سورة
اية:

ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى { آدم} عليه السلام خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلّمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة واصطفى { نوحاً} عليه السلام، وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان وأشركوا باللّه ما لم ينزل به سلطاناً، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى اللّه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً فلم يزدهم ذلك إلا فراراً فدعا عليهم فأغرقهم اللّه عن آخرهم، لم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه اللّه به، واصطفى { آل إبراهيم} ومنهم سيد البشر خاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلى اللّه عليه وسلم، و { آل عمران} والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أم عيسى بن مريم عليه السلام، فعيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام إن شاء اللّه تعالى.

تفسير الجلالين

{ ذرِّية بعضها من } ولد { بعض } منهم { والله سميع عليم } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذُرِّيَّة بَعْضُهَا مِنْ بَعْض } يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّه اِصْطَفَى آل إِبْرَاهِيم وَآل عِمْرَان { ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض } فَالذُّرِّيَّة مَنْصُوبَة عَلَى الْقَطْع مِنْ آل إِبْرَاهِيم وَآل عِمْرَان : لِأَنَّ " الذُّرِّيَّة " نَكِرَة , وَ " آل عِمْرَان " مَعْرِفَة , وَلَوْ قِيلَ نُصِبَتْ عَلَى تَكْرِير الِاصْطِفَاء لَكَانَ صَوَابًا , لِأَنَّ الْمَعْنَى : اِصْطَفَى ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض . وَإِنَّمَا جُعِلَ " بَعْضهمْ مِنْ بَعْض " فِي الْمُوَالَاة فِي الدِّين وَالْمُوَازَرَة عَلَى الْإِسْلَام وَالْحَقّ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض } 9 71 وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات بَعْضهمْ مِنْ بَعْض } 9 67 يَعْنِي أَنَّ دِينهمْ وَاحِد وَطَرِيقَتهمْ وَاحِدَة , فَكَذَلِكَ قَوْله : { ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض } إِنَّمَا مَعْنَاهُ : ذُرِّيَّة دِين بَعْضهَا دِين بَعْض , وَكَلِمَتهمْ وَاحِدَة , وَمِلَّتهمْ وَاحِدَة فِي تَوْحِيد اللَّه وَطَاعَته . كَمَا : 5393 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض } يَقُول : فِي النِّيَّة وَالْعَمَل وَالْإِخْلَاص وَالتَّوْحِيد لَهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذُرِّيَّة بَعْضُهَا مِنْ بَعْض } يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّه اِصْطَفَى آل إِبْرَاهِيم وَآل عِمْرَان { ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض } فَالذُّرِّيَّة مَنْصُوبَة عَلَى الْقَطْع مِنْ آل إِبْرَاهِيم وَآل عِمْرَان : لِأَنَّ " الذُّرِّيَّة " نَكِرَة , وَ " آل عِمْرَان " مَعْرِفَة , وَلَوْ قِيلَ نُصِبَتْ عَلَى تَكْرِير الِاصْطِفَاء لَكَانَ صَوَابًا , لِأَنَّ الْمَعْنَى : اِصْطَفَى ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض . وَإِنَّمَا جُعِلَ " بَعْضهمْ مِنْ بَعْض " فِي الْمُوَالَاة فِي الدِّين وَالْمُوَازَرَة عَلَى الْإِسْلَام وَالْحَقّ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض } 9 71 وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات بَعْضهمْ مِنْ بَعْض } 9 67 يَعْنِي أَنَّ دِينهمْ وَاحِد وَطَرِيقَتهمْ وَاحِدَة , فَكَذَلِكَ قَوْله : { ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض } إِنَّمَا مَعْنَاهُ : ذُرِّيَّة دِين بَعْضهَا دِين بَعْض , وَكَلِمَتهمْ وَاحِدَة , وَمِلَّتهمْ وَاحِدَة فِي تَوْحِيد اللَّه وَطَاعَته . كَمَا : 5393 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض } يَقُول : فِي النِّيَّة وَالْعَمَل وَالْإِخْلَاص وَالتَّوْحِيد لَهُ . ' وَقَوْله : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاَللَّه ذُو مَسْمَع لِقَوْلِ اِمْرَأَة عِمْرَان , وَذُو عِلْم بِمَا تُضْمِرهُ فِي نَفْسهَا , إِذْ نَذَرْت لَهُ مَا فِي بَطْنهَا مُحَرَّرًا .وَقَوْله : { وَاَللَّه سَمِيع عَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاَللَّه ذُو مَسْمَع لِقَوْلِ اِمْرَأَة عِمْرَان , وَذُو عِلْم بِمَا تُضْمِرهُ فِي نَفْسهَا , إِذْ نَذَرْت لَهُ مَا فِي بَطْنهَا مُحَرَّرًا .'

تفسير القرطبي

تقدم في البقرة معنى الذرية واشتقاقها. وهي نصب على الحال؛ قاله الأخفش. أي في حال كون بعضهم من بعض، أي ذرية بعضها من ولد بعض. الكوفيون : على القطع. الزجاج : بدل، أي اصطفى ذرية بعضها من بعض، ومعنى بعضها من بعض، يعني في التناصر في الدين؛ كما قال { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} [التوبة : 67] يعني في الضلالة؛ قاله الحسن وقتادة. وقيل : في الاجتباء والاصطفاء والنبوة. وقيل : المراد به التناسل، وهذا أضعفها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ال عمران الايات 31 - 35

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وحين يقول: { ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } فلنا أن نسأل: هل المقصود بذلك الأنساب أم الدين والقيم؟ ولنا أن نلتفت أن الحق قد علمنا في مسألة إبراهيم عليه السلام أن الأنساب بالدم واللحم عند الأنبياء لا اعتبار لها، وإنما الأنساب المعترف بها بالنسبة للأنبياء هي أنساب القيم والدين. وكنا قد عرضنا من قبل لما قاله الحق:
{  وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي }
[البقرة: 124].

فردها الله عليه قائلا:
{  لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ }
[البقرة: 124].

لماذا؟ لأن الإمام هو المقتدى في الهدايات. إذن فالمسألة ليست وراثة بالدم. وهكذا علم سيدنا إبراهيم ذلك بأن النسب للأنبياء ليس بوراثة الدم، إذن فنحن نفهم قول الحق: { ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } على أنها ذرية في توارثها للقيم. ونحن نسمع في القرآن:
{  ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }
[التوبة: 67].

إن هذا النفاق ليس أمرا يتعلق بالنسب وإنما يتعلق بالقيم، إنها كلها أمور قيمية، وحين يقال: { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي أن الله يعرف الأقوال وكذلك الأفعال والخبايا. وبعد ذلك يقول الحق: { إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً... }


www.alro7.net