سورة
اية:

يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الإنكفاف من المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها { وابتغوا إليه الوسيلة} قال ابن عباس: أي القربة، وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضاً عَلَمٌ على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر ابن عبد اللّه قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة) حديث آخر : في صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى اللّه عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجوا أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة) حديث آخر : عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صليتم عليّ فسلوا لي الوسيلة)، قيل: يا رسول اللّه وما الوسيلة؟ قال: (أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجوا أن أكون أنا هو) ""رواه أحمد والترمذي""عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (سلوا الله لي الوسيلة فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة) وقوله تعالى: { وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون} لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات أمرهم بقتال الأعداء، من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم. والتاركين للدين القويم، ورغبهم في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة، من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة، التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة، الآمنة الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ينعم لا ييأس، ويحيى لا يموت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، ثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة فقال: { إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم} أي لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهباً وبمثله ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه بل لا مندوحة عنه ولا محيص ولا مناص ولهذا قال { ولهم عذاب أليم} أي موجع، { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم} كما قال تعالى: { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} الآية. فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم مسه ولا سبيل لهم إلى ذلك، كلما رفعهم اللهب فصاروا في أعلى جهنم ضربتهم الزبانة بالمقامع الحديد فيردوهم إلى أسفلها { ولهم عذاب مقيم} أي دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها، وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقال له يا ابن آدم كيف وجدت مضجعك؟ فيقول شر مضجع، فيقال له تفتدي بقراب الأرض ذهباً؟ قال فيقول: نعم يا رب، فيقول اللّه تعالى: كذبت قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل فيؤمر به إلى النار) ""رواه مسلم والنسائي عن أنَس بن مالك مرفوعاً""وعن جابر ابن عبد اللّه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة) قال: فقلت لجابر بن عبد الله يقول الله { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} قال: أتل أول الآية { إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به} الآية، ألا إنهم الذين كفروا ""رواه الحافظ ابن مردويه""وعن طلق بن حبيب قال: كنت من أشد الناس تكذيباً بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد اللّه، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار فقال: يا طلق أتراك أقرأ لكتاب اللّه وأعلم بسنّة رسول الله مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوباً فعذبوا ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرجون من النار بعدما دخلوا) ونحن نقرأ كما قرأت. رواه ابن مردويه.

تفسير الجلالين

{ يريدون } يتمنَّون { أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } دائم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّار وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّار } يُرِيد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَوْم الْقِيَامَة أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّار بَعْد دُخُولهَا , الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّار وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّار } يُرِيد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَوْم الْقِيَامَة أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّار بَعْد دُخُولهَا ,' يَقُول : لَهُمْ عَذَاب دَائِم ثَابِت لَا يَزُول عَنْهُمْ وَلَا يَنْتَقِل أَبَدًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَإِنَّ لَكُمْ بِيَوْمِ الشِّعْب مِنِّي عَذَابًا دَائِمًا لَكُمْ مُقِيمَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 9305 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , أَنَّ نَافِع بْن الْأَزْرَق قَالَ لِابْنِ عَبَّاس : يَا أَعْمَى الْبَصَر , أَعْمَى الْقَلْب , تَزْعُم أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار , وَقَدْ قَالَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا } ؟ فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَيْحك , اقْرَأ مَا فَوْقهَا ! هَذِهِ لِلْكُفَّارِ .يَقُول : لَهُمْ عَذَاب دَائِم ثَابِت لَا يَزُول عَنْهُمْ وَلَا يَنْتَقِل أَبَدًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَإِنَّ لَكُمْ بِيَوْمِ الشِّعْب مِنِّي عَذَابًا دَائِمًا لَكُمْ مُقِيمَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 9305 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , أَنَّ نَافِع بْن الْأَزْرَق قَالَ لِابْنِ عَبَّاس : يَا أَعْمَى الْبَصَر , أَعْمَى الْقَلْب , تَزْعُم أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار , وَقَدْ قَالَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا } ؟ فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَيْحك , اقْرَأ مَا فَوْقهَا ! هَذِهِ لِلْكُفَّارِ .'

تفسير القرطبي

قال يزيد الفقير : قيل لجابر بن عبدالله إنكم يا أصحاب محمد تقولون إن قوما يخرجون من النار والله تعالى يقول { وما هم بخارجين منها} فقال جابر : إنكم تجعلون العام خاصا والخاص عاما، إنما هذا في الكفار خاصة؛ فقرأت الآية كلها من أولها إلى آخرها فإذا هي في الكفار خاصة. و { مقيم} معناه دائم ثابت لا يزول ولا يحول؛ قال الشاعر : فإن لكم بيوم الشعب مني ** عذابا دائما لكم مقيما

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 35 - 38

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وكلما مَسَّهم لفحُ النار يريدون أن يخرجوا منها، لكن كيف تأتي لهم إرادة الخروج من النار. لا بد - إذن - أن لحظة لفحها عليهم وتقبلهم هنا وهناك تدفعهم ألسنة اللهب إلى القرب من الخارج فيظنون أن العذاب قد انتهى. ألم يقل الحق سبحانه من أجل أن يضع أمامنا التجسيد الكامل لبشاعة الجحيم:
{  وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ }
[الكهف: 29]

هذا القول يُوحى أولاً بأن رحمةً ما ستصل إليهم، ولكن ما يأتي بعد هذا القول يرسم الهول الكامل ويجسده:
{  يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ }
[الكهف: 29]

وهذه قمة الهول. وهناك فرق بين الابتداء المُطمع والانتهاء المُوئِس.

مثال ذلك السجين العطشان الذي يطلب كوب ماء. ويستطيع السجّأن أن يقول له: لا. ليس هناك ماء. أما إذا أراد السجان تعذيبه بأكثر من ذلك فهو يقول له: سآتي لك بالماء ويحضر له كوباً من ماء زلال، ويمد السجين يده لكوب الماء، لكن السجان يسكب كوب الماء أرضاً. هذا هو الابتداء المُطْمع والانتهاء المُوئِس. وكذلك رغبتهم في الخروج من النار؛ فلا إرادة لَهم في الخروج إلا إذا كانت هناك مظنة أن يخرجوا نتيجة تقليب ألسنة اللهب لهم، ولذلك يقول الحق أيضاً عن هؤلاء:
{  فَبَشِّرْهُم }
[آل عمران: 21]

وتثير البُشرى في النفس الأمل في العفو، فيفرحون ولكن تكون النتيجة هي:
{  بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
[آل عمران: 21]

وهكذا يريد لهم الحق صدمة الألم الموئس بعد الرجاء المطمع.
{  يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ }
[المائدة: 37]

وبعد ذلك ينقلنا الحق إلى قوله سبحانه: { وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ... }


www.alro7.net