب، كان دعاء زكريا هو { رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ } وكلمة " هب " توضح ما جاء في سورة مريم من قول زكريا:
{  قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً }
[مريم: 8].

إن " هب " هي التي توضح لنا هذه المعاني؛ هذا كان دعاء زكريا: { رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ } فهل المراد أن يسمع الله الدعاء؟ أم أن يجيب الله الدعاء؟ إنه يضع كل أمله في الله، وكأنه يقول: إنك يارب من فور أن تسمعني ستجيبني إلى طلبي بطلاقة قدرتك. لماذا؟ لأنك يارب تعلم صدق نيتي في أنني أريد الغلام لا لشيء من أمور كقرة العين، والذكر، والعز، وغيرها، إنما أريد الولد ليكون وارثا لي في حمل منهجك في الأرض، وبعد ذلك يقول الحق: { فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ... }


www.alro7.net