سورة
اية:

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...} . [33].
أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبيد الله المَخْلِدي، قال: حدَّثنا أبو عمرو بن نجيد، قال: أخبرنا مسلم، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن حماد، قال: حدَّثنا سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس:
أن رهطاً من عُكْل وعُرَيْنَةَ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا أهل ضرْع، ولم نكن أهل ريف، فاسْتَوْخَمْنَا المدينة. فأمر لهم رسول الله عليه اسلام بِذَوْد [وراع، وأمرهم] أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها. [فلما صحوا، وكانوا بناحية الحرّة]، قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذَّوْد، فبعث رسول الله عليه السلام في آثارهم، فأتى بهم، فَقَطَّعَ أيديَهم وأرجلهم، وسَمَلَ أعينهم. فتركوا في الحَرَّة حتى ماتوا على حالهم.
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: { إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} إلى آخر الآية. رواه مسلم [عن محمد بن المثنى] عن عبد الأَعْلَى، عن سعيد، إلى قول قتادة.

تفسير بن كثير

يقول تعالى من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلماً وعدوانا { كتبنا على بني إسرائيل} أي شرعنا لهم وأعلمناهم { أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} أي من قتل نفساً بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعاً، لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، ومن أحياها أي حرم قتلها واعتقد ذلك فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار، ولهذا قال: { فكأنما أحيا الناس جميعاً} وقال الأعمش عن أبي هريرة قال: دخلت على عثمان يوم الدار فقلت: جئت لأنصرك، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين، فقال: يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعاً وإياي معهم؟ قلت: لا، قال: فإنك إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قتلت الناس جميعاً، فانصرف مأذوناً لك، مأجوراً غير مأزور، قال: فانصرفت ولم أقاتل. وقال ابن عباس هو كما قال اللّه تعالى: { من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً} وإحياؤها ألا يقتل نفساً حرمها الله فذلك الذي أحيا الناس جميعاً، يعني أنه من حرم قتلها إلا بحق حيي الناس منه؛ وهكذا قال مجاهد، ومن أحياها أي كف عن قتلها. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله { فكأنما قتل الناس جميعاً} يقول: من قتل نفساً واحدة حرمها الله فهو مثل من قتل الناس جميعاً. وقال سعيد بن جبير: من استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعاً، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعاً، هذا قول وهو الأظهر، وقال مجاهد في رواية أخرى عنه: من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً وذلك لأن من قتل النفس فله النار فهو كما لو قتل الناس كلهم. وقال مجاهد في رواية { ومن أحياها} أي أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة. وقال الحسن وقتادة في قوله: أنه { من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً} هذا تعظيم لتعاطي القتل. قال قتادة عظيم واللّه وزرها، وعظيم واللّه أجرها. وقال ابن المبارك عن سليمان الربعي قال، قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: أي والذي لا إله غيره كما كانت لبني إسرائيل، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على اللّه من دمائنا. وقال الإمام أحمد: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: يا رسول اللّه اجعلني على شيء أعيش به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا حمزة نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها) قال: بل نفس أحييها، قال: (عليك بنفسك)، وقوله تعالى: { ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات} أي بالحجيج والبراهين والدلائل الواضحة { ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قريظة و النضير يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها فدوا من أسروه وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة حيث قول: { ثم أنتم هؤلاء تقلتون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان} . وقوله تعالى: { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} الآية. المحاربة هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب: إن قبض الدراهم والدنانير من الإفساد في الارض، وقد قال الله تعالى: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل واللّه لا يحب الفساد} ، ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما قال ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا: { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله إلى - إن اللّه غفور رحيم} نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب اللّه ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب. ورواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً: نزلت في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه. وقال ابن عباس في قوله: { إنما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الأرض فساداً} الآية. قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخيّر اللّه رسوله إن شاء أن يقتل وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف رواه ابن جرير. وروي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: نزلت في الحرورية { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} رواه ابن مردويه، والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات كما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: أن نفراً من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: (ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها) فقالوا: بلى فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحوا، فقتلوا الراعي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا، لفظ مسلم. وفي لفظ: وألقوا في الحرة فجعلوا يستسقون فلا يسقون، وعند البخاري، قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا اللّه ورسوله. وقال حماد بن سلمة عن أنس بن مالك: أن ناساً من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فصحوا، فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، وألقاهم في الحرة؛ قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشأ حتى ماتوا، ونزلت: { إنما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله} ""رواه أبو داود والترمذي والنسائي""الآية. وقد رواه ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج، قال: أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ؟ قال: قلت: قدم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة من البحرين، فشكوا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما لقوا من بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضمرت بطونهم، فأمرهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم، عمدوا إلى الراعي فقتلوه، وساتاقوا الإبل، فأرسل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا، فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول: إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قطع أيدي قوم وأرجلهم ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا، بحال ذود من الإبل، فكان الحجاج يحتج بهذا الحديث على الناس. وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بتطريق هذا الحديث من وجوه كثيرة جداً فرحمه اللّه وأثابه. وقال ابن جرير: كان أناس أتوا رسول للّه صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نبايعك على الإسلام، فبايعوه وهم كَذَبة وليس الإسلام يريدون، ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءهم الصريخ، فصرخ إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوا الراعي، واستاقوا النعم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس: (أن يا خيل اللّه اركبي)، قال: فركبوا، لا ينتظر فارس فارساً، قال: وركب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم، حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل اللّه: { إنما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله} الآية، قال: فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبي الله صلى الله عليه وسلم منهم، وصلب، وقطع، وسمر الأعين، قال: فما مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد، قال: ونهى عن المثلة، وقال: (ولا تمثلوا بشيء) وقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنيين هل هو منسوخ أو محكم؟ فقال بعضهم: هو منسوخ بهذه الآية، وزعموا أن فيها عتاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، وهذا القول فيه نظر. ثم قائله مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ، وقا بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، وفيه نظر، فإن قصته متأخرة. ومنهم من قال: لم يسمر النبي أعينهم، وإنما عزم على ذلك حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين، وهذا القول أيضاً فيه نظر. فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل، وفي رواية سمر أعينهم. ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء لقوله: { ويسعون في الأرض فساداً} وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتاً فيقتله ويأخذ ما معه: إن هذه محاربة ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه. وقوله تعالى: { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} قال ابن عباس في الآية: من شَهَر السلاح في فئة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظُفِرَ به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار إن شاء قتله وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، وكذا قال سعيد بن المسيب ومجاهد والضحاك، ومستند هذا القول أن ظاهر (أو) للتخيير كما في نظائر ذلك في القرآن، كقوله في كفارة الفدية: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} وكقوله في كفارة اليمين: { إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون به أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} وهذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية. وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، كما قال الشافعي عن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض. وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة. واختلفوا، هل يصلب حياً ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو يقتله برمح أو نحوه، أو يقتل أولاً ثم يصلب، تنكيلاً وتشديداً لغيره من المفسدين؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه، وباللّه الثقة، وعليه التكلان. وأما قوله تعالى: { أو ينفوا من الأرض} قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام، رواه ابن جرير عن ابن عباس، وقال آخرون: هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية. وقال عطاء الخراساني : ينفى من جند إلى جند سنين ولا يخرج من دار الإسلام، وكذا قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان: أنه ينفى ولا يخرج من أرض الإسلام. وقال آخرون: المراد بالنفي ههنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واختار ابن جرير: أن المراد بالنفي ههنا أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه. وقوله تعالى: { ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} أي هذا الذي ذكرته من قتلهم ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم، خزيٌ لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا يؤيد قول من قال: إنها نزلت في المشركين، فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه قال: أخذ علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء ألا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا يَعْضَهُ بعضنا بعضاً، يَعْضَهُ: يرمي غيره بالإفك والكذب والبهتان فمن وفى منكم فأجره على اللّه تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره اللّه فأمره إلى اللّه إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. وعن علي قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (من أذنب ذنباً في الدنيا فعوقب به فاللّه أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنباً في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فاللّه أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه) ""رواه أحمد والترمذي وابن ماجة "" وقال ابن جرير { ذلك لهم خزي في الدنيا} : يعني شر وعار ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة { ولهم في الآخرة عذاب عظيم} أي إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا فلهم في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا والعقوبة التي عاقبتهم بها في الدنيا عذاب عظيم يعني عذاب جهنم. وقوله تعالى: { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن اللّه غفور رحيم} أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك، فظاهر. وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع وعليه عمل الصحابة. وروى ابن جرير عن عامر الشعبي قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى، وهو على الكوفة في إمارة عثمان رضي اللّه عنه بعدما صلى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت اللّه ورسوله وسعيت في الأرض فسادا، وإني تبت من قبل أن تقدروا علي، فقال أبو موسى: إن هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً، وإنه تاب من قبل أن نقدر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير. فإن يك صادقاً فسبيل من صدق، وإن يك كاذباً تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء اللّه، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله. ثم روى ابن جرير أن علياً الأسدي حارب، وأخاف السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة فامتنع، ولم يقدروا عليه حتى جاء تائباً، وذلك أنه سمع رجلاً يقرأ هذه الآية: { قل يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إن اللّه يغفر الذنوب جميعاً أنه هو الغفور الرحيم} فوقف عليه، فقال: يا عبد الله أعد قراءتها فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائباً، حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه، فلما أسفروا عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم علي، جئت تائباً من قبل أن تقدروا علي، فقال أبو هريرة: صدق، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم، وهو أمير على المدينة في زمن معاوية فقال: هذا جاء تائباً ولا سبيل لكم عليه، ولا قتل، فترك من ذلك كله، قال: وخرج علي تائباً مجاهداً في سبيل اللّه في البحر، فلقوا الروم، فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم، فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهربوا منه إلى شقها الآخر، فمالت به وبهم، فغرقوا جميعاً.

تفسير الجلالين

ونزل في العرنيين لما قدموا المدينة وهم مرضى فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى الإبل ويشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } بمحاربة المسلمين { ويسعون في الأرض فسادا } بقطع الطريق { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } أي أيديهم اليمنى واليسرى { أو يُنفوا من الأرض } أو لترتيب الأحوال فالقتل لمن قتل فقط والصلب لمن قتل وأخذ المال والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل والنفي لمن أخاف فقط قاله ابن عباس وعليه الشافعي وأصح قوليه أن الصلب ثلاثا بعد القتل وقيل قبله قليلا ويلحق بالنفي ما أشبهه في التنكيل من الحبس وغيره { ذلك } الجزاء المذكور { لهم خزي } ذل { في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } هو عذاب النار .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } وَهَذَا بَيَان مِنْ اللَّه عَزَّ ذِكْره عَنْ حُكْم الْفَسَاد فِي الْأَرْض الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَوْله : { مِنْ أَجْل ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الْأَرْض } أَعْلَمَ عِبَاده مَا الَّذِي يَسْتَحِقّ الْمُفْسِد فِي الْأَرْض مِنْ الْعُقُوبَة وَالنَّكَال , فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : لَا جَزَاء لَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْقَتْل وَالصَّلْب وَقَطْع الْيَد وَالرِّجْل مِنْ خِلَاف أَوْ النَّفْي مِنْ الْأَرْض , خِزْيًا لَهُمْ ; وَأَمَّا فِي الْآخِرَة إِنْ لَمْ يَتُبْ فِي الدُّنْيَا فَعَذَاب عَظِيم . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب , كَانُوا أَهْل مُوَادَعَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَقَضُوا الْعَهْد وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض , فَعَرَّفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْم فِيهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9214 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } قَالَ : كَانَ قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب بَيْنهمْ وَبَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْد وَمِيثَاق , فَنَقَضُوا الْعَهْد وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض ; فَخَيَّرَ اللَّه رَسُوله , إِنْ شَاءَ أَنْ يَقْتُل وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَقْطَع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف . 9215 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : كَانَ قَوْم بَيْنهمْ وَبَيْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيثَاق , فَنَقَضُوا الْعَهْد وَقَطَعُوا السَّبِيل وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض ; فَخَيَّرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ , فَإِنْ شَاءَ قَتَلَ , وَإِنْ شَاءَ صَلَبَ , وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثني عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فَذَكَرَ نَحْوه . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ الْمُشْرِكِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9216 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ , قَالَا : قَالَ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى : { إِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْمُشْرِكِينَ , فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيل ; وَلَيْسَتْ تُحْرِز هَذِهِ الْآيَة الرَّجُل الْمُسْلِم مِنْ الْحَدّ إِنْ قَتَلَ أَوْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْض أَوْ حَارَبَ اللَّه وَرَسُوله ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ قَبْل أَنْ يُقْدَر عَلَيْهِ , لَمْ يَمْنَعهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَام فِيهِ الْحَدّ الَّذِي أَصَابَ . 9217 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَهْل الشِّرْك . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ عُرَيْنَة وَعُكْل اِرْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام , وَحَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9218 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا رَوْح بْن عُبَادَة , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس : أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْل وَعُرَيْنَة أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا أَهْل ضَرْع وَلَمْ نَكُنْ أَهْل رِيف وَإِنَّا اِسْتَوْخَمْنَا الْمَدِينَة . فَأَمَرَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا . فَقَتَلُوا رَاعِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاسْتَاقُوا الذَّوْد , وَكَفَرُوا بَعْد إِسْلَامهمْ . فَأُتِيَ بِهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ , وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ , وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّة حَتَّى مَاتُوا . فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِيهِمْ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا رَوْح , قَالَ : ثنا هِشَام بْن أَبِي عَبْد اللَّه , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّة . 9219 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شَقِيق , قَالَ : سَمِعْت أَبِي يَقُول : أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَة , عَنْ عَبْد الْكَرِيم وَسُئِلَ عَنْ أَبْوَال الْإِبِل , فَقَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ الْمُحَارَبِينَ , فَقَالَ : كَانَ نَاس أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : نُبَايِعك عَلَى الْإِسْلَام ! فَبَايَعُوهُ وَهُمْ كَذَبَة , وَلَيْسَ الْإِسْلَامَ يُرِيدُونَ . ثُمَّ قَالُوا : إِنَّا نَجْتَوِي الْمَدِينَة . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذِهِ اللِّقَاح تَغْدُو عَلَيْكُمْ وَتَرُوح , فَاشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالهَا وَأَلْبَانهَا " . قَالَ : فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ الصَّرِيخ , فَصَرَخَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : قَتَلُوا الرَّاعِي , وَسَاقُوا النَّعَم ! فَأَمَرَ نَبِيّ اللَّه فَنُودِيَ فِي النَّاس , أَنْ : يَا خَيْل اللَّه اِرْكَبِي . قَالَ : فَرَكِبُوا لَا يَنْتَظِر فَارِس فَارِسًا . قَالَ : فَرَكِبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَثَرهمْ , فَلَمْ يَزَالُوا يَطْلُبُونَهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنهمْ , فَرَجَعَ صَحَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَسَرُوا مِنْهُمْ , فَأَتَوْا بِهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة , قَالَ : فَكَانَ نَفْيهمْ أَنْ نَفَوْهُمْ , حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنهمْ وَأَرْضهمْ , وَنَفَوْهُمْ مِنْ أَرْض الْمُسْلِمِينَ , وَقَتَلَ نَبِيّ اللَّه مِنْهُمْ وَصَلَبَ وَقَطَعَ وَسَمَلَ الْأَعْيُن قَالَ : فَمَا مَثَّلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ . قَالَ : " نَهَى عَنْ الْمُثْلَة , وَقَالَ : وَلَا تُمَثِّلُوا بِشَيْءٍ " قَالَ : فَكَانَ أَنَس بْن مَالِك يَقُول ذَلِكَ , غَيْر أَنَّهُ قَالَ : أَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ بَعْد مَا قَتَلَهُمْ . قَالَ : وَبَعْضهمْ يَقُول : هُمْ نَاس مِنْ بَنِي سُلَيْم , وَمِنْهُمْ مِنْ عُرَيْنَة وَنَاس مِنْ بَجِيلَة ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ 9220 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف , قَالَ : ثنا الْحَسَن بْن هَنَّاد , عَنْ عَمْرو بْن هَاشِم , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْد , عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ جَرِير , قَالَ : قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْم مِنْ عُرَيْنَة حُفَاة مَضْرُورِينَ , فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا صَحُّوا وَاشْتَدُّوا قَتَلُوا رِعَاء اللِّقَاح , ثُمَّ خَرَجُوا بِاللِّقَاحِ عَامِدِينَ بِهَا إِلَى أَرْض قَوْمهمْ . قَالَ جَرِير : فَبَعَثَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فِي نَفَر مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُمْ بَعْد مَا أَشْرَفُوا عَلَى بِلَاد قَوْمهمْ , فَقَدِمْنَا بِهِمْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف , وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ , وَجَعَلُوا يَقُولُونَ : الْمَاء ! وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " النَّار " حَتَّى هَلَكُوا . قَالَ : وَكَرِهَ اللَّه سَمْل الْأَعْيُن , فَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى آخِر الْآيَة 9221 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن لَهِيعَة , عَنْ أَبِي الْأَسْوَد مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر . وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن سَالِم , وَسَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَابْن سَمْعَان , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : أَغَارَ نَاس مِنْ عُرَيْنَة عَلَى لِقَاح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتَاقُوهَا وَقَتَلُوا غُلَامًا لَهُ فِيهَا , فَبَعَثَ فِي آثَارهمْ فَأُخِذُوا , فَقَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ . 9222 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ أَبِي الزِّنَاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر - أَوْ عَمْرو , شَكَّ يُونُس - عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَة الْمُحَارَبَة . 9223 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : ثنا الْأَوْزَاعِيّ , عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , عَنْ أَبِي قِلَابَة , عَنْ أَنَس , قَالَ : قَدِمَ ثَمَانِيَة نَفَر مِنْ عُكْل عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَسْلَمُوا , ثُمَّ اِجْتَوَوْا الْمَدِينَة , فَأَمَرَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتُوا إِبِل الصَّدَقَة فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالهَا وَأَلْبَانهَا , فَفَعَلُوا , فَقَتَلُوا رُعَاتهَا , وَاسْتَاقُوا الْإِبِل . فَأَرْسَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَثَرهمْ قَافَة , فَأُتِيَ بِهِمْ , فَقَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ , وَتَرَكَهُمْ فَلَمْ يَحْسِمهُمْ حَتَّى مَاتُوا . 9224 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , قَالَ : ثني سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس , قَالَ : . كَانُوا أَرْبَعَة نَفَر مِنْ عُرَيْنَة وَثَلَاثَة مِنْ عُكْل , فَلَمَّا أُتِيَ بِهِمْ قَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ وَلَمْ يَحْسِمهُمْ , وَتَرَكَهُمْ يَتَلَقَّمُونَ الْحِجَارَة بِالْحَرَّةِ , فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ فِي ذَلِكَ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة . 9225 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , عَنْ اِبْن لَهِيعَة , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب أَنَّ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان كَتَبَ إِلَى أَنَس يَسْأَلهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَة , فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَس يُخْبِرهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفَر الْعُرَنِيِّينَ , وَهُمْ مِنْ بَجِيلَة , قَالَ أَنَس : فَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام , وَقَتَلُوا الرَّاعِي , وَاسْتَاقُوا الْإِبِل , وَأَخَافُوا السَّبِيل , وَأَصَابُوا الْفَرْج الْحَرَام . 9226 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } قَالَ : أُنْزِلَتْ فِي سُودَان عُرَيْنَة , قَالَ : أَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِمْ الْمَاء الْأَصْفَر , فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ , فَأَمَرَهُمْ فَخَرَجُوا إِلَى إِبِل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّدَقَة , فَقَالَ : " اِشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا " . فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا , حَتَّى إِذَا صَحُّوا وَبَرَءُوا , قَتَلُوا الرُّعَاة وَاسْتَاقُوا الْإِبِل . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرِفَة حُكْمه عَلَى مَنْ حَارَبَ اللَّه وَرَسُوله وَسَعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا , بَعْد الَّذِي كَانَ مِنْ فِعْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ مَا فَعَلَ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقَصَص الَّتِي قَصَّهَا اللَّه جَلَّ وَعَزَّ قَبْل هَذِهِ الْآيَة وَبَعْدهَا مِنْ قَصَص بَنِي إِسْرَائِيل وَأَنْبَائِهِمْ , فَأَنْ يَكُون ذَلِكَ مُتَوَسِّطًا مِنْهُ يُعْرَف الْحُكْم فِيهِمْ وَفِي نُظَرَائِهِمْ أَوْلَى وَأَحَقّ . وَقُلْنَا : كَانَ نُزُول ذَلِكَ بَعْد الَّذِي كَانَ مِنْ فِعْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ مَا فَعَلَ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَار عَنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْآيَةِ لِمَا وَصَفْنَا , فَتَأْوِيلهَا : مِنْ أَجْل ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ سَعَى بِفَسَادٍ فِي الْأَرْض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا , وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا , وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلنَا بِالْبَيِّنَاتِ , ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْد ذَلِكَ فِي الْأَرْض لَمُسْرِفُونَ , يَقُول : لَسَاعُونَ فِي الْأَرْض بِالْفَسَادِ , وَقَاتِلُو النُّفُوس بِغَيْرِ نَفْس وَغَيْر سَعْي فِي الْأَرْض بِالْفَسَادِ حَرْبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ يَا مُحَمَّد , فَإِنَّمَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ يَجُوز أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْحَال الَّتِي ذَكَرْت مِنْ حَال نَقْضِ كَافِر مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَهْده , وَمِنْ قَوْلك إِنَّ حُكْم هَذِهِ الْآيَة حُكْم مِنْ اللَّه فِي أَهْل الْإِسْلَام دُون أَهْل الْحَرْب مِنْ الْمُشْرِكِينَ ؟ قِيلَ : جَازَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ حُكْم مَنْ حَارَبَ اللَّه وَرَسُوله وَسَعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا مِنْ أَهْل ذِمَّتنَا وَمِلَّتنَا وَاحِد , وَاَلَّذِينَ عُنُوا بِالْآيَةِ كَانُوا أَهْل عَهْد وَذِمَّة , وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي حُكْمهَا كُلّ ذِمِّيّ وَمِلِّيّ , وَلَيْسَ يَبْطُل بِدُخُولِ مَنْ دَخَلَ فِي حُكْم الْآيَة مِنْ النَّاس أَنْ يَكُون صَحِيحًا نُزُولهَا فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي نَسْخ حُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُرَنِيِّينَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ حُكْم مَنْسُوخ , نَسَخَهُ نَهْيه عَنْ الْمُثْلَة بِهَذِهِ الْآيَة , أَعْنِي بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } الْآيَة , وَقَالُوا : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة عِتَابًا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا فَعَلَ بِالْعُرَنِيِّينَ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ حُكْم ثَابِت فِي نُظَرَائِهِمْ أَبَدًا , لَمْ يُنْسَخ وَلَمْ يُبَدَّل . وَقَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة , حُكْم مِنْ اللَّه فِيمَنْ حَارَبَ وَسَعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا بِالْحِرَابَةِ . قَالُوا : وَالْعُرَنِيُّونَ اِرْتَدُّوا وَقَتَلُوا وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله , فَحُكْمهمْ غَيْر حُكْم الْمُحَارِب السَّاعِي فِي الْأَرْض بِالْفَسَادِ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام وَالذِّمَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَسْمُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُن الْعُرَنِيِّينَ , وَلَكِنَّهُ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَسْمُل , فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَرِّفهُ الْحُكْم فِيهِمْ وَنَهَاهُ عَنْ سَمْل أَعْيُنهمْ . ذِكْر الْقَائِلِينَ مَا وَصَفْنَا : 9227 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : ذَاكَرْت اللَّيْث بْن سَعْد مَا كَانَ مِنْ سَمْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنهمْ وَتَرْكه حَسْمهمْ حَتَّى مَاتُوا , فَقَالَ : سَمِعْت مُحَمَّد بْن عَجْلَان يَقُول : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاتَبَة فِي ذَلِكَ , وَعَلَّمَهُ عُقُوبَة مِثْلهمْ مِنْ الْقَطْع وَالْقَتْل وَالنَّفْي , وَلَمْ يَسْمُل بَعْدهمْ غَيْرهمْ . قَالَ : وَكَانَ هَذَا الْقَوْل ذُكِرَ لِأَبِي عَمْرو , فَأَنْكَرَ أَنْ تَكُون نَزَلَتْ مُعَاتَبَة , وَقَالَ : بَلَى كَانَتْ عُقُوبَة أُولَئِكَ النَّفَر بِأَعْيَانِهِمْ , ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي عُقُوبَة غَيْرهمْ مَنْ حَارَبَ بَعْدهمْ فَرُفِعَ عَنْهُمْ السَّمْل 9228 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : فَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأُتِيَ بِهِمْ - يَعْنِي الْعُرَنِيِّينَ - فَأَرَادَ أَنْ يَسْمُل أَعْيُنهمْ , فَنَهَاهُ اللَّه عَنْ ذَلِكَ , وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيم فِيهِمْ الْحُدُود كَمَا أَنْزَلَهَا اللَّه عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الْمُسْتَحِقّ اِسْم الْمُحَارِب لِلَّهِ وَرَسُوله الَّذِي يَلْزَمهُ حُكْم هَذِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اللِّصّ الَّذِي يَقْطَع الطَّرِيق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9229 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } الْآيَة , قَالَا : هَذَا هُوَ اللِّصّ الَّذِي يَقْطَع الطَّرِيق , فَهُوَ مُحَارِب . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اللِّصّ الْمُجَاهِر بِلُصُوصِيَّتِهِ , الْمُكَابِر فِي الْمِصْر وَغَيْره . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيّ . 9230 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْعَبَّاس عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ , وَعَنْ مَالِك وَاللَّيْث بْن سَعْد وَابْن لَهِيعَة . 9231 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : قُلْت لِمَالِك بْن أَنَس : تَكُون مُحَارَبَة فِي الْمِصْر ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَالْمُحَارِب عِنْدنَا مَنْ حَمَلَ السِّلَاح عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِصْر أَوْ خَلَاء , فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى غَيْر نَائِرَة كَانَتْ بَيْنهمْ وَلَا ذَحْل وَلَا عَدَاوَة , قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ وَالطَّرِيق وَالدِّيَار , مُخِيفًا لَهُمْ بِسِلَاحِهِ , فَقَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ قَتَلَهُ الْإِمَام كَقَتْلِهِ الْمُحَارَب لَيْسَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُول فِيهِ عَفْو وَلَا قَوَد . 9232 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , قَالَ : سَأَلْت عَنْ ذَلِكَ اللَّيْث بْن سَعْد وَابْن لَهِيعَة , قُلْت : تَكُون الْمُحَارَبَة فِي دُور الْمِصْر وَالْمَدَائِن وَالْقُرَى ؟ فَقَالَا : نَعَمْ , إِذَا هُمْ دَخَلُوا عَلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ عَلَانِيَة , أَوْ لَيْلًا بِالنِّيرَانِ . قُلْت : فَقَتَلُوا أَوْ أَخَذُوا الْمَال وَلَمْ يَقْتُلُوا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ هُمْ الْمُحَارِبُونَ , فَإِنْ قَتَلُوا قُتِلُوا , وَإِنْ لَمْ يَقْتُلُوا وَأَخَذُوا الْمَال قُطِعُوا مِنْ خِلَاف إِذَا هُمْ خَرَجُوا بِهِ مِنْ الدَّار , لَيْسَ مَنْ حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْخَلَاء وَالسَّبِيل بِأَعْظَم مِنْ مُحَارَبَة مَنْ حَارَبَهُمْ فِي حَرِيمهمْ وَدُورهمْ . 9233 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , قَالَ : قَالَ أَبُو عَمْرو : وَتَكُون الْمُحَارَبَة فِي الْمِصْر شُهِرَ عَلَى أَهْله بِسِلَاحِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا . قَالَ عَلِيّ : قَالَ الْوَلِيد : وَأَخْبَرَنِي مَالِك أَنَّ قَتْل الْغِيلَة عِنْده بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارَبَة . قُلْت : وَمَا قَتْل الْغِيلَة ؟ قَالَ : هُوَ الرَّجُل يَخْدَع الرَّجُل وَالصَّبِيّ , فَيُدْخِلهُ بَيْتًا أَوْ يَخْلُو بِهِ فَيَقْتُلهُ وَيَأْخُذ مَاله , فَالْإِمَام وَلِيّ قَتْل هَذَا , وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّم وَالْجُرْح قَوَد وَلَا قِصَاص . وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَنْهُ الرَّبِيع . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمُحَارِب : هُوَ قَاطِع الطَّرِيق ; فَأَمَّا الْمُكَابِر فِي الْأَمْصَار فَلَيْسَ بِالْمُحَارِبِ الَّذِي لَهُ حُكْم الْمُحَارِبِينَ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه . 9234 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , قَالَ : تَذَاكَرْنَا الْمُحَارِب وَنَحْنُ عِنْد اِبْن هُبَيْرَة فِي نَاس مِنْ أَهْل الْبَصْرَة , فَاجْتَمَعَ رَأْيهمْ أَنَّ الْمُحَارِب مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْمِصْر . وَقَالَ مُجَاهِد بِمَا : . 9235 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } قَالَ : الزِّنَا وَالسَّرِقَة , وَقَتْل النَّاس , وَإِهْلَاك الْحَرْث وَالنَّسْل . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد : { وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } قَالَ : الْفَسَاد : الْقَتْل , وَالزِّنَا , وَالسَّرِقَة . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : الْمُحَارِب لِلَّهِ وَرَسُوله مَنْ حَارَبَ فِي سَابِلَة الْمُسْلِمِينَ وَذِمَّتهمْ , وَالْمُغِير عَلَيْهِمْ فِي أَمْصَارهمْ وَقُرَاهُمْ حِرَابَة . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْن الْحُجَّة أَنَّ مَنْ نَصَبَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الظُّلْم مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُ لَهُمْ مُحَارِب , وَلَا خِلَاف فِيهِ . فَاَلَّذِي وَصَفْنَا صِفَته , لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ لَهُمْ مُنَاصِب حَرْبًا ظُلْمًا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَسَوَاء كَانَ نَصْبه الْحَرْب لَهُمْ فِي مِصْرهمْ وَقُرَاهُمْ أَوْ فِي سُبُلهمْ وَطُرُقهمْ فِي أَنَّهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحَارِب بِحَرْبِهِ مَنْ نَهَاهُ اللَّه وَرَسُوله عَنْ حَرْبه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } وَهَذَا بَيَان مِنْ اللَّه عَزَّ ذِكْره عَنْ حُكْم الْفَسَاد فِي الْأَرْض الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَوْله : { مِنْ أَجْل ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الْأَرْض } أَعْلَمَ عِبَاده مَا الَّذِي يَسْتَحِقّ الْمُفْسِد فِي الْأَرْض مِنْ الْعُقُوبَة وَالنَّكَال , فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : لَا جَزَاء لَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْقَتْل وَالصَّلْب وَقَطْع الْيَد وَالرِّجْل مِنْ خِلَاف أَوْ النَّفْي مِنْ الْأَرْض , خِزْيًا لَهُمْ ; وَأَمَّا فِي الْآخِرَة إِنْ لَمْ يَتُبْ فِي الدُّنْيَا فَعَذَاب عَظِيم . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب , كَانُوا أَهْل مُوَادَعَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَقَضُوا الْعَهْد وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض , فَعَرَّفَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْم فِيهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9214 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } قَالَ : كَانَ قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب بَيْنهمْ وَبَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْد وَمِيثَاق , فَنَقَضُوا الْعَهْد وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض ; فَخَيَّرَ اللَّه رَسُوله , إِنْ شَاءَ أَنْ يَقْتُل وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَقْطَع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف . 9215 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : كَانَ قَوْم بَيْنهمْ وَبَيْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيثَاق , فَنَقَضُوا الْعَهْد وَقَطَعُوا السَّبِيل وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض ; فَخَيَّرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ , فَإِنْ شَاءَ قَتَلَ , وَإِنْ شَاءَ صَلَبَ , وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثني عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فَذَكَرَ نَحْوه . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ الْمُشْرِكِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9216 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ , قَالَا : قَالَ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى : { إِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْمُشْرِكِينَ , فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيل ; وَلَيْسَتْ تُحْرِز هَذِهِ الْآيَة الرَّجُل الْمُسْلِم مِنْ الْحَدّ إِنْ قَتَلَ أَوْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْض أَوْ حَارَبَ اللَّه وَرَسُوله ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ قَبْل أَنْ يُقْدَر عَلَيْهِ , لَمْ يَمْنَعهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَام فِيهِ الْحَدّ الَّذِي أَصَابَ . 9217 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَهْل الشِّرْك . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ عُرَيْنَة وَعُكْل اِرْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام , وَحَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9218 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا رَوْح بْن عُبَادَة , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس : أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْل وَعُرَيْنَة أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا أَهْل ضَرْع وَلَمْ نَكُنْ أَهْل رِيف وَإِنَّا اِسْتَوْخَمْنَا الْمَدِينَة . فَأَمَرَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا . فَقَتَلُوا رَاعِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاسْتَاقُوا الذَّوْد , وَكَفَرُوا بَعْد إِسْلَامهمْ . فَأُتِيَ بِهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ , وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ , وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّة حَتَّى مَاتُوا . فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِيهِمْ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا رَوْح , قَالَ : ثنا هِشَام بْن أَبِي عَبْد اللَّه , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّة . 9219 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شَقِيق , قَالَ : سَمِعْت أَبِي يَقُول : أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَة , عَنْ عَبْد الْكَرِيم وَسُئِلَ عَنْ أَبْوَال الْإِبِل , فَقَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ الْمُحَارَبِينَ , فَقَالَ : كَانَ نَاس أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : نُبَايِعك عَلَى الْإِسْلَام ! فَبَايَعُوهُ وَهُمْ كَذَبَة , وَلَيْسَ الْإِسْلَامَ يُرِيدُونَ . ثُمَّ قَالُوا : إِنَّا نَجْتَوِي الْمَدِينَة . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذِهِ اللِّقَاح تَغْدُو عَلَيْكُمْ وَتَرُوح , فَاشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالهَا وَأَلْبَانهَا " . قَالَ : فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ الصَّرِيخ , فَصَرَخَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : قَتَلُوا الرَّاعِي , وَسَاقُوا النَّعَم ! فَأَمَرَ نَبِيّ اللَّه فَنُودِيَ فِي النَّاس , أَنْ : يَا خَيْل اللَّه اِرْكَبِي . قَالَ : فَرَكِبُوا لَا يَنْتَظِر فَارِس فَارِسًا . قَالَ : فَرَكِبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَثَرهمْ , فَلَمْ يَزَالُوا يَطْلُبُونَهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنهمْ , فَرَجَعَ صَحَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَسَرُوا مِنْهُمْ , فَأَتَوْا بِهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة , قَالَ : فَكَانَ نَفْيهمْ أَنْ نَفَوْهُمْ , حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنهمْ وَأَرْضهمْ , وَنَفَوْهُمْ مِنْ أَرْض الْمُسْلِمِينَ , وَقَتَلَ نَبِيّ اللَّه مِنْهُمْ وَصَلَبَ وَقَطَعَ وَسَمَلَ الْأَعْيُن قَالَ : فَمَا مَثَّلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ . قَالَ : " نَهَى عَنْ الْمُثْلَة , وَقَالَ : وَلَا تُمَثِّلُوا بِشَيْءٍ " قَالَ : فَكَانَ أَنَس بْن مَالِك يَقُول ذَلِكَ , غَيْر أَنَّهُ قَالَ : أَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ بَعْد مَا قَتَلَهُمْ . قَالَ : وَبَعْضهمْ يَقُول : هُمْ نَاس مِنْ بَنِي سُلَيْم , وَمِنْهُمْ مِنْ عُرَيْنَة وَنَاس مِنْ بَجِيلَة ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ 9220 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف , قَالَ : ثنا الْحَسَن بْن هَنَّاد , عَنْ عَمْرو بْن هَاشِم , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْد , عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ جَرِير , قَالَ : قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْم مِنْ عُرَيْنَة حُفَاة مَضْرُورِينَ , فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا صَحُّوا وَاشْتَدُّوا قَتَلُوا رِعَاء اللِّقَاح , ثُمَّ خَرَجُوا بِاللِّقَاحِ عَامِدِينَ بِهَا إِلَى أَرْض قَوْمهمْ . قَالَ جَرِير : فَبَعَثَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فِي نَفَر مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُمْ بَعْد مَا أَشْرَفُوا عَلَى بِلَاد قَوْمهمْ , فَقَدِمْنَا بِهِمْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف , وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ , وَجَعَلُوا يَقُولُونَ : الْمَاء ! وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " النَّار " حَتَّى هَلَكُوا . قَالَ : وَكَرِهَ اللَّه سَمْل الْأَعْيُن , فَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى آخِر الْآيَة 9221 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن لَهِيعَة , عَنْ أَبِي الْأَسْوَد مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر . وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن سَالِم , وَسَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن , وَابْن سَمْعَان , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : أَغَارَ نَاس مِنْ عُرَيْنَة عَلَى لِقَاح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتَاقُوهَا وَقَتَلُوا غُلَامًا لَهُ فِيهَا , فَبَعَثَ فِي آثَارهمْ فَأُخِذُوا , فَقَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ . 9222 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ أَبِي الزِّنَاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر - أَوْ عَمْرو , شَكَّ يُونُس - عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَة الْمُحَارَبَة . 9223 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : ثنا الْأَوْزَاعِيّ , عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , عَنْ أَبِي قِلَابَة , عَنْ أَنَس , قَالَ : قَدِمَ ثَمَانِيَة نَفَر مِنْ عُكْل عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَسْلَمُوا , ثُمَّ اِجْتَوَوْا الْمَدِينَة , فَأَمَرَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتُوا إِبِل الصَّدَقَة فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالهَا وَأَلْبَانهَا , فَفَعَلُوا , فَقَتَلُوا رُعَاتهَا , وَاسْتَاقُوا الْإِبِل . فَأَرْسَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَثَرهمْ قَافَة , فَأُتِيَ بِهِمْ , فَقَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ , وَتَرَكَهُمْ فَلَمْ يَحْسِمهُمْ حَتَّى مَاتُوا . 9224 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , قَالَ : ثني سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس , قَالَ : . كَانُوا أَرْبَعَة نَفَر مِنْ عُرَيْنَة وَثَلَاثَة مِنْ عُكْل , فَلَمَّا أُتِيَ بِهِمْ قَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ وَلَمْ يَحْسِمهُمْ , وَتَرَكَهُمْ يَتَلَقَّمُونَ الْحِجَارَة بِالْحَرَّةِ , فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ فِي ذَلِكَ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة . 9225 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , عَنْ اِبْن لَهِيعَة , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب أَنَّ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان كَتَبَ إِلَى أَنَس يَسْأَلهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَة , فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَس يُخْبِرهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفَر الْعُرَنِيِّينَ , وَهُمْ مِنْ بَجِيلَة , قَالَ أَنَس : فَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام , وَقَتَلُوا الرَّاعِي , وَاسْتَاقُوا الْإِبِل , وَأَخَافُوا السَّبِيل , وَأَصَابُوا الْفَرْج الْحَرَام . 9226 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } قَالَ : أُنْزِلَتْ فِي سُودَان عُرَيْنَة , قَالَ : أَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِمْ الْمَاء الْأَصْفَر , فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ , فَأَمَرَهُمْ فَخَرَجُوا إِلَى إِبِل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّدَقَة , فَقَالَ : " اِشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا " . فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا , حَتَّى إِذَا صَحُّوا وَبَرَءُوا , قَتَلُوا الرُّعَاة وَاسْتَاقُوا الْإِبِل . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرِفَة حُكْمه عَلَى مَنْ حَارَبَ اللَّه وَرَسُوله وَسَعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا , بَعْد الَّذِي كَانَ مِنْ فِعْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ مَا فَعَلَ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقَصَص الَّتِي قَصَّهَا اللَّه جَلَّ وَعَزَّ قَبْل هَذِهِ الْآيَة وَبَعْدهَا مِنْ قَصَص بَنِي إِسْرَائِيل وَأَنْبَائِهِمْ , فَأَنْ يَكُون ذَلِكَ مُتَوَسِّطًا مِنْهُ يُعْرَف الْحُكْم فِيهِمْ وَفِي نُظَرَائِهِمْ أَوْلَى وَأَحَقّ . وَقُلْنَا : كَانَ نُزُول ذَلِكَ بَعْد الَّذِي كَانَ مِنْ فِعْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ مَا فَعَلَ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَار عَنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْآيَةِ لِمَا وَصَفْنَا , فَتَأْوِيلهَا : مِنْ أَجْل ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ سَعَى بِفَسَادٍ فِي الْأَرْض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا , وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا , وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلنَا بِالْبَيِّنَاتِ , ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْد ذَلِكَ فِي الْأَرْض لَمُسْرِفُونَ , يَقُول : لَسَاعُونَ فِي الْأَرْض بِالْفَسَادِ , وَقَاتِلُو النُّفُوس بِغَيْرِ نَفْس وَغَيْر سَعْي فِي الْأَرْض بِالْفَسَادِ حَرْبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ يَا مُحَمَّد , فَإِنَّمَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ يَجُوز أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْحَال الَّتِي ذَكَرْت مِنْ حَال نَقْضِ كَافِر مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَهْده , وَمِنْ قَوْلك إِنَّ حُكْم هَذِهِ الْآيَة حُكْم مِنْ اللَّه فِي أَهْل الْإِسْلَام دُون أَهْل الْحَرْب مِنْ الْمُشْرِكِينَ ؟ قِيلَ : جَازَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ حُكْم مَنْ حَارَبَ اللَّه وَرَسُوله وَسَعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا مِنْ أَهْل ذِمَّتنَا وَمِلَّتنَا وَاحِد , وَاَلَّذِينَ عُنُوا بِالْآيَةِ كَانُوا أَهْل عَهْد وَذِمَّة , وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي حُكْمهَا كُلّ ذِمِّيّ وَمِلِّيّ , وَلَيْسَ يَبْطُل بِدُخُولِ مَنْ دَخَلَ فِي حُكْم الْآيَة مِنْ النَّاس أَنْ يَكُون صَحِيحًا نُزُولهَا فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي نَسْخ حُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُرَنِيِّينَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ حُكْم مَنْسُوخ , نَسَخَهُ نَهْيه عَنْ الْمُثْلَة بِهَذِهِ الْآيَة , أَعْنِي بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } الْآيَة , وَقَالُوا : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة عِتَابًا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا فَعَلَ بِالْعُرَنِيِّينَ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ حُكْم ثَابِت فِي نُظَرَائِهِمْ أَبَدًا , لَمْ يُنْسَخ وَلَمْ يُبَدَّل . وَقَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة , حُكْم مِنْ اللَّه فِيمَنْ حَارَبَ وَسَعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا بِالْحِرَابَةِ . قَالُوا : وَالْعُرَنِيُّونَ اِرْتَدُّوا وَقَتَلُوا وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله , فَحُكْمهمْ غَيْر حُكْم الْمُحَارِب السَّاعِي فِي الْأَرْض بِالْفَسَادِ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام وَالذِّمَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَسْمُل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُن الْعُرَنِيِّينَ , وَلَكِنَّهُ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَسْمُل , فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَرِّفهُ الْحُكْم فِيهِمْ وَنَهَاهُ عَنْ سَمْل أَعْيُنهمْ . ذِكْر الْقَائِلِينَ مَا وَصَفْنَا : 9227 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : ذَاكَرْت اللَّيْث بْن سَعْد مَا كَانَ مِنْ سَمْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنهمْ وَتَرْكه حَسْمهمْ حَتَّى مَاتُوا , فَقَالَ : سَمِعْت مُحَمَّد بْن عَجْلَان يَقُول : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاتَبَة فِي ذَلِكَ , وَعَلَّمَهُ عُقُوبَة مِثْلهمْ مِنْ الْقَطْع وَالْقَتْل وَالنَّفْي , وَلَمْ يَسْمُل بَعْدهمْ غَيْرهمْ . قَالَ : وَكَانَ هَذَا الْقَوْل ذُكِرَ لِأَبِي عَمْرو , فَأَنْكَرَ أَنْ تَكُون نَزَلَتْ مُعَاتَبَة , وَقَالَ : بَلَى كَانَتْ عُقُوبَة أُولَئِكَ النَّفَر بِأَعْيَانِهِمْ , ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي عُقُوبَة غَيْرهمْ مَنْ حَارَبَ بَعْدهمْ فَرُفِعَ عَنْهُمْ السَّمْل 9228 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : فَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأُتِيَ بِهِمْ - يَعْنِي الْعُرَنِيِّينَ - فَأَرَادَ أَنْ يَسْمُل أَعْيُنهمْ , فَنَهَاهُ اللَّه عَنْ ذَلِكَ , وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيم فِيهِمْ الْحُدُود كَمَا أَنْزَلَهَا اللَّه عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الْمُسْتَحِقّ اِسْم الْمُحَارِب لِلَّهِ وَرَسُوله الَّذِي يَلْزَمهُ حُكْم هَذِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اللِّصّ الَّذِي يَقْطَع الطَّرِيق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9229 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } الْآيَة , قَالَا : هَذَا هُوَ اللِّصّ الَّذِي يَقْطَع الطَّرِيق , فَهُوَ مُحَارِب . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اللِّصّ الْمُجَاهِر بِلُصُوصِيَّتِهِ , الْمُكَابِر فِي الْمِصْر وَغَيْره . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيّ . 9230 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْعَبَّاس عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ , وَعَنْ مَالِك وَاللَّيْث بْن سَعْد وَابْن لَهِيعَة . 9231 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : قُلْت لِمَالِك بْن أَنَس : تَكُون مُحَارَبَة فِي الْمِصْر ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَالْمُحَارِب عِنْدنَا مَنْ حَمَلَ السِّلَاح عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِصْر أَوْ خَلَاء , فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى غَيْر نَائِرَة كَانَتْ بَيْنهمْ وَلَا ذَحْل وَلَا عَدَاوَة , قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ وَالطَّرِيق وَالدِّيَار , مُخِيفًا لَهُمْ بِسِلَاحِهِ , فَقَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ قَتَلَهُ الْإِمَام كَقَتْلِهِ الْمُحَارَب لَيْسَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُول فِيهِ عَفْو وَلَا قَوَد . 9232 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , قَالَ : سَأَلْت عَنْ ذَلِكَ اللَّيْث بْن سَعْد وَابْن لَهِيعَة , قُلْت : تَكُون الْمُحَارَبَة فِي دُور الْمِصْر وَالْمَدَائِن وَالْقُرَى ؟ فَقَالَا : نَعَمْ , إِذَا هُمْ دَخَلُوا عَلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ عَلَانِيَة , أَوْ لَيْلًا بِالنِّيرَانِ . قُلْت : فَقَتَلُوا أَوْ أَخَذُوا الْمَال وَلَمْ يَقْتُلُوا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ هُمْ الْمُحَارِبُونَ , فَإِنْ قَتَلُوا قُتِلُوا , وَإِنْ لَمْ يَقْتُلُوا وَأَخَذُوا الْمَال قُطِعُوا مِنْ خِلَاف إِذَا هُمْ خَرَجُوا بِهِ مِنْ الدَّار , لَيْسَ مَنْ حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْخَلَاء وَالسَّبِيل بِأَعْظَم مِنْ مُحَارَبَة مَنْ حَارَبَهُمْ فِي حَرِيمهمْ وَدُورهمْ . 9233 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , قَالَ : قَالَ أَبُو عَمْرو : وَتَكُون الْمُحَارَبَة فِي الْمِصْر شُهِرَ عَلَى أَهْله بِسِلَاحِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا . قَالَ عَلِيّ : قَالَ الْوَلِيد : وَأَخْبَرَنِي مَالِك أَنَّ قَتْل الْغِيلَة عِنْده بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارَبَة . قُلْت : وَمَا قَتْل الْغِيلَة ؟ قَالَ : هُوَ الرَّجُل يَخْدَع الرَّجُل وَالصَّبِيّ , فَيُدْخِلهُ بَيْتًا أَوْ يَخْلُو بِهِ فَيَقْتُلهُ وَيَأْخُذ مَاله , فَالْإِمَام وَلِيّ قَتْل هَذَا , وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّم وَالْجُرْح قَوَد وَلَا قِصَاص . وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَنْهُ الرَّبِيع . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمُحَارِب : هُوَ قَاطِع الطَّرِيق ; فَأَمَّا الْمُكَابِر فِي الْأَمْصَار فَلَيْسَ بِالْمُحَارِبِ الَّذِي لَهُ حُكْم الْمُحَارِبِينَ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه . 9234 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , قَالَ : تَذَاكَرْنَا الْمُحَارِب وَنَحْنُ عِنْد اِبْن هُبَيْرَة فِي نَاس مِنْ أَهْل الْبَصْرَة , فَاجْتَمَعَ رَأْيهمْ أَنَّ الْمُحَارِب مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْمِصْر . وَقَالَ مُجَاهِد بِمَا : . 9235 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } قَالَ : الزِّنَا وَالسَّرِقَة , وَقَتْل النَّاس , وَإِهْلَاك الْحَرْث وَالنَّسْل . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد : { وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } قَالَ : الْفَسَاد : الْقَتْل , وَالزِّنَا , وَالسَّرِقَة . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : الْمُحَارِب لِلَّهِ وَرَسُوله مَنْ حَارَبَ فِي سَابِلَة الْمُسْلِمِينَ وَذِمَّتهمْ , وَالْمُغِير عَلَيْهِمْ فِي أَمْصَارهمْ وَقُرَاهُمْ حِرَابَة . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْن الْحُجَّة أَنَّ مَنْ نَصَبَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الظُّلْم مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُ لَهُمْ مُحَارِب , وَلَا خِلَاف فِيهِ . فَاَلَّذِي وَصَفْنَا صِفَته , لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ لَهُمْ مُنَاصِب حَرْبًا ظُلْمًا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَسَوَاء كَانَ نَصْبه الْحَرْب لَهُمْ فِي مِصْرهمْ وَقُرَاهُمْ أَوْ فِي سُبُلهمْ وَطُرُقهمْ فِي أَنَّهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحَارِب بِحَرْبِهِ مَنْ نَهَاهُ اللَّه وَرَسُوله عَنْ حَرْبه .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : يَعْمَلُونَ فِي أَرْض اللَّه بِالْمَعَاصِي مِنْ إِخَافَة سُبُل عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِهِ , أَوْ سُبُل ذِمَّتهمْ وَقَطْع طُرُقهمْ , وَأَخْذ أَمْوَالهمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا , وَالتَّوَثُّب عَلَى حُرُمهمْ فُجُورًا وَفُسُوقًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : يَعْمَلُونَ فِي أَرْض اللَّه بِالْمَعَاصِي مِنْ إِخَافَة سُبُل عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِهِ , أَوْ سُبُل ذِمَّتهمْ وَقَطْع طُرُقهمْ , وَأَخْذ أَمْوَالهمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا , وَالتَّوَثُّب عَلَى حُرُمهمْ فُجُورًا وَفُسُوقًا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا لِلَّذِي حَارَبَ اللَّه وَرَسُوله وَسَعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا مِنْ أَهْل مِلَّة الْإِسْلَام أَوْ ذِمَّتهمْ إِلَّا بَعْض هَذِهِ الْخِلَال الَّتِي ذَكَرَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي هَذِهِ الْخِلَال أَتَلْزَمُ الْمُحَارِب بِاسْتِحْقَاقِهِ اِسْم الْمُحَارَبَة , أَمْ يَلْزَمهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَدْر جُرْمه مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ أَجْرَامه ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : يَلْزَمهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَدْر جُرْمه , مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ أَجْرَامه ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9236 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي . عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : إِذَا حَارَبَ فَقَتَلَ , فَعَلَيْهِ الْقَتْل إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْل تَوْبَته . وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَذَ الْمَال وَقَتَلَ , فَعَلَيْهِ الصَّلْب إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْل تَوْبَته . وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَذَ وَلَمْ يَقْتُل , فَعَلَيْهِ قَطْع الْيَد وَالرِّجْل مِنْ خِلَاف إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْل تَوْبَته . وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَاف السَّبِيل , فَإِنَّمَا عَلَيْهِ النَّفْي . 9237 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَأَبُو السَّائِب , قَالَا : ثنا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ حَمَّاد , عَنْ إِبْرَاهِيم : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } قَالَ : إِذَا خَرَجَ فَأَخَافَ السَّبِيل وَأَخَذَ الْمَال , قُطِعَتْ يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف . وَإِذَا أَخَافَ السَّبِيل وَلَمْ يَأْخُذ الْمَال وَقَتَلَ , صُلِبَ . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ حَمَّاد , عَنْ إِبْرَاهِيم - فِيمَا أَرَى - فِي الرَّجُل يَخْرُج مُحَارِبًا , قَالَ : إِنْ قَطَعَ الطَّرِيق وَأَخَذَ الْمَال قُطِعَتْ يَده وَرِجْله , وَإِنْ أَخَذَ الْمَال وَقَتَلَ قُتِلَ , وَإِنْ أَخَذَ الْمَال وَقَتَلَ وَمَثَّلَ : صُلِبَ . 9238 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ عِمْرَان بْن حُدَيْر , عَنْ أَبِي مِجْلَز : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة . قَالَ : إِذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال وَأَخَافَ السَّبِيل صُلِبَ , وَإِذَا قَتَلَ لَمْ يَعْدُ ذَلِكَ قُتِلَ , إِذَا أَخَذَ الْمَال لَمْ يَعْدُ ذَلِكَ قُطِعَ , وَإِذَا كَانَ يُفْسِد نُفِيَ . 9239 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا الْحَمَّانِيّ , قَالَ ثنا شَرِيك , عَنْ سِمَاك , عَنْ الْحَسَن : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : إِذَا أَخَافَ الطَّرِيق وَلَمْ يَقْتُل وَلَمْ يَأْخُذ الْمَال نُفِيَ . 9240 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ حُصَيْن , قَالَ : كَانَ يُقَال : مَنْ حَارَبَ فَأَخَافَ السَّبِيل وَأَخَذَ الْمَال وَلَمْ يَقْتُل : قُطِعَتْ يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف . وَإِذَا أَخَذَ الْمَال وَقَتَلَ : صُلِبَ . 9241 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } حُدُود أَرْبَعَة أَنْزَلَهَا اللَّه . فَأَمَّا مَنْ أَصَابَ الدَّم وَالْمَال جَمِيعًا : صُلِبَ ; وَأَمَّا مَنْ أَصَابَ الدَّم وَكَفَّ عَنْ الْمَال : قُتِلَ ; وَمَنْ أَصَابَ الْمَال وَكَفَّ عَنْ الدَّم : قُطِعَ ; وَمَنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا مِنْ هَذَا : نُفِيَ . 9242 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ . قَالَ : نَهَى اللَّه نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَنْ أَنْ يَسْمُل أَعْيُن الْعُرَنِيِّينَ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَى لِقَاحه , وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيم فِيهِمْ الْحُدُود كَمَا أَنْزَلَهَا اللَّه عَلَيْهِ . فَنَظَرَ إِلَى مَنْ أَخَذَ الْمَال وَلَمْ يَقْتُل فَقَطَعَ يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف , يَده الْيُمْنَى وَرِجْله الْيُسْرَى . وَنَظَرَ إِلَى مَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذ مَالًا فَقَتَلَهُ . وَنَظَرَ إِلَى مَنْ أَخَذَ الْمَال وَقَتَلَ فَصَلَبَهُ . وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ أَخَافَ طَرِيق الْمُسْلِمِينَ وَقَطَعَ أَنْ يُصْنَع بِهِ إِنْ أُخِذَ وَقَدْ أَخَذَ مَالًا قُطِعَتْ يَده بِأَخْذِهِ الْمَال رِجْله بِإِخَافَةِ الطَّرِيق , وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذ مَالًا قُتِلَ , وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال : صُلِبَ . 9243 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن مَرْزُوق , قَالَ سَمِعْت السُّدِّيّ يَسْأَل عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , عَنْ رَجُل مُحَارِب خَرَجَ , فَأَخَذَ وَلَمْ يُصِبْ مَالًا وَلَمْ يُهْرِق دَمًا . قَالَ : النَّفْي بِالسَّيْفِ ; وَإِنْ أَخَذَ مَالًا فَيَده بِالْمَالِ وَرِجْله بِمَا أَخَافَ الْمُسْلِمِينَ ; وَإِنْ هُوَ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذ مَالًا : قُتِلَ ; وَإِنْ هُوَ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال : صُلِبَ . وَأَكْبَر ظَنِّيّ أَنَّهُ قَالَ : تُقْطَع يَده وَرِجْله . 9244 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَقَتَادَة فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة , قَالَ : هَذَا اللِّصّ الَّذِي يَقْطَع الطَّرِيق , فَهُوَ مُحَارِب . فَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ مَالًا : صُلِبَ ; وَإِنْ قَتَلَ , وَلَمْ يَأْخُذ مَالًا : قُتِلَ ; وَإِنْ أَخَذَ مَالًا وَلَمْ يَقْتُل : قُطِعَتْ يَده وَرِجْله ; وَإِنْ أُخِذَ قَبْل أَنْ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ : نُفِيَ . 9245 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ قَيْس بْن سَعْد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : مَنْ خَرَجَ فِي الْإِسْلَام مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُوله فَقَتَلَ وَأَصَابَ مَالًا , فَإِنَّهُ يُقْتَل وَيُصْلَب ; وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يُصِبْ مَالًا , فَإِنَّهُ يُقْتَل كَمَا قَتَلَ ; وَمَنْ أَصَابَ مَالًا وَلَمْ يُقْتَل , فَإِنَّهُ يُقْطَع مِنْ خِلَاف ; وَإِنْ أَخَافَ سَبِيل الْمُسْلِمِينَ نُفِيَ مِنْ بَلَده إِلَى غَيْره , لِقَوْلِ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } . 9246 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } قَالَ : كَانَ نَاس يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا وَقَتَلُوا وَقَطَعُوا السَّبِيل , فَصُلِبَ أُولَئِكَ . وَكَانَ آخَرُونَ حَارَبُوا وَاسْتَحَلُّوا الْمَال وَلَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ , فَقُطِعَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ . وَآخَرُونَ حَارَبُوا وَاعْتَزَلُوا وَلَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ , فَأُولَئِكَ أُخْرِجُوا مِنْ الْأَرْض . 9247 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي هِلَال , قَالَ : ثنا قَتَادَة , عَنْ مُوَرِّق الْعِجْلِيّ فِي الْمُحَارِب , قَالَ : إِنْ كَانَ خَرَجَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال : صُلِبَ ; وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذ الْمَال : قُتِلَ ; وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الْمَال وَلَمْ يَقْتُل : قُطِعَ ; وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مُشَاقًّا لِلْمُسْلِمِينَ : نُفِيَ . 9248 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ حَجَّاج , عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : إِذَا خَرَجَ الْمُحَارِب وَأَخَافَ الطَّرِيق وَأَخَذَ الْمَال : قُطِعَتْ يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف ; فَإِنْ هُوَ خَرَجَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال : قُطِعَتْ يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف ثُمَّ صُلِبَ ; وَإِنْ خَرَجَ فَقَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذ الْمَال : قُتِلَ ; وَإِنْ أَخَافَ السَّبِيل وَلَمْ يَقْتُل وَلَمْ يَأْخُذ الْمَال : نُفِيَ . 9249 - حَدَّثَنَا اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِع بْن يَزِيد , قَالَ : ثني أَبُو صَخْر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ ; وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } قَالَا : إِنْ أَخَافَ الْمُسْلِمِينَ , فَاقْتَطَعَ الْمَال , وَلَمْ يَسْفِك : قُطِعَ ; وَإِذَا سَفَكَ دَمًا : قُتِلَ وَصُلِبَ ; وَإِنْ جَمَعَهُمَا فَاقْتَطَعَ مَالًا وَسَفَكَ دَمًا : قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ . كَأَنَّ الصَّلْب مُثْلَة , وَكَأَنَّ الْقَطْع { السَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا } , وَكَأَنَّ الْقَتْل . النَّفْس بِالنَّفْسِ . وَإِنْ اِمْتَنَعَ فَإِنَّ مِنْ الْحَقّ عَلَى الْإِمَام وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَطْلُبُوهُ حَتَّى يَأْخُذُوهُ فَيُقِيمُوا عَلَيْهِ حُكْم كِتَاب اللَّه , أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض مِنْ أَرْض الْإِسْلَام إِلَى أَرْض الْكُفْر . وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة لِقَوْلِهِمْ هَذَا , بِأَنْ قَالُوا : إِنَّ اللَّه أَوْجَبَ عَلَى الْقَاتِل الْقَوَد , وَعَلَى السَّارِق الْقَطْع ; وَقَالُوا : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث خِلَال : رَجُل قَتَلَ فَقُتِلَ , وَرَجُل زَنَى بَعْد إِحْصَان فَرُجِمَ , وَرَجُل كَفَرَ بَعْد إِسْلَامه " قَالُوا : فَحَظَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْل رَجُل مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى هَذِهِ الْخِلَال الثَّلَاث , فَإِمَّا أَنْ يُقْتَل مِنْ أَجْل إِخَافَته السَّبِيل مِنْ غَيْر أَنْ يَقْتُل أَوْ يَأْخُذ مَالًا , فَذَلِكَ تَقَدُّم عَلَى اللَّه وَرَسُوله بِالْخِلَافِ عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْم . قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْل مَنْ قَالَ : الْإِمَام فِيهِ بِالْخِيَارِ إِذَا قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيل وَأَخَذَ الْمَال ; فَهُنَالِكَ خِيَار الْإِمَام فِي قَوْلهمْ بَيْن الْقَتْل أَوْ الْقَتْل وَالصَّلْب , أَوْ قَطْع الْيَد وَالرِّجْل مِنْ خِلَاف . وَأَمَّا صَلْبه بِاسْمِ الْمُحَارَبَة مِنْ غَيْر أَنْ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ قَتْل أَوْ أَخْذ مَال , فَذَلِكَ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِم . وَقَالَ آخَرُونَ : الْإِمَام فِيهِ بِالْخِيَارِ أَنْ يَفْعَل أَيّ هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي كِتَابه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9250 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ عَطَاء , وَعَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي الْمُحَارِب : أَنَّ الْإِمَام مُخَيَّر فِيهِ أَيّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ . 9251 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عُبَيْدَة , عَنْ إِبْرَاهِيم : الْإِمَام مُخَيَّر فِي الْمُحَارِب , أَيّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ : إِنْ شَاءَ قَتَلَ , وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ , وَإِنْ شَاءَ نَفَى , وَإِنْ شَاءَ صَلَبَ . 9252 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَاصِم , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : يَأْخُذ الْإِمَام بِأَيِّهِمَا أَحَبَّ . * - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ الْحَسَن : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } قَالَ : الْإِمَام مُخَيَّر فِيهَا . 9253 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , مِثْله . 9254 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ قَيْس بْن سَعْد , قَالَ : قَالَ عَطَاء : يَصْنَع الْإِمَام فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ : إِنْ شَاءَ قَتَلَ , أَوْ قَطَعَ , أَوْ نَفَى , لِقَوْلِ اللَّه : { أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } فَذَلِكَ إِلَى الْإِمَام الْحَاكِم يَصْنَع فِيهِ مَا شَاءَ . 9255 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة , قَالَ : مَنْ شَهَرَ السِّلَاح فِي فِئَة الْإِسْلَام , وَأَخَافَ السَّبِيل , ثُمَّ ظُفِرَ بِهِ وَقُدِرَ عَلَيْهِ , فَإِمَام الْمُسْلِمِينَ فِيهِ بِالْخِيَارِ , إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُ وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَده وَرِجْله . 9256 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو هِلَال , قَالَ : أَخْبَرَنَا قَتَادَة , عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحَارِب : ذَلِكَ إِلَى الْإِمَام , إِذَا أَخَذَهُ يَصْنَع بِهِ مَا شَاءَ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي هِلَال , قَالَ : ثنا هَارُون , عَنْ الْحَسَن فِي الْمُحَارِب , قَالَا : ذَاكَ إِلَى الْإِمَام يَصْنَع بِهِ مَا شَاءَ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ عَاصِم , عَنْ الْحَسَن : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } قَالَ : ذَلِكَ إِلَى الْإِمَام . وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة بِأَنْ قَالُوا : وَجَدْنَا الْعُطُوف الَّتِي بِأَوْ فِي الْقُرْآن بِمَعْنَى التَّخْيِير فِي كُلّ مَا أَوْجَبَ اللَّه بِهِ فَرْضًا مِنْهَا , وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ فِي كَفَّارَة الْيَمِين : { فَكَفَّارَته إِطْعَام عَشَرَة مَسَاكِين مِنْ أَوْسَط مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتهمْ أَوْ تَحْرِير رَقَبَة } , وَكَقَوْلِهِ : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسه فَفِدْيَة مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك } , وَكَقَوْلِهِ : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } قَالُوا : فَإِذَا كَانَتْ الْعُطُوف الَّتِي بِأَوْ فِي الْقُرْآن فِي كُلّ مَا أَوْجَبَ اللَّه بِهِ فَرْضًا مِنْهَا فِي سَائِر الْقُرْآن بِمَعْنَى التَّخْيِير , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي آيَة الْمُحَارِبِينَ الْإِمَام مُخَيَّر فِيمَا رَأَى الْحُكْم بِهِ عَلَى الْمُحَارِب إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْل التَّوْبَة . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا تَأْوِيل مَنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُحَارِب مِنْ الْعُقُوبَة عَلَى قَدْر اِسْتِحْقَاقه وَجَعَلَ الْحُكْم عَلَى الْمُحَارِبِينَ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ أَفْعَالهمْ , فَأَوْجَبَ عَلَى مُخِيف السَّبِيل مِنْهُمْ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ قَبْل التَّوْبَة وَقَبْل أَخْذ مَال أَوْ قَتْل : النَّفْي مِنْ الْأَرْض ; وَ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ بَعْد أَخْذ الْمَال وَقَتْل النَّفْس الْمُحَرَّم قَتْلهَا : الصَّلْب ; لِمَا ذَكَرْت مِنْ الْعِلَّة قَبْل لِقَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَة . فَأَمَّا مَا اِعْتَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ : إِنَّ الْإِمَام فِيهِ بِالْخِيَارِ مِنْ أَنَّ " أَوْ " فِي الْعَطْف تَأْتِي بِمَعْنَى التَّخْيِير فِي الْفَرْض , فَنَقُول : لَا مَعْنَى لَهُ ; لِأَنَّ " أَوْ " فِي كَلَام الْعَرَب قَدْ تَأْتِي بِضُرُوبٍ مِنْ الْمَعَانِي لَوْلَا كَرَاهَة إِطَالَة الْكِتَاب بِذِكْرِهَا لَذَكَرْتهَا , وَقَدْ بَيَّنْت كَثِيرًا مِنْ مَعَانِيهَا فِيمَا مَضَى وَسَنَأْتِي عَلَى بَاقِيهَا فِيمَا يُسْتَقْبَل فِي أَمَاكِنهَا إِنْ شَاءَ اللَّه . فَأَمَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع فَإِنَّ مَعْنَاهَا : التَّعْقِيب , وَذَلِكَ نَظِير قَوْل الْقَائِل : إِنَّ جَزَاء الْمُؤْمِنِينَ عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة أَنْ يُدْخِلهُمْ الْجَنَّة , أَوْ يَرْفَع مَنَازِلهمْ فِي عِلِّيِّينَ , أَوْ يُسْكِنهُمْ مَعَ الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقِينَ . فَمَعْلُوم أَنَّ قَائِل ذَلِكَ غَيْر قَاصِد بِقِيلِهِ إِلَى أَنَّ جَزَاء كُلّ مُؤْمِن آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله , فَهُوَ فِي مَرْتَبَة وَاحِدَة مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِب وَمَنْزِلَة وَاحِدَة مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِل بِإِيمَانِهِ , بَلْ الْمَعْقُول عَنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّ جَزَاء الْمُؤْمِن لَمْ يَخْلُو عِنْد اللَّه مِنْ بَعْض هَذِهِ الْمَنَازِل , فَالْمُقْتَصِد مَنْزِلَته دُون مَنْزِلَة السَّابِق بِالْخَيْرَاتِ , وَالسَّابِق بِالْخَيْرَاتِ أَعْلَى مِنْهُ مَنْزِلَة , وَالظَّالِم لِنَفْسِهِ دُونهمَا , وَكُلٌّ فِي الْجَنَّة كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { جَنَّات عَدْن يَدْخُلُونَهَا } فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْعُطُوف بِأَوْ فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة , إِنَّمَا هُوَ التَّعْقِيب . فَتَأْوِيله : إِنَّ الَّذِي يُحَارِب اللَّه وَرَسُوله , وَيَسْعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا , لَنْ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَسْتَحِقّ الْجَزَاء بِإِحْدَى هَذِهِ الْخِلَال الْأَرْبَع الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه عَزَّ ذِكْره , لَا أَنَّ الْإِمَام مُحَكَّم فِيهِ , وَمُخَيَّر فِي أَمْره كَائِنَة مَا كَانَتْ حَالَته , عَظُمَتْ جَرِيرَته أَوْ خَفَّتْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ لِلْإِمَامِ قَتْل مَنْ شَهَرَ السِّلَاح مُخِيفًا السَّبِيل وَصَلْبه , وَإِنْ لَمْ يَأْخُذ مَالًا وَلَا قَتَلَ أَحَدًا , وَكَانَ لَهُ نَفْي مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال وَأَخَافَ السَّبِيل . وَذَلِكَ قَوْل إِنْ قَالَهُ قَائِل خِلَاف مَا صَحَّتْ بِهِ الْآثَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْله : " لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث : رَجُل قَتَلَ رَجُلًا فَقُتِلَ , أَوْ زَنَى بَعْد إِحْصَان فَرُجِمَ , أَوْ اِرْتَدَّ عَنْ دِينه " وَخِلَاف قَوْله : " الْقَطْع فِي رُبُع دِينَار فَصَاعِدًا " وَغَيْر الْمَعْرُوف مِنْ أَحْكَامه . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْكَام الَّتِي ذَكَرْت كَانَتْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْر الْمُحَارِب , وَلِلْمُحَارِبِ حُكْم غَيْر ذَلِكَ مُنْفَرِد بِهِ ؟ قِيلَ لَهُ : فَمَا الْحُكْم الَّذِي اِنْفَرَدَ بِهِ الْمُحَارِب فِي سُنَنه , فَإِنْ اِدَّعَى عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمًا خِلَاف الَّذِي ذَكَرْنَا , أَكَذَبَهُ جَمِيع أَهْل الْعِلْم ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْر مَوْجُود بِنَقْلِ وَاحِد وَلَا جَمَاعَة , وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْم هُوَ مَا فِي ظَاهِر الْكِتَاب . قِيلَ لَهُ : فَإِنَّ أَحْسَن حَالَاتك أَنْ يُسَلَّم لَك أَنَّ ظَاهِر الْآيَة قَدْ يَحْتَمِل مَا قُلْت , وَمَا قَالَهُ مَنْ خَالَفَك فَمَا بُرْهَانك عَلَى أَنَّ تَأْوِيلك أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة مِنْ تَأْوِيله . وَبَعْد : فَإِذَا كَانَ الْإِمَام مُخَيَّرًا فِي الْحُكْم عَلَى الْمُحَارِب مِنْ أَجْل أَنَّ " أَوْ " بِمَعْنَى التَّخْيِير فِي هَذَا الْمَوْضِع عِنْدك , أَفَلَهُ أَنْ يَصْلُبهُ حَيًّا وَيَتْرُكهُ عَلَى الْخَشَبَة مَصْلُوبًا حَتَّى يَمُوت مِنْ غَيْر قَتْله ؟ فَإِنْ قَالَ : ذَلِكَ لَهُ , خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأُمَّة . وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ , وَإِنَّمَا لَهُ قَتْله ثُمَّ صَلْبه أَوْ صَلْبه ثُمَّ قَتْله , تَرَكَ عِلَّته مِنْ أَنَّ الْإِمَام إِنَّمَا كَانَ لَهُ الْخِيَار فِي الْحُكْم عَلَى الْمُحَارِب مِنْ أَجْل أَنَّ " أَوْ " تَأْتِي بِمَعْنَى التَّخْيِير , وَقِيلَ لَهُ : فَكَيْفَ كَانَ لَهُ الْخِيَار فِي الْقَتْل أَوْ النَّفْي أَوْ الْقَطْع وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَار فِي الصَّلْب وَحْده , حَتَّى تَجْمَع إِلَيْهِ عُقُوبَة أُخْرَى ؟ وَقِيلَ لَهُ : هَلْ بَيْنك وَبَيْن مَنْ جَعَلَ الْخِيَار حَيْثُ أَبَيْت وَأَبَى ذَلِكَ حَيْثُ جَعَلْته لَهُ , فَرْق مِنْ أَصْل أَوْ قِيَاس ؟ فَلَنْ يَقُول فِي أَحَدهمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَر مِثْله . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَصْحِيحِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا فِي إِسْنَاده نَظَر . وَذَلِكَ مَا 9257 - حَدَّثَنَا بِهِ عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , عَنْ اِبْن لَهِيعَة , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب : أَنَّ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان كَتَبَ إِلَى أَنَس بْن مَالِك يَسْأَلهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَة , فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَس يُخْبِرهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفَر الْعُرَنِيِّينَ , وَهُمْ مِنْ بُجَيْلَة . قَالَ أَنَس : فَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام , وَقَتَلُوا الرَّاعِي , وَسَاقُوا الْإِبِل , وَأَخَافُوا السَّبِيل , وَأَصَابُوا الْفَرْج الْحَرَام . قَالَ أَنَس : فَسَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ الْقَضَاء فِيمَنْ حَارَبَ , فَقَالَ : " مَنْ سَرَقَ وَأَخَافَ السَّبِيل فَاقْطَعْ يَده بِسَرِقَتِهِ وَرِجْله بِإِخَافَتِهِ . وَمَنْ قَتَلَ فَاقْتُلْهُ . وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيل وَاسْتَحَلَّ الْفَرْج الْحَرَام فَاصْلُبْهُ " . وَأَمَّا قَوْله : { أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف } فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّهُ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ مُخَالِفًا فِي قَطْعهَا قَطْع أَرْجُلهمْ , وَذَلِكَ أَنْ تُقَطَّع أَيْمُن أَيْدِيهمْ وَأَشْمُل أَرْجُلهمْ , فَذَلِكَ الْخِلَاف بَيْنهمَا فِي الْقَطْع . وَلَوْ كَانَ مَكَان " مِنْ " فِي هَذَا الْمَوْضِع " عَلَى " أَوْ الْبَاء , فَقِيلَ : أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ خِلَاف أَوْ بِخِلَافٍ , لَأَدَّيَا عَمَّا أَدَّتْ عَنْهُ " مِنْ " مِنْ الْمَعْنَى . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى النَّفْي الَّذِي ذَكَرَ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع . فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ أَنْ يُطْلَب حَتَّى يُقْدَر عَلَيْهِ , أَوْ يَهْرُب مِنْ دَار الْإِسْلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9258 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : يَطْلُبهُمْ الْإِمَام بِالْخَيْلِ وَالرِّجَال حَتَّى يَأْخُذهُمْ , فَيُقِيم فِيهِمْ الْحُكْم , أَوْ يُنْفَوْا مِنْ أَرْض الْمُسْلِمِينَ . 9259 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَفْيه : أَنْ يُطْلَب . 9260 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } يَقُول : أَوْ يَهْرُبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ دَار الْإِسْلَام إِلَى دَار الْحَرْب . 9261 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن لَهِيعَة , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب , عَنْ كِتَاب أَنَس بْن مَالِك , إِلَى عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان : أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ : " وَنَفْيه : أَنْ يَطْلُبهُ الْإِمَام حَتَّى يَأْخُذهُ , فَإِذَا أَخَذَهُ أَقَامَ عَلَيْهِ إِحْدَى هَذِهِ الْمَنَازِل الَّتِي ذَكَرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ بِمَا اِسْتَحَلَّ " . 9262 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلَّيْثِ بْن سَعْد , فَقَالَ : نَفْيه : طَلَبه مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد حَتَّى يُؤْخَذ , أَوْ يُخْرِجهُ طَلَبه مِنْ دَار الْإِسْلَام إِلَى دَار الشِّرْك وَالْحَرْب , إِذَا كَانَ مُحَارِبًا مُرْتَدًّا عَنْ الْإِسْلَام . قَالَ الْوَلِيد : وَسَأَلْت مَالِك بْن أَنَس , فَقَالَ مِثْله . 9263 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , قَالَ : قُلْت لِمَالِكِ بْن أَنَس وَاللَّيْث بْن سَعْد : . وَكَذَلِكَ يُطْلَب الْمُحَارِب الْمُقِيم عَلَى إِسْلَامه , يَضْطَرّهُ بِطَلَبِهِ مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد حَتَّى يَصِير إِلَى ثَغْر مِنْ ثُغُور الْمُسْلِمِينَ , أَوْ أَقْصَى جِوَار الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ هُمْ طَلَبُوهُ دَخَلَ دَار الشِّرْك ؟ قَالَا : لَا يُضْطَرّ مُسْلِم إِلَى ذَلِكَ . 9264 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : أَنْ يَطْلُبُوهُ حَتَّى يَعْجِزُوا . * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثني عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فَذَكَرَ نَحْوه . 9265 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ عَاصِم , عَنْ الْحَسَن : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : يُنْفَى حَتَّى لَا يُقْدَر عَلَيْهِ . 9266 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس فِي قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : أُخْرِجُوا مِنْ الْأَرْض أَيْنَمَا أُدْرِكُوا , أُخْرِجُوا حَتَّى يَلْحَقُوا بِأَرْضِ الْعَدُوّ . 9267 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : ثنا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ فِي قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : نَفْيه : أَنْ يُطْلَب فَلَا يُقْدَر عَلَيْهِ , كُلَّمَا سُمِعَ بِهِ فِي أَرْض طُلِبَ . 9268 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : إِذَا لَمْ يَقْتُل وَلَمْ يَأْخُذ مَالًا , طُلِبَ حَتَّى يَعْجِز . 9269 - حَدَّثَنِي اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِع بْن يَزِيد , قَالَ : ثني أَبُو صَخْر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } مِنْ أَرْض الْإِسْلَام إِلَى أَرْض الْكُفْر . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى النَّفْي فِي هَذَا الْمَوْضِع : أَنَّ الْإِمَام إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ نَفَاهُ مِنْ بَلْدَته إِلَى بَلْدَة أُخْرَى غَيْرهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9270 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ قَيْس بْن سَعْد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : مَنْ أَخَافَ سَبِيل الْمُسْلِمِينَ نُفِيَ مِنْ بَلَده إِلَى غَيْره , لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } . 9271 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي اللَّيْث , قَالَ : ثني يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب وَغَيْره , عَنْ حِبَّان بْن شُرَيْح , أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فِي اللُّصُوص , وَوَصَفَ لَهُ لُصُوصِيَّتهمْ وَحَبَسَهُمْ فِي السُّجُون , قَالَ : قَالَ اللَّه فِي كِتَابه : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف } , وَتَرَكَ : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز : أَمَّا بَعْد , فَإِنَّك كَتَبْت إِلَيَّ تَذْكُر قَوْل اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف } , وَتَرَكْت قَوْل اللَّه : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } , فَنَبِيّ أَنْتَ يَا حِبَّان اِبْن أُمّ حِبَّان ! لَا تُحَرِّك الْأَشْيَاء عَنْ مَوَاضِعهَا , أَتَجَرَّدْت لِلْقَتْلِ وَالصَّلْب كَأَنَّك عَبْد بَنِي عَقِيل مِنْ غَيْر مَا أُشَبِّهك بِهِ ؟ إِذَا أَتَاك كِتَابِي هَذَا فَانْفِهِمْ إِلَى شَغْبٍ . * - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني اللَّيْث , عَنْ يَزِيد وَغَيْره بِنَحْوِ هَذَا الْحَدِيث , غَيْر أَنَّ يُونُس قَالَ فِي حَدِيثه : كَأَنَّك عَبْد بَنِي أَبِي عِقَال مِنْ غَيْر أَنْ أُشَبِّهك بِهِ . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن لَهِيعَة , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب , أَنَّ الصَّلْت كَاتِب حِبَّان بْن شُرَيْح , أَخْبَرَهُمْ أَنَّ حِبَّان كَتَبَ إِلَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز : أَنَّ نَاسًا مِنْ الْقِبْط قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَة بِأَنَّهُمْ حَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله وَسَعَوْا فِي الْأَرْض فَسَادًا , وَأَنَّ اللَّه يَقُول : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف } وَسَكَتَ عَنْ النَّفْي , وَكَتَبَ إِلَيْهِ : فَإِنْ رَأَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُمْضِيَ قَضَاء اللَّه فِيهِمْ , فَلْيَكْتُبْ بِذَلِكَ . فَلَمَّا قَرَأَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز كِتَابه , قَالَ : لَقَدْ اِجْتَزَأَ حِبَّان . ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي كِتَابك وَفَهِمْته , وَلَقَدْ اجْتَزَأْت كَأَنَّمَا كَتَبْت بِكِتَابِ يَزِيد بْن أَبِي مُسْلِم أَوْ عِلْج صَاحِب الْعِرَاق مِنْ غَيْر أَنْ أُشَبِّهك بِهِمَا , فَكَتَبْت بِأَوَّلِ الْآيَة ثُمَّ سَكَتّ عَنْ آخِرهَا , وَإِنَّ اللَّه يَقُول : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } فَإِنْ كَانَتْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَة بِمَا كَتَبْت بِهِ , فَاعْقِدْ فِي أَعْنَاقهمْ حَدِيدًا , ثُمَّ غَيِّبْهُمْ إِلَى شَغْب وَبَدَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : شَغْب وَبَدَا : مَوْضِعَانِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى النَّفْي مِنْ الْأَرْض فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْحَبْس , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى النَّفْي مِنْ الْأَرْض فِي هَذَا الْمَوْضِع : هُوَ نَفْيه مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد غَيْره وَحَبْسه فِي السِّجْن فِي الْبَلَد الَّذِي نُفِيَ إِلَيْهِ , حَتَّى تَظْهَر تَوْبَته مِنْ فُسُوقه وَنُزُوعه عَنْ مَعْصِيَته رَبّه . وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ ; لِأَنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى أَحَد الْأَوْجُه الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكَرْت . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا جَعَلَ جَزَاء الْمُحَارِب : الْقَتْل أَوْ الصَّلْب , أَوْ قَطْع الْيَد وَالرِّجْل مِنْ خِلَاف , بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ لَا فِي حَال اِمْتِنَاعه ; كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ النَّفْي أَيْضًا إِنَّمَا هُوَ جَزَاؤُهُ بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ لَا قَبْلهَا , وَلَوْ كَانَ هُرُوبه مِنْ الطَّلَب نَفْيًا لَهُ مِنْ الْأَرْض , كَانَ قَطْع يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف فِي حَال اِمْتِنَاعه وَحَرْبه عَلَى وَجْه الْقِتَال بِمَعْنَى إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ . وَفِي إِجْمَاع الْجَمِيع أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقُوم مَقَام نَفْيه الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ حَدًّا لَهُ بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ . وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ , وَهُوَ النَّفْي مِنْ بَلْدَة إِلَى أُخْرَى غَيْرهَا أَوْ السِّجْن . فَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ , فَلَا شَكّ أَنَّهُ إِذَا نُفِيَ مِنْ بَلْدَة إِلَى أُخْرَى غَيْرهَا فَلَمْ يُنْفَ مِنْ الْأَرْض , بَلْ إِنَّمَا نُفِيَ مِنْ أَرْض دُون أَرْض . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِنَفْيِهِ مِنْ الْأَرْض , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى نَفْيه مِنْ الْأَرْض إِلَّا بِحَبْسِهِ فِي بُقْعَة مِنْهَا عَنْ سَائِرهَا , فَيَكُون مَنْفِيًّا حِينَئِذٍ عَنْ جَمِيعهَا , إِلَّا مَا لَا سَبِيل إِلَى نَفْيه مِنْهُ . وَأَمَّا مَعْنَى النَّفْي فِي كَلَام الْعَرَب : فَهُوَ الطَّرْد , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل أَوْس بْن حُجْر : يُنْفَوْنَ عَنْ طُرُق الْكِرَام كَمَا يَنْفِي الْمُطَارِق مَا يَلِي الْقَرَد وَمِنْهُ قِيلَ لِلدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَة وَغَيْرهَا مِنْ كُلّ شَيْء : النِّفَايَة . وَأَمَّا الْمَصْدَر مِنْ نَفَيْت , فَإِنَّهُ النَّفْي وَالنِّفَايَة , وَيُقَال : الدَّلْو يَنْفِي الْمَاء . وَيُقَال لِمَا تَطَايَرَ مِنْ الْمَاء مِنْ الدَّلْو النَّفْي , وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنْ النَّفْي مَوَاقِع الطَّيْر عَلَى الصُّفِيّ وَمِنْهُ قِيلَ : نَفَى شَعَره : إِذَا سَقَطَ , يُقَال : حَال لَوْنك وَنَفَى شَعْرك . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا لِلَّذِي حَارَبَ اللَّه وَرَسُوله وَسَعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا مِنْ أَهْل مِلَّة الْإِسْلَام أَوْ ذِمَّتهمْ إِلَّا بَعْض هَذِهِ الْخِلَال الَّتِي ذَكَرَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي هَذِهِ الْخِلَال أَتَلْزَمُ الْمُحَارِب بِاسْتِحْقَاقِهِ اِسْم الْمُحَارَبَة , أَمْ يَلْزَمهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَدْر جُرْمه مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ أَجْرَامه ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : يَلْزَمهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَدْر جُرْمه , مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ أَجْرَامه ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9236 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي . عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : إِذَا حَارَبَ فَقَتَلَ , فَعَلَيْهِ الْقَتْل إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْل تَوْبَته . وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَذَ الْمَال وَقَتَلَ , فَعَلَيْهِ الصَّلْب إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْل تَوْبَته . وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَذَ وَلَمْ يَقْتُل , فَعَلَيْهِ قَطْع الْيَد وَالرِّجْل مِنْ خِلَاف إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْل تَوْبَته . وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَاف السَّبِيل , فَإِنَّمَا عَلَيْهِ النَّفْي . 9237 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَأَبُو السَّائِب , قَالَا : ثنا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ حَمَّاد , عَنْ إِبْرَاهِيم : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } قَالَ : إِذَا خَرَجَ فَأَخَافَ السَّبِيل وَأَخَذَ الْمَال , قُطِعَتْ يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف . وَإِذَا أَخَافَ السَّبِيل وَلَمْ يَأْخُذ الْمَال وَقَتَلَ , صُلِبَ . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ حَمَّاد , عَنْ إِبْرَاهِيم - فِيمَا أَرَى - فِي الرَّجُل يَخْرُج مُحَارِبًا , قَالَ : إِنْ قَطَعَ الطَّرِيق وَأَخَذَ الْمَال قُطِعَتْ يَده وَرِجْله , وَإِنْ أَخَذَ الْمَال وَقَتَلَ قُتِلَ , وَإِنْ أَخَذَ الْمَال وَقَتَلَ وَمَثَّلَ : صُلِبَ . 9238 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ عِمْرَان بْن حُدَيْر , عَنْ أَبِي مِجْلَز : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة . قَالَ : إِذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال وَأَخَافَ السَّبِيل صُلِبَ , وَإِذَا قَتَلَ لَمْ يَعْدُ ذَلِكَ قُتِلَ , إِذَا أَخَذَ الْمَال لَمْ يَعْدُ ذَلِكَ قُطِعَ , وَإِذَا كَانَ يُفْسِد نُفِيَ . 9239 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا الْحَمَّانِيّ , قَالَ ثنا شَرِيك , عَنْ سِمَاك , عَنْ الْحَسَن : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : إِذَا أَخَافَ الطَّرِيق وَلَمْ يَقْتُل وَلَمْ يَأْخُذ الْمَال نُفِيَ . 9240 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ حُصَيْن , قَالَ : كَانَ يُقَال : مَنْ حَارَبَ فَأَخَافَ السَّبِيل وَأَخَذَ الْمَال وَلَمْ يَقْتُل : قُطِعَتْ يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف . وَإِذَا أَخَذَ الْمَال وَقَتَلَ : صُلِبَ . 9241 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } حُدُود أَرْبَعَة أَنْزَلَهَا اللَّه . فَأَمَّا مَنْ أَصَابَ الدَّم وَالْمَال جَمِيعًا : صُلِبَ ; وَأَمَّا مَنْ أَصَابَ الدَّم وَكَفَّ عَنْ الْمَال : قُتِلَ ; وَمَنْ أَصَابَ الْمَال وَكَفَّ عَنْ الدَّم : قُطِعَ ; وَمَنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا مِنْ هَذَا : نُفِيَ . 9242 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ . قَالَ : نَهَى اللَّه نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَنْ أَنْ يَسْمُل أَعْيُن الْعُرَنِيِّينَ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَى لِقَاحه , وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيم فِيهِمْ الْحُدُود كَمَا أَنْزَلَهَا اللَّه عَلَيْهِ . فَنَظَرَ إِلَى مَنْ أَخَذَ الْمَال وَلَمْ يَقْتُل فَقَطَعَ يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف , يَده الْيُمْنَى وَرِجْله الْيُسْرَى . وَنَظَرَ إِلَى مَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذ مَالًا فَقَتَلَهُ . وَنَظَرَ إِلَى مَنْ أَخَذَ الْمَال وَقَتَلَ فَصَلَبَهُ . وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ أَخَافَ طَرِيق الْمُسْلِمِينَ وَقَطَعَ أَنْ يُصْنَع بِهِ إِنْ أُخِذَ وَقَدْ أَخَذَ مَالًا قُطِعَتْ يَده بِأَخْذِهِ الْمَال رِجْله بِإِخَافَةِ الطَّرِيق , وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذ مَالًا قُتِلَ , وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال : صُلِبَ . 9243 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن مَرْزُوق , قَالَ سَمِعْت السُّدِّيّ يَسْأَل عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , عَنْ رَجُل مُحَارِب خَرَجَ , فَأَخَذَ وَلَمْ يُصِبْ مَالًا وَلَمْ يُهْرِق دَمًا . قَالَ : النَّفْي بِالسَّيْفِ ; وَإِنْ أَخَذَ مَالًا فَيَده بِالْمَالِ وَرِجْله بِمَا أَخَافَ الْمُسْلِمِينَ ; وَإِنْ هُوَ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذ مَالًا : قُتِلَ ; وَإِنْ هُوَ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال : صُلِبَ . وَأَكْبَر ظَنِّيّ أَنَّهُ قَالَ : تُقْطَع يَده وَرِجْله . 9244 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَقَتَادَة فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة , قَالَ : هَذَا اللِّصّ الَّذِي يَقْطَع الطَّرِيق , فَهُوَ مُحَارِب . فَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ مَالًا : صُلِبَ ; وَإِنْ قَتَلَ , وَلَمْ يَأْخُذ مَالًا : قُتِلَ ; وَإِنْ أَخَذَ مَالًا وَلَمْ يَقْتُل : قُطِعَتْ يَده وَرِجْله ; وَإِنْ أُخِذَ قَبْل أَنْ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ : نُفِيَ . 9245 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ قَيْس بْن سَعْد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : مَنْ خَرَجَ فِي الْإِسْلَام مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُوله فَقَتَلَ وَأَصَابَ مَالًا , فَإِنَّهُ يُقْتَل وَيُصْلَب ; وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يُصِبْ مَالًا , فَإِنَّهُ يُقْتَل كَمَا قَتَلَ ; وَمَنْ أَصَابَ مَالًا وَلَمْ يُقْتَل , فَإِنَّهُ يُقْطَع مِنْ خِلَاف ; وَإِنْ أَخَافَ سَبِيل الْمُسْلِمِينَ نُفِيَ مِنْ بَلَده إِلَى غَيْره , لِقَوْلِ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } . 9246 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } قَالَ : كَانَ نَاس يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا وَقَتَلُوا وَقَطَعُوا السَّبِيل , فَصُلِبَ أُولَئِكَ . وَكَانَ آخَرُونَ حَارَبُوا وَاسْتَحَلُّوا الْمَال وَلَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ , فَقُطِعَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ . وَآخَرُونَ حَارَبُوا وَاعْتَزَلُوا وَلَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ , فَأُولَئِكَ أُخْرِجُوا مِنْ الْأَرْض . 9247 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي هِلَال , قَالَ : ثنا قَتَادَة , عَنْ مُوَرِّق الْعِجْلِيّ فِي الْمُحَارِب , قَالَ : إِنْ كَانَ خَرَجَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال : صُلِبَ ; وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذ الْمَال : قُتِلَ ; وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الْمَال وَلَمْ يَقْتُل : قُطِعَ ; وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مُشَاقًّا لِلْمُسْلِمِينَ : نُفِيَ . 9248 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ حَجَّاج , عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : إِذَا خَرَجَ الْمُحَارِب وَأَخَافَ الطَّرِيق وَأَخَذَ الْمَال : قُطِعَتْ يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف ; فَإِنْ هُوَ خَرَجَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال : قُطِعَتْ يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف ثُمَّ صُلِبَ ; وَإِنْ خَرَجَ فَقَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذ الْمَال : قُتِلَ ; وَإِنْ أَخَافَ السَّبِيل وَلَمْ يَقْتُل وَلَمْ يَأْخُذ الْمَال : نُفِيَ . 9249 - حَدَّثَنَا اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِع بْن يَزِيد , قَالَ : ثني أَبُو صَخْر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ ; وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا } قَالَا : إِنْ أَخَافَ الْمُسْلِمِينَ , فَاقْتَطَعَ الْمَال , وَلَمْ يَسْفِك : قُطِعَ ; وَإِذَا سَفَكَ دَمًا : قُتِلَ وَصُلِبَ ; وَإِنْ جَمَعَهُمَا فَاقْتَطَعَ مَالًا وَسَفَكَ دَمًا : قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ . كَأَنَّ الصَّلْب مُثْلَة , وَكَأَنَّ الْقَطْع { السَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهمَا } , وَكَأَنَّ الْقَتْل . النَّفْس بِالنَّفْسِ . وَإِنْ اِمْتَنَعَ فَإِنَّ مِنْ الْحَقّ عَلَى الْإِمَام وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَطْلُبُوهُ حَتَّى يَأْخُذُوهُ فَيُقِيمُوا عَلَيْهِ حُكْم كِتَاب اللَّه , أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض مِنْ أَرْض الْإِسْلَام إِلَى أَرْض الْكُفْر . وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة لِقَوْلِهِمْ هَذَا , بِأَنْ قَالُوا : إِنَّ اللَّه أَوْجَبَ عَلَى الْقَاتِل الْقَوَد , وَعَلَى السَّارِق الْقَطْع ; وَقَالُوا : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث خِلَال : رَجُل قَتَلَ فَقُتِلَ , وَرَجُل زَنَى بَعْد إِحْصَان فَرُجِمَ , وَرَجُل كَفَرَ بَعْد إِسْلَامه " قَالُوا : فَحَظَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْل رَجُل مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى هَذِهِ الْخِلَال الثَّلَاث , فَإِمَّا أَنْ يُقْتَل مِنْ أَجْل إِخَافَته السَّبِيل مِنْ غَيْر أَنْ يَقْتُل أَوْ يَأْخُذ مَالًا , فَذَلِكَ تَقَدُّم عَلَى اللَّه وَرَسُوله بِالْخِلَافِ عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْم . قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْل مَنْ قَالَ : الْإِمَام فِيهِ بِالْخِيَارِ إِذَا قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيل وَأَخَذَ الْمَال ; فَهُنَالِكَ خِيَار الْإِمَام فِي قَوْلهمْ بَيْن الْقَتْل أَوْ الْقَتْل وَالصَّلْب , أَوْ قَطْع الْيَد وَالرِّجْل مِنْ خِلَاف . وَأَمَّا صَلْبه بِاسْمِ الْمُحَارَبَة مِنْ غَيْر أَنْ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ قَتْل أَوْ أَخْذ مَال , فَذَلِكَ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِم . وَقَالَ آخَرُونَ : الْإِمَام فِيهِ بِالْخِيَارِ أَنْ يَفْعَل أَيّ هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي كِتَابه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9250 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ عَطَاء , وَعَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي الْمُحَارِب : أَنَّ الْإِمَام مُخَيَّر فِيهِ أَيّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ . 9251 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عُبَيْدَة , عَنْ إِبْرَاهِيم : الْإِمَام مُخَيَّر فِي الْمُحَارِب , أَيّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ : إِنْ شَاءَ قَتَلَ , وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ , وَإِنْ شَاءَ نَفَى , وَإِنْ شَاءَ صَلَبَ . 9252 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَاصِم , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } إِلَى قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : يَأْخُذ الْإِمَام بِأَيِّهِمَا أَحَبَّ . * - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ الْحَسَن : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } قَالَ : الْإِمَام مُخَيَّر فِيهَا . 9253 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , مِثْله . 9254 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ قَيْس بْن سَعْد , قَالَ : قَالَ عَطَاء : يَصْنَع الْإِمَام فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ : إِنْ شَاءَ قَتَلَ , أَوْ قَطَعَ , أَوْ نَفَى , لِقَوْلِ اللَّه : { أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } فَذَلِكَ إِلَى الْإِمَام الْحَاكِم يَصْنَع فِيهِ مَا شَاءَ . 9255 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة , قَالَ : مَنْ شَهَرَ السِّلَاح فِي فِئَة الْإِسْلَام , وَأَخَافَ السَّبِيل , ثُمَّ ظُفِرَ بِهِ وَقُدِرَ عَلَيْهِ , فَإِمَام الْمُسْلِمِينَ فِيهِ بِالْخِيَارِ , إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُ وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَده وَرِجْله . 9256 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو هِلَال , قَالَ : أَخْبَرَنَا قَتَادَة , عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحَارِب : ذَلِكَ إِلَى الْإِمَام , إِذَا أَخَذَهُ يَصْنَع بِهِ مَا شَاءَ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ أَبِي هِلَال , قَالَ : ثنا هَارُون , عَنْ الْحَسَن فِي الْمُحَارِب , قَالَا : ذَاكَ إِلَى الْإِمَام يَصْنَع بِهِ مَا شَاءَ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ عَاصِم , عَنْ الْحَسَن : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } قَالَ : ذَلِكَ إِلَى الْإِمَام . وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة بِأَنْ قَالُوا : وَجَدْنَا الْعُطُوف الَّتِي بِأَوْ فِي الْقُرْآن بِمَعْنَى التَّخْيِير فِي كُلّ مَا أَوْجَبَ اللَّه بِهِ فَرْضًا مِنْهَا , وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ فِي كَفَّارَة الْيَمِين : { فَكَفَّارَته إِطْعَام عَشَرَة مَسَاكِين مِنْ أَوْسَط مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتهمْ أَوْ تَحْرِير رَقَبَة } , وَكَقَوْلِهِ : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسه فَفِدْيَة مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك } , وَكَقَوْلِهِ : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } قَالُوا : فَإِذَا كَانَتْ الْعُطُوف الَّتِي بِأَوْ فِي الْقُرْآن فِي كُلّ مَا أَوْجَبَ اللَّه بِهِ فَرْضًا مِنْهَا فِي سَائِر الْقُرْآن بِمَعْنَى التَّخْيِير , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي آيَة الْمُحَارِبِينَ الْإِمَام مُخَيَّر فِيمَا رَأَى الْحُكْم بِهِ عَلَى الْمُحَارِب إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْل التَّوْبَة . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا تَأْوِيل مَنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُحَارِب مِنْ الْعُقُوبَة عَلَى قَدْر اِسْتِحْقَاقه وَجَعَلَ الْحُكْم عَلَى الْمُحَارِبِينَ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ أَفْعَالهمْ , فَأَوْجَبَ عَلَى مُخِيف السَّبِيل مِنْهُمْ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ قَبْل التَّوْبَة وَقَبْل أَخْذ مَال أَوْ قَتْل : النَّفْي مِنْ الْأَرْض ; وَ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ بَعْد أَخْذ الْمَال وَقَتْل النَّفْس الْمُحَرَّم قَتْلهَا : الصَّلْب ; لِمَا ذَكَرْت مِنْ الْعِلَّة قَبْل لِقَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَة . فَأَمَّا مَا اِعْتَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ : إِنَّ الْإِمَام فِيهِ بِالْخِيَارِ مِنْ أَنَّ " أَوْ " فِي الْعَطْف تَأْتِي بِمَعْنَى التَّخْيِير فِي الْفَرْض , فَنَقُول : لَا مَعْنَى لَهُ ; لِأَنَّ " أَوْ " فِي كَلَام الْعَرَب قَدْ تَأْتِي بِضُرُوبٍ مِنْ الْمَعَانِي لَوْلَا كَرَاهَة إِطَالَة الْكِتَاب بِذِكْرِهَا لَذَكَرْتهَا , وَقَدْ بَيَّنْت كَثِيرًا مِنْ مَعَانِيهَا فِيمَا مَضَى وَسَنَأْتِي عَلَى بَاقِيهَا فِيمَا يُسْتَقْبَل فِي أَمَاكِنهَا إِنْ شَاءَ اللَّه . فَأَمَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع فَإِنَّ مَعْنَاهَا : التَّعْقِيب , وَذَلِكَ نَظِير قَوْل الْقَائِل : إِنَّ جَزَاء الْمُؤْمِنِينَ عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة أَنْ يُدْخِلهُمْ الْجَنَّة , أَوْ يَرْفَع مَنَازِلهمْ فِي عِلِّيِّينَ , أَوْ يُسْكِنهُمْ مَعَ الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقِينَ . فَمَعْلُوم أَنَّ قَائِل ذَلِكَ غَيْر قَاصِد بِقِيلِهِ إِلَى أَنَّ جَزَاء كُلّ مُؤْمِن آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله , فَهُوَ فِي مَرْتَبَة وَاحِدَة مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِب وَمَنْزِلَة وَاحِدَة مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِل بِإِيمَانِهِ , بَلْ الْمَعْقُول عَنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّ جَزَاء الْمُؤْمِن لَمْ يَخْلُو عِنْد اللَّه مِنْ بَعْض هَذِهِ الْمَنَازِل , فَالْمُقْتَصِد مَنْزِلَته دُون مَنْزِلَة السَّابِق بِالْخَيْرَاتِ , وَالسَّابِق بِالْخَيْرَاتِ أَعْلَى مِنْهُ مَنْزِلَة , وَالظَّالِم لِنَفْسِهِ دُونهمَا , وَكُلٌّ فِي الْجَنَّة كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { جَنَّات عَدْن يَدْخُلُونَهَا } فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْعُطُوف بِأَوْ فِي قَوْله : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله } الْآيَة , إِنَّمَا هُوَ التَّعْقِيب . فَتَأْوِيله : إِنَّ الَّذِي يُحَارِب اللَّه وَرَسُوله , وَيَسْعَى فِي الْأَرْض فَسَادًا , لَنْ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَسْتَحِقّ الْجَزَاء بِإِحْدَى هَذِهِ الْخِلَال الْأَرْبَع الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه عَزَّ ذِكْره , لَا أَنَّ الْإِمَام مُحَكَّم فِيهِ , وَمُخَيَّر فِي أَمْره كَائِنَة مَا كَانَتْ حَالَته , عَظُمَتْ جَرِيرَته أَوْ خَفَّتْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ لِلْإِمَامِ قَتْل مَنْ شَهَرَ السِّلَاح مُخِيفًا السَّبِيل وَصَلْبه , وَإِنْ لَمْ يَأْخُذ مَالًا وَلَا قَتَلَ أَحَدًا , وَكَانَ لَهُ نَفْي مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَال وَأَخَافَ السَّبِيل . وَذَلِكَ قَوْل إِنْ قَالَهُ قَائِل خِلَاف مَا صَحَّتْ بِهِ الْآثَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْله : " لَا يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث : رَجُل قَتَلَ رَجُلًا فَقُتِلَ , أَوْ زَنَى بَعْد إِحْصَان فَرُجِمَ , أَوْ اِرْتَدَّ عَنْ دِينه " وَخِلَاف قَوْله : " الْقَطْع فِي رُبُع دِينَار فَصَاعِدًا " وَغَيْر الْمَعْرُوف مِنْ أَحْكَامه . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْكَام الَّتِي ذَكَرْت كَانَتْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْر الْمُحَارِب , وَلِلْمُحَارِبِ حُكْم غَيْر ذَلِكَ مُنْفَرِد بِهِ ؟ قِيلَ لَهُ : فَمَا الْحُكْم الَّذِي اِنْفَرَدَ بِهِ الْمُحَارِب فِي سُنَنه , فَإِنْ اِدَّعَى عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمًا خِلَاف الَّذِي ذَكَرْنَا , أَكَذَبَهُ جَمِيع أَهْل الْعِلْم ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْر مَوْجُود بِنَقْلِ وَاحِد وَلَا جَمَاعَة , وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْم هُوَ مَا فِي ظَاهِر الْكِتَاب . قِيلَ لَهُ : فَإِنَّ أَحْسَن حَالَاتك أَنْ يُسَلَّم لَك أَنَّ ظَاهِر الْآيَة قَدْ يَحْتَمِل مَا قُلْت , وَمَا قَالَهُ مَنْ خَالَفَك فَمَا بُرْهَانك عَلَى أَنَّ تَأْوِيلك أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة مِنْ تَأْوِيله . وَبَعْد : فَإِذَا كَانَ الْإِمَام مُخَيَّرًا فِي الْحُكْم عَلَى الْمُحَارِب مِنْ أَجْل أَنَّ " أَوْ " بِمَعْنَى التَّخْيِير فِي هَذَا الْمَوْضِع عِنْدك , أَفَلَهُ أَنْ يَصْلُبهُ حَيًّا وَيَتْرُكهُ عَلَى الْخَشَبَة مَصْلُوبًا حَتَّى يَمُوت مِنْ غَيْر قَتْله ؟ فَإِنْ قَالَ : ذَلِكَ لَهُ , خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأُمَّة . وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ , وَإِنَّمَا لَهُ قَتْله ثُمَّ صَلْبه أَوْ صَلْبه ثُمَّ قَتْله , تَرَكَ عِلَّته مِنْ أَنَّ الْإِمَام إِنَّمَا كَانَ لَهُ الْخِيَار فِي الْحُكْم عَلَى الْمُحَارِب مِنْ أَجْل أَنَّ " أَوْ " تَأْتِي بِمَعْنَى التَّخْيِير , وَقِيلَ لَهُ : فَكَيْفَ كَانَ لَهُ الْخِيَار فِي الْقَتْل أَوْ النَّفْي أَوْ الْقَطْع وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَار فِي الصَّلْب وَحْده , حَتَّى تَجْمَع إِلَيْهِ عُقُوبَة أُخْرَى ؟ وَقِيلَ لَهُ : هَلْ بَيْنك وَبَيْن مَنْ جَعَلَ الْخِيَار حَيْثُ أَبَيْت وَأَبَى ذَلِكَ حَيْثُ جَعَلْته لَهُ , فَرْق مِنْ أَصْل أَوْ قِيَاس ؟ فَلَنْ يَقُول فِي أَحَدهمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَر مِثْله . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَصْحِيحِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا فِي إِسْنَاده نَظَر . وَذَلِكَ مَا 9257 - حَدَّثَنَا بِهِ عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , عَنْ اِبْن لَهِيعَة , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب : أَنَّ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان كَتَبَ إِلَى أَنَس بْن مَالِك يَسْأَلهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَة , فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَس يُخْبِرهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفَر الْعُرَنِيِّينَ , وَهُمْ مِنْ بُجَيْلَة . قَالَ أَنَس : فَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام , وَقَتَلُوا الرَّاعِي , وَسَاقُوا الْإِبِل , وَأَخَافُوا السَّبِيل , وَأَصَابُوا الْفَرْج الْحَرَام . قَالَ أَنَس : فَسَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ الْقَضَاء فِيمَنْ حَارَبَ , فَقَالَ : " مَنْ سَرَقَ وَأَخَافَ السَّبِيل فَاقْطَعْ يَده بِسَرِقَتِهِ وَرِجْله بِإِخَافَتِهِ . وَمَنْ قَتَلَ فَاقْتُلْهُ . وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيل وَاسْتَحَلَّ الْفَرْج الْحَرَام فَاصْلُبْهُ " . وَأَمَّا قَوْله : { أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف } فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّهُ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ مُخَالِفًا فِي قَطْعهَا قَطْع أَرْجُلهمْ , وَذَلِكَ أَنْ تُقَطَّع أَيْمُن أَيْدِيهمْ وَأَشْمُل أَرْجُلهمْ , فَذَلِكَ الْخِلَاف بَيْنهمَا فِي الْقَطْع . وَلَوْ كَانَ مَكَان " مِنْ " فِي هَذَا الْمَوْضِع " عَلَى " أَوْ الْبَاء , فَقِيلَ : أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ خِلَاف أَوْ بِخِلَافٍ , لَأَدَّيَا عَمَّا أَدَّتْ عَنْهُ " مِنْ " مِنْ الْمَعْنَى . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى النَّفْي الَّذِي ذَكَرَ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع . فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ أَنْ يُطْلَب حَتَّى يُقْدَر عَلَيْهِ , أَوْ يَهْرُب مِنْ دَار الْإِسْلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9258 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : يَطْلُبهُمْ الْإِمَام بِالْخَيْلِ وَالرِّجَال حَتَّى يَأْخُذهُمْ , فَيُقِيم فِيهِمْ الْحُكْم , أَوْ يُنْفَوْا مِنْ أَرْض الْمُسْلِمِينَ . 9259 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَفْيه : أَنْ يُطْلَب . 9260 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } يَقُول : أَوْ يَهْرُبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ دَار الْإِسْلَام إِلَى دَار الْحَرْب . 9261 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن لَهِيعَة , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب , عَنْ كِتَاب أَنَس بْن مَالِك , إِلَى عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان : أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ : " وَنَفْيه : أَنْ يَطْلُبهُ الْإِمَام حَتَّى يَأْخُذهُ , فَإِذَا أَخَذَهُ أَقَامَ عَلَيْهِ إِحْدَى هَذِهِ الْمَنَازِل الَّتِي ذَكَرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ بِمَا اِسْتَحَلَّ " . 9262 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلَّيْثِ بْن سَعْد , فَقَالَ : نَفْيه : طَلَبه مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد حَتَّى يُؤْخَذ , أَوْ يُخْرِجهُ طَلَبه مِنْ دَار الْإِسْلَام إِلَى دَار الشِّرْك وَالْحَرْب , إِذَا كَانَ مُحَارِبًا مُرْتَدًّا عَنْ الْإِسْلَام . قَالَ الْوَلِيد : وَسَأَلْت مَالِك بْن أَنَس , فَقَالَ مِثْله . 9263 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا الْوَلِيد , قَالَ : قُلْت لِمَالِكِ بْن أَنَس وَاللَّيْث بْن سَعْد : . وَكَذَلِكَ يُطْلَب الْمُحَارِب الْمُقِيم عَلَى إِسْلَامه , يَضْطَرّهُ بِطَلَبِهِ مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد حَتَّى يَصِير إِلَى ثَغْر مِنْ ثُغُور الْمُسْلِمِينَ , أَوْ أَقْصَى جِوَار الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ هُمْ طَلَبُوهُ دَخَلَ دَار الشِّرْك ؟ قَالَا : لَا يُضْطَرّ مُسْلِم إِلَى ذَلِكَ . 9264 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : أَنْ يَطْلُبُوهُ حَتَّى يَعْجِزُوا . * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثني عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فَذَكَرَ نَحْوه . 9265 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ عَاصِم , عَنْ الْحَسَن : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : يُنْفَى حَتَّى لَا يُقْدَر عَلَيْهِ . 9266 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس فِي قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : أُخْرِجُوا مِنْ الْأَرْض أَيْنَمَا أُدْرِكُوا , أُخْرِجُوا حَتَّى يَلْحَقُوا بِأَرْضِ الْعَدُوّ . 9267 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : ثنا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ فِي قَوْله : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : نَفْيه : أَنْ يُطْلَب فَلَا يُقْدَر عَلَيْهِ , كُلَّمَا سُمِعَ بِهِ فِي أَرْض طُلِبَ . 9268 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : إِذَا لَمْ يَقْتُل وَلَمْ يَأْخُذ مَالًا , طُلِبَ حَتَّى يَعْجِز . 9269 - حَدَّثَنِي اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِع بْن يَزِيد , قَالَ : ثني أَبُو صَخْر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } مِنْ أَرْض الْإِسْلَام إِلَى أَرْض الْكُفْر . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى النَّفْي فِي هَذَا الْمَوْضِع : أَنَّ الْإِمَام إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ نَفَاهُ مِنْ بَلْدَته إِلَى بَلْدَة أُخْرَى غَيْرهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9270 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ قَيْس بْن سَعْد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } قَالَ : مَنْ أَخَافَ سَبِيل الْمُسْلِمِينَ نُفِيَ مِنْ بَلَده إِلَى غَيْره , لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } . 9271 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي اللَّيْث , قَالَ : ثني يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب وَغَيْره , عَنْ حِبَّان بْن شُرَيْح , أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فِي اللُّصُوص , وَوَصَفَ لَهُ لُصُوصِيَّتهمْ وَحَبَسَهُمْ فِي السُّجُون , قَالَ : قَالَ اللَّه فِي كِتَابه : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف } , وَتَرَكَ : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز : أَمَّا بَعْد , فَإِنَّك كَتَبْت إِلَيَّ تَذْكُر قَوْل اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف } , وَتَرَكْت قَوْل اللَّه : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } , فَنَبِيّ أَنْتَ يَا حِبَّان اِبْن أُمّ حِبَّان ! لَا تُحَرِّك الْأَشْيَاء عَنْ مَوَاضِعهَا , أَتَجَرَّدْت لِلْقَتْلِ وَالصَّلْب كَأَنَّك عَبْد بَنِي عَقِيل مِنْ غَيْر مَا أُشَبِّهك بِهِ ؟ إِذَا أَتَاك كِتَابِي هَذَا فَانْفِهِمْ إِلَى شَغْبٍ . * - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثني اللَّيْث , عَنْ يَزِيد وَغَيْره بِنَحْوِ هَذَا الْحَدِيث , غَيْر أَنَّ يُونُس قَالَ فِي حَدِيثه : كَأَنَّك عَبْد بَنِي أَبِي عِقَال مِنْ غَيْر أَنْ أُشَبِّهك بِهِ . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن لَهِيعَة , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب , أَنَّ الصَّلْت كَاتِب حِبَّان بْن شُرَيْح , أَخْبَرَهُمْ أَنَّ حِبَّان كَتَبَ إِلَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز : أَنَّ نَاسًا مِنْ الْقِبْط قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَة بِأَنَّهُمْ حَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله وَسَعَوْا فِي الْأَرْض فَسَادًا , وَأَنَّ اللَّه يَقُول : { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف } وَسَكَتَ عَنْ النَّفْي , وَكَتَبَ إِلَيْهِ : فَإِنْ رَأَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُمْضِيَ قَضَاء اللَّه فِيهِمْ , فَلْيَكْتُبْ بِذَلِكَ . فَلَمَّا قَرَأَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز كِتَابه , قَالَ : لَقَدْ اِجْتَزَأَ حِبَّان . ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي كِتَابك وَفَهِمْته , وَلَقَدْ اجْتَزَأْت كَأَنَّمَا كَتَبْت بِكِتَابِ يَزِيد بْن أَبِي مُسْلِم أَوْ عِلْج صَاحِب الْعِرَاق مِنْ غَيْر أَنْ أُشَبِّهك بِهِمَا , فَكَتَبْت بِأَوَّلِ الْآيَة ثُمَّ سَكَتّ عَنْ آخِرهَا , وَإِنَّ اللَّه يَقُول : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } فَإِنْ كَانَتْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَة بِمَا كَتَبْت بِهِ , فَاعْقِدْ فِي أَعْنَاقهمْ حَدِيدًا , ثُمَّ غَيِّبْهُمْ إِلَى شَغْب وَبَدَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : شَغْب وَبَدَا : مَوْضِعَانِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى النَّفْي مِنْ الْأَرْض فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْحَبْس , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى النَّفْي مِنْ الْأَرْض فِي هَذَا الْمَوْضِع : هُوَ نَفْيه مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد غَيْره وَحَبْسه فِي السِّجْن فِي الْبَلَد الَّذِي نُفِيَ إِلَيْهِ , حَتَّى تَظْهَر تَوْبَته مِنْ فُسُوقه وَنُزُوعه عَنْ مَعْصِيَته رَبّه . وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ ; لِأَنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى أَحَد الْأَوْجُه الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكَرْت . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا جَعَلَ جَزَاء الْمُحَارِب : الْقَتْل أَوْ الصَّلْب , أَوْ قَطْع الْيَد وَالرِّجْل مِنْ خِلَاف , بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ لَا فِي حَال اِمْتِنَاعه ; كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ النَّفْي أَيْضًا إِنَّمَا هُوَ جَزَاؤُهُ بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ لَا قَبْلهَا , وَلَوْ كَانَ هُرُوبه مِنْ الطَّلَب نَفْيًا لَهُ مِنْ الْأَرْض , كَانَ قَطْع يَده وَرِجْله مِنْ خِلَاف فِي حَال اِمْتِنَاعه وَحَرْبه عَلَى وَجْه الْقِتَال بِمَعْنَى إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ . وَفِي إِجْمَاع الْجَمِيع أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقُوم مَقَام نَفْيه الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ حَدًّا لَهُ بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ . وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ , وَهُوَ النَّفْي مِنْ بَلْدَة إِلَى أُخْرَى غَيْرهَا أَوْ السِّجْن . فَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ , فَلَا شَكّ أَنَّهُ إِذَا نُفِيَ مِنْ بَلْدَة إِلَى أُخْرَى غَيْرهَا فَلَمْ يُنْفَ مِنْ الْأَرْض , بَلْ إِنَّمَا نُفِيَ مِنْ أَرْض دُون أَرْض . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِنَفْيِهِ مِنْ الْأَرْض , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى نَفْيه مِنْ الْأَرْض إِلَّا بِحَبْسِهِ فِي بُقْعَة مِنْهَا عَنْ سَائِرهَا , فَيَكُون مَنْفِيًّا حِينَئِذٍ عَنْ جَمِيعهَا , إِلَّا مَا لَا سَبِيل إِلَى نَفْيه مِنْهُ . وَأَمَّا مَعْنَى النَّفْي فِي كَلَام الْعَرَب : فَهُوَ الطَّرْد , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل أَوْس بْن حُجْر : يُنْفَوْنَ عَنْ طُرُق الْكِرَام كَمَا يَنْفِي الْمُطَارِق مَا يَلِي الْقَرَد وَمِنْهُ قِيلَ لِلدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَة وَغَيْرهَا مِنْ كُلّ شَيْء : النِّفَايَة . وَأَمَّا الْمَصْدَر مِنْ نَفَيْت , فَإِنَّهُ النَّفْي وَالنِّفَايَة , وَيُقَال : الدَّلْو يَنْفِي الْمَاء . وَيُقَال لِمَا تَطَايَرَ مِنْ الْمَاء مِنْ الدَّلْو النَّفْي , وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنْ النَّفْي مَوَاقِع الطَّيْر عَلَى الصُّفِيّ وَمِنْهُ قِيلَ : نَفَى شَعَره : إِذَا سَقَطَ , يُقَال : حَال لَوْنك وَنَفَى شَعْرك .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لَهُمْ خِزْي فِي الدُّنْيَا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ } هَذَا الْجَزَاء الَّذِي جَازَيْت بِهِ الَّذِينَ حَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله وَسَعَوْا فِي الْأَرْض فَسَادًا فِي الدُّنْيَا , مِنْ قَتْل , أَوْ صَلْب , أَوْ قَطْع يَد وَرِجْل مِنْ خِلَاف { لَهُمْ } يَعْنِي لِهَؤُلَاءِ الْمُحَارَبِينَ { خِزْي فِي الدُّنْيَا } يَقُول هُوَ لَهُمْ شَرّ وَعَار وَذِلَّة , وَنَكَال وَعُقُوبَة فِي عَاجِل الدُّنْيَا قَبْل الْآخِرَة , يُقَال مِنْهُ : أَخْزَيْت فُلَانًا فَخَزِيَ هُوَ خِزْيًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لَهُمْ خِزْي فِي الدُّنْيَا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ } هَذَا الْجَزَاء الَّذِي جَازَيْت بِهِ الَّذِينَ حَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله وَسَعَوْا فِي الْأَرْض فَسَادًا فِي الدُّنْيَا , مِنْ قَتْل , أَوْ صَلْب , أَوْ قَطْع يَد وَرِجْل مِنْ خِلَاف { لَهُمْ } يَعْنِي لِهَؤُلَاءِ الْمُحَارَبِينَ { خِزْي فِي الدُّنْيَا } يَقُول هُوَ لَهُمْ شَرّ وَعَار وَذِلَّة , وَنَكَال وَعُقُوبَة فِي عَاجِل الدُّنْيَا قَبْل الْآخِرَة , يُقَال مِنْهُ : أَخْزَيْت فُلَانًا فَخَزِيَ هُوَ خِزْيًا .' وَقَوْله : { وَلَهُمْ فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله وَسَعَوْا فِي الْأَرْض فَسَادًا فَلَمْ يَتُوبُوا مِنْ فِعْلهمْ ذَلِكَ , حَتَّى هَلَكُوا فِي الْآخِرَة مَعَ الْخِزْي الَّذِي جَازَيْتهمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا , وَالْعُقُوبَة الَّتِي عَاقَبْتهمْ بِهَا فِيهَا عَذَاب عَظِيم , يَعْنِي : عَذَاب جَهَنَّم .وَقَوْله : { وَلَهُمْ فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم } يَقُول عَزَّ ذِكْره لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله وَسَعَوْا فِي الْأَرْض فَسَادًا فَلَمْ يَتُوبُوا مِنْ فِعْلهمْ ذَلِكَ , حَتَّى هَلَكُوا فِي الْآخِرَة مَعَ الْخِزْي الَّذِي جَازَيْتهمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا , وَالْعُقُوبَة الَّتِي عَاقَبْتهمْ بِهَا فِيهَا عَذَاب عَظِيم , يَعْنِي : عَذَاب جَهَنَّم .'

تفسير القرطبي

فيه خمس عشرة مسألة: الأولى: اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية؛ فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين؛ روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن أنس بن مالك : أن قوما من عكل - أو قال من عرينة - قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة؛ فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم؛ فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم؛ فلما ارتفع النهار حتى جيء بهم؛ فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. قال أبو قلابة : فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. وفي رواية : فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم؛ وفي رواية : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة فأتي به قال : فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} الآية. وفي رواية قال أنس : فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا. وفي البخاري قال جرير بن عبدالله في حديثه : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم، فجئنا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جرير : فكانوا يقولون الماء، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (النار). وقد حكى أهل التواريخ والسير : أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه، وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأدخل المدينة ميتا. وكان اسمه يسار وكان نوبيا. وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة. وفي بعض الروايات عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم. وروي عن ابن عباس والضحاك : أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض. وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس قال { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} إلى قوله { غفور رحيم} نزلت هذه الآية في المشركين فمن أخذ منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه. وممن قال : إن الآية نزلت في المشركين عكرمة والحسن، وهذا ضعيف يرده قوله تعالى { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال : 38] ، وقوله عليه الصلاة والسلام : (الإسلام يهدم ما قبله) أخرجه مسلم؛ والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك. وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد. قال ابن المنذر : قول مالك صحيح، وقال أبو ثور محتجا لهذا القول : وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك؛ وهو قوله جل ثناؤه { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام. وحكى الطبري عن بعض أهل العلم : أن هذه الآية نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين، فوقف الأمر على هذه الحدود. وروى محمد بن سيرين قال : كان هذا قبل أن تنزل الحدود؛ يعني حديث أنس؛ ذكره أبو داود. وقال قوم منهم الليث بن سعد : ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بوفد عرينة نسخ؛ إذ لا يجوز التمثيل بالمرتد. قال أبو الزناد : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله عز وجل في ذلك؛ فأنزل الله تعالى في ذلك { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا} الآية. أخرجه أبو داود. قال أبو الزناد : فلما وعظ ونهي عن المثلة لم يعد. وحكي عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل؛ لأن ذلك وقع في مرتين، لا سيما وقد ثبت في صحيح مسلم وكتاب النسائي وغيرهما قال : إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة؛ فكان هذا قصاصا، وهذه الآية في المحارب المؤمن. قلت : وهذا قول حسن، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي؛ ولذلك قال الله تعالى { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقط قبل القدرة. والمرتد يستحق القتل بنفس الردة - دون المحاربة - ولا ينفى ولا تقطع يده ولا رجله ولا يخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم، ولا يصلب أيضا؛ فدل أن ما اشتملت عليه الآية ما عني به المرتد. وقال تعالى في حق الكفار { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال : 38]. وقال في المحاربين { إلا الذين تابوا} الآية؛ وهذا بين. وعلى ما قررناه في أول الباب لا إشكال ولا لوم ولا عتاب إذ هو مقتضى الكتاب؛ قال الله تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة : 194] فمثلوا فمثل بهم، إلا أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في القتل، وذلك تكحيلهم بمسامير محماة وتركهم عطاشى حتى ماتوا، والله أعلم. وحكى الطبري عن السدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمل أعين العرنيين وإنما أراد ذلك؛ فنزلت الآية ناهية عن ذلك، وهذا ضعيف جدا؛ فإن الأخبار الثابتة وردت بالسمل؛ وفي صحيح البخاري : فأمر بمسامير فأحميت لهم. ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود. وفي قوله تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} استعارة ومجاز؛ إذ الله سبحانه وتعالى لا يحارب ولا يغالب لما هو عليه من صفات الكمال، ولما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد. والمعنى : يحاربون أولياء الله؛ فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكبارا لإذايتهم، كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة : 245] حثا على الاستعطاف عليهم؛ ومثله في صحيح السنة (استطعمتك فلم تطعمني). الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم في [البقرة]. الثانية: واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة؛ فقال مالك : المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا ذحل ولا عداوة؛ قال ابن المنذر : اختلف عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة؛ وقالت طائفة : حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة؛ وهذا قول الشافعي وأبي ثور؛ قال ابن المنذر : كذلك هو لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة. وقالت طائفة : لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجا عن المصر؛ هذا قول سفيان الثوري وإسحاق والنعمان. والمغتال كالمحارب وهو الذي يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله، وإن لم يشهر السلاح لكن دخل عليه بيته أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله فيقتل حدا لا قودا. الثالثة: واختلفوا في حكم المحارب؛ فقالت طائفة : يقام عليه بقدر فعله؛ فمن أخاف السبيل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخذ المال وقتل قطعت يده ورجله ثم صلب، فإذا قتل ولم يأخذ المال، وإن هو لم يأخذ المال ولم يقتل نفي؛ قاله ابن عباس، وروي عن أبي مجلز والنخعي وعطاء الخراساني وغيرهم. وقال أبو يوسف : إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل على الخشبة؛ قال الليث : بالحربة مصلوبا. وقال أبو حنيفة : إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه، إن شاء قطع يده ورجله وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه؛ قال أبو يوسف : القتل يأتي على كل شيء. ونحوه قول الأوزاعي. وقال الشافعي : إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلي؛ لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وإذا قتل قتل، وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب؛ وروي عنه أنه قال : يصلب ثلاثة أيام؛ قال : وإن حضر وكثر وهيب وكان ردءا للعدو حبس. وقال أحمد : إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعي. وقال قوم : لا ينبغي أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب؛ وحكي عن الشافعي : أكره أن يقتل مصلوبا لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة. وقال أبو ثور : الإمام مخير على ظاهر الآية، وكذلك قال مالك، وهو مروي عن ابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد والضحاك والنخعي كلهم قال : الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية؛ قال ابن عباس : ما كان في القرآن { أو} فصاحبه بالخيار؛ وهذا القول أشعر بظاهر الآية؛ فإن أهل القول الأول الذين قالوا { أو} للترتيب وإن اختلفوا - فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدين فيقولون : يقتل ويصلب؛ ويقول بعضهم : يصلب ويقتل؛ ويقول بعضهم : تقطع يده ورجله وينفى؛ وليس كذلك الآية ولا معنى { أو} في اللغة؛ قال النحاس. واحتج الأولون بما ذكره الطبري عن أنس بن مالك أنه قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الحكم في المحارب فقال (من أخاف السبيل وأخذ المال فأقطع به للأخذ ورجله للإخافة ومن قتل فاقتله ومن جمع ذلك فأصلبه). قال ابن عطية : وبقي النفي للمخيف فقط والمخيف في حكم القاتل، ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العذاب والعقاب استحسانا. الرابعة: قوله تعالى { أو ينفوا من الأرض} اختلف في معناه؛ فقال السدي : هو أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حد الله، أو يخرج من دار الإسلام هربا ممن يطلبه؛ عن ابن عباس وأنس بن مالك ومالك بن أنس والحسن والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري. حكاه الرماني في كتابه؛ وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد، ويطلبون لتقام عليهم الحدود؛ وقال الليث بن سعد والزهري أيضا. وقال مالك أيضا : ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويحبس فيه كالزاني. وقال مالك أيضا والكوفيون : نفيهم سجنهم فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض إلا من موضع استقراره؛ واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك : خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا حكى مكحول أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون وقال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم؛ والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة وقد تجنب، الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب؛ ومنه الحديث (الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة). وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب فظن أنه لا يعود إلى جناية سرح؛ قال ابن عطية : وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب ويسجن حيث يغرب، وهذا على الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري وهو الواضح؛ لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية، وسجنه بعد بحسب الخوف منه، فإن تاب وفهمت حاله سرح. الخامسة: قوله تعالى { أو ينفوا من الأرض} النفي أصله الإهلاك؛ ومنه الإثبات والنفي، فالنفي الإهلاك بالإعدام؛ ومنه النفاية لردي المتاع؛ ومنه النفي لما تطاير من الماء عن الدلو. قال الراجز : كأن متنيه من النفي ** مواقع الطير على الصفي السادسة: قال ابن خويزمنداد : ولا يراعى المال الذي يأخذه المحارب نصابا كما يراعى في السارق. وقد قيل : يراعى في ذلك النصاب ربع دينار؛ قال ابن العربي، قال الشافعي وأصحاب الرأي : لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق؛ وقال مالك : يحكم عليه بحكم المحارب وهو الصحيح؛ فإن الله تعالى وقت على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام القطع في السرقة في ربع دينار، ولم يوقت في الحرابة شيئا، بل ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حبة؛ ثم إن هذا قياس أصل على أصل وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى والأدنى بالأسفل وذلك عكس القياس. وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق وهو يطلب خطف المال فإن شعر به فر؛ حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال فإن منع منه أو صبح عليه وحارب عليه فهو محارب حكم عليه بحكم المحارب. قال القاضي ابن العربي : كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل الدين، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين. قلت : اليفع أعلى الجبل ومنه غلام يفعة إذا ارتفع إلى البلوغ؛ والحضيض الحفرة في أسفل الوادي؛ كذا قال أهل اللغة. السابعة: ولا خلاف في أن الحرّابة يقتل فيها من قتل وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل؛ وللشافعي قولان : أحدهما : أنها تعتبر المكافأة لأنه قتل فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص؛ وهذا ضعيف؛ لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل وإنما هو على الفساد العام من التخويف وسلب المال؛ قال الله تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا} فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين محاربة وسعيا في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفا من وضيع، ولا رفيعا من دنيء. الثامنة: وإذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقتل بعض المحاربين ولم يقتل بعض قتل الجميع. وقال الشافعي : لا قتل إلا من قتل؛ وهذا أيضا ضعيف؛ فإن من حضر الوقيعة شركاء في الغنيمة وإن لم يقتل جميعهم؛ وقد اتفق معنا على قتل الردء وهو الطليعة، فالمحارب أولى. التاسعة: وإذا أخاف المحاربون السبيل وقطعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته؛ ولا يدفف منهم على جريح إلا أن يكون قد قتل؛ فإن أخذوا وجد في أيديهم مال لأحد بعينه رد إليه أو إلى ورثته، وإن لم يوجد له صاحب جعل في بيت المال؛ وما أتلفوه من مال لأحد غرموه؛ ولا دية لمن قتلوا إذا قدر عليهم قبل التوبة، فإن تابوا وجاؤوا تائبين وهي : العاشرة: لم يكن للإمام عليهم سبيل، وسقط عنهم ما كان حدا لله وأخذوا بحقوق الآدميين، فاقتص منهم من النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك، ويجوز لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين؛ هذا مذهب مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. وإنما أخذ ما بأيديهم من الأموال وضمنوا قيمة ما استهلكوا؛ لأن ذلك غصب فلا يجوز ملكه لهم، ويصرف إلى أربابه أو يوقفه الإمام عنده حتى يعلم صاحبه. وقال قوم من الصحابة والتابعين : لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده، وأما ما استهلكه فلا يطالب به؛ وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بحارثة بن بدر الغداني فإنه كان محاربا ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا؛ قال ابن خويزمنداد : واختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد ولم يوجد له مال؛ هل يتبع دينا بما أخذ، أو يسقط عنه كما سقط عن السارق؟ والمسلم والذمي في ذلك سواء. الحادية عشرة: وجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب؛ فإن قتل محارب أخا امرئ أو أباه في حال المحاربة، فليس إلى طالب الدم من أمر المحارب شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم، والقائم بذلك الإمام؛ جعلوا ذلك بمنزلة حد من حدود الله تعالى. قلت : فهذه جملة من أحكام المحاربين جمعنا غررها، واجتلبنا دررها؛ ومن أغرب ما قيل في تفسيرها وهي : الثانية عشرة: وتفسير مجاهد لها؛ المراد بالمحاربة في هذه الآية الزنى والسرقة؛ وليس بصحيح؛ فإن الله سبحانه بين في كتابه وعلى لسان نبيه أن السارق تقطع يده، وأن الزاني يجلد ويغرب إن كان بكرا، ويرجم إن كان ثيبا محصنا. وأحكام المحارب في هذه الآية مخالف لذلك، اللهم إلا أن يريد إخافة الطريق بإظهار السلاح قصدا للغلبة على الفروج، فهذا أفحش المحاربة، وأقبح من أخذ الأموال وقد دخل في معنى قوله تعالى { ويسعون في الأرض فسادا} . الثالثة عشرة: قال علماؤنا : ويناشد اللص بالله تعالى، فإن كف ترك وإن أبى قوتل، فإن أنت قتلته فشر قتيل ودمه هدر. روى النسائي عن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن عدي على مالي؟ قال : (فانشد بالله) قال : فإن أبوا علي. قال : (فانشد بالله) قال : فإن أبوا علي قال : (فانشد بالله) قال : فإن أبوا علي قال : (فقاتل فإن قتلت ففي الجنة وإن قتلت ففي النار) وأخرجه البخاري ومسلم - وليس فيه ذكر المناشدة - عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال : (فلا تعطه مالك) قال : أرأيت إن قاتلني؟ قال : (فقاتله) قال : أرأيت إن قتلني؟ قال : (فأنت شهيد) قال : فإن قتلته؟ قال : (هو في النار). قال ابن المنذر : ورينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم؛ هذا مذهب ابن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان، وبهذا يقول عوام أهل العلم : إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلما؛ للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص وقتا دون وقت، ولا حالا دون حال إلا السلطان؛ فإن جماعة أهل الحديث لا يحاربه ولا يخرج عليه؛ للأخبار الدالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم، من الجور والظلم، وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة. قلت : وقد اختلف مذهبنا إذا طلب الشيء الخفيف كالثوب والطعام هل يعطونه أو يقاتلون؟ وهذا الخلاف مبني على أصل، وهو هل الأمر بقتالهم لأنه تغيير منكر أو هو من باب دفع الضرر؟ وعلى هذا أيضا ينبني الخلاف في دعوتهم قبل القتال. والله أعلم. الرابعة عشرة: قوله تعالى { ذلك لهم خزي في الدنيا} لشناعة المحاربة وعظم ضررها، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر؛ لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس، لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض؛ كما قال عز وجل { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} [المزمل : 20] فإذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم؛ فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم، ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة. وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي، ومستثناة من حديث عبادة في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة) والله أعلم. ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره. ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة كقوله تعالى { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء : 116] أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية. الخامسة عشرة: قوله تعالى { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} استثنى جل وعز التائبين قبل أن يقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله { فاعلموا أن الله غفور رحيم} . أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط. ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام الحدود عليه كما تقدم. وللشافعي قول أنه يسقط كل حد بالتوبة، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق لآدمي قصاصا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه. وقيل : أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب وأمن قبل القدرة عليه فإنه تسقط عنه الحدود؛ وهذا ضعيف؛ لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضا بالإجماع. وقيل : إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم - والله أعلم - لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم؛ كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب؛ فأما إذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم، فلا تهمة وهي نافعة على ما يأتي بيانه في سورة [يونس]؛ فأما الشراب والزناة والسراق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا تبنا لم يتركوا، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة المائدة الايات 31 - 33


سورة المائدة الايات 33 - 34

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أول شيء في الحرب هو الاستيلاء؛ فمعنى أن يحارب قوم قوماً غيرهم أي يرغبون في الاستيلاء على خيرات أو ممتلكات الطرف الآخر. فكيف يحارب قومٌ اللَّهَ وهو غيب؟. وأول حرب للَّه هي محاولة الاستيلاء على سلطانه، وهو تشريعه. فإن حاولت أيها الإنسان أن تشرع أنت على غير منهج الله فأنت تريد أن تستولي على حق الله في التشريع. وهذه أول حرب لله.

والذين يحاربون الله أَهُمُ الذين يريدون أن يستولوا على ملك الله؟ لا؛ لأن يد الله في مُلكه أزلا، وستبقى أبدًا وسبحانه لن يسلّمه لأحد من عباده. فعلى ماذا - إذن - يريدون الاستيلاء؟. إنهم يريدون تزييف تشريعات الله، بينما سبحانه هو المُشرّع وحده. والتشريع - كما قلنا - هو قانون صيانة للصّنعة. إذن لماذا لا نترك خالق الإنسان ليضع القواعد التي تصون البشر؛ لذلك فأول افتيات يفعله الناس أنهم يُشرّعون لأنفسهم؛ لأن قانون صيانة الإنسان يضعه خالق الإنسان، فإذا ما جاء شخص وأراد أن يضع للإنسان - الذي هو منه - قانون صيانة نقول له: إنك تستولي على حق الله.

وكيف يحاربون الرسول؟.

نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم له وضعان؛ فالله غيب؛ لكن الرسول كان مشهداً من مشاهدنا في يوم من الأيام، وقد حورب بالسيف، وعندما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى أصبحت حربه كحرب الله، فنأخذ سلطته في التشريع، وهي السلطة الثانية ونقول لها: نحن سنشرع لأنفسنا ولا ضرورة لهذا الرسول، أو أن يقول نظام ما: سنأخذ من كلام الله فقط وذلك ما ينتشر في بعض البلدان. ونقول لكل واحد من هؤلاء: أتؤدي الصلاة؟. فيقول: نعم. نسأله: كم ركعة صليت المغرب؟. فيجيب ثلاث ركعات. نسأله: من أين أتيت بذلك؟. ومن أين عرفت أن صلاة المغرب ثلاث ركعات وهي لم تذكر في القرآن الكريم؟. هنا سيصمت.

ونسأله: كيف تخرج الزكاة وبأي حساب تحسبها؟ فيقول: اخرج الزكاة بقدر اثنين ونصف بالمائة في النقدين والتجارة مثلا.

نقول له: كيف - إذن - عرفت ذلك؟. وأيضا كيف عرفت الحج؟. إذن فللرسول صلى الله عليه وسلم مهمة، وحرب النبي تكون في ترك قول أو فعل أو تقرير له عليه الصلاة والسلام.

ومثال ذلك هؤلاء الذين يقولون: إن أحاديث رسول الله كثيرة. ونقول لهم: كانت مدة رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين عاماً وكل كلامه حديث، فكل كلمة خرجت من فمه حديث شريف، ولو كنا سنحسب الكلام فقط لكان مجلدات لا يمكن حصرها، وكل كلام سمعهُ وأَقرّه من غيره حديث، وكل فعل فعله غيره أمامه وأقرّه ولم يعترض عليه حديث، فكم تكون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.وكيف يستكثر بعض الناس قدراً من الأحاديث التي وصلتنا بعد قدر هائل من التنقية البالغة؟؛ لأنهم قالوا: لأن نبعد عن رسول الله ما قاله خير من أن ندخل على رسول الله ما لم يفعله. إنهم يدعون أن هذا حفظ للإسلام ولكن فاتهم أن الله حافظ دينه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع القواعد لغربلة الأحاديث فقال:

" من كذب على مُتعمداً فليتبوّأ مقعده من النار ".

وها هوذا البخاري ينقل عن المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والذين قابلوه، وسيدنا مُسلم يعتبر المعاصرة كافية لأنّها مظنَّة المقابلة وتحري كل منهما الدقة الفائقة. وأي شخص كان به خدشة سلوكية لا يؤخذ بقوله، ولذلك عندما حاول البعض أن ينال من الأحاديث وقال أحدهم: " أنا يكفيني أو أقول لا إله إلا الله " ، تساءلت: كيف لا يذكر أن محمداً رسول الله؟ وكيف يمكن أن يؤدي الأذان للصلاة؟ وكيف يؤدي الصلاة " وكيف يمكن أن يفهم قول الحق:
{  وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ }
[الحشر: 7]

وهذا تفويض من الله في أن يكون لمحمد صلى الله عليه وسلم تشريع.

وكذلك الاجتراءات على الأئمة، هم يجترئون أولاً على النبي ثم يزحفون على الدين كله. وجاء فيهم قول الحق: { إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً } أي يخرجون الصالح بذاته عن صلاحه ليكون فاسداً. الجزاء أن يُقَتَّلوا أو يُصَلَّبُوا، وهذا التفعيل في قوله: { أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ } جاء للشدة والتقوية؛ حتى يقف منهم المجتمع الإيماني العام موقف القائم على هذا الأمر، والسلطة الشرعية قامت عن الجميع في هذا الأمر، كما يقال: إن النائب العام نائب عن الشعب في أن يرفع الدعوى، حتى لا ينتشر التقتيل بين الناس، دون أن يفهموا حكمة كل أمر.

{ أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ }. وهل " أو " هنا تخييرية، أو أنّ هنا - كما يقال - " لف ونشر "؟ واللف هو الطي. والنشر هو أن تبسط الشيء وتفرقه.

فما اللف، وما النشر - إذن -؟ مثل ذلك ما يقوله الشاعر:
قلبي وجفني واللسان وخالقي..   
لقد ذُكر مُتَعدّد ولكن الأحكام غير مذكورة، هذا هو اللف؛ فجمع المبتداءت دون أن يذكر لكل واحد منها خبره؛ ثم جاء بالأحكام على وفق المحكوم عليه. فأكمل بيت الشعر بقوله:
راضٍ وباكٍ شاكرٌ وغفور   
ولنقرأ البيت كاملاً:
قلبي وجفني واللسان وخالقي   راضٍ وباكٍ شاكرٌ وغفورُ
والحق يقول:
{  وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ }
[القصص: 73]

فقوله: { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } راجع إلى الليل، وقوله: { وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } راجع إلى النهار. وهنا جاء باللف. ثم جاء بالنشر.

والفساد - كما نعلم - له صُور متعددة، فالفساد في الإنسان قد يعني قتله.أو قتله وأخذ ماله. أو الاستيلاء على ماله دون قتله. أو إثارة الرعب في نفس الإنسان دون أخذ ماله أو قتله. فكأن كلمة الفساد طوي فيها ألوان الفساد، نفس القتل، أو نفس تقتل مع مال يُسلب ويؤخذ، أو مال يُؤخذ دون نفس تقتل، أو تخويف وتفزيع.

ويقول الحق: { أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ } ، والنفي معناه الطرد والإبعاد، والطرد لا يتأتى إلا لثابت مُستقر، والإبعاد لا يتأتى إلا لمُتمكن. إذن، فقبل أن يُنفى لا بد أن يكون له ثبًوت وتمكُّن في موضع ما، وهو ما نسميه اصطلاحاً السكن، أو الوطن، أو المكان الذي يقيم به الإنسان لأنه ثابت فيه. ومعنى ثابت فيه. أي له حركة في دائرته، إلا أنه يأوي إلى مكانٍ مُستقر ثابت، ولذلك سُمي سكناً؛ أي يسكن فيه من بعد تحركه في مجالاته المختلفة. ومعنى النفي على هذا هو إخراجه من مسكنه ومن وطنه الذي اتخذه موطناً له وكان مجالاً للإفساد فيه. ولكن إلى أي مكان نُخرج إليه هذا الذي نحكم عليه بالنفي؟ قد يقول قائل: أنت إن أخرجته من مكان أفسد فيه وذهبت به إلى مكان آخر فقد تشيع فساده!

لا؛ لأن النفي لا يتيح له ذلك الإفساد، ذلك أن التوطن الأول يجعل له إلفاً بجغرافية المكان، إلفاً بمن يخيفهم؛ فهو يعرف سلوك جيرانه ويعرف كيف يخيف فلانا وكيف يغتصب بضاعة آخر وهكذا. ولكنه إن خرج إلى مكان غير مستوطن فيه فسوف يحتاج إلى وقت طويل حتى يتعرف إلى جغرافية المكان ومواقع الناس فيه، ومواطن الضعف فيهم. وعلى ذلك يكون النفي هو منعٌ لإفساد الفاسد.

وحين يقول سبحانه: { أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ } نعرف أن كلمة " الأرض " لها مدلول ونسمي الأرض الآن: الكرة الأرضية. وكانوا قديماً يفهمونها على أنها اليابسة وما فيها من مياه، وبعد أن عرفنا أن جَوَّ الأرض منها صار جو الأرض جزءا من الأرض. ولذلك قلنا في المقدسات المكانية: إن كل جو يأخذ التقديس من مكانه؛ فجو الكعبة كعبة؛ بدليل أن الذي يصلي في الدور الثالث من الحرم؛ ويتجه إلى الكعبة. يصلي متجها إلى جو الكعبة. ومن يستقل طائرة ويرغب في إقامة الصلاة يتجه إلى جو الكعبة، وعندما ازدحم الحجيج وصار المسعى لا يتسع لكل الحجيج أقاموا دوراً ثانياً حتى يسعى الناس فيه. إذن فالمسعى ليس هو المكان المحدد فقط، ولكن جوه أيضا له قدسية؛ فإن بنينا كذا طابقا فهي تصلح أيضا كمسعى.

إذن فجو الأرض ينطبق عليه ما ينطبق على الأرض. ولذلك كانوا يُحرمون - قبل أن يوجد طيارون مسلمون - أن يُحَوِّم في جو الحرم طيار غير مسلم؛ لأن الطيار غير المسلم مُحرم عليه أن يدخل الكعبة والحرم.ومادام هناك إنسان ممنوع من دخول الكعبة فهو أيضا ممنوع من الطيران في جَوّ الكعبة.

أن جَوّ المكان يأخذ قُدسية المكان أو حكمه؛ فالجَوّ من الأرض، ونعرف أن الغلاف الجوي يدور مع الأرض. ومن هذا نعرف العطاءات القرآنية من القائل لكلامه وهو سبحانه الخالق لكونه. ومادام القائل للقرآن هو الخالق للكون، إذن لا يوجد تضارب بين حقيقة كونية وحقيقة قرآنية. وإنما يوجد التضارب من أحد أمرين: إما أن نعتبر الأمر الذي لا يزال في طور النظرية حقيقة في حين أنها لم تصبح حقيقة بعد؛ وإما أن نفهم أن هذا حقيقة قرآنية، على الرغم من أنه ليس كذلك، فإذا كان الأمر هو حقيقة كونية بحق وحقيقة قرآنية بحق، فلا تضارب على الإطلاق. ودليل ذلك على سبيل المثال قول الحق سبحانه:
{  وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ }
[لقمان: 34]

ويأتي العلم الحديث بالبحث والتحليل، ويقول بعض السطحيين:

لا، إن العلم يعرف ما في الرّحم من ذكر أو أنثى. ونقول: نحن لا نناقش ذلك؛ لأنها حقيقة كونية وهي لا تتصادم مع الفهم الصحيح للحقيقة القرآنية؛ لكننا نسأل: متى يعرف العلماء ذلك؟ هم لا يعرفون هذا الأمر إلا بعد مُضي مُدة زمنية، ولكن الحق يعلمه قبل مرور أية مدة زمنية. ثم مَن قال: إن الحق يقصد بـ { وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ } ذكراً أو أنثى فحسب؟ وهل لمدلولها وجه واحد؟ لا، بل له وجوه متعددة فلن يعرف أحد أن ما في الرحم سيكون من بعد إنساناً طويلاً أو قصيراً؛ ذكيا أو غبيّاً؛ شقيّاً أو سعيداً؛ طويل العمر أو قصير العمر؛ حليماً أو غضوباً. فلماذا نحصر " ما " في مسألة الذكر والأنثى فقط؟

إنه هو سبحانه يعلم المستقبل أزلاً قبل أن يعلم أي عالم وقبل أن يحصل العالم على أية عينة. ثم هل تذهب كل حامل إلى الطبيب ليفحص معملياً ما الذي تحمله في بطنها؟ طبعاً لا، ونحن لا نعلم ماذا في بطنها ولكن الخالق الأعظم يعلم. ثم هل تذهب كل النساء الحوامل في العالم لطبيب واحد؟ بالطبع لا، ولكن الخالق الأعظم يعلم ما في كل الأرحام.

إذن فالحقيقة القرآنية لم تصطدم بأية حقيقة كونية، لكن الصدام يحدث عندما نفهم فهما خطأ أن الحقيقة القرآنية في قوله الحق: { وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ } مقصود به العلم بالذكر والأنثى فقط.

ومثال آخر، يقول الحق:
{  وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا }
[الحجر: 19]

ويُخطئ البعض الفهم عن الله فيظن أن المقصود بذلك أن الأرض بساط أمام الإنسان. وقد ثبتت للبشر حقيقة كونية هي ان الأرض كروية بالأدلة خلال رحلة ماجلان ثم بالقواعد الخاصة بوضع الأعمدة؛ وظهور أعالي الأشياء قبل أسافلها وغير ذلك، ثم صارت في عصرنا مُشاهدة من الأقمار الصناعية. إذن هذه الحقيقة الكونية لا كلام فيها، وكان الخطأ هو فهم مدلول الحقيقة القرآنية والفهم الصواب في مدلول الحقيقة القرآنية الخاصة بقوله تعالى: { وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا }؛إننا كلما وقفنا في مكان نجد أرضا، أي أن الأرض لا نهاية لها وليس لها حافة.إذن فسبحانه قد مَد الأرض أمام الإنسان بحيث إذا سار الإنسان في أي اتجاه؛ يجد أرضاً. ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية. لهذا كان الخطأ في فهم مدلول الحقيقة القرآنية؛ لأن التضارب إنما ينشأ من فهم أنها حقيقة كونية وهي ليست كذلك، أو من فهم أنها حقيقة كونية وهي ليست كذلك، أو من فهم أنها حقيقة قرآنية على نحو خاطئ، إنهما لا تتعارضان، فالقائل هو الخالق عينه. ولهذا عرفنا متأخراً أن الجو من الأرض وأن الغلاف الجوي يدور مع الأرض، وكنا نقول: سرنا على الأرض لكنه سبحانه قال وهو العليم:
{  سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ }
[الأنعام: 11]

وهو سبحانه علم أزلاً أن الجو جزء من الأرض. فمهما سار الإنسان على اليابسة ففوقه الغلاف الجوي. إذن فالإنسان إنما يمشي في الأرض وليس على الأرض. أما إن سار الإنسان فوق الغلاف الجوي فهو يسير فوق الأرض.

ونعود إلى قوله الحق: { أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ } وقد عرفنا أن النفي هو الطرد والإبعاد، فأي أرض ينفون منها وإلى أي أرض؟ ولا يكون الطرد إلا لمستقر ولا الإبعاد إلا لثابت. وحتى في اللغة نعرف ما يسمى النفي والإثبات. وكل ذلك مأخوذ من شيء حِسي؛ فعندما نأخذ الماء من البئر نُنزل إلى قاع البئر دلواً، وكل دلو ينزل إلى البئر له " رِشاء " وهو الحبل الذي نُنزل بواسطته الدلو.

إننا ساعة نُخرج الدلو من البئر، يكون قد أخذ من الماء على قدر سعته وحجمه. فهل لدينا حركة ثابتة نستطيع بها المحافظة على استطراق الماء إلى تمام حافة الدلو؟ طبعاً هذا أمر غير ممكن؛ بل نجد قليلا من الماء يتساقط من حوافي الدلو، وهذا الماء المتساقط يُسمى " النَّفِي "؛ لأننا لا نستطيع استخراج الدلو وهو ملآن لآخره بحركة ثابتة مستقرة بحيث تحافظ على استطراق الماء.

إن الماء - كما نعلم - له استطراق دقيق إلى الدرجة التي جعلت البشر يصنعون منه ميزاناً للاستواء. ومن " النَفْي " تؤخذ معان كثيرة، فهناك " النفاية " وهي الشيء الزائد. إذن كيف يكون النفي من الأرض؟ وهل نأخذ الأرض بمفهومها العام أو بمعناها الخاص؟ أي الأرض التي حدث فيها قطع الطريق؟

إن أخذناها بالمعنى الخاص فالنفي يكون لأي أرض أخرى. وإن أخذنا الأرض بالمعنى العام فكيف يكون النفي؟ ونرى أن الحق سبحانه قد قال في موضع آخر من القرآن:
{  وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ }
[الإسراء: 104]

هم بلا جدال يسكنون في الأرض.وجاء هذا القول لمعنى مقصود ونعرف أننا لا نذكر السكن إلا ويكون المقصود تحييز مكان في الأرض، كأن يقول قائل: " اسكن ميت غمر " أو " اسكن الدقهلية " أو " اسكن طنطا " ، وهذا تحديد لموقع من الأرض للاستقرار، والمعنى المقصود إذن أن الحق يبلغنا أنه سيقطعهم في الأرض تقطيعاً بحيث لا يستقرون في مكان أبدا. وذلك مصداقا لقول الله:
{  وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً }
[الأعراف: 168]

فليس لهم وطن خاص. وتمت بًعْثَرَتُهم في كل الأرض، وهذا هو الواقع الذي حدث في الكون. أَوُجِدَ لبني إسرائيل استقرار في أي وطن؟. لا. وحتى الوطن الذي أقاموه بسبب وعد بلفور لم يترك الحق أمره. بل أعطى وعده للمؤمنين بأن يدخلوا المسجد إذا ما أحسنوا العمل لاسترداده. ومازال اليهود بطبيعتهم شتاتاً في أنحاء الأرض. ولهم في كل وطن حيّ خاص بهم. وتحتفظ كل جماعة منهم في أي بلد بذاتيتهم ولا يذوبون في غيرهم:
{  وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً }
[الإسراء: 104]

وحين يأتي بهن الحق في الجولة الآخرة سيأتون لفيفاً أي مجتمعين؛ لأن الأُمّة المؤمنة حين يقوّيها الله لتضرب على هؤلاء القوم ضربة لا بد أن يكونوا مُجتمعين. وكأن الله قد أراد أن يكون هذا " الوطن القومي " حتى يتجمعوا فيه وبعد ذلك يرسل الضربة عليهم لأنه جاء بهم لفيفاً؛ لذلك لا نحزن لأنه قد صار لهم وطن، فقد جاء بهم لفيفاً.

ونعود إلى الآية التي نحن بصددها. كيف يكون النفي من الأرض؟ حين يرد الله تَحييز مكان فهو يقول على سبيل المثال:
{  ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ }
[المائدة: 21]

إذن فقد نفى غيرها. وهو يقول أيضاً:
{  يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ }
[الأعراف: 110]

وكان المقصود بها مصر.

فإذا أخذنا الأرض بالمعنى العام فحكمها حُكم " اسكنوا الأرض ". والنفي هو صورة من صور العقوبات للإفساد، والإفساد في الأرض ينقسم إلى أربعة أقسام؛ قتل، قتل وأخذ مال، أخذ مال فقط، ترويع. وقد زاد رسول الله صلّى الله عليه وسلم شيئاً وفعله في سيرته، فقد جاء بنا بأمر جديد في أمر الإفساد. وكان على العلماء أن ينتبهوا له، فأول نفي حصل في الإسلام كان نفي رسول الله الحَكَم بن أبي العاص من المدينة إلى الطائف؛ لأن الحكم - والعياذ بالله - كان يُقلّد مِشّيَة النبيّ باستهزاء، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤاً كأنما يَتَحدَّر من صَبَبٍ. فقد كانت مشية النبي مشية خاصة. وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحَكَمَ يقلد مِشيته في استهزاء والتفت النبي - ذات مرة - فجأة، فوجد الحكم يقلده في مِشيته فنفاه من المدينة إلى الطائف، وظل الحكم في الطائف طوال حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلم.فلما جاءت خلافة أبي بكر الصديق، ذهب أهل الحَكَم إلى أبي بكر، فقال:

- ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذهبوا إلى عمر بن الخطاب فلم يوافق. وعندما جاءت خلافة عثمان وكان رضي الله عنه حَيياً وخجولاً فقال: لقد أخذت كلمة من رسول الله صلّى الله عليه وسلم تحمل شبهة الإفراج عنه. ويفرج عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وأثناء حياة الحَكَم في الطائف كان يربي بعض شُويهات وبعض غُنيمات وكان يرعاها عند جبيلات الطائف. وكان لهذه المسألة آثار من بعد ذلك. فأنتم تعلمون أن معاوية رضي الله عنه أنجب يزيد الذي تولّى الخلافة من بعده. وانتقلت الخلافة بعد يزيد لآل مروان بن الحَكَم.

وكان خالد بن يزيد الذي ترك الخلافة لمروان عالماً كبيراً في الكيمياء وله أخ اسمه عبد الله، وكان لعبد الله جياد يتسابق بها. وكان لولد من أولاد عبد الملك بن مروان جياد أيضاً، وجرت جياد عبد الله مع جياد ابن عبد الملك في مضمار سباق، فلما جاءت خيل عبد الله لتسبق.. حدث خلاف بين عبد الله وابن عبد الملك؛ فنهر ابن عبد الملك عبد الله، فذهب عبد الله واشتكى لأخيه خالد. وهنا ذهب خالد لعبد الملك بن مروان، وقال له:

- لقد حدث من ابنك لأخي كذا وكذا. وكان عبد الملك فصيحاً في العرب وما جربوا عليه لحناً أبداً. وربّى أولاده على ألا يلحنوا في اللغة. وكان له ولد اسمه الوليد غير قادر على استيعاب النطق الصحيح للغة دون لحن.

فلما دخل خالد إلى عبد الملك أراد أن يجد فيه شيئاً يعيبه به، قال عبد الملك لخالد: أتكلمني في عبد الله وقد دخل عليّ آنفاً فلم يخل لسانه من اللحن؟

وقال خالد - معرضا بالوليد -: والله يا عبد الملك لقد أعجبتني فصاحة الوليد. فقال عبد الملك: إن يكن الوليد يلحن فإن أخاه سليمان لا يلحن. فقال خالد: وإن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالداً لا يلحن.

فقال عبد الملك: اسكت يا هذا فلست في العيرٍ ولا في النفير.

وأظن أن قصة العير والنفير معروفة. فالعير هي التي كانت مع أبي سفيان وعليها البضائع من الشام وتعرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نجا بها أبو سفبان. والنفير هم الجماعة التي استنفزها أبو سفيان من مكة لأنه خاف من المسلمين وكانت زعامتهم لعتبة. فالعير كانت زعامته لأبي سفيان والنفير كانت زعامته لعتبة بن ربيعة، وكان عتبة هو جدّ خالد لأمه، وأبو سفيان هو جدّه لأبيه. فقال خالد: ومن أولى بالعير وبالنفير مني، جدّي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عُتّبة صاحب النفير، ولكن لو قلت غنيمات وشويهات وجبيلات وذكرت الطائف ورحم الله عثمان لكان أولى.وأسكته.

إذن. فالنفي كان أول عقاب أنزله الرسول صلّى الله عليه وسلم، فهل ما فعله " الحَكَم " يُعتبر فساداً؟. ونقول: إن كل فساد غنما يترتب على الفساد الذي يمس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الحَكَم يستهزئ بمِشية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد يقول مُشرّع ما: إن السجن يقوم مقام النفي ونقول: لا، إن السجن الآن فيه الكثير من الرفاهية. فقد كان السجن قديماً أكثر قسوة. والهدف من السجن الإبعاد لتخفيف شرور المُفسِد وإن كان لا يبعده عن مستقره ووطنه. وذلك أمر متروك للحاكم يفعله كيف يشاء وخاصة إذا لم يكن هناك أرض إسلامية متعددة. بحيث يستطيع أن ينفيه من أرض إلى أرض أخرى.

ويتبع الحق هذا بقوله: { ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وهذا القول لاحق لعقاب محدد للمفسدين في الأرض المحاربين لله ورسوله وهو: { أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ }. وهذه العقوبات خزي لهم.

إن كلمة " خزي " ترد في اللغة بمعنيين؛ مرة بمعنى الفضيحة، " خَزِيَ، يَخْزِي، خِزياً " ، أي انفضح، ومرة ثانية هي " خَزِي، يَخْزَي، خَزاية وَخَزِّي " بمعنى استحى. والمعنيان يلتقيان، فمادام قد افتضح أمر عبدٍ فهو يستحي مما فعل. وتلك الأفعال خزي، كالذي قطع طريقاً على أناس آمنين، ونقول لمثل صاحب هذا الفعل: إن قوّتك ليست ذاتية بل قوّة اختلاسية؛ فلو كانت قُوّتك ذاتية لاستطعت أن تتأبّى لحظة أن يأخذوك ليقتلوك أو يصلبوك أو يقطعوا يدك ورجلك. فقد اجترأت على العُزَّل الذين ليست لهم استطاعة الدفاع عن أنفسهم، وفي هذا خزي لك. خصوصاً وأنت ترى من كانوا يخافونك وأنت تنال العقاب. وخزيك الآن هو مقدمة لعذاب آخر في الآخرة، فسوف تنال عذاباً عظيماً.

{ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }. وكل جزاء في الدنيا إنما يأتي على قدر طاقات البشر في العقاب، ولكن ماذا إذا وكُلُّوُا إلى طاقة الطاقات؟. ها هي ذي عدالة الحق تتجلّى فهو سبحانه وتعالى يفسح المجال للمُسرفين على أنفسهم؛ أولاً بالتوبة؛ لأن الله الرّحيم بعباده لو أخذ كل إنسان بجريرة فعلها أو عاقب كل صاحب ذنب بذنبه لاستشرى في الأرض فساد كل من ارتكب ذنباً لنه يئس من رحمة الله فتشتد ضرواته وقسوته. وسبحانه فتح باب التوبة لكل من الذين فعلوا ذلك استيقظ ضميره، فإن تاب قبل أن تقدروا عليه فهناك حُكْم، أما إن تاب بعد أن يقدر عليه المجتمع فلا توبة له.

ويقول الحق: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ... }


www.alro7.net