سورة
اية:

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

تفسير بن كثير

امرأة عمران هذه هي أم مريم عليها السلام وهي حنة بنت فاقوذ ، قال محمد بن إسحاق، وكانت امرأة لا تحمل فرأت يوماً طائراً يزق فرخه، فاشتهت الولد فدعت اللّه تعالى أن يهبها ولداً، فاستجاب اللّه دعاءها فواقعها زوجها فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرت أن يكون محرراً، أي خالصاً مفرغاً للعبادة لخدمة بيت المقدس، فقالت: يارب { إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم} أي السميع لدعائي العليم بنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكراً أم أنثى، { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى واللّه أعلم بما وضعت، وليس الذكر كالأنثى} أي في القوة، والجلد في العبادة، وخدمة المسجد الأقصى، { وإني سميتها مريم} فيه دليل على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقرراً وبذلك ثبتت السنّة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال: (ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم) أخرجاه، وكذلك ثبت فيهما أن أنَس بن مالك ذهب بأبيه حين ولدته أمه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحنكه وسماه عبد اللّه وفي صحيح البخاري: أن رجلاً قال: يا رسول اللّه ولد لي الليلة ولد فما أسميه؟ قال: (سم ابنك عبد الرحمن) فأما حديث قتادة عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (كل غلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السابع ويسمى ويحلق رأسه( فقد رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي. وقوله تعالى إخباراً عن أم مريم أنها قالت: { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} أي عوذتها باللّه عزّ وجلّ من شر الشيطان، وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى عليه السلام، فاستجاب اللّه لها ذلك. عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مسه إياه إلا مريم وابنها)، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} ""أخرجه البخاري ومسلم"" وعن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى ابن مريم ومريم)، ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} ""أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً""

تفسير الجلالين

( فلما وضعتها ) ولدتها جارية وكانت ترجو أن يكون غلامًا إذ لم يكن يحرر إلا الغلمان ( قالت ) معتذرة يا ( رب إني وضعتها أنثى والله أعلم ) أي عالم ( بما وضعت ) جملة اعتراض من كلامه تعالى وفي قراءة بضم التاء ( وليس الذكر ) الذي طلبت ( كالأنثى ) التي وهبت لأنه يقصد للخدمة وهي لا تصلح لضعفها وعورتها وما يعتريها من الحيض ونحوه ( وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها ) أولادها ( من الشيطان الرجيم ) المطرود في الحديث "" ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا إلا مريم وابنها "" رواه الشيخان .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتهَا مَرْيَم } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } فَلَمَّا وَضَعَتْ حَنَّة النَّذِيرَة , وَلِذَلِكَ أُنِّثَ . وَلَوْ كَانَتْ الْهَاء عَائِدَة عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { إِنِّي نَذَرْت لَك مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } لَكَانَ الْكَلَام : فَلَمَّا وَضَعَتْهُ قَالَتْ : رَبّ إِنِّي وَضَعْته أُنْثَى . وَمَعْنَى قَوْله : { وَضَعَتْهَا } وَلَدَتْهَا , يُقَال مِنْهُ : وَضَعَتْ الْمَرْأَة تَضَع وَضْعًا . { قَالَتْ رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى } أَيْ وَلَدْت النَّذِيرَة أُنْثَى ; { وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ } . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة الْقُرَّاء : { وَضَعَتْ } خَبَرًا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نَفْسه أَنَّهُ الْعَالِم بِمَا وَضَعَتْ مِنْ غَيْر قِيلهَا : { رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى } . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ : " وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ " عَلَى وَجْه الْخَبَر بِذَلِكَ عَنْ أُمّ مَرْيَم أَنَّهَا هِيَ الْقَائِلَة , وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَلَدْت مِنِّي . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ مَا نَقَلَتْهُ الْحُجَّة مُسْتَفِيضَة فِيهَا قِرَاءَته بَيْنهَا لَا يَتَدَافَعُونَ صِحَّتهَا , وَذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ } وَلَا يُعْتَرَض بِالشَّاذِّ عَنْهَا عَلَيْهَا . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذًا : وَاَللَّه أَعْلَم مِنْ كُلّ خَلْقه بِمَا وَضَعَتْ . ثُمَّ رَجَعَ جَلَّ ذِكْره إِلَى الْخَبَر عَنْ قَوْلهَا , وَأَنَّهَا قَالَتْ اِعْتِذَارًا إِلَى رَبّهَا مِمَّا كَانَتْ نَذَرَتْ فِي حَمْلهَا فَحَرَّرَتْهُ لِخِدْمَةِ رَبّهَا : { وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } لِأَنَّ الذَّكَر أَقْوَى عَلَى الْخِدْمَة وَأَقْوَم بِهَا , وَأَنَّ الْأُنْثَى لَا تَصْلُح فِي بَعْض الْأَحْوَال لِدُخُولِ الْقُدْس وَالْقِيَام بِخِدْمَةِ الْكَنِيسَة لِمَا يَعْتَرِيهَا مِنْ الْحَيْض وَالنِّفَاس { وَإِنِّي سَمَّيْتهَا مَرْيَم } . كَمَا : 5410 - حَدَّثَنِي اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } أَيْ لَمَّا جَعَلَتْهَا لَهُ مُحَرَّرَة نَذِيرَة . 5411 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني اِبْن إِسْحَاق : { وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } لِأَنَّ الذَّكَر هُوَ أَقْوَى عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأُنْثَى . 5412 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } كَانَتْ الْمَرْأَة لَا تَسْتَطِيع أَنْ يُصْنَع بِهَا ذَلِكَ , يَعْنِي أَنْ تُحَرَّر لِلْكَنِيسَةِ فَتُجْعَل فِيهَا تَقُوم عَلَيْهَا وَتَكْنُسهَا فَلَا تَبْرَحهَا مِمَّا يُصِيبهَا مِنْ الْحَيْض وَالْأَذَى , فَعِنْد ذَلِكَ قَالَتْ : { وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } 5413 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { قَالَتْ رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى } وَإِنَّمَا كَانُوا يُحَرِّرُونَ الْغِلْمَان , قَالَ : { وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتهَا مَرْيَم } 5414 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : كَانَتْ اِمْرَأَة عِمْرَان حَرَّرَتْ لِلَّهِ مَا فِي بَطْنهَا , وَكَانَتْ عَلَى رَجَاء أَنْ يَهَب لَهَا غُلَامًا , لِأَنَّ الْمَرْأَة لَا تَسْتَطِيع ذَلِكَ - يَعْنِي الْقِيَام عَلَى الْكَنِيسَة لَا تَبْرَحهَا وَتَكْنُسهَا - لِمَا يُصِيبهَا مِنْ الْأَذَى . 5415 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَنَّ اِمْرَأَة عِمْرَان ظَنَّتْ أَنَّ مَا فِي بَطْنهَا غُلَام , فَوَهَبَتْهُ لِلَّهِ , فَلَمَّا وَضَعَتْ إِذَا هِيَ جَارِيَة , فَقَالَتْ تَعْتَذِر إِلَى اللَّه : { رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى . .. وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } تَقُول : إِنَّمَا يُحَرَّر الْغِلْمَان . يَقُول اللَّه : { وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ } , فَقَالَتْ : { إِنِّي سَمَّيْتهَا مَرْيَم } . 5416 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عِكْرِمَة , وَأَبِي بَكْر عَنْ عِكْرِمَة : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى . .. وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } يَعْنِي فِي الْمَحِيض , وَلَا يَنْبَغِي لِامْرَأَةٍ أَنْ تَكُون مَعَ الرِّجَال ; أُمّهَا تَقُول ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتهَا مَرْيَم } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } فَلَمَّا وَضَعَتْ حَنَّة النَّذِيرَة , وَلِذَلِكَ أُنِّثَ . وَلَوْ كَانَتْ الْهَاء عَائِدَة عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { إِنِّي نَذَرْت لَك مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } لَكَانَ الْكَلَام : فَلَمَّا وَضَعَتْهُ قَالَتْ : رَبّ إِنِّي وَضَعْته أُنْثَى . وَمَعْنَى قَوْله : { وَضَعَتْهَا } وَلَدَتْهَا , يُقَال مِنْهُ : وَضَعَتْ الْمَرْأَة تَضَع وَضْعًا . { قَالَتْ رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى } أَيْ وَلَدْت النَّذِيرَة أُنْثَى ; { وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ } . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة الْقُرَّاء : { وَضَعَتْ } خَبَرًا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نَفْسه أَنَّهُ الْعَالِم بِمَا وَضَعَتْ مِنْ غَيْر قِيلهَا : { رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى } . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ : " وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ " عَلَى وَجْه الْخَبَر بِذَلِكَ عَنْ أُمّ مَرْيَم أَنَّهَا هِيَ الْقَائِلَة , وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَلَدْت مِنِّي . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ مَا نَقَلَتْهُ الْحُجَّة مُسْتَفِيضَة فِيهَا قِرَاءَته بَيْنهَا لَا يَتَدَافَعُونَ صِحَّتهَا , وَذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ } وَلَا يُعْتَرَض بِالشَّاذِّ عَنْهَا عَلَيْهَا . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذًا : وَاَللَّه أَعْلَم مِنْ كُلّ خَلْقه بِمَا وَضَعَتْ . ثُمَّ رَجَعَ جَلَّ ذِكْره إِلَى الْخَبَر عَنْ قَوْلهَا , وَأَنَّهَا قَالَتْ اِعْتِذَارًا إِلَى رَبّهَا مِمَّا كَانَتْ نَذَرَتْ فِي حَمْلهَا فَحَرَّرَتْهُ لِخِدْمَةِ رَبّهَا : { وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } لِأَنَّ الذَّكَر أَقْوَى عَلَى الْخِدْمَة وَأَقْوَم بِهَا , وَأَنَّ الْأُنْثَى لَا تَصْلُح فِي بَعْض الْأَحْوَال لِدُخُولِ الْقُدْس وَالْقِيَام بِخِدْمَةِ الْكَنِيسَة لِمَا يَعْتَرِيهَا مِنْ الْحَيْض وَالنِّفَاس { وَإِنِّي سَمَّيْتهَا مَرْيَم } . كَمَا : 5410 - حَدَّثَنِي اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } أَيْ لَمَّا جَعَلَتْهَا لَهُ مُحَرَّرَة نَذِيرَة . 5411 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني اِبْن إِسْحَاق : { وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } لِأَنَّ الذَّكَر هُوَ أَقْوَى عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأُنْثَى . 5412 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } كَانَتْ الْمَرْأَة لَا تَسْتَطِيع أَنْ يُصْنَع بِهَا ذَلِكَ , يَعْنِي أَنْ تُحَرَّر لِلْكَنِيسَةِ فَتُجْعَل فِيهَا تَقُوم عَلَيْهَا وَتَكْنُسهَا فَلَا تَبْرَحهَا مِمَّا يُصِيبهَا مِنْ الْحَيْض وَالْأَذَى , فَعِنْد ذَلِكَ قَالَتْ : { وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } 5413 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { قَالَتْ رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى } وَإِنَّمَا كَانُوا يُحَرِّرُونَ الْغِلْمَان , قَالَ : { وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتهَا مَرْيَم } 5414 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : كَانَتْ اِمْرَأَة عِمْرَان حَرَّرَتْ لِلَّهِ مَا فِي بَطْنهَا , وَكَانَتْ عَلَى رَجَاء أَنْ يَهَب لَهَا غُلَامًا , لِأَنَّ الْمَرْأَة لَا تَسْتَطِيع ذَلِكَ - يَعْنِي الْقِيَام عَلَى الْكَنِيسَة لَا تَبْرَحهَا وَتَكْنُسهَا - لِمَا يُصِيبهَا مِنْ الْأَذَى . 5415 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَنَّ اِمْرَأَة عِمْرَان ظَنَّتْ أَنَّ مَا فِي بَطْنهَا غُلَام , فَوَهَبَتْهُ لِلَّهِ , فَلَمَّا وَضَعَتْ إِذَا هِيَ جَارِيَة , فَقَالَتْ تَعْتَذِر إِلَى اللَّه : { رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى . .. وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } تَقُول : إِنَّمَا يُحَرَّر الْغِلْمَان . يَقُول اللَّه : { وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ } , فَقَالَتْ : { إِنِّي سَمَّيْتهَا مَرْيَم } . 5416 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عِكْرِمَة , وَأَبِي بَكْر عَنْ عِكْرِمَة : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى . .. وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنْثَى } يَعْنِي فِي الْمَحِيض , وَلَا يَنْبَغِي لِامْرَأَةٍ أَنْ تَكُون مَعَ الرِّجَال ; أُمّهَا تَقُول ذَلِكَ . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } تَعْنِي بِقَوْلِهَا : { وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا } وَإِنِّي أَجْعَل مَعَاذهَا وَمَعَاذ ذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم بِك . وَأَصْل الْمَعَاذ : الْمَوْئِل وَالْمَلْجَأ وَالْمَعْقِل . فَاسْتَجَابَ اللَّه لَهَا فَأَعَاذَهَا اللَّه وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم , فَلَمْ يَجْعَل لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلًا . 5417 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَبْدَة بْن سُلَيْمَان , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ نَفْس مَوْلُود يُولَد إِلَّا وَالشَّيْطَان يَنَال مِنْهُ تِلْكَ الطَّعْنَة , وَبِهَا يَسْتَهِلّ الصَّبِيّ ; إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَم اِبْنَة عِمْرَان فَإِنَّهَا لَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ : { رَبّ إِنِّي أُعِيذهَا وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } فَضُرِبَ دُونهَا حِجَاب , فَطَعَنَ فِيهِ " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلّ مَوْلُود مِنْ وَلَد آدَم لَهُ طَعْنَة مِنْ الشَّيْطَان , وَبِهَا يَسْتَهِلّ الصَّبِيّ ; إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَم اِبْنَة عِمْرَان وَوَلَدهَا , فَإِنَّ أُمّهَا قَالَتْ حِين وَضَعَتْهَا : { إِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } فَضُرِبَ دُونهمَا حِجَاب فَطَعَنَ فِي الْحِجَاب " . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِنَحْوِهِ . 5418 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا هَارُون بْن الْمُغِيرَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ شُعَيْب بْن خَالِد , عَنْ الزُّبَيْر , عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , قَالَ : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " مَا مِنْ بَنِي آدَم مَوْلِد إِلَّا قَدْ مَسَّهُ الشَّيْطَان حِين يُولَد , فَيَسْتَهِلّ صَارِخًا بِمَسِّهِ إِيَّاهُ ; غَيْر مَرْيَم وَابْنهَا " . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : { إِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } . 5419 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ عَجْلَان مَوْلَى الْمُشْمَعِلّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلّ مَوْلُود يُولَد مِنْ بَنِي آدَم يَمَسّهُ الشَّيْطَان بِأُصْبُعِهِ , إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا " . * - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن وَهْب , قَالَ : ثني عَمِّي عَبْد اللَّه بْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ أَبَا يُونُس سُلَيْمَان مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَة , حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كُلّ بَنِي آدَم يَمَسّهُ الشَّيْطَان يَوْم وَلَدَتْهُ أُمّه , إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا " . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عِمْرَان أَنَّ أَبَا يُونُس حَدَّثَهُ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا يَمَسّهُ الشَّيْطَان فَيَسْتَهِلّ صَارِخًا مِنْ مَسَّة الشَّيْطَان إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا " ثُمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة : اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : { وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } . 5420 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا قَيْس , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا وَقَدْ عَصَرَهُ الشَّيْطَان عَصْرَة أَوْ عَصْرَتَيْنِ ; إِلَّا عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَمَرْيَم " . ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } . 5421 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا هَارُون بْن الْمُغِيرَة , عَنْ عَمْرو بْن أَبِي قَيْس , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَا وُلِدَ مَوْلُود إِلَّا وَقَدْ اِسْتَهَلَّ , غَيْر الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم لَمْ يُسَلَّط عَلَيْهِ الشَّيْطَان وَلَمْ يَنْهَزهُ . 5422 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمُنْذِر بْن النُّعْمَان الْأَفْطَس , أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : لَمَّا وُلِدَ عِيسَى , أَتَتْ الشَّيَاطِين إِبْلِيس , فَقَالُوا : أَصْبَحَتْ الْأَصْنَام قَدْ نَكَّسَتْ رُءُوسهَا , فَقَالَ : هَذَا فِي حَادِث حَدَثَ ! وَقَالَ : مَكَانكُمْ ! فَطَارَ حَتَّى جَاءَ خَافِقَيْ الْأَرْض , فَلَمْ يَجِد شَيْئًا , ثُمَّ جَاءَ الْبِحَار فَلَمْ يَجِد شَيْئًا , ثُمَّ طَارَ أَيْضًا فَوَجَدَ عِيسَى قَدْ وُلِدَ عِنْد مِذْوَد حِمَار , وَإِذَا الْمَلَائِكَة قَدْ حَفَّتْ حَوْله ; فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنَّ نَبِيًّا قَدْ وُلِدَ الْبَارِحَة مَا حَمَلَتْ أُنْثَى قَطُّ وَلَا وَضَعَتْ إِلَّا أَنَا بِحَضْرَتِهَا إِلَّا هَذِهِ ! فَأْيِسُوا أَنْ تُعْبَد الْأَصْنَام بَعْد هَذِهِ اللَّيْلَة , وَلَكِنْ اِئْتُوا بَنِي آدَم مِنْ قِبَل الْخِفَّة وَالْعَجَلَة . 5423 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " كُلّ بَنِي آدَم طَعَنَ الشَّيْطَان فِي جَنْبه إِلَّا عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَأُمّه , جُعِلَ بَيْنهمَا وَبَيْنه حِجَاب , فَأَصَابَتْ الطَّعْنَة الْحِجَاب وَلَمْ يَنْفُذ إِلَيْهَا شَيْء " وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُصِيبَانِ الذُّنُوب كَمَا يُصِيبهَا سَائِر بَنِي آدَم . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عِيسَى كَانَ يَمْشِي عَلَى الْبَحْر كَمَا يَمْشِي عَلَى الْبَرّ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ الْيَقِين وَالْإِخْلَاص . 5424 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } قَالَ : إِنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كُلّ آدَمِيّ طَعَنَ الشَّيْطَان فِي جَنْبه غَيْر عِيسَى وَأُمّه , كَانَا لَا يُصِيبَانِ الذُّنُوب كَمَا يُصِيبهَا بَنُو آدَم " . قَالَ : وَقَالَ عِيسَى فِيمَا يُثْنِي عَلَى رَبّه : " وَأَعَاذَنِي وَأُمِّي مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْنَا سَبِيل " . 5425 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا شُعَيْب بْن اللَّيْث , قَالَ : ثنا اللَّيْث , عَنْ جَعْفَر بْن رَبِيعَة , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز أَنَّهُ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلّ بَنِي آدَم يَطْعَن الشَّيْطَان فِي جَنْبه حِين تَلِدهُ أُمّه , إِلَّا عِيسَى اِبْن مَرْيَم ذَهَبَ يَطْعَن فَطَعَنَ فِي الْحِجَاب " . 5426 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع , قَالَ : ثنا شُعَيْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا اللَّيْث , عَنْ جَعْفَر بْن رَبِيعَة , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز أَنَّهُ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : أَرَأَيْت هَذِهِ الصَّرْخَة الَّتِي يَصْرُخهَا الصَّبِيّ , حِين تَلِدهُ أُمّه ؟ فَإِنَّهَا مِنْهَا . 5427 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْفَرَج , قَالَ : ثنا بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , قَالَ : ثنا الزُّبَيْدِيّ , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ أَبِي سَلَمَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ بَنِي آدَم مَوْلُود إِلَّا يَمَسّهُ الشَّيْطَان حِين يُولَد يَسْتَهِلّ صَارِخًا " . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } تَعْنِي بِقَوْلِهَا : { وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا } وَإِنِّي أَجْعَل مَعَاذهَا وَمَعَاذ ذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم بِك . وَأَصْل الْمَعَاذ : الْمَوْئِل وَالْمَلْجَأ وَالْمَعْقِل . فَاسْتَجَابَ اللَّه لَهَا فَأَعَاذَهَا اللَّه وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم , فَلَمْ يَجْعَل لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلًا . 5417 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَبْدَة بْن سُلَيْمَان , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ نَفْس مَوْلُود يُولَد إِلَّا وَالشَّيْطَان يَنَال مِنْهُ تِلْكَ الطَّعْنَة , وَبِهَا يَسْتَهِلّ الصَّبِيّ ; إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَم اِبْنَة عِمْرَان فَإِنَّهَا لَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ : { رَبّ إِنِّي أُعِيذهَا وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } فَضُرِبَ دُونهَا حِجَاب , فَطَعَنَ فِيهِ " . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلّ مَوْلُود مِنْ وَلَد آدَم لَهُ طَعْنَة مِنْ الشَّيْطَان , وَبِهَا يَسْتَهِلّ الصَّبِيّ ; إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَم اِبْنَة عِمْرَان وَوَلَدهَا , فَإِنَّ أُمّهَا قَالَتْ حِين وَضَعَتْهَا : { إِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } فَضُرِبَ دُونهمَا حِجَاب فَطَعَنَ فِي الْحِجَاب " . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِنَحْوِهِ . 5418 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا هَارُون بْن الْمُغِيرَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ شُعَيْب بْن خَالِد , عَنْ الزُّبَيْر , عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , قَالَ : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " مَا مِنْ بَنِي آدَم مَوْلِد إِلَّا قَدْ مَسَّهُ الشَّيْطَان حِين يُولَد , فَيَسْتَهِلّ صَارِخًا بِمَسِّهِ إِيَّاهُ ; غَيْر مَرْيَم وَابْنهَا " . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : { إِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } . 5419 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ عَجْلَان مَوْلَى الْمُشْمَعِلّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلّ مَوْلُود يُولَد مِنْ بَنِي آدَم يَمَسّهُ الشَّيْطَان بِأُصْبُعِهِ , إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا " . * - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن وَهْب , قَالَ : ثني عَمِّي عَبْد اللَّه بْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ أَبَا يُونُس سُلَيْمَان مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَة , حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كُلّ بَنِي آدَم يَمَسّهُ الشَّيْطَان يَوْم وَلَدَتْهُ أُمّه , إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا " . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عِمْرَان أَنَّ أَبَا يُونُس حَدَّثَهُ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا يَمَسّهُ الشَّيْطَان فَيَسْتَهِلّ صَارِخًا مِنْ مَسَّة الشَّيْطَان إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا " ثُمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة : اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : { وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } . 5420 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا قَيْس , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا وَقَدْ عَصَرَهُ الشَّيْطَان عَصْرَة أَوْ عَصْرَتَيْنِ ; إِلَّا عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَمَرْيَم " . ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } . 5421 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا هَارُون بْن الْمُغِيرَة , عَنْ عَمْرو بْن أَبِي قَيْس , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَا وُلِدَ مَوْلُود إِلَّا وَقَدْ اِسْتَهَلَّ , غَيْر الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم لَمْ يُسَلَّط عَلَيْهِ الشَّيْطَان وَلَمْ يَنْهَزهُ . 5422 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمُنْذِر بْن النُّعْمَان الْأَفْطَس , أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : لَمَّا وُلِدَ عِيسَى , أَتَتْ الشَّيَاطِين إِبْلِيس , فَقَالُوا : أَصْبَحَتْ الْأَصْنَام قَدْ نَكَّسَتْ رُءُوسهَا , فَقَالَ : هَذَا فِي حَادِث حَدَثَ ! وَقَالَ : مَكَانكُمْ ! فَطَارَ حَتَّى جَاءَ خَافِقَيْ الْأَرْض , فَلَمْ يَجِد شَيْئًا , ثُمَّ جَاءَ الْبِحَار فَلَمْ يَجِد شَيْئًا , ثُمَّ طَارَ أَيْضًا فَوَجَدَ عِيسَى قَدْ وُلِدَ عِنْد مِذْوَد حِمَار , وَإِذَا الْمَلَائِكَة قَدْ حَفَّتْ حَوْله ; فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنَّ نَبِيًّا قَدْ وُلِدَ الْبَارِحَة مَا حَمَلَتْ أُنْثَى قَطُّ وَلَا وَضَعَتْ إِلَّا أَنَا بِحَضْرَتِهَا إِلَّا هَذِهِ ! فَأْيِسُوا أَنْ تُعْبَد الْأَصْنَام بَعْد هَذِهِ اللَّيْلَة , وَلَكِنْ اِئْتُوا بَنِي آدَم مِنْ قِبَل الْخِفَّة وَالْعَجَلَة . 5423 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " كُلّ بَنِي آدَم طَعَنَ الشَّيْطَان فِي جَنْبه إِلَّا عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَأُمّه , جُعِلَ بَيْنهمَا وَبَيْنه حِجَاب , فَأَصَابَتْ الطَّعْنَة الْحِجَاب وَلَمْ يَنْفُذ إِلَيْهَا شَيْء " وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُصِيبَانِ الذُّنُوب كَمَا يُصِيبهَا سَائِر بَنِي آدَم . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عِيسَى كَانَ يَمْشِي عَلَى الْبَحْر كَمَا يَمْشِي عَلَى الْبَرّ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ الْيَقِين وَالْإِخْلَاص . 5424 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم } قَالَ : إِنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كُلّ آدَمِيّ طَعَنَ الشَّيْطَان فِي جَنْبه غَيْر عِيسَى وَأُمّه , كَانَا لَا يُصِيبَانِ الذُّنُوب كَمَا يُصِيبهَا بَنُو آدَم " . قَالَ : وَقَالَ عِيسَى فِيمَا يُثْنِي عَلَى رَبّه : " وَأَعَاذَنِي وَأُمِّي مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْنَا سَبِيل " . 5425 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا شُعَيْب بْن اللَّيْث , قَالَ : ثنا اللَّيْث , عَنْ جَعْفَر بْن رَبِيعَة , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز أَنَّهُ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلّ بَنِي آدَم يَطْعَن الشَّيْطَان فِي جَنْبه حِين تَلِدهُ أُمّه , إِلَّا عِيسَى اِبْن مَرْيَم ذَهَبَ يَطْعَن فَطَعَنَ فِي الْحِجَاب " . 5426 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع , قَالَ : ثنا شُعَيْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا اللَّيْث , عَنْ جَعْفَر بْن رَبِيعَة , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز أَنَّهُ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : أَرَأَيْت هَذِهِ الصَّرْخَة الَّتِي يَصْرُخهَا الصَّبِيّ , حِين تَلِدهُ أُمّه ؟ فَإِنَّهَا مِنْهَا . 5427 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْفَرَج , قَالَ : ثنا بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , قَالَ : ثنا الزُّبَيْدِيّ , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ أَبِي سَلَمَة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ بَنِي آدَم مَوْلُود إِلَّا يَمَسّهُ الشَّيْطَان حِين يُولَد يَسْتَهِلّ صَارِخًا " . '

تفسير القرطبي

فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى { إذ قالت امرأة عمران} قال أبو عبيدة { إذ} زائدة. وقال محمد بن يزيد : التقدير : اذكر إذ. وقال الزجاج : المعنى واصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران. وهي حنة (بالحاء المهملة والنون) بنت فاقود بن قنبل أم مريم جدة عيسى عليه السلام، وليس باسم عربي ولا يعرف في العربية حنة اسم امرأة. وفي العربية أبو حنة البدري، ويقال فيه : أبو حبة (بالباء بواحدة) وهو أصح، واسمه عامر، ودير حنة بالشأم، ودير آخر أيضا يقال له كذلك؛ قال أبو نواس : يا دير حنة من ذات الأكيراح ** من يصح عنك فإني لست بالصاحي وحبة في العرب كثير، منهم أبو حبة الأنصاري، وأبو السنابل بن بعكك المذكور في حديث سبيعة حبة، ولا يعرف خنة بالخاء المعجمة إلا بنت يحيى بن أكثم القاضي، وهي أم محمد بن نصر، ولا يعرف جنة (بالجيم) إلا أبو جنة، وهو خال ذي الرمة الشاعر. كل هذا من كتاب ابن ماكولا. الثانية: قوله تعالى { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا} تقدم معنى النذر، وأنه لا يلزم العبد إلا بأن يلزمه نفسه. ويقال : إنها لما حملت قالت : لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لجعلته محررا. ومعنى { لك} أي لعبادتك. { محررا} نصب على الحال، وقيل : نعت لمفعول محذوف، أي إني نذرت لك ما في بطني غلاما محررا، والأول أولى من جهة التفسير وسياق الكلام والإعراب : أما الإعراب فإن إقامة النعت مقام المنعوت لا يجوز في مواضع، ويجوز على المجاز في أخرى، وأما التفسير فقيل أن سبب قول امرأة عمران هذا أنها كانت كبيرة لا تلد، وكانوا أهل بيت من الله بمكان، وإنها كانت تحت شجرة فبصرت بطائر يَزُقُّ فرخا فتحركت نفسها لذلك، ودعت ربها أن يهب لها ولدا، ونذرت إن ولدت أن تجعل ولدها محررا : أي عتيقا خالصا لله تعالى، خادما للكنيسة حبيسا عليها، مفرغا لعبادة الله تعالى. وكان ذلك جائزا في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يطيعوهم. فلما وضعت مريم قالت { رب إني وضعتها أنثى} يعني أن الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة. قيل لما يصيبها من الحيض والأذى. وقيل : لا تصلح لمخالطة الرجال. وكانت ترجو أن يكون ذكرا فلذلك حررت. الثالثة: قال ابن العربي: لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حملها نذر لكونها حرة، فلو كانت امرأته أمة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده وكيفما تصرفت حاله؛ فإنه إن كان الناذر عبدا فلم يتقرر له قول في ذلك؛ وإن كان حرا فلا يصح أن يكون مملوكا له، وكذلك المرأة مثله؛ فأي وجه للنذر فيه؟ وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريد ولده للأنس به والاستنصار والتسلي، فطلبت هذه المرأة الولد أنسا به وسكونا إليه؛ فلما من الله تعالى عليها به نذرت أن حظها من الأنس به متروك فيه، وهو على خدمة الله تعالى موقوف، وهذا نذر الأحرار من الأبرار. وأرادت به محررا من جهتي، محررا من رق الدنيا وأشغالها؛ وقد قال رجل من الصوفية لأمه : يا أمه : ذريني لله أتعبد له وأتعلم العلم، فقالت نعم. فسار حتى تبصر ثم عاد إليها فدق الباب، فقالت من؟ فقال لها : ابنك فلان، قالت : قد تركناك لله ولا نعود فيك. الرابعة: قوله تعالى { محررا} مأخوذ من الحرية التي هي ضد العبودية؛ من هذا تحرير الكتاب، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد. وروى خصيف عن عكرمة ومجاهد : أن المحرر الخالص لله عز وجل لا يشوبه شيء من أمر الدنيا. وهذا معروف في اللغة أن يقال لكل ما خلص : حر، ومحرر بمعناه؛ قال ذو الرمة : والقرط في حرة الذفرى معلقه ** تباعد الحبل منه فهو يضطرب وطين حر لا رمل فيه، وباتت فلانة بليلة حرة إذا لم يصل إليها زوجها أول ليلة؛ فإن تمكن منها فهي بليلة شيباء.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 35 - 41

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لقد جاء هذا القول منها، لأنها كانت قد قالت إنها نذرت ما في بطنها محررا لخدمة البيت، وقولها: " محررا " تعني أنها أرادت ذكرا لخدمة البيت، لكن المولود جاء أنثى. فكأنها قد قالت: ان لم أُمَكّنْ من الوفاء بالنذر، فلأن قدرك سبق، لقد جاءت المولودة أنثى. لكن الحق يقول بعد ذلك: { وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ }. وهذا يعني أنها لا تريد إخبار الله، ولكنها تريد أن تظهر التحسر، لأن الغاية من نذرها لم تتحقق وبعد ذلك يقول الحق: { وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ }. فهل هذا من كلامها، أم من كلام الله؟

قد قالت: { إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ } وقال الله: { وليس الذكر كالأنثى }.

إن الحق يقول لها: لا تظني أن الذكر الذي كنت تتمنينه سيصل إلى مرتبة هذه الأنثى، إن هذه الأنثى لها شأن عظيم. أو أن القول من تمام كلامها: { إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ } ويكون قول الحق: { وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } هو جملة اعتراضية ويكون تمام كلامها { وليس الذكر كالأنثى }. أي أنها قالت: يارب إن الذكر ليس كالأنثى، إنها لا تصلح لخدمة البيت.

وليأخذ المؤمن المعنى الذي يحبه، وسنجد أن المعنى الأول فيه إشراق أكثر، إنه تصور أن الحق قد قال: أنت تريدين ذكرا بمفهومك في الوفاء بالنذر، وليكون في خدمة البيت، ولقد وهبت لك المولود أنثى، ولكني سأعطي فيها آية أكبر من خدمة البيت، وأنا أريد بالآية التي سأعطيها لهذه الأنثى مساندة عقائد، لا مجرد خدمة رقعة تقام فيها شعائر.

إنني سأجعل من هذه الآية مواصلة لمسيرة العقائد في الدنيا إلى أن تقوم الساعة. ولأنني أنا الخالق، سأوجد في هذه الأنثى آية لا توجد في غيرها، وهي آية تثبت طلاقة قدرة الحق، ولقد قلت من قبل: إن طلاقة القدرة تختلف عن القدرة العادية، إن القدرة تخلق بأسباب، ولكن من أين الأسباب؟ إن الحق هو خالق الأسباب أيضا.

إذن فما دام الخالق للأسباب أراد خلقا بالأسباب فهذه إرادته. ولذلك أعطانا الحق القدرة على رؤية طلاقة قدرته؛ لأنها عقائد إيمانية، يجب أن تظل في بؤرة الشعور الإيماني، وعلى بال المؤمن دائما. لقد خلق الله بعضا من الخلق بالأسباب كما خلقنا نحن، وجمهرة الخلق عن طريق التناسل بين أب وأم، أما خلق الحق لآدم عليه السلام فقد خلقه بلا أسباب. ونحن نعلم أن الشيء الدائر بين اثنين له قسمة عقلية ومنطقية، فما دام هناك أب وأم، ذكر وأنثى، فسيجيء منهما تكاثر.. إن الحق يقول:
{  وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }
[الذاريات: 49].

وعندما يجتمع الزوجان، فهذه هي الصورة الكاملة، وهذه الأولى في القسمة المنطقية والتصور العقلي، وإما أن ينعدم الزوجان فهذه هي الثانية في القسمة المنطقية والتصور العقلي.أو أن ينعدم الزوج الأول ويبقى الطرف الثاني، وهذه هي الثالثة في القسمة المنطقية والتصور العقلي، أو أن ينعدم الزوج الثاني ويبقى الطرف الأول، وهذه هي الرابعة في القسمة المنطقية والتصور العقلي.

تلك إذن أربعة تصورات للقسمة العقلية. وجميعنا جاء من اجتماع العنصرين، الرجل والمرأة. أما آدم فقد خلقه الله بطلاقة قدرته ليكون السبب. وكذلك تم خلق حواء من آدم. وأخرج الحق من لقاء آدم وحواء نسلا. وهناك أنثى وهي مريم ويأتي منها المسيح عيسى ابن مريم بلا ذكر. وهذه هي الآية في العالمين، وتثبت قمة عقدية. فلا يقولن أحد: ذكراً، أو أنثى، لأن نية امرأة عمران في الطاعة أن يكون المولود ذكرا، وشاء قدر ربكم أن يكون أسمى من تقدير امرأة عمران في الطاعة، لذلك قال: { وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ }. أي أن الذكر لن يصل إلى مرتبة هذه الأنثى.

وقالت امرأة عمران: { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ }. إن امرأة عمران قالت ما يدل على شعورها، فحينما فات المولودة بأنوثتها أن تكون في خدمة بيت الله فقد تمنت امرأة عمران أن تكون المولودة طائعة، عابدة، فسمتها " مريم " لأن مريم في لغتهم - كما قلنا - معناها " العابدة ".

وأول ما يعترض العبودية هو الشيطان. إنه هو الذي يجعل الإنسان يتمرد على العبودية. إن الإنسان يريد أن يصير عابدا، فيجيء الشيطان ليزين له المعصية. وأرادت إمرأة عمران أن تحمي ابنتها من نزغ الشيطان لأنها عرفت بتجربتها أن المعاصي كلها تأتي من نزغ الشيطان، وقد سمتها " مريم " حتى تصبح " عابدة لله " ، ولأن إمرأة عمران كانت تمتلك عقلية إيمانية حاضرة وتحمل المنهج التعبدي كله لذلك قالت: { وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ }.إن المستعاذ به هو الله، والمستعاذ منه هو الشيطان، وحينما يدخل الشيطان مع خلق الله في تزيين المعاصي، فهو يدخل مع المخلوق في عراك، ولكن الشيطان لا يستطيع أن يدخل مع ربه في عراك، ولذلك يقال عن الشيطان إنه إذا سمع ذكر الله فإنه يخنس أي يتراجع، ووصفه القرآن الكريم بأنه " الخنَّاس " ، إن الشيطان إنما ينفرد بالإنسان حين يكون الإنسان بعيدا عن الله، ولذلك فالحق يُعَلِّمُ الإنسان:
{  وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }
[الأعراف: 200].

إن الشيطان يرتعد فرقا ورعشة من الإستعاذة بالله. وعندما يتكرر ارتعاد الشيطان بهذه الكلمة؛ فإنه يعرف أن هذا الإنسان العابد لن يحيد عن طاعة الله إلى المعاصي. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجيء الرجل امرأته، ومجيء الأهل هو مظنة لمولود قد يجيء، فيقول العبد: " اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني " (من دعاء الرسول).إن من يقول هذا القول قبل أن يحدث التخلق " فلن يكون للشيطان ولاية أو قدرة على المولود الذي يأتي بإذن الله. ولذلك قالت إمرأة عمران: { وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ }. والذرية قد يفهمها الناس على أنها النسل المتكاثر، ولكن كلمة " ذرية " تطلق على الواحد وعلى الاثنين، وعلى الثلاثة أو أكثر. والذرية هنا بالنسبة لمريم عليها السلام هي عيسى عليه السلام، وتنتهي المسألة. وبعد دعاء إمرأة عمران { وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ } يجيء القول الحق: { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا... }


www.alro7.net